مايكي؟
كان صدى ضحكاتي يتردد في الأجواء مثل نبضات خافتة تهز الهدوء الثقيل الذي خيم على المكان. ضحكتي، الوحيدة في هذا المشهد المتوتر، كانت كصفعة على وجه الواقع الغريب الذي وجدنا أنفسنا فيه. لم أعر اهتمامًا كبيرًا لهؤلاء الزنادقة المتناثرين أمامي، فتعبيراتهم التي جمعت بين الذعر والقلق بدت لي وكأنها محاولات يائسة للتمسك بكرامة زائفة.
تركيزي انصب على شيء أعمق، شيء كان يتحرك بداخلي كتيار غريب يجتاح أرجاء عقلي وجسدي. تلك المعلومات، الأفكار التي لا تعود لي، كانت تتسرب إلى ذهني مثل حبر أسود يلطخ صفحة بيضاء. شعرت وكأن هناك أجزاء جديدة تنمو بداخلي، أطراف وأعضاء لم أمتلكها يومًا، أشياء تثير فضولي وتبعث داخلي إحساسًا بالمجهول.
غصت أعمق في هذا التغيير، أستكشف تلك المشاعر التي بدأت تسيطر عليّ. كانت هناك قوة جديدة، لكن معها كان هناك أيضًا شيء مظلم، شيء قاتم ومستتر في زاوية ما داخل نفسي. عندما لمسته، كان الأمر كما لو أن عاصفة كهربائية اجتاحتني. قلبي انقبض فجأة، وكأن أصابع غير مرئية أحكمت قبضتها عليه، وشعرت بألم حارق يخترق صدري، أشبه بشفرة تمزق أنسجتي من الداخل.
بدأ يتحدث بصوت أكثر هدوءًا، لكنه كان يحمل نبرة خوف خفية، وكأن مجرد الحديث عن مايكي يفتح بوابة إلى المجهول:
انكمشت على نفسي للحظات، أنفاسي تتسارع بشكل غير منتظم، والعرق يتصبب من جبيني. أدركت أن الغوص أعمق قد يكون جنونًا، وربما هلاكًا. لم أكن مستعدًا للاستمرار. لذلك رفعت عيني ببطء، ناظراً إلى هؤلاء الذين يسمون أنفسهم “زنادقة”. عيونهم، التي كانت تراقبني بترقب وتوجس، أصبحت الآن كالمرآة تعكس رعبهم المتزايد.
هز رأسه بسرعة، وكأن الإجابة باتت ضرورة حياتية بالنسبة له، وقال:
رأيته يحاول استعادة هدوئه المعتاد تدريجيًا، وكأنه يتوهم أن كل شيء قد انتهى الآن. يا له من زنديق ملعون. هل يعتقد حقًا أن هذه اللعبة السخيفة ستنجح معي؟ لكنني التزمت الصمت، منتظرًا سماع المزيد من كلماته التي لا أحتاج إلى تصديقها، فقط لتسلية نفسي بسذاجته.
لكن تركيزي انصب على كاسبر تحديدًا. كان هو الأكثر صلابة بينهم، أو على الأقل، حاول أن يبدو كذلك. رغم وجهه الذي كان دائمًا يخلو من أي تعبير واضح، إلا أن عينيه الآن لم تستطيعا إخفاء الاضطراب الذي يشعر به. حين التقت نظراتنا، بدا وكأنه شعر بثقلها على صدره. أخذ نفسًا عميقًا، وتقدم نحوي بخطوات حذرة، كمن يسير على حافة سكين حاد.
انكمشت على نفسي للحظات، أنفاسي تتسارع بشكل غير منتظم، والعرق يتصبب من جبيني. أدركت أن الغوص أعمق قد يكون جنونًا، وربما هلاكًا. لم أكن مستعدًا للاستمرار. لذلك رفعت عيني ببطء، ناظراً إلى هؤلاء الذين يسمون أنفسهم “زنادقة”. عيونهم، التي كانت تراقبني بترقب وتوجس، أصبحت الآن كالمرآة تعكس رعبهم المتزايد.
كل حركة منه كانت مدروسة، وكل خطوة كان يقيسها بعناية، وكأنه يحاول تهدئة وحش مجهول يقف أمامه. شعرت بالتسلية تتسلل إليّ مجددًا؛ هل كانوا يظنون أنني سأهاجمهم فورًا؟ أم أنني كنت ذلك الكائن الغريب الذي لن يتمكنوا من تفسيره؟
تقدم كاسبر نحوي ببطء، خطواته ثقيلة كأنها تحمل أعباء العالم بأسره. كانت عيناه تبحثان عن أي بارقة أمل في ملامحي، لكنه لم يجد سوى برود قاتل في نظراتي. كانت الغرفة تعج بالتوتر، حتى الهواء بدا مشبعًا بخوفهم، متثاقلاً فوق رؤوسهم كغيمة سوداء. بدا كاسبر، رغم هدوئه الظاهري، وكأنه يقف على حافة الهاوية، مترددًا بين أن يخوض المخاطرة أو أن يتراجع. لكنه استمر.
“سيدي، أرجوك… أنا الوحيد هنا الذي ينتمي للمكتب، وحتى أنا… لست سوى عضو خارجي. فوق ذلك… أنا ما زلت متدربًا.”
توقف أمامي مباشرة، على بُعد خطوات قليلة. رفع رأسه بصعوبة وكأنه يجبر نفسه على مواجهتي، وتحدث بصوت يكسوه مزيج من التوتر والاستعطاف:
“أوه… مايكي؟ هل يمكنك أن تشرح لي من هو هذا؟”
“سيدي… لا أعرف كيف أبدأ حديثي معك… لا أعرف حتى كيف أخاطبك… لكن، أرجوك، اسمح لي أن أقدم اعتذاري.”
لاحظت أن نبرته بدأت تستعيد نوعًا من الثقة المريبة، وكأنه يحاول إقناعي بشيء أكبر مما يقول. تابع بصوت أشبه بالاعتراف:
توقفت كلماته للحظة، وكأنه كان يجاهد لإيجاد الكلمات المناسبة. عيناه لم تغادر وجهي، لكنه بدا وكأنه يغرق في بحر من التردد. أكمل بصوت أكثر وهنًا:
“أعتذر عن أي سوء فهم حدث بيننا. أعتذر عن مهاجمتك… لقد كنت متهورًا. أرجوك، اغفر لي… أو على الأقل، اترك البقية يرحلون. إنهم لا يعرفون شيئًا. صدقني، هم مجرد حفنة جاهلة واجهت بالصدفة بعض الأشياء… أنت تعرف هذا، أليس كذلك؟”
حاول فتح فمه، لكن صوته خرج متحشرجًا، كما لو كان حلقه قد جف بالكامل. ثم، بانفعال مذعور، انحنى قليلاً وكأنه يحاول التوسل، وقال بصوت متقطع:
كان صوته يرتجف قليلًا، وكأن الكلمات نفسها تثقل لسانه. شعرت بمزيج من الاستسلام والخوف يتدفق منه. كان يعلم أنني أراقبه عن كثب، وأن أي خطأ بسيط قد يكون نهايته.
“كيف تراني الآن؟ مالفرق بين رؤيتك لي قبل قطعك رأسي… وبعده؟”
حاول فتح فمه، لكن صوته خرج متحشرجًا، كما لو كان حلقه قد جف بالكامل. ثم، بانفعال مذعور، انحنى قليلاً وكأنه يحاول التوسل، وقال بصوت متقطع:
رغم محاولاته المستميتة للتظاهر بالهدوء، كان الحاضرون أقل انضباطًا. من الجوانب، علت أصواتهم، مرتبكة وخائفة:
لاحظت أن نبرته بدأت تستعيد نوعًا من الثقة المريبة، وكأنه يحاول إقناعي بشيء أكبر مما يقول. تابع بصوت أشبه بالاعتراف:
“مهلاً، كاسبر… ماذا تقصد؟”
“هاي، كاسبر! ما الذي تحاول قوله؟”
“هاي، كاسبر! ما الذي تحاول قوله؟”
“أسف… آسف! لم أكن أدرك هويتك يا سيدي! ظننتك مجرد تابع من عصابة اليد العلوية… أعتذر حقًا!”
تبادلت أعينهم نظرات مضطربة، وكأن كلمات كاسبر لم تكن مجرد استسلام، بل خيانة لجماعتهم. أما أنا، فقد بقيت واقفًا، مستندًا إلى الصمت الذي يحيط بنا كدرع خفي. كنت أراقبهم جميعًا، أستمتع برؤية ذعرهم وهو يتجلى في كل حركة، في كل كلمة.
التفت كاسبر نحوي مرة أخرى، محاولًا إعادة بناء هدوئه المتشظي. استجمع شتات نفسه، وقال بصوت خافت لكنه حازم:
لكن كاسبر كان أسرع في قطع هذا الهرج. فجأة، صرخ، نبرته تحمل غضبًا مكتومًا وحسمًا واضحًا:
“سيدي… هل أستطيع سؤالك سؤالاً؟”
“اصمتوا جميعًا!”
توقف قليلاً، وكأن ذكرى تلك الأيام تعود إليه، ثم تابع:
بدا وكأنه أدرك خطأه، فتحدث بعجلة، وكأنه يحاول تصحيح الموقف:
انكمش الآخرون في أماكنهم، كما لو أن كلماته كانت سوطًا ضرب أعصابهم. توقف الجميع عن الكلام، أعينهم مثبتة على كاسبر، وكأنهم يتساءلون عمّا إذا كانت هذه الكلمات هي آخر ما يسمعونه.
ألم تكن مغرورًا عندما هاجمتني؟ ألم تكن تصرخ بثقة؟ أين ذهبت تلك الثقة الآن؟ أين ذلك النَفَسُ المتعجرف الذي كنت تنفثه كما لو كنت سيد هذا المكان؟
التفت كاسبر نحوي مرة أخرى، محاولًا إعادة بناء هدوئه المتشظي. استجمع شتات نفسه، وقال بصوت خافت لكنه حازم:
“مهلاً، كاسبر… ماذا تقصد؟”
“سيدي، أرجوك… أنا الوحيد هنا الذي ينتمي للمكتب، وحتى أنا… لست سوى عضو خارجي. فوق ذلك… أنا ما زلت متدربًا.”
“سيدي… هل أستطيع سؤالك سؤالاً؟”
كان صدى ضحكاتي يتردد في الأجواء مثل نبضات خافتة تهز الهدوء الثقيل الذي خيم على المكان. ضحكتي، الوحيدة في هذا المشهد المتوتر، كانت كصفعة على وجه الواقع الغريب الذي وجدنا أنفسنا فيه. لم أعر اهتمامًا كبيرًا لهؤلاء الزنادقة المتناثرين أمامي، فتعبيراتهم التي جمعت بين الذعر والقلق بدت لي وكأنها محاولات يائسة للتمسك بكرامة زائفة.
توقفت كلماته مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن التوقف نتيجة للتردد، بل بسبب وزن الحقيقة التي ألقاها أمامي. كانت نظرات الآخرين تنطق بالذهول، وكأنهم أدركوا فجأة أنهم مجرد بيادق صغيرة في لعبة أكبر بكثير من فهمهم.
بصراحة، كنت أظن أن مايكي مجرد زنديق آخر مثلهم، أحد أولئك المتطفلين الذين يملأون هذا المكان. ليس بالضرورة طالبًا جامعيًا… ربما أستاذ؟ عامل؟ مثل ذاك الرجل العامل في الكافيتيريا الذي قابلته في الغذاء ؟ مجرد احتمال آخر في بحر الاحتمالات المجنونة التي بدأت تتكدس في رأسي.
توقف قليلاً، وكأن ذكرى تلك الأيام تعود إليه، ثم تابع:
صدى صوته المكسور يتردد في عقلي، لكن شيئًا ما في نبرته كان غريبًا. هل يظنني بهذا الغباء؟ كنت ألاحظ تلك الشرارات الخفية التي تتسلل بين كلماته، غضبه المكبوت الذي لم يستطع تمامًا السيطرة عليه. كان الغضب أشبه بنار مستعرة تخترق الهواء، متربصة بين أنفاسه، وكأنها قد تنفجر في أي لحظة… حرفيًا.
حدقت فيه بهدوء، دون أن أحرك عضلة واحدة في وجهي. تلك النظرة وحدها كانت كافية لجعله يزداد توترًا، لكنه استجمع شتات نفسه وسألني بنبرة خافتة:
“سيدي… هل أستطيع سؤالك سؤالاً؟”
“مايكي… لا أعلم كيف أصفه بالضبط. دائمًا ما كان يحدثني صديقي ثيودور عنه. غالبًا ما يشير إليه بـ هو أو هي، ولم أكن أفهم ما يقصده تمامًا. لكنني أعلم شيئًا واحدًا: حتى مجرد ذكر اسم مايكي كان يثير الرعب في قلب ثيودور.”
لماذا أنت مرتعب لهذه الدرجة مني؟
انتظرت بصمت، مما زاد من اضطرابه. لم أكن أنوي منحه أي شعور بالراحة. تابع بصوت متردد:
توقف أمامي مباشرة، على بُعد خطوات قليلة. رفع رأسه بصعوبة وكأنه يجبر نفسه على مواجهتي، وتحدث بصوت يكسوه مزيج من التوتر والاستعطاف:
“أنت… أنت الشيء الذي كان يكلم ثيودور، صحيح؟ أنت… مايكي!”
ثم توقف قليلاً، كما لو كان يجمع أفكاره، وقال:
“كيف تراني الآن؟ مالفرق بين رؤيتك لي قبل قطعك رأسي… وبعده؟”
مايكي؟ رفع حاجبي برد فعل غير مقصود، لكن مزيج الاستغراب والسخرية كان واضحًا في وجهي. هل بدأ يمزح معي الآن؟ هل هذا الأحمق يحاول التلاعب بي؟ لم أكن أعلم ما إذا كنت أضحك على حماقته أم أستعد لسحقه في اللحظة التالية.
“في تلك الأيام بالتحديد، كان يشير إلى مايكي بـ هو أو هي. لم أكن أفهم أبدًا. لكن في الأيام العادية، كان يقول لي أحيانًا إن اسمه مايكي، وإنه ما يدلنا على الطريق.”
بدا وكأنه أدرك خطأه، فتحدث بعجلة، وكأنه يحاول تصحيح الموقف:
“آسف! آسف! ظننتك شخصًا آخر!”
“ربما أبدو كعضو خارجي مخلص للمكتب، لكنني، في الواقع، قمت بعدة مهمات من تلك التي قدمها مايكي. لم تكن مهماته عادية أبدًا، كانت دائمًا غريبة، غير متوقعة. لكن الشيء الذي يثير الدهشة أن المهمات دائمًا ما كانت تحمل مكافآت ضخمة. كل ما كان علينا فعله هو تنفيذ تعليماته بدقة. ومع ذلك، لم يكن يجبرنا أبدًا. كان دائمًا يمنحنا حرية التفكير. إذا أردنا، يمكننا رفض المهمات، لكنه كان يجعلها… مغرية بطريقة لا يمكن تفسيرها.”
لكن كاسبر كان أسرع في قطع هذا الهرج. فجأة، صرخ، نبرته تحمل غضبًا مكتومًا وحسمًا واضحًا:
رغم اعتذاره المتسرع، لم أكن لأنهي هذه اللحظة بسهولة. فتحت فمي ببطء، ووجهت حديثي نحوه بينما كان راكعًا على ركبة واحدة، وكأنني ملك يحاكم عبده:
التفت كاسبر نحوي مرة أخرى، محاولًا إعادة بناء هدوئه المتشظي. استجمع شتات نفسه، وقال بصوت خافت لكنه حازم:
“أوه… مايكي؟ هل يمكنك أن تشرح لي من هو هذا؟”
هز رأسه بسرعة، وكأن الإجابة باتت ضرورة حياتية بالنسبة له، وقال:
ثم توقف قليلاً، كما لو كان يجمع أفكاره، وقال:
“حاضر! حاضر!”
“أعتذر عن أي سوء فهم حدث بيننا. أعتذر عن مهاجمتك… لقد كنت متهورًا. أرجوك، اغفر لي… أو على الأقل، اترك البقية يرحلون. إنهم لا يعرفون شيئًا. صدقني، هم مجرد حفنة جاهلة واجهت بالصدفة بعض الأشياء… أنت تعرف هذا، أليس كذلك؟”
“مهلاً، كاسبر… ماذا تقصد؟”
رأيته يحاول استعادة هدوئه المعتاد تدريجيًا، وكأنه يتوهم أن كل شيء قد انتهى الآن. يا له من زنديق ملعون. هل يعتقد حقًا أن هذه اللعبة السخيفة ستنجح معي؟ لكنني التزمت الصمت، منتظرًا سماع المزيد من كلماته التي لا أحتاج إلى تصديقها، فقط لتسلية نفسي بسذاجته.
بدأ يتحدث بصوت أكثر هدوءًا، لكنه كان يحمل نبرة خوف خفية، وكأن مجرد الحديث عن مايكي يفتح بوابة إلى المجهول:
“مايكي… لا أعلم كيف أصفه بالضبط. دائمًا ما كان يحدثني صديقي ثيودور عنه. غالبًا ما يشير إليه بـ هو أو هي، ولم أكن أفهم ما يقصده تمامًا. لكنني أعلم شيئًا واحدًا: حتى مجرد ذكر اسم مايكي كان يثير الرعب في قلب ثيودور.”
تركيزي انصب على شيء أعمق، شيء كان يتحرك بداخلي كتيار غريب يجتاح أرجاء عقلي وجسدي. تلك المعلومات، الأفكار التي لا تعود لي، كانت تتسرب إلى ذهني مثل حبر أسود يلطخ صفحة بيضاء. شعرت وكأن هناك أجزاء جديدة تنمو بداخلي، أطراف وأعضاء لم أمتلكها يومًا، أشياء تثير فضولي وتبعث داخلي إحساسًا بالمجهول.
توقف أمامي مباشرة، على بُعد خطوات قليلة. رفع رأسه بصعوبة وكأنه يجبر نفسه على مواجهتي، وتحدث بصوت يكسوه مزيج من التوتر والاستعطاف:
توقف قليلاً، وكأن ذكرى تلك الأيام تعود إليه، ثم تابع:
رفعتُ رأسي قليلًا، متأملاً هذا المخلوق البائس، قبل أن أنطق بسؤالي الحقيقي:
“كان ثيودور يخشى ذكر اسمه خصوصًا في أيام معينة… الإثنين، الخميس، ويوم يدعوه بـ ‘ريفلكس’. لا أعلم ما هذا اليوم بالضبط. أحيانًا يكون مجرد بضع ساعات، وأحيانًا يستمر لأسابيع، وربما شهور. لكن شيئًا ما كان يتغير في شخصية ثيودور خلال تلك الأيام. كان يبدو وكأنه يمشي على خيط رفيع، خطوة واحدة خاطئة، وكان يقول إنه سينتهي.”
ثم توقف قليلاً، كما لو كان يجمع أفكاره، وقال:
تركيزي انصب على شيء أعمق، شيء كان يتحرك بداخلي كتيار غريب يجتاح أرجاء عقلي وجسدي. تلك المعلومات، الأفكار التي لا تعود لي، كانت تتسرب إلى ذهني مثل حبر أسود يلطخ صفحة بيضاء. شعرت وكأن هناك أجزاء جديدة تنمو بداخلي، أطراف وأعضاء لم أمتلكها يومًا، أشياء تثير فضولي وتبعث داخلي إحساسًا بالمجهول.
“في تلك الأيام بالتحديد، كان يشير إلى مايكي بـ هو أو هي. لم أكن أفهم أبدًا. لكن في الأيام العادية، كان يقول لي أحيانًا إن اسمه مايكي، وإنه ما يدلنا على الطريق.”
تركيزي انصب على شيء أعمق، شيء كان يتحرك بداخلي كتيار غريب يجتاح أرجاء عقلي وجسدي. تلك المعلومات، الأفكار التي لا تعود لي، كانت تتسرب إلى ذهني مثل حبر أسود يلطخ صفحة بيضاء. شعرت وكأن هناك أجزاء جديدة تنمو بداخلي، أطراف وأعضاء لم أمتلكها يومًا، أشياء تثير فضولي وتبعث داخلي إحساسًا بالمجهول.
لاحظت أن نبرته بدأت تستعيد نوعًا من الثقة المريبة، وكأنه يحاول إقناعي بشيء أكبر مما يقول. تابع بصوت أشبه بالاعتراف:
“ربما أبدو كعضو خارجي مخلص للمكتب، لكنني، في الواقع، قمت بعدة مهمات من تلك التي قدمها مايكي. لم تكن مهماته عادية أبدًا، كانت دائمًا غريبة، غير متوقعة. لكن الشيء الذي يثير الدهشة أن المهمات دائمًا ما كانت تحمل مكافآت ضخمة. كل ما كان علينا فعله هو تنفيذ تعليماته بدقة. ومع ذلك، لم يكن يجبرنا أبدًا. كان دائمًا يمنحنا حرية التفكير. إذا أردنا، يمكننا رفض المهمات، لكنه كان يجعلها… مغرية بطريقة لا يمكن تفسيرها.”
لم أجد ردًا مناسبًا لكلام كاسبر.
لاحظت أن نبرته بدأت تستعيد نوعًا من الثقة المريبة، وكأنه يحاول إقناعي بشيء أكبر مما يقول. تابع بصوت أشبه بالاعتراف:
بصراحة، كنت أظن أن مايكي مجرد زنديق آخر مثلهم، أحد أولئك المتطفلين الذين يملأون هذا المكان. ليس بالضرورة طالبًا جامعيًا… ربما أستاذ؟ عامل؟ مثل ذاك الرجل العامل في الكافيتيريا الذي قابلته في الغذاء ؟ مجرد احتمال آخر في بحر الاحتمالات المجنونة التي بدأت تتكدس في رأسي.
“أنت… أنت الشيء الذي كان يكلم ثيودور، صحيح؟ أنت… مايكي!”
بدا وكأنه أدرك خطأه، فتحدث بعجلة، وكأنه يحاول تصحيح الموقف:
لكن إذا كان ما يقوله كاسبر صحيحًا، فإن جنون هذا المكان لا يمكن قياسه. لا يمكن استيعابه. لا يمكن حتى محاولة وضعه في إطار منطقي. مايكي؟ أي نوع من الكائنات يكون هذا؟ هل هو إنسان؟ هل هو شيء آخر؟
توقف أمامي مباشرة، على بُعد خطوات قليلة. رفع رأسه بصعوبة وكأنه يجبر نفسه على مواجهتي، وتحدث بصوت يكسوه مزيج من التوتر والاستعطاف:
“هاي، كاسبر! ما الذي تحاول قوله؟”
نظرتُ نحو كاسبر مجددًا.
تجاهلتُ كل شيء آخر، تجاهلتُ بقية الأوغاد الذين أشار إليهم بكلماته، كما لو كانوا مجرد حشرات هامشية تتكاثر في العتمة. وأنا أتفق معه. لا يهمني أمرهم. كما قال كاسبر نفسه، إنهم مجرد زوائد بدون قيمة، كتل من العفن البشري تعيش بلا هدف سوى نشر النجاسة والفساد. أوغاد زنادقة ملاعين، سأحرص على الاعتناء بهم لاحقًا… بطريقتي الخاصة.
“سيدي… هل أستطيع سؤالك سؤالاً؟”
أما الآن، فأنا أركز عليه وحده. هذا الوجه، الذي كان قبل لحظات متجهمًا ومليئًا بالغطرسة، أصبح الآن قناعًا مشوهًا من الذعر والانكسار. عيناه تتهربان من نظرتي، أنفاسه تتقطع كأن صدره لا يستطيع استيعاب الهواء بما يكفي. هذا التغيير السريع في سلوكه جعلني أشعر بالاشمئزاز أكثر مما كنت أتوقع.
تجمد وجهه للحظات. ابتلعت عيناه رعبًا جديدًا، وكأن السؤال نفسه حمل معه لعنة لا يريد لمسها. حنجرته انقبضت وهو يحاول تشكيل الكلمات، لكني كنت أراه، أراه بوضوح. كانت هناك لحظة إدراك، لحظة عارية من كل التزييف، مرت في عقله كلمح البصر.
لماذا أنت مرتعب لهذه الدرجة مني؟
نظرتُ نحو كاسبر مجددًا.
ألم تكن مغرورًا عندما هاجمتني؟ ألم تكن تصرخ بثقة؟ أين ذهبت تلك الثقة الآن؟ أين ذلك النَفَسُ المتعجرف الذي كنت تنفثه كما لو كنت سيد هذا المكان؟
حاول فتح فمه، لكن صوته خرج متحشرجًا، كما لو كان حلقه قد جف بالكامل. ثم، بانفعال مذعور، انحنى قليلاً وكأنه يحاول التوسل، وقال بصوت متقطع:
“كيف تراني الآن؟ مالفرق بين رؤيتك لي قبل قطعك رأسي… وبعده؟”
“أسف… آسف! لم أكن أدرك هويتك يا سيدي! ظننتك مجرد تابع من عصابة اليد العلوية… أعتذر حقًا!”
كان صوته يرتجف قليلًا، وكأن الكلمات نفسها تثقل لسانه. شعرت بمزيج من الاستسلام والخوف يتدفق منه. كان يعلم أنني أراقبه عن كثب، وأن أي خطأ بسيط قد يكون نهايته.
ها؟
لم يكن هذا سؤالي، أيها القذر.
“أعتذر عن أي سوء فهم حدث بيننا. أعتذر عن مهاجمتك… لقد كنت متهورًا. أرجوك، اغفر لي… أو على الأقل، اترك البقية يرحلون. إنهم لا يعرفون شيئًا. صدقني، هم مجرد حفنة جاهلة واجهت بالصدفة بعض الأشياء… أنت تعرف هذا، أليس كذلك؟”
لم أسألك عن مدى ندمك، ولم أطلب منك أن تبكي أمامي مثل جرذ حقير أدرك متأخرًا أنه محاصر في زاوية ضيقة.
رغم اعتذاره المتسرع، لم أكن لأنهي هذه اللحظة بسهولة. فتحت فمي ببطء، ووجهت حديثي نحوه بينما كان راكعًا على ركبة واحدة، وكأنني ملك يحاكم عبده:
رفعتُ رأسي قليلًا، متأملاً هذا المخلوق البائس، قبل أن أنطق بسؤالي الحقيقي:
“كيف تراني الآن؟ مالفرق بين رؤيتك لي قبل قطعك رأسي… وبعده؟”
كان صوته يرتجف قليلًا، وكأن الكلمات نفسها تثقل لسانه. شعرت بمزيج من الاستسلام والخوف يتدفق منه. كان يعلم أنني أراقبه عن كثب، وأن أي خطأ بسيط قد يكون نهايته.
تجمد وجهه للحظات. ابتلعت عيناه رعبًا جديدًا، وكأن السؤال نفسه حمل معه لعنة لا يريد لمسها. حنجرته انقبضت وهو يحاول تشكيل الكلمات، لكني كنت أراه، أراه بوضوح. كانت هناك لحظة إدراك، لحظة عارية من كل التزييف، مرت في عقله كلمح البصر.
كل حركة منه كانت مدروسة، وكل خطوة كان يقيسها بعناية، وكأنه يحاول تهدئة وحش مجهول يقف أمامه. شعرت بالتسلية تتسلل إليّ مجددًا؛ هل كانوا يظنون أنني سأهاجمهم فورًا؟ أم أنني كنت ذلك الكائن الغريب الذي لن يتمكنوا من تفسيره؟
“أعتذر عن أي سوء فهم حدث بيننا. أعتذر عن مهاجمتك… لقد كنت متهورًا. أرجوك، اغفر لي… أو على الأقل، اترك البقية يرحلون. إنهم لا يعرفون شيئًا. صدقني، هم مجرد حفنة جاهلة واجهت بالصدفة بعض الأشياء… أنت تعرف هذا، أليس كذلك؟”
