هل أنتم متفاجئون؟
هل مت؟
حولت نظري إلى المكان المشرق الذي كنت فيه، لكن المشهد كان يتغير ببطء. الضوء الذي كان يغمرني بدأ يتلاشى، كما لو أن شخصًا كان يطفئ شموع هذا العالم واحدة تلو الأخرى. أصبح كل شيء أكثر كآبة، أكثر برودة. ومع ذلك، لم أتمكن من التركيز على ما كان يحدث.
هذا السؤال كان يرن في رأسي كطبولٍ جوفاء، يتردد صداه بلا إجابة.
“مسار جامع الدم؟ البُعد الجسدي؟ لا، هذا مستحيل. حتى في المستويات العلوية لا يمكن حدوث هذا!”
ثم… الظلام.
ثم سمحت لكلماتي بالخروج، موجهة إلى هذا الجمع المذهول:
ظلام ثقيل، يبتلعني بلا رحمة، كأنني ألقيت في أعماق هاويةٍ لا قاع لها. شعرت أنني مربوط بقوة، أطرافي عاجزة عن الحركة، وكأنني جزء من الفراغ ذاته. لا هواء، لا صوت، فقط سكونٌ قاسٍ يضغط على روحي كما لو كان يريد سحقها.
فجأة، وسط هذا السكون المخيف، انبعث ضوء ساطع، يخترق العدم كطلقة نار في ليلة بلا قمر. كان الضوء قويًا بشكل لا يطاق، يلسع عينيّ كما لو أنني أنظر مباشرة إلى شمسٍ ثانية. حاولت أن أغمض عيني، لكني لم أكن أملك حتى تلك القدرة. كان عليّ أن أتحمله، أن أغرق في وهجه حتى يبدأ بالتراجع ببطء، وكأن الظلام يجره بعيدًا عني.
ظلام ثقيل، يبتلعني بلا رحمة، كأنني ألقيت في أعماق هاويةٍ لا قاع لها. شعرت أنني مربوط بقوة، أطرافي عاجزة عن الحركة، وكأنني جزء من الفراغ ذاته. لا هواء، لا صوت، فقط سكونٌ قاسٍ يضغط على روحي كما لو كان يريد سحقها.
حين انخفضت شدة الضوء، بدأت أرى… مكانًا آخر.
لم يكن هذا العالم الذي أعرفه. كنت في وضع آخر، حالة مختلفة، كأنني لم أعد نفسي. ما الذي يحدث؟ حاولت أن أفهم، لكنني كنت ضائعًا في تيه من الحيرة والرهبة.
رأيت نفسي أنجرف بسرعة وكأنني ريشة ألقتها عاصفة. كل شيء كان مشوشًا، وكلما حاولت فهم ما حدث، شعرت بالعجز أكثر.
المكان المحيط بي كان غريبًا بقدر ما كان مدهشًا. لم يكن هناك أرض تحت قدميّ، ولا سقف فوق رأسي. كنت عائمًا في فضاء لا نهائي، يغمره ضوء ذهبي ناعم يغطي كل شيء. الحرارة التي شعرت بها لم تكن جسدية، بل كانت كأنها شعور يغمر روحي. كان كل شيء يبدو حيًا، نابضًا، لكنه بلا صوت، بلا حركة.
كيف يمكن أن أفهم؟ منذ أن استيقظت هذا الصباح، وكل شيء في حياتي ينقلب رأسًا على عقب مع كل لحظة، مع كل منعطف. كان عقلي يلهث، يحاول اللحاق بما يجري، لكنه كان أبطأ من أن يستوعب.
أولًا كانت مجرد ومضات. كلمات، صور، رموز. كلها مشوشة ومبهمة. حاولت التركيز، لكن عقلي كان ثقيلًا، كأن حملاً ضخماً وضع فوقه فجأة. هل هذا نوع من السحر؟ هل هي طلاسم؟
نظرت إلى جسدي العاري تمامًا، خالٍ من أي ندبة أو علامة تدل على حياتي السابقة. لم يكن يبدو حتى كجسد بشري، بل كأنه هيكل صُنع من نورٍ مشع، ينبعث منه وهج دافئ. أين أنا؟
لم يكن هذا العالم الذي أعرفه. كنت في وضع آخر، حالة مختلفة، كأنني لم أعد نفسي. ما الذي يحدث؟ حاولت أن أفهم، لكنني كنت ضائعًا في تيه من الحيرة والرهبة.
المكان المحيط بي كان غريبًا بقدر ما كان مدهشًا. لم يكن هناك أرض تحت قدميّ، ولا سقف فوق رأسي. كنت عائمًا في فضاء لا نهائي، يغمره ضوء ذهبي ناعم يغطي كل شيء. الحرارة التي شعرت بها لم تكن جسدية، بل كانت كأنها شعور يغمر روحي. كان كل شيء يبدو حيًا، نابضًا، لكنه بلا صوت، بلا حركة.
كان كاسبر يقف بجانب هارونلد المستلقي على الأرض. لاحظت الخنجر في يد كاسبر، مغطى ببقع من الدماء. آه، إذن هذا هو السلاح الذي قطع رأسي. فكرة غريبة… أن ترى الأداة التي كانت السبب في موتك، لكنها لم تكن تثير في نفسي سوى فضول بارد.
في لحظة مباغتة، توقف كل شيء.
ثم رأيته.
أردت أن أستوعب ما حدث. أردت أن أطرح أسئلة، أن أبحث عن إجابة. لكن لم يكن لدي وقت لذلك.
في وسط هذه الفوضى الهادئة، كان هناك كتاب مفتوح، معلق في الهواء، يطفو بثبات وكأنه مدعوم بقوة غير مرئية. كان الكتاب مظلمًا تمامًا، سواده قاتم لدرجة أنه بدا كأنه يمتص الضوء من حوله. على الرغم من المكان المشرق الذي كنت فيه، كان هذا الكتاب الشيء الوحيد المعتم في هذا المشهد.
في اللحظة التي لامست فيها يداي الكتاب، شعرت بدفعة عنيفة، كما لو أن قوة خفية انفجرت داخلي. لم يكن هناك ألم. لم يكن هناك شعور محدد. فقط… فراغ، مصحوب بإحساس غريب بأن كياني نفسه قد اختل، كأنني انقسمت إلى أجزاء صغيرة ثم أُعيد جمعها في لحظة واحدة.
كان مفتوحًا على صفحة تبدو فارغة، لكنه لم يكن ثابتًا. الصفحات كانت تقلب نفسها ببطء، وكأنها تبحث عن شيء، أو كأنها تقرأ نفسها. الغريب أنني شعرت وكأن هذا الكتاب يحدق بي، كأنه كيان حي يراقبني بصمتٍ قاسٍ.
فجأة، وسط هذا السكون المخيف، انبعث ضوء ساطع، يخترق العدم كطلقة نار في ليلة بلا قمر. كان الضوء قويًا بشكل لا يطاق، يلسع عينيّ كما لو أنني أنظر مباشرة إلى شمسٍ ثانية. حاولت أن أغمض عيني، لكني لم أكن أملك حتى تلك القدرة. كان عليّ أن أتحمله، أن أغرق في وهجه حتى يبدأ بالتراجع ببطء، وكأن الظلام يجره بعيدًا عني.
هل هذا مصيري؟
ما هذا؟ ولماذا أشعر أنه ينتظرني؟
حين تمكنت من تثبيت نظري مرة أخرى نحو مكان الكتاب، اختفى. لم يكن هناك أي أثر له. كأن وجوده كان مجرد وهْم عابر. الشيء الوحيد الذي بقي هو شرارات سوداء صغيرة، تتراقص في الهواء كأنها بقايا دخان من نارٍ لم تكن مرئية.
حاولت الاقتراب منه، لكنني لم أكن أتحرك بإرادتي. كنت أنجرف نحوه وكأنني مغناطيس يجذبني. المسافة بيننا تقلصت بسرعة، وكلما اقتربت، شعرت بضغط غريب على كياني. لم يكن ضغطًا جسديًا، بل كأنه ثقل معنوي، كأن هذا الكتاب يحمل بداخله كل أسرار العالم، وكل خطيئة ارتُكبت يومًا ما.
رفعت بصري نحو السقف. سلاسل طويلة متدلية ببطء، تتحرك كأنها تُحيي رياحًا غير مرئية. صوت صريرها الخافت كان يملأ المكان بشعور مريب. آه، هذا المشهد مألوف. لقد عدت. عدت إلى غرفة الزنادقة.
رفعت بصري نحو السقف. سلاسل طويلة متدلية ببطء، تتحرك كأنها تُحيي رياحًا غير مرئية. صوت صريرها الخافت كان يملأ المكان بشعور مريب. آه، هذا المشهد مألوف. لقد عدت. عدت إلى غرفة الزنادقة.
وأخيرًا، كنت أمامه. استطعت رؤية غلافه بوضوح الآن: نسيج مغطى بأحرف منقوشة بلغة لم أرها من قبل، لكنها كانت تنبض بوهج خافت، كأنها تعيش وتتنفس. لمست أطراف الغلاف بشيء من الرهبة، وفي اللحظة التي فعلت ذلك، شعرت بتدفق هائل من الصور والأصوات والأحاسيس.
كان الكتاب يتحدث لي… لكن ليس بالكلمات. كان يهمس في عقلي بلغة لا أفهمها، لكنها كانت تسري في روحي، تملأني بمشاعر مختلطة من الخوف والرهبة والفضول.
هل هذا مصيري؟
في هذا المكان، ومع هذا الكتاب، شعرت وكأنني وصلت إلى نقطة فاصلة في حياتي، لحظة لا رجوع منها.
ثم سمحت لكلماتي بالخروج، موجهة إلى هذا الجمع المذهول:
نظرت إلى الكتاب أمامي، ذلك الكيان الغريب الذي لم أكن أفهمه، لكنه بدا وكأنه يُراقبني بصمت ساحق. لوهلة، شعرت أنني أستطيع اختيار تجاهله، الابتعاد عنه، أو حتى محاولة الهرب. لكن، قبل أن أتمكن من اتخاذ قرار، حدث شيء لم أكن مستعدًا له.
تحرك جسدي… تلقائيًا.
هل هذا مصيري؟
ببطء، رفعت يدي وتحسست عنقي. كان مشهد رأسي وهو يتدحرج على الأرض لا يزال يطارد ذاكرتي، تفاصيل سقوطه البطيء، الصدمة التي شعرت بها في تلك اللحظة. أعغغ. تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتجعل جسدي يرتعش، وقشعريرة مفاجئة تسري في أطرافي.
كأن شيئًا ما سلبني السيطرة تمامًا. شعرت بذراعيّ تمتدان إلى الأمام ببطء، كأنهما أدوات لشخص آخر يتحكم بي. حاولت التوقف، حاولت المقاومة، لكن لا جدوى. كل محاولاتي بدت كأنها صرخات مكتومة في فراغ لا يسمعني فيه أحد.
أولًا كانت مجرد ومضات. كلمات، صور، رموز. كلها مشوشة ومبهمة. حاولت التركيز، لكن عقلي كان ثقيلًا، كأن حملاً ضخماً وضع فوقه فجأة. هل هذا نوع من السحر؟ هل هي طلاسم؟
ضحكة قصيرة، متهكمة، خرجت من شفتي:
في اللحظة التي لامست فيها يداي الكتاب، شعرت بدفعة عنيفة، كما لو أن قوة خفية انفجرت داخلي. لم يكن هناك ألم. لم يكن هناك شعور محدد. فقط… فراغ، مصحوب بإحساس غريب بأن كياني نفسه قد اختل، كأنني انقسمت إلى أجزاء صغيرة ثم أُعيد جمعها في لحظة واحدة.
أردت أن أستوعب ما حدث. أردت أن أطرح أسئلة، أن أبحث عن إجابة. لكن لم يكن لدي وقت لذلك.
كنت أحاول التمسك بأي شيء، أي خيط من الإدراك، لكن كل شيء كان ينفلت من قبضتي. شعرت وكأنني على وشك الانهيار التام، كأنني مجرد غريب في عقلي الخاص، عاجز عن فهم أو إيقاف ما يحدث.
دُفعت إلى الوراء.
المكان المحيط بي كان غريبًا بقدر ما كان مدهشًا. لم يكن هناك أرض تحت قدميّ، ولا سقف فوق رأسي. كنت عائمًا في فضاء لا نهائي، يغمره ضوء ذهبي ناعم يغطي كل شيء. الحرارة التي شعرت بها لم تكن جسدية، بل كانت كأنها شعور يغمر روحي. كان كل شيء يبدو حيًا، نابضًا، لكنه بلا صوت، بلا حركة.
في لحظة مباغتة، توقف كل شيء.
رأيت نفسي أنجرف بسرعة وكأنني ريشة ألقتها عاصفة. كل شيء كان مشوشًا، وكلما حاولت فهم ما حدث، شعرت بالعجز أكثر.
أردت أن أستوعب ما حدث. أردت أن أطرح أسئلة، أن أبحث عن إجابة. لكن لم يكن لدي وقت لذلك.
حين تمكنت من تثبيت نظري مرة أخرى نحو مكان الكتاب، اختفى. لم يكن هناك أي أثر له. كأن وجوده كان مجرد وهْم عابر. الشيء الوحيد الذي بقي هو شرارات سوداء صغيرة، تتراقص في الهواء كأنها بقايا دخان من نارٍ لم تكن مرئية.
أردت أن أستوعب ما حدث. أردت أن أطرح أسئلة، أن أبحث عن إجابة. لكن لم يكن لدي وقت لذلك.
“إذا، هل أنتم متفاجئون؟”
شيءٌ جديد بدأ يحدث.
كان كاسبر يقف بجانب هارونلد المستلقي على الأرض. لاحظت الخنجر في يد كاسبر، مغطى ببقع من الدماء. آه، إذن هذا هو السلاح الذي قطع رأسي. فكرة غريبة… أن ترى الأداة التي كانت السبب في موتك، لكنها لم تكن تثير في نفسي سوى فضول بارد.
ذلك العذاب الذي كان يُمزق ذهني، ذلك الألم الذي اجتاح كياني، كلّه… توقف فجأة، كأنه لم يكن سوى كابوس عابر. شعرت كأنني أنجرف على سطح هادئ بعد أن كنت غارقًا في دوامة عاتية. ذهني أصبح خفيفًا، كأن الأغلال التي كانت تكبل أفكاري قد انكسرت، تاركة خلفها صداعًا بسيطًا كذكرى مؤلمة.
شعرت به أولًا كضغط خفيف في رأسي، كأن أحدهم يحاول الهمس في أذني دون أن يُسمع. ثم بدأ الإحساس يتضخم. الأفكار في رأسي كانت بطيئة، كأنها تغرق في وحل كثيف، وشيء غريب… شيء دخيل، كان يغزو ذهني. شعرت بأنه يحاول التمركز في أعماق عقلي، كأنه كيان حي يبحث عن مكان ليُقيم فيه.
كان مفتوحًا على صفحة تبدو فارغة، لكنه لم يكن ثابتًا. الصفحات كانت تقلب نفسها ببطء، وكأنها تبحث عن شيء، أو كأنها تقرأ نفسها. الغريب أنني شعرت وكأن هذا الكتاب يحدق بي، كأنه كيان حي يراقبني بصمتٍ قاسٍ.
أولًا كانت مجرد ومضات. كلمات، صور، رموز. كلها مشوشة ومبهمة. حاولت التركيز، لكن عقلي كان ثقيلًا، كأن حملاً ضخماً وضع فوقه فجأة. هل هذا نوع من السحر؟ هل هي طلاسم؟
لم أتمكن من الإجابة. كنت أغرق في هذه الفوضى، ومع كل لحظة، كنت أفقد شيئًا مني.
نظرت إلى الجميع حولي، تلك الكائنات التي كانت تنتمي لهذا العالم. شعرت بالاختلاف عنهم.
حولت نظري إلى المكان المشرق الذي كنت فيه، لكن المشهد كان يتغير ببطء. الضوء الذي كان يغمرني بدأ يتلاشى، كما لو أن شخصًا كان يطفئ شموع هذا العالم واحدة تلو الأخرى. أصبح كل شيء أكثر كآبة، أكثر برودة. ومع ذلك، لم أتمكن من التركيز على ما كان يحدث.
ومع ذلك، لم أستطع تجاهل الضجيج في رأسي، الأفكار الجديدة التي لم تكن لي من قبل، لكنها الآن ملكي. هل هذا ما يسمونه ولادة جديدة بعد الموت؟ ربما… لكنني لم أمت حقًا، أليس كذلك؟
“هاهاها…”
أفكاري… أصبحت بطيئة جدًا.
رفعت بصري نحو السقف. سلاسل طويلة متدلية ببطء، تتحرك كأنها تُحيي رياحًا غير مرئية. صوت صريرها الخافت كان يملأ المكان بشعور مريب. آه، هذا المشهد مألوف. لقد عدت. عدت إلى غرفة الزنادقة.
حين انخفضت شدة الضوء، بدأت أرى… مكانًا آخر.
كنت أحاول التمسك بأي شيء، أي خيط من الإدراك، لكن كل شيء كان ينفلت من قبضتي. شعرت وكأنني على وشك الانهيار التام، كأنني مجرد غريب في عقلي الخاص، عاجز عن فهم أو إيقاف ما يحدث.
نظرت إلى جسدي العاري تمامًا، خالٍ من أي ندبة أو علامة تدل على حياتي السابقة. لم يكن يبدو حتى كجسد بشري، بل كأنه هيكل صُنع من نورٍ مشع، ينبعث منه وهج دافئ. أين أنا؟
كان ذلك الشعور أشبه بالغرق في أعماق بحر لا قاع له، حيث الظلام يبتلعك، والنور الوحيد الذي رأيته كان ذلك الكتاب… أو بالأحرى الفراغ الذي تركه خلفه.
“مسار جامع الدم؟ البُعد الجسدي؟ لا، هذا مستحيل. حتى في المستويات العلوية لا يمكن حدوث هذا!”
في لحظة مباغتة، توقف كل شيء.
ذلك العذاب الذي كان يُمزق ذهني، ذلك الألم الذي اجتاح كياني، كلّه… توقف فجأة، كأنه لم يكن سوى كابوس عابر. شعرت كأنني أنجرف على سطح هادئ بعد أن كنت غارقًا في دوامة عاتية. ذهني أصبح خفيفًا، كأن الأغلال التي كانت تكبل أفكاري قد انكسرت، تاركة خلفها صداعًا بسيطًا كذكرى مؤلمة.
نظرت إلى جسدي العاري تمامًا، خالٍ من أي ندبة أو علامة تدل على حياتي السابقة. لم يكن يبدو حتى كجسد بشري، بل كأنه هيكل صُنع من نورٍ مشع، ينبعث منه وهج دافئ. أين أنا؟
حاولت فتح عيني. لم أكن متأكدًا من مكاني، ولا حتى من حالتي. هل أنا ميت؟ أم أنني أعيش في عالم آخر؟ تساؤلات كثيرة تدافعت في ذهني، لكنني تركتها جانبًا وركزت على اللحظة. فتحت عيني ببطء.
وأخيرًا، كنت أمامه. استطعت رؤية غلافه بوضوح الآن: نسيج مغطى بأحرف منقوشة بلغة لم أرها من قبل، لكنها كانت تنبض بوهج خافت، كأنها تعيش وتتنفس. لمست أطراف الغلاف بشيء من الرهبة، وفي اللحظة التي فعلت ذلك، شعرت بتدفق هائل من الصور والأصوات والأحاسيس.
رأيت نفسي مستلقيًا على أرضية باردة ذات لون قرمزي، سطحها مغطى بأشكال هندسية محفورة بدقة، كأنها كانت جزءًا من طقس غامض أو سر دفين. رفعت رأسي بجهد، ناظرًا إلى الجدران المحيطة بي. كانت قديمة، متهالكة، لكنها مليئة بنقوش ورموز غير مفهومة، وكأنها تروي قصصًا من عصور غابرة.
“هاهاها…”
رفعت بصري نحو السقف. سلاسل طويلة متدلية ببطء، تتحرك كأنها تُحيي رياحًا غير مرئية. صوت صريرها الخافت كان يملأ المكان بشعور مريب. آه، هذا المشهد مألوف. لقد عدت. عدت إلى غرفة الزنادقة.
هذا السؤال كان يرن في رأسي كطبولٍ جوفاء، يتردد صداه بلا إجابة.
ومع ذلك، لم أستطع تجاهل الضجيج في رأسي، الأفكار الجديدة التي لم تكن لي من قبل، لكنها الآن ملكي. هل هذا ما يسمونه ولادة جديدة بعد الموت؟ ربما… لكنني لم أمت حقًا، أليس كذلك؟
كان مفتوحًا على صفحة تبدو فارغة، لكنه لم يكن ثابتًا. الصفحات كانت تقلب نفسها ببطء، وكأنها تبحث عن شيء، أو كأنها تقرأ نفسها. الغريب أنني شعرت وكأن هذا الكتاب يحدق بي، كأنه كيان حي يراقبني بصمتٍ قاسٍ.
فجأة، وسط هذا السكون المخيف، انبعث ضوء ساطع، يخترق العدم كطلقة نار في ليلة بلا قمر. كان الضوء قويًا بشكل لا يطاق، يلسع عينيّ كما لو أنني أنظر مباشرة إلى شمسٍ ثانية. حاولت أن أغمض عيني، لكني لم أكن أملك حتى تلك القدرة. كان عليّ أن أتحمله، أن أغرق في وهجه حتى يبدأ بالتراجع ببطء، وكأن الظلام يجره بعيدًا عني.
ببطء، رفعت يدي وتحسست عنقي. كان مشهد رأسي وهو يتدحرج على الأرض لا يزال يطارد ذاكرتي، تفاصيل سقوطه البطيء، الصدمة التي شعرت بها في تلك اللحظة. أعغغ. تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتجعل جسدي يرتعش، وقشعريرة مفاجئة تسري في أطرافي.
وقفت على قدمي، متجاهلًا الثقل الذي كنت أشعر به. وجهت نظري إلى الأمام. أوه، ألم يرحلوا؟ أولئك الزنادقة ما زالوا هنا. لم يكن المشهد طبيعيًا، لكنني كنت مستعدًا لاستيعاب أي شيء الآن.
كان كاسبر يقف بجانب هارونلد المستلقي على الأرض. لاحظت الخنجر في يد كاسبر، مغطى ببقع من الدماء. آه، إذن هذا هو السلاح الذي قطع رأسي. فكرة غريبة… أن ترى الأداة التي كانت السبب في موتك، لكنها لم تكن تثير في نفسي سوى فضول بارد.
نظرت إلى جسدي العاري تمامًا، خالٍ من أي ندبة أو علامة تدل على حياتي السابقة. لم يكن يبدو حتى كجسد بشري، بل كأنه هيكل صُنع من نورٍ مشع، ينبعث منه وهج دافئ. أين أنا؟
حولت بصري ببطء نحو بقية الأشخاص الذين لا أعرفهم. تعابيرهم كانت متجمّدة بين الذعر والصدمة، وجوههم شاحبة كأنهم شاهدوا كائنًا من عالم آخر. همهماتهم الخافتة كانت تتصاعد مع قلق واضح.
“إذا، هل أنتم متفاجئون؟”
حين تمكنت من تثبيت نظري مرة أخرى نحو مكان الكتاب، اختفى. لم يكن هناك أي أثر له. كأن وجوده كان مجرد وهْم عابر. الشيء الوحيد الذي بقي هو شرارات سوداء صغيرة، تتراقص في الهواء كأنها بقايا دخان من نارٍ لم تكن مرئية.
“مسار جامع الدم؟ البُعد الجسدي؟ لا، هذا مستحيل. حتى في المستويات العلوية لا يمكن حدوث هذا!”
في هذا المكان، ومع هذا الكتاب، شعرت وكأنني وصلت إلى نقطة فاصلة في حياتي، لحظة لا رجوع منها.
كلماتهم كانت عشوائية، لكنها أثارت في داخلي شيئًا من التسلية. لم أستطع منع نفسي من الابتسام. ابتسامة باردة، ملتوية، لم تكن تشبه ابتسامتي المعتادة. كنت أراقبهم ببطء، واحدًا تلو الآخر، ألتقط كل تفصيل في وجوههم المرتبكة. حتى كاسبر، ذلك الوغد الذي كان دائمًا يتمتع بتلك النظرة الباردة، بدا عليه الارتباك. نظراته خانته.
حاولت الاقتراب منه، لكنني لم أكن أتحرك بإرادتي. كنت أنجرف نحوه وكأنني مغناطيس يجذبني. المسافة بيننا تقلصت بسرعة، وكلما اقتربت، شعرت بضغط غريب على كياني. لم يكن ضغطًا جسديًا، بل كأنه ثقل معنوي، كأن هذا الكتاب يحمل بداخله كل أسرار العالم، وكل خطيئة ارتُكبت يومًا ما.
لكنني كنت أعلم أن هناك ما هو أعمق. شيء في داخلي، في أعماق ذهني، كان يتحرك. تسللت ببطء نحو ذلك الشيء، أتبعه كأنني أبحث عن مفتاح لحل هذا اللغز الجديد.
نظرت إلى الجميع حولي، تلك الكائنات التي كانت تنتمي لهذا العالم. شعرت بالاختلاف عنهم.
ثم سمحت لكلماتي بالخروج، موجهة إلى هذا الجمع المذهول:
“مسار جامع الدم؟ البُعد الجسدي؟ لا، هذا مستحيل. حتى في المستويات العلوية لا يمكن حدوث هذا!”
“إذا، هل أنتم متفاجئون؟”
لم يكن هذا العالم الذي أعرفه. كنت في وضع آخر، حالة مختلفة، كأنني لم أعد نفسي. ما الذي يحدث؟ حاولت أن أفهم، لكنني كنت ضائعًا في تيه من الحيرة والرهبة.
ضحكة قصيرة، متهكمة، خرجت من شفتي:
“هاهاها…”
