مع نضجك، تدرك سريعاً أننا كبشر، نعيش برتابة كبيرة حدّ القيء، ولا أقصد بالرتابة معناها الواضح؛ كالسعي خلف الاستقرار والوظيفة ونحو ذلك، فتلك غايات مفهومة لها غرضها.. عنيتُ أن وجودنا بأسره يشبه عرضاً طويلاً مملاً نؤدي أدواره بلا وعي لأننا كبشر نعيش الحاضر ذاته.
كعاشق لألعاب الفيديو، توصل عقلي لتشبيه الحياة بذلك، فبمجرد أن أدركت الأنماط العديدة التي نحياها؛ كحواراتنا المتكررة، أقوالنا وردود فعلنا المتوقعة تجاه الأحداث التي تمر بنا، صارت الحياة والناس في ذهني أقرب لشخصيات غير لاعبة تنطق أسطراً مكتوبة سلفاً بدلا من كائنات واعية، وبدأ يخيل إلي أني أرى مربع الخيارات يطفو أمامي، فأعرف نتاج أفعالي وأقوالي من إيجابيات وسلبيات، وما فعلي إلا حركة مبتذلة تضيف بنية رومانسية لشيء بديهي.
أفهم أن هذا جزء من برمجة عقولنا البشرية أن تكون كسولة، لأن المجتمع لن يعمل بكفاءة لو لم يعد الناس يرسمون ذات الابتسامات المتصنعة تجاه بعضهم، وأن يسألوا بعضهم الأسئلة عينها كل يوم متحدثين عن نفس المواضيع، والحقيقة أني أغبط الناس قليلا لاستمتاعهم بها، فعندما تنعزل لفترة طويلة عن الناس، تفقد القدرة على الصبر وحتى التظاهر بالاستمتاع بهذه التفاعلات المكررة، وإن كان فيها ما يثير الاهتمام أحيانا، لأنه مع انعزالك، ستبدأ بتقدير وحساب كل دقيقة من يومك، حتى لو علمت أن التكرارات هذه هي جوهر مفهوم التواصل والترابط الذي يغذي رغبتنا بالعيش كبشر، حيث إن أحد أسمى أشكال التواصل، إيجاد شريك وقضاء حياتك معه؛ آلية يُفترض أن تجعل رتابة حياتنا أكثر احتمالًا.
كنت قد أدركت منذ سنوات، وبشكل غامض، أنني ربما مختلف بسبب ما مررت به في حياتي؛ فحين أنظر إليها كفيلم، أجدني غريبًا عن بقية الممثلين. لكنني، وبصدق، لم أجد يومًا الدافع للاهتمام بفهم اختلافي ومشاكلي، ولم أكن محظوظًا لأقابل شخصًا يدفعني إلى محاولة ذلك.
حسنا، ليس بعد ما حدث في هذا الصباح.. رغم أني لم أشعر بأي انجذاب حقيقي تجاه أوفيليا.. إلا أنها جعلتني أهتم، ولأول مرة في حياتي بأن أحاول فهم نفسي.
تذكرت كيف اختفى ذلك الشعور بالانفصال، ونظرتها المخترقة لي، ثم كيف تركت يدي وسألتني، وأنا لا أزال مرتبكًا: “كشكر على مرافقتك لي، أترافقني في موعد بعد غد؟”
الآن، وأنا أتذكر الموقف، أدرك أن تلك المرأة غريبة، كخلل برمجي غير مفهوم.. قد أتمكن من تفسير طلبها لأرافقها، لكن مهما أمنعت في التفكير، فإن طلب موعد غرامي أمام مقبرة أخيك هو أمر.. جدا غريب..
لا.. اللقاء بأكمله كان سيريالياً إلى أبعد الحدود..
أضأتُ حاسوبي وفتحتُ المتصفح، متسائلاً في نفسي عن كنه ما أبحث عنه، ورغم تفكيري المطول، عجزتُ عن إيجاد الكلمات المناسبة لوصف حالي على الرغم من تخصصي في اللغة. اتكأتُ على مقعدي، متذكراً مشاعري وسؤال أوفيليا، ثم كتبتُ في شريط البحث:
“شعور أن تكون خارج جسدك.”
وجدتُ صفحات كثيرة تجاوزتُها حتى وصلتُ إلى موقع طبي يحمل عنوان: “الانفصال/ تبدد الشخصية والاغتراب عن الواقع”.
تحت “نظرة عامة” قرأت:
“يحدث اضطراب تبدد الشخصية والانفصال عن الواقع عندما يشعر المرء، دائماً أو في كثير من الأحيان، بأنه يراقب نفسه من خارج جسده، أو أن الأشياء من حوله غير حقيقية، أو يعيش كلا الشعورين معاً.”
كففتُ عن القراءة لحظة؛ فقد كنتُ موقناً لسنوات بوجود وصفٍ علمي لحالتي، غير أن العثور عليه فعلاً ترك في نفسي أثراً غريباً؛ فالظن واليقين بحقيقةٍ ما أمران متباينان. وعيتُ فجأة أن هنالك بشراً يعيشون حياتي ذاتها، ويشعرون بما أشعر، وأنه ربما -أو بكل تأكيد- ثمة علاجٌ لما أمرّ به.
واصلتُ القراءة، فوجدتُ أن سبب الاضطراب لا يزال غامضاً، لكنه قد يرتبط بعوامل عدة، من بينها التوتر والخوف الشديدان، أو صدمات وتجارب قاسية، ولا سيما في مراحل مبكرة من الحياة.
ثم وصلتُ إلى نقطة أكدت بعض شكوكي؛ إذ وجدتُ أن ثمة تمارين يمكن أن تساعد أثناء النوبات على إعادة توجيه الانتباه إلى الجسد والمحيط الواقعي، كاللمس باليدين، والتواصل البصري، والحديث بنبرة هادئة.
ما إن فرغتُ حتى أغلقتُ الحاسوب، وجلستُ أتأمل الفراغ متذكراً تفاصيل اللقاء كاملة؛ من خفوت صوتها، إلى إشارات يدها، وحين تلاقت أعيننا… رفعتُ كفي، قبضتُها ثم بسطتُها.. لقد كان.. حقيقياً..
كان ذلك عن قصدٍ منها، أم عن غير وعي؟ صوتها منخفض بطبيعته… من يعلم؟
ومن يهتم؟
المهم الآن، وبعد أن فهمت حقيقة ما جرى لي، لا سببٌ يدعوني للذهاب إلى ذلك ‘الموعد’.
…
أيعقل أنها هي الأخرى؟ … لا… لا يهم.
_______
ركنت السيارة على جانب الطريق، ثم ترجلّت إلى متجر الزهور متوقفاً أمام واجهته الزجاجيه، اهتز هاتفي مُشْعراً رد أوفيليا على رسالة وصولي، حينها لمحتها في الداخل تنظر إلي ممسكة هاتفها. لُجتُ المتجر الذي وكما هو متوقع من متجر زهور؛ يعبق أعطارا فواحة مريحة. رمقتها، لم أعرف أي نبرة أحييها بها لا سيما بعد فهمي لتصرفاتها، أو جزء منه على الأقل..
قد يقال الجواب البديهي هو بشكل طبيعي، لكن هل هو حقا بديهي؟ ما الذي يُقصد بالطبيعي تحديداً؛ هل يقصد به حديثك الطبيعي أنت؟ أو نبرة صوت مُفترضة متعارف عليها؟ فحينما تكون تعابيرك فظيعة، وتنسى صوتك لعدم حديثك لأيام، كيف تضمن ألا يسيء الطرف المقابل نواياك؟
حينها تنبهتُ إلى مفارقة غريبة، كيف لي أن أبرع في التعرف على أنماط الناس ومحاكات محادثات كاملة، ثم أعجز في أمر يفترض أن يكون بسيطا؟ لعلّ المبالغة في التحليل تكبّل عفوية جسدي؟ توقفت أمام أوڤيليا، حييتها دون الإفراط بالتفكير، فردّت بمثلها، وأخبرتني أنها ستتأهب في دقائق فانتظرتها في الخارج، ولم تُخلف وعدها؛ إذ لم يطُل غيابها عندما خرجت بمعطف طويل فوق سترة صوفية..
ظننتُ النساء يستغرقن وقتًا أطول في التأنّق..
شكرتني على انتظاري فأومأت، ثم مدت يدها، وهي تحمل غصن زهرة طويلة، تشبه كأساً عاجية مقلوبة.. أخبرتني أنها فكرت في الحلم وفيّ، فتبادرت إليها هذه الزهرة.. زنبق الكالا.. شعرت بالريبة تجاه الموقف، ووجدت مصدر الريبة بسرعة. سألت :”أليس المتعارف أن يهدي الرجل المرأة زهرة؟”
فردت بثقة: “أما كان يجدر بك أن تسأل نفسك؟”
بيدَ أن منطلق السؤال نفسه واهي، إذ أنها من طلبت الموعد، ناهيك عن أننا غرباء على تبادل الهدايا.. لكن.. لسبب لا أعلمه، كرهت ابتسامتها الخفية التي فيها شيء من المكر، إذ بدى وكأنها تقرأ وتتوقع أفكاري، هممتُ لأدخل المتجر لكني أوقفت خطاي، شعرت بأني أقاد لفعل شيء قسراً، فالتفت إليها، ومددت يدي لآخذ الزهرة شاكراً، وهذه المرة لم يكن خيالي، رأيت ارتفاع طرف فمها..
لا أرى في نفسي ميزة تذكر، لذا لم يفاجئني أن يقرأني شخص بهذه السرعة، ما يزعجني هو عجزي التام عن سبر أغوارها، أفعالها خاوية من أي أنماط.. في منتصف مسابقة التحديق ودون نبس أي كلمة تَحَرّكت، فمشيت بجانبها وفي ذهني هاجس: أمن الممكن أنها تفعل هذا عن قصد، تفعل الغير متوقع لإغاظتي؟ كما لو أنها تجد لذة في رؤية ارتباكي..
في طريقنا إلى المقهى، عادت أوڤيليا بالحديث عن صباح قبل يومين وسألتني عن سبب مجيئي للموعد قائلة: “ألا تظنني غريبة أطوار؟””
أجبتها “في الواقع، كدت أعدل عن القدوم، فرغم إلحاح فضولي لأسمع مرادك، إلا أنه وحده لا يكفي ليدفعني للذهاب لموعد مريب.. الذي ساقني لمرافقتك للقبر منذ أول الأمر كان حلما أتاني صباح لقائنا حَسّن مزاجي، وهو أيضا يرتبط بحلم المحطة.. ثم جاءني حلم آخر اليوم لم أفهمه والذي غير المعادلة…”
لم أكد أنهي كلامي حتى اقتربت أوفيليا بعيون براقة قائلة: “أتسمعني إياهم!؟”
عجبتُ لشدة حماسها، خطوت للخلف حتى أحافظ على مسافة بيننا، ثم فكرت قليلا عما إذا كان هناك مانع، والحقيقة أنه يوجد مانع كبير، فأحلامي ليست سوى انعكاس لنفسي الباطنة، وبما أنها غالبا متخصصة في علم النفس، فإن كشف حلمي يكاد يكون هتكا لأسراري، وهو شعور لا يريحني البتة.
لكن وجه أوفيليا اقترب مني اكثر وأكثر، فخطوتُ للخلف مرة أخرى. كررتْ طلبها مترجية، فأخذت أفرك جانب عنقي، قررت إخبارها كمقابل لفهم غرضها، متجاهلا شكوى عقلي بأن التفسير غير منطقي، ثم أومأت لأوفيليا التي تراجعت ببهجة واضحة.. لا أفهم سبب هوسها الغريب.. تنحنحت، ثم حكيت:
“بداية، لا أدري عما إذا كانت الأحلام متصلة حقا، فربما عقلي اختلق تلك الروابط، ولكن.. لا أجد مانعا من اعتبارها كذلك…”
“أذكر أنني في البداية كنت جالسا على مقعد قطار حديث، لم أقدر على النهوض أو الحراك، لكن كان بمقدوري إمالة رأسي، لذا رحت أتأمل القطار.. بريق الأضواء على المعدن، ورائحة السيارات الجديدة نفسها التي أدمنها.. كان المكان هادئاً، ومنعشاً ومريحاً، كنت في نشوة غريبة، وفي وقت ما، نعست في الحلم، ولكن ليس نعاسا حقيقياً، بل أشبه بالوقوف على عتبة الاستيقاظ والنوم، وعندما خطوت على عتبة الأخير في الحلم، شعرت باقترابي من الاستيقاظ.. وبعدها أغمضت عيني، وانتهى الحلم…”
حكيت ونحن نمشي، تلاقت أعيننا عدة مرات، وفي كل مرة، كنت أضطر لكسر الاتصال كي أرى طريقي، حتى ثبتهما على الطريق في نهاية الأمر.. همست أوفيليا، وقد سمعت همسها بوضوح:
“كم هو نقي..”
أكملتُ ناظراً إليها: “اليوم الذي يليه حلمت بالنسق نفسه، أنا في قطار، لكن المختلف، أن أرضية القطار كانت معشبة، تخرج منها سيقان زهور زرقاء، تشبه التي حملتِها قبل يومين، كانت تحيط بي وبكل أجزاء القطار”
حينها، انفرجت عيناها في ذهول، كمن يبصرُ المشهد بجماله، ثم أخفضتْ رأسها وصمتتْ، تاركةً إياي بعجز يفوق حيرتي.. أَلَمسَ حلمي وتراً بداخلها، أو هي فقط امرأة معتوهة؟ قبل أن ندخل المقهى، تكلمت، وكان في عينيها شيءٌ مختلف، أثر رضا، وقالت:
“إني حقا أغبطك على جمال تجاربك، ليتني استطيع عيشها كما تفعل.. ذلك النقاء.”
كنت على وشك الإيماءة لعدم وجود رد مناسب حتى استطردت فجأة بابتسامة..
“أرلوت”
“نعم؟”
“أريد حقا أن ألمسه..”
كدت أسعل عندما ذهبت أفكاري بعيداً… إنه ليس ذنبي.. ليس ذنبي على الإطلاق.
سألتها: ” تلمسين.. ماذا؟”
تركت سؤالي دون إجابة قصداً، ولكني بدأت أعتاد غرابتها فنسيتُ الأمر.
________
بمجرد أن جلسنا وأخذ النادل طلباتنا، خيّم الصمت بيننا. كانت أوفيليا تتكئ على كفّها، وتنقر بسبابتها على أنفها في تكرار متأمل كبندول ساعة.
رحتُ أنا في المقابل أراقب ظلال العابرين خارج المقهى، كيف تتشكل وتتبدل، وتكبر وتصغر مع خطى مرورهم. فكرتُ في أن الأجواء بيننا لا تشبه المواعيد العاطفية في شيء، ومع ذلك لم يكن الأمر سيئاً، بل إنني في الحقيقة أفضّل هذا النوع من المناخات، ألفة مريحة وسكينة هادئة، بلا تظاهر أو ارتباك، وبلا حاجة لإجبار أنفسنا على افتعال البهجة والأحاديث لتمضية الوقت. قررتُ أن أكون أنا من يكسر هذا الصمت هذه المرة، فقلت ما كان يدور بذهني:
“بحثت في الأمر، وصرت أفهم ما جرى لي، وما فعلتهِ حينها، ربما ليس بالكامل؛ لا أزال عاجزاً عن تحديد ما إذا كنتُ مصاباً باضطراب تبدد الشخصية، أم أنني أعاني أعراضَه فحسب، كما أن أهدافك تحيرني، والحلم… زاد من حيرتي..”
سكتّ، ولم ترد أوفيليا، ظلّت تنقر بسبابتها، حتى استقامت فعدلت نظارتها بظهر ذات الإصبع، ثم تحدثت، بنبرة مختلفة، نبرة ساخرة على ما أظن:
“كيف لا يبدو عليها أثر الحزن يوم وفاة أخيها؟ بل وتطلب رقم شاب وتخرج معه في موعد! إن هذا لسخف شديد، وأبعد ما يكون عن اللياقة.. كان حريّا بها أن تتدثر بالحزن، وتغرق في البؤس.. أن تعيش في شقاء وإلى أبعد حدّ..”
“ألا تراه سخفاً؟ تقرأ أفكار الناس فتعجب، ثم لا تلبث أن تدرك أن عقولهم أبعد ما تكون عن التميز الذي يستدعي العجب”
بينما كانت أوفيليا تتحدث، داهمني لأول مرة شعور جليّ بأنه لا وجود لقناع يغطيها.. وبدون أن ألاحظ، تلاشت الخلفية؛ فلم أعد أسمع صوتاً سوى نبرتها الهادئة الرزينة، شخصتُ ببصري إلى عينيها، فشعرت بأني أرمق شيء أعمق بكثير من مجرد حدقتين..
“تبصرهم أمامك وهم ليسوا بموجودين، يستمرون بالحديث محركينَ أفواههم، لكنك لا تفهم شيئاً، ثم تباغتك سخافة الوضع، فأنت تعتمر غضبا، تود لو تخرسهم، لكنك تحبس فورة غيظك، بينما هم يُمعنون في إزعاجك، ولا ينفكون عن ذلك، لا يقيمون أبداً وزنا لمشاعرك، حينها تسأل نفسك بحمق: لم أبالي حتى؟ أتفهمني؟”
مع استمرار حديثها، شعرتُ بأني أغوصُ أعمق فأعمق في عينيها اللتين تحمِلان أثراً من الجنون؛ عينان لا هما بالواعيتين ولا بغير الواعيتين. كان اتصالاً غريباً؛ أحسستُ بوجود شيء هلامي غير محسوس لكنه هاهنا حاضر. وقد أذاب شيئاً صلباً جاثماً بداخلي، فأحياه. بقيت عالقاً في تلك الحالة صامتاً، لا أؤكد قولها ولا أنفيه، حتى قاطعنا النادل فانتشلني من ذلك الغياب.. نظرتُ إليها مجدداً، فإذا بالشعور قد تبخر وعادت إلى طبيعتها.. لكنّ في عينيها هذه المرة مسحة لن أخطئ في اعتبارها سعادة الدفينة..
________
غادرنا المقهى وانطلقنا لنتمشى، لم أنطق برد بعد؛ فأنَا أفهمُ تماماً شعورَ النفور الذي يتملك المرء حين يحتاجُ بشدة إلى مَن يفهمه.. عندها، يكون آخر ما يودّ سماعَهُ هو تلك الكلمة الجوفاء: “أنا أفهمك”، إذ غالباً ما تبدو عارية من الصدق.. ثم إن الردود لا تأتي بالضرورة شفهية؛ فالعيون تنوب عن الألسن، وبشكل أكثر صدقاً، لعلها قد تلقت إجابتها بالفعل من عينيَّ، ربما كان هذا هو السر وراء قُربها غير المألوف مني ونحن نسير، وبصراحة، لم أكن أمانع، ولا أقدر على وصف السبب، والحقّ أقول، أعتقد أني كنتُ لأذرف الدموع تأثراً بحديثها لو كنتُ على قدر أكبر من رهافة الحِس.
رفعت رأسي لأرمق السماء الزرقاء الداكنة، فارتطمت بي رياح شابتها برودة..
علقت أوفيليا عرضاً: “ما حدث في حلمك ليس أمراً نادراً، أن تحلم بنفس المكان، أود أن أعطيك تفسيراً، لكن التعمق في هكذا أشياء لوحدك أكثر متعة برأيي، وأنا لست مفسدة للمتعة.. أما بالنسبة لتشخيصك، فهنالك قواعد أخلاقية ومهنية صارمة تحكم العلاقات؛ حيث يعدّ ارتباط المعالج بالمريض شيئا محظوراً، لذا إن رغبتَ، يمكنني إرشادك إلى معالج آخر..”
آثرتُ تجاهل مضمون حديثها، كان ردي قصيرا: “أعتقد أني أفهم نفسي؛ ليس تماماً، ولكن بما يكفي”.
مشينا مسافةً طويلة في صمتٍ، بيد أنه كان صمتاً مريحاً.. رحتُ أتدبر أحداثَ اليوم، وبدأ يعتمرني تردد إزاءَ الرضا الذي يعتريني؛ فالأمرُ ببساطة أن هذا الرضا ليس نهايةَ المطاف، بل هو فاتحةٌ لشيءٍ آخر.. ولا أجدُ في نفسي أيَّ رغبةٍ في كبحهِ أو إيقافِه، وهذا تحديدا ما يبعث في نفسي القلق..
مشيت حتى توقفتُ بغتةً أمام واجهةٍ زجاجيةٍ مألوفة.. سألتني أوفيليا مُستعلمة: “ما الخطب؟”
فأجبتها: “كنتُ مترددا، وبمصادفة عجيبة، تجسد سؤالي أمامي..”
نظرت أوفيليا نحو الواجهة التي خلف زجاجها قبع إطار ضخم يطوق لوحاً رخامياً هائلاً، تمازجتْ فيه زخارفُ بيضاء رمادية، مع تموجاتٍ من الأزرق الداكن، ومن الأسفل والأعلى، انبعثت أضواءُ مصابيح ذهبية تسلطُ أشعتها نحو اللوح مباشرة.
قالت: “لا أفهم”
رددت وأنا أفرك جانب عنقي :”تلك قصة أخرى، قصة طويلة ومملة، وأشعر أني تحدثتُ بما يكفي اليوم”
فقالت ” لكني أحب سماع حديثك.”
مشكلة! وضعتُ يدي على فمي على عجل، بيد أن أوفيليا كانت لا تزال تلتقط الابتسامةِ التي أفلتتْ مني.. لسوءِ حظي، يغدو جسدي أحياناً ضعيفاً أمامَ المديح؛ فلشحّةِ الثناء الذي أتلقاه، لم أكن قد طورت بعد أي خططٍ تواجه ضعفي هذا..
وكأنها تستلذ برائحة نقطة الضعف هذه، أوڤيليا في هجومها بابتسامة تفيض مكرا: “إن لم ترغب في الحديث، فلا بأس، لكن لم أكن أمزح عندما قلت بأن سردك ممتع.. سأدفع ثروة لتحكي لي قصصاً قبل النوم.”
تدفق في داخلي مزيج من القرف والخيانة مع استمرار اتساع ابتسامتي، ربما يجب عليّ أن أُجبر جسدي على تناول شيء حار لاحقاً.. نعم، انتقام حار من نفسي.. استسلمتُ ملوّحاً بيدي: “كفى، سأرويها..”
نفضتُ الغبار عن ذاكرتي، متجاهلا ابتسامة أوفيليا المنتصرة، وكذلك مذكراً نفسي بوضع خطط دفاعية، ثم أزحتُ كفي عن وجهي بعد أن ارتدّت ملامحي إلى وقارها المعهود.. أخرجت ساعة الجيب في صمت وفتحت غطائها، ثم أعدتها سارداً للمرة الألف اليوم:
“كنت.. أقود السيارة ليلاً عندما استوقفت الواجهة الزجاجية ناظري لسبب أجهله، لم تدم اللحظة إلا ثواني لكن جمال الصورة وما فيها دفء ومن نعومة أثيرية؛ بث في نفسي الراحة.. لكن رغم كل ما خالجني من مشاعر، لم أظفر إلا بلمحة خاطفة قبل تجاوزي المكان غاضّاً بصري.
لسبب آخر أجهله، طفت الصورة في ذهني لساعات مفكراً فيها، تِقتُ إلى رؤيتها مجدداً، لكني أحجمت، ثم انصرف ذهني إلى موضوع ظننته مرتبط: الغوص في معضلة الخوف من الإقدام على ما تشتهيه النفس، شيءٌ تود نيله لكنك تنكص عنه خشية الخيبة، لأن مجرد التخيل يمنحك كفايتك، فربما إذا حصلت على الشيء ستفقد رغبة تخيل حصولك على الشيء، وستجد الواقع باهتاً مقارنة بخيالك، أي ستزول كل منابع السعادة..
مررت لاحقا بالمكان عدة مرات لكني لم ألق أي نظرة تجاه الصورة، ظللت أحاول استرجاع ذات الشعور الذي خالجني في المرة الأولى متخيلا نفسي واقفاً أتأمل الإطار وأتمعنه، ثم أضيف وأغير فيه ما يجعل منه أكثر بهاءً، كأصوات موسيقى، أو بريق في أجزاء منفردة، أو أجعل أجزاء أخرى تموج في حركة.. ومع قدوم الأيام، استعرت رغبتي في الالتفات نحو اللوحة، فأحجمت ثانية؛ فزعاً من السبب عينه.. خشية أن تتلاشى هذه السعادة المؤقتة.. فالسعادة فانية، هذه حقيقة مطلقة.. ثم نبتَ في داخلي سؤال آخر: لم نحن البشر نرغب بالسعادة، رغم معرفتنا أنها زائلة، ورغم حزننا عند ذهابها، لم لا ننيء عن السعي نحوها؟ فجاء الجواب بسيطاً: لأن السعادة زائلة.. لهذا نقدرها..
عاودتني الحيرة، أكان تخليد الصورة في ذهني خياراً أفضل حقا؟ فحتى سعادة الخيال مآلها الزوال، وحينها سأندم لتضييعي فرصة عيش التجربة الواقعية، وإن كانت أقصر وأقل بريقاً؛ إذ لولا الواقع لما خلق الخيال أصلاً.. هكذا وجدتُ إجابتي؛ فمضيتُ من فوري وقد السيارة لأرى الإطار، وكان جميلا، لم يكن بالجلال الذي شيدته مخيلتي، لم أشعر بذات دفق الدوبامين كالمرة الأولى، لكنه احتفظ بجماله وبهاء تفاصيله، وددت لو أضع الإطار كلوحة في منزلي، أو أن يكتسي منزلي بأكمله بذات الزخارف، ثم ارتددت مباشرة؛ فالإفراط مفسدة، وسيفقد فرادته.. مكثتُ أتأمله ساعاتٍ، ثم رجعت لمنزلي، وعدت في اليوم الذي بعده ووقفت ساكناً، وكررت الكرّة مراراً، حتى تلاشت تلك السعادة برمتها…”
نظرت إلى أوفيليا وأردفتُ: “علمتُ لاحقاً أن خامة الإطار تدعى.. البورسلان”.
كنت على إثر ذكر سبب سردي للقصة حتى استوقفني حاجبا أوفيليا المنعقدان اللذان اتسعا مع نظرة إدراك، رفعت إصبعها وهي تؤشر إلي، قالت مبتهجة:
“أزرق، وأبيض، وذهبي.. أليست هذه الألوان هي ذاتها التي رأيتها في حلمك الأول؟ لهذا سرى في نفسك ذلك الدفء، والذي لم يكن في حقيقته إلا نوعاً من الحنين!”
خفق قلبي بقوة، واتسعت عيناي بملئهما.
لم أذهل هكذا منذ أمد بعيد، غطيت فمي بيدي متمتماً “لاعجب”، ثم رددتُ بيني وبين نفسي، “كيف فاتني إدراك هذا؟!” ثم نظرت إلى أوفيليا، رافعاً اصبعي تجاهها كما فَعلت، ملتقطين في الظلام أضواء الواجهة، نظرت إليها يوجه تشقه سعادة لا أخجل من إظهارها. لقد فوجئت أوفيليا قليلا من تحولي وتعبيري الشديد. بيد أنها شاطرتني بهجتي وابتسامتي.
وقفنا ننظر لبعضنا وكأننا تنظر لبعض للمرة الأولى، ثم أخفضت يدي، فارتفع حاجبا أوفيليا، قلت:
“نسيتُ ما أردتُ قوله، غرض حكاية لوح البورسلان بالكامل.”
تنهدت بعمق كرد وهي تعدل نظارتها، الفتت إلى باب المتجر قائلة:”هلا ندخل؟”
كنت مترددا، لكن أوفيليا جذبتني بغتةً من كمي إلى المدخل، وحقيقةً، لم أجد في نفسي رغبة في إيقافها.
كان المكان صالة ضخمة لعرض الرخام الفاخر، وكان ينضح بالأناقة، تصطفُّ فيه ألواح رخامية كثيرة مزخرفة، تحت سيلٍ من الأضواء التي لا تخبو…
تجولنا، وفي نهاية تجوالنا، دلف إلينا أحد العاملين داعياً إيَّانا إلى مكتب الاستقبال.. كان هناك ثُلّة من الموظفين رمقوننا بنظراتهم قبل انخراطهم في التصفيق..
تبادلنا أنا وأوفيليا النظرات، ثم رمشنا.
حسب شرحهم، كانوا قد لاحظوا وقوفي المطول في الماضي عبر شاشات المراقبة، فعقدوا رهاناً سخيفاً فيما بينهم عما إذا كنت سأدخل أو لا، وقد قال أحدهم والذي اتضح أنه خاسر الرمان، أنه تعرف على اليوم عندما وقفت مطولاً أحكي قصتي لأوفيليا. كان الجو مفعماً بالفرح، باستثنائي أنا؛ فقد كبّلني الإحراج وتمنيت لو تهوي صخرة ضخمة تدك المبنى!
لكن حينها.. شعرت بيد تقبض على ذراعي بقوة، نظرت لليد فإذا هي يد أوڤيليا، وهي منحنية تغطي فمها وتمسح دمو
عها بعد أن عجزت على السيطرة على ضحكها…
تجاهل عقلي كل الأصوات إلا صوتَ ضحكها الباكي الجميل، فأدركت، شاعراً بعذوبة رجفات قلبي.. بأن أمري قد قُضي.
______
.
.
نهاية الفصل الثاني
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.