الأمير الثالث
كان كاسبر يجلس على الأرض، جسده متصلب كأنه قطعة صخرية فقدت روحها، وعيناه المتسعتان ترتجفان تحت ضوء المصباح الشاحب، تعكسان مزيجًا من الخوف والتوتر الذي بدا متغلغلًا في كل خلية من جسده. أنفاسه كانت قصيرة، متقطعة، كأن الهواء أصبح ثقيلاً على رئتيه، وكأن كل شهيق يأخذه يتطلب منه قوةً تفوق طاقته.
لم تكن كلماته مجرد استنتاجات عشوائية، لم تكن مجرد ملاحظات. كانت حقيقة يدركها عقله قبل أن يتمكن من فهمها بالكامل.
لكنني لم أنخدع.
في تلك اللحظة، لاحظت أن كاسبر كان يقبض على كفيه بشدة، كأنما يحاول منع نفسه من الارتجاف. شعرت بشيء غير مريح في كلماته، شيء جعل الصمت الذي تلاها أكثر ثقلاً من أي صمت آخر مر بيننا من قبل.
هذا ليس كاسبر الذي عرفته.
توقفت عيناه للحظة على وجهي، وكأنهما تراقبان رد فعلي، وكأن جزءًا منه لم يكن متأكدًا مما إذا كان من الصواب قول هذه الكلمات بصوت عالٍ. ثم، بعد تردد بسيط، أضاف بصوت أكثر خفوتًا، كأن حقيقة كلماته كانت تخيفه بنفس القدر الذي تخيفني:
أعاد كاسبر نظره إليّ، عيناه لم تعدا تحملان ذلك الخوف الصريح، بل شيئًا آخر، شيئًا أكثر تعقيدًا، شيئًا لم أستطع تحديده بسهولة.
ذلك الشاب الهادئ، ذو النظرات الثابتة التي لا تهتز حتى في أشد المواقف خطورة. كان شخصًا قليل الكلام، بارد الملامح، لا يبوح بمشاعره بسهولة، ولا يسمح لأي اضطراب داخلي بالظهور على وجهه. أما هذا الذي يجلس أمامي الآن؟ كان كتلة من القلق والضعف، كأنه قد رأى للتو كابوسًا تسلل من أعماق عقله ليصبح واقعًا ملموسًا.
كان الأمر كما لو أنني أصبحت مجرد قناة لشيء أقدم مني، شيء ظل نائمًا في الظلام لفترة طويلة جدًا، والآن وجد أخيرًا فرصة للكلام.
بمجرد سماع سؤاله… لم أستطع التحكم بجسدي.
كان هناك شيء لا يبدو منطقيًا.
الصمت الذي أعقب سؤاله لم يكن صمتًا عاديًا. كان أشبه بفراغ، بانتظار ثقيل، كأن العالم نفسه توقف للحظة، كأن الزمن تجمد، مترقبًا كلماتي القادمة.
إن كان هذا تمثيلًا، فهو متقن للغاية… ولكن لماذا أشعر بأنه ليس كذلك؟ لماذا يبدو وكأن هذه المشاعر ليست مجرد عرض زائف، بل جزء منه… جزء عميق كان مختبئًا طوال هذا الوقت؟
تقدمت نحوه خطوة، تاركًا ثقل الصمت يحيط بنا، قبل أن أقول بصوت ثابت، نبرة هادئة ولكنها لا تقبل المراوغة:
ماذا كانوا سيفعلون لو عرفوا من أكون؟
“إذاً، كاسبر… هل ستتكلم؟”
رفع رأسه ببطء، وكأن كلماتي كانت حملاً ثقيلاً أجبره على مواجهة الواقع. بدا متردداً للحظة، كأن عقله يبحث عن إجابة وسط دوامة من الأفكار المشوشة، ثم أخيرًا، بعد صمت امتد أكثر مما يجب، تمتم بصوت منخفض، متردد، لكنه لا يزال يحمل أثرًا من كاسبر القديم:
“لم أرد أن ألفت الانتباه لذلك، لكنك… بدون أي سبب أو دافع… بدأت بالصراخ فجأة… ثم هاجمته… بسلاسة شديدة.”
“آه… أعتذر، سيدي…”
“أنت تبدو… مثل الكيانات العظيمة من غابة غريمفليد.”
كانت كلماته بالكاد تخرج من بين شفتيه، كأنها محملة بثقل لم يعتد على حمله. ثم، وكأنه يحاول استجماع نفسه، أخذ نفسًا عميقًا، لكن حتى هذا بدا مجهدًا بالنسبة له.
ثم تابع، نبرته هذه المرة مزيج من الحيرة والاعتراف، وكأن الكلام ذاته كان صعبًا عليه:
حالتي هذه… مؤقتة.
لم أشاهد شيئًا كهذا حتى في أكثر أفلام الرعب سوداويةً. الجدران التي يفترض بها أن تكون ثابتة بدت وكأنها تنبض، تتحرك، كأنها جلد مخلوق حي يتنفس ببطء. لم يكن الضوء غائبًا تمامًا، لكنه كان مشوهًا، كأنه يخوض معركة خاسرة ضد شيء غير مرئي، شيء يلتهمه قبل أن يصل إلى عيني.
“من قبل… كنت تبدو مثل أي شخص عادي… بشري بدون أي قوة… لا تمتلك أي شيء مميز. لا سحر، لا تعزيز، لا قدرة فطرية، حتى تسلسلك الخاص لم يستيقظ بعد… حتى بين البشر العاديين، كنت أكثر من مجرد عادي.”
أمرًا عالميًا… أمرًا يختزل المفاهيم، يضرب وعي من يسمعه كما لو أنه صوت صادر من وراء الحقيقة.
ليس كاحترام، ليس كطاعة، بل كردة فعل لا إرادية.
توقفت عيناه للحظة على وجهي، وكأنهما تراقبان رد فعلي، وكأن جزءًا منه لم يكن متأكدًا مما إذا كان من الصواب قول هذه الكلمات بصوت عالٍ. ثم، بعد تردد بسيط، أضاف بصوت أكثر خفوتًا، كأن حقيقة كلماته كانت تخيفه بنفس القدر الذي تخيفني:
ليس كاحترام، ليس كطاعة، بل كردة فعل لا إرادية.
“لكن الشيء الغريب والمجنون… كان افتقارك لأي أثر من آثار الشذوذ. كنت… كورقة بيضاء وسط بحر من الحبر الأسود.”
تردد المصطلح في ذهني، كأنه طيف شيء مألوف، كأنني سمعتُه من قبل، لكن في مكان آخر، في سياق مختلف تمامًا. لماذا يكررونه؟ ولماذا يجعلني ذلك أشعر كما لو أن جزءًا مني يعرف تمامًا ما يعنيه… لكنه يرفض الاعتراف بذلك؟
كانت كلماته بالكاد تخرج من بين شفتيه، كأنها محملة بثقل لم يعتد على حمله. ثم، وكأنه يحاول استجماع نفسه، أخذ نفسًا عميقًا، لكن حتى هذا بدا مجهدًا بالنسبة له.
في تلك اللحظة، لاحظت أن كاسبر كان يقبض على كفيه بشدة، كأنما يحاول منع نفسه من الارتجاف. شعرت بشيء غير مريح في كلماته، شيء جعل الصمت الذي تلاها أكثر ثقلاً من أي صمت آخر مر بيننا من قبل.
أجسادهم سقطت أرضًا كما لو أن شيئًا ثقيلًا قد ضغط عليهم، كما لو أن قوة غير مرئية فرضت نفسها على كل من في الغرفة. رأيتُ عيونهم تتسع، وجوههم الشاحبة، ارتعاش أطرافهم، كأنهم شعروا بشيء لم يكن ينبغي لهم أن يشعروا به أبدًا.
“هذا…” ابتلع ريقه، وكأن ما سيقوله الآن أثقل من أن يُقال بسهولة. “هذا هو الشيء الوحيد الذي منعني من مهاجمتك.”
ليس بعد.
راقبته وهو يخفض رأسه قليلاً، كأن اعترافه هذا كان بمثابة هزيمة شخصية، أو ربما كان يعترف بشيء لم يكن يريد مواجهته من الأساس.
رفعت حاجبي ببطء.
“لكن الآن؟”
ركع الجميع.
أجاب، صوته بالكاد مسموع، لكن كل كلمة كانت تحمل وزنًا أثقل من سابقتها:
“لكن سابقًا… التقطت منك هالة… رفيعة المستوى… هالة لا يمكن أن تنبعث من شخص عادي.”
كانت نبرته محملة بشيء بين الخوف والذهول، وكأن الواقع بدأ ينهار أمامه.
قابلت ثلاثة جرذان لعينة لأول مرة في حياتي ، لم تكن مجرد مجرمين أو قطاع طرق، بل شيء أعمق، شيء أكثر خطورة. والآن، أنا هنا، أمام غرفة تحولت بشكل غريب، كأنها فقدت هويتها الأصلية، كأنها لم تعد تتبع القوانين ذاتها التي تحكم باقي المكان.
راقبته بصمت، أراقب تعابير وجهه المرتبكة، طريقة جلوسه المشدودة، الطريقة التي يحاول بها جاهدًا السيطرة على مشاعره لكنه يفشل في ذلك. لم يكن هذا مجرد كاسبر الذي عرفته… كان شيئًا مختلفًا.
حرك كاسبر يده ببطء، ثم أشار نحو الجسد الملقى على الأرض—هارونلد، الذي لم يتحرك منذ لحظة سقوطه.
كانت نبرته محملة بشيء بين الخوف والذهول، وكأن الواقع بدأ ينهار أمامه.
“لم أرد أن ألفت الانتباه لذلك، لكنك… بدون أي سبب أو دافع… بدأت بالصراخ فجأة… ثم هاجمته… بسلاسة شديدة.”
“آه… أعتذر، سيدي…”
كانت كلماته تحمل مزيجًا غريبًا من التردد والريبة، وكأنه لم يعد واثقًا مما يراه أمامه.
بصوت غريب… بارد… متسلط.
“لكن سابقًا… التقطت منك هالة… رفيعة المستوى… هالة لا يمكن أن تنبعث من شخص عادي.”
…
“آه… أعتذر، سيدي…”
لكنني فعلت ذلك، أليس كذلك؟
المشاعر المطلقة التي اجتاحتني منذ لحظات، تلك الدوامة من الاضطراب، القلق، والخوف، بدأت تتبخر. شعرت بها تتلاشى ببطء، وكأنها لم تكن سوى موجة مؤقتة من العاطفة، شيء عابر لم يكن جزءًا حقيقيًا مني.
“هذا…” ابتلع ريقه، وكأن ما سيقوله الآن أثقل من أن يُقال بسهولة. “هذا هو الشيء الوحيد الذي منعني من مهاجمتك.”
أعاد كاسبر نظره إليّ، عيناه لم تعدا تحملان ذلك الخوف الصريح، بل شيئًا آخر، شيئًا أكثر تعقيدًا، شيئًا لم أستطع تحديده بسهولة.
“لم أستطع أن أشاهد صديقًا آخر يموت أمامي…” قال أخيرًا، صوته محمّل بندم واضح، لكنه لا يزال يتحدث وكأنه يحاول فهم نفسه كما يحاول فهمي. “لذا لم أستطع سوى محاولة القتال… وأنا آسف حقًا.”
بمجرد سماع سؤاله… لم أستطع التحكم بجسدي.
لكنني لم أكن متأكدًا بعد…
كان أعمق.
هل هذا كاسبر الذي يتحدث؟ أم أن هناك شيئًا آخر يحركه من خلف الستار؟
لكنني لم أنخدع.
“لا أستطيع وصف ذلك يا سيدي…”
ماذا كان يتوقع مني عندما دخلتُ تلك الغرفة؟
لكنني لم أنخدع.
قابلت ثلاثة جرذان لعينة لأول مرة في حياتي ، لم تكن مجرد مجرمين أو قطاع طرق، بل شيء أعمق، شيء أكثر خطورة. والآن، أنا هنا، أمام غرفة تحولت بشكل غريب، كأنها فقدت هويتها الأصلية، كأنها لم تعد تتبع القوانين ذاتها التي تحكم باقي المكان.
لم أشاهد شيئًا كهذا حتى في أكثر أفلام الرعب سوداويةً. الجدران التي يفترض بها أن تكون ثابتة بدت وكأنها تنبض، تتحرك، كأنها جلد مخلوق حي يتنفس ببطء. لم يكن الضوء غائبًا تمامًا، لكنه كان مشوهًا، كأنه يخوض معركة خاسرة ضد شيء غير مرئي، شيء يلتهمه قبل أن يصل إلى عيني.
كان الأمر كما لو أنني أصبحت مجرد قناة لشيء أقدم مني، شيء ظل نائمًا في الظلام لفترة طويلة جدًا، والآن وجد أخيرًا فرصة للكلام.
ثم هناك هم.
“لكن الشيء الغريب والمجنون… كان افتقارك لأي أثر من آثار الشذوذ. كنت… كورقة بيضاء وسط بحر من الحبر الأسود.”
مجموعة زنادقة ملاعين، مسلحين، واقفين بصمت، لكنهم ليسوا مجرد رجال يحملون السلاح. لا، كان هناك شيء خاطئ فيهم، شيء يجعلني أشعر كما لو أنهم ليسوا سوى دمى، كأن أجسادهم مجرد قوالب فارغة تخفي بداخلها شيئًا آخر، شيئًا لا ينبغي أن يكون موجودًا في هذا العالم.
ماذا كان يتوقع مني عندما دخلتُ تلك الغرفة؟
ماذا كانوا سيفعلون لو عرفوا من أكون؟
لو عرفوا أنني مجرد شخص ضائع، أنني في وسط مهمة لا ينبغي أن يفشل فيها أحد. لو عرفوا أنني… مختلف.
هل هذا كاسبر الذي يتحدث؟ أم أن هناك شيئًا آخر يحركه من خلف الستار؟
مجموعة زنادقة ملاعين، مسلحين، واقفين بصمت، لكنهم ليسوا مجرد رجال يحملون السلاح. لا، كان هناك شيء خاطئ فيهم، شيء يجعلني أشعر كما لو أنهم ليسوا سوى دمى، كأن أجسادهم مجرد قوالب فارغة تخفي بداخلها شيئًا آخر، شيئًا لا ينبغي أن يكون موجودًا في هذا العالم.
لكن قبل أن أنغمس أكثر في التفكير، وجدتُ نفسي مشدودًا إلى كاسبر وكلماته، الكلمات التي بدت كأنها تنتمي لعالم مختلف تمامًا، مصطلحات لم أفهمها بالكامل، لكنها حملت ثقلًا جعل صدري ينقبض دون سبب واضح.
قدرة فطرية؟ التسلسل الخاص؟ الشذوذ؟
ظللتُ صامتًا، أسمح لكلماته بأن تتردد في الفراغ. تشبيه غريب، لكنه حمل في طياته معنى أعمق، معنى جعله يعيد النظر فيه على الفور.
السحر والتعزيز؟ حسنًا، على الأقل لدي فكرة غامضة عنهما، لكن تلك الأخرى… لم تكن مجرد كلمات عابرة. شعرت بها تتردد في رأسي كصدى لشيء أعرفه لكن لا أتذكره، كأنها ظلال ذكريات لم أمتلكها أبدًا.
لكنني لم أكن أراقبهم فقط.
لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا.
قابلت ثلاثة جرذان لعينة لأول مرة في حياتي ، لم تكن مجرد مجرمين أو قطاع طرق، بل شيء أعمق، شيء أكثر خطورة. والآن، أنا هنا، أمام غرفة تحولت بشكل غريب، كأنها فقدت هويتها الأصلية، كأنها لم تعد تتبع القوانين ذاتها التي تحكم باقي المكان.
حالتي هذه… مؤقتة.
الشذوذ… مجددًا؟
المشاعر المطلقة التي اجتاحتني منذ لحظات، تلك الدوامة من الاضطراب، القلق، والخوف، بدأت تتبخر. شعرت بها تتلاشى ببطء، وكأنها لم تكن سوى موجة مؤقتة من العاطفة، شيء عابر لم يكن جزءًا حقيقيًا مني.
نظرتُ إلى كاسبر، إلى توتره الصامت، إلى الطريقة التي لم يكن قادرًا فيها على النظر إليّ مباشرة. رغم ذلك، لم يكن يحاول الهرب، لم يكن يحاول إنكار ما يراه.
الشذوذ… مجددًا؟
الصمت الذي أعقب سؤاله لم يكن صمتًا عاديًا. كان أشبه بفراغ، بانتظار ثقيل، كأن العالم نفسه توقف للحظة، كأن الزمن تجمد، مترقبًا كلماتي القادمة.
ابتسمتُ، هادئًا كما لو أن كل شيء كان تحت سيطرتي، ثم سألتُ بصوت منخفض لكنه حاد، كأنني قطعت به الصمت المحيط بنا كالسيف:
قلتُها بنبرة لم أتعرف عليها.
“وكيف تراني الآن، كاسبر؟”
كان إحساسًا وحشيًا، غريزيًا، لا ينبع من أفكاري بل من شيء أعمق، شيء متجذر في وجودي ذاته.
تردد للحظة، وعيناه تتحركان في توتر واضح، لكنه لم يتجنب الإجابة.
إن كان هذا تمثيلًا، فهو متقن للغاية… ولكن لماذا أشعر بأنه ليس كذلك؟ لماذا يبدو وكأن هذه المشاعر ليست مجرد عرض زائف، بل جزء منه… جزء عميق كان مختبئًا طوال هذا الوقت؟
“لا أستطيع وصف ذلك يا سيدي…”
أجاب، صوته بالكاد مسموع، لكن كل كلمة كانت تحمل وزنًا أثقل من سابقتها:
توقف للحظة، وكأن الكلمات تهرب منه، وكأن عقله يحاول العثور على الطريقة الصحيحة لوصف شيء لا يمكن وصفه.
كان كأنني أنطق باسمي الحقيقي… اسم لم أكن أعرفه حتى الآن.
“لكنك… مثل فيل عظيم وسط مجموعة بيض عناكب.”
قابلت ثلاثة جرذان لعينة لأول مرة في حياتي ، لم تكن مجرد مجرمين أو قطاع طرق، بل شيء أعمق، شيء أكثر خطورة. والآن، أنا هنا، أمام غرفة تحولت بشكل غريب، كأنها فقدت هويتها الأصلية، كأنها لم تعد تتبع القوانين ذاتها التي تحكم باقي المكان.
حالتي هذه… مؤقتة.
ظللتُ صامتًا، أسمح لكلماته بأن تتردد في الفراغ. تشبيه غريب، لكنه حمل في طياته معنى أعمق، معنى جعله يعيد النظر فيه على الفور.
كان أعمق.
“لا… هذا لا يصفك بدقة. آسف على وصفك بهذا الشكل.”
كانت نبرته محملة بشيء بين الخوف والذهول، وكأن الواقع بدأ ينهار أمامه.
رفع بصره إلي، وعيناه كانتا مليئتين بشيء لم أفهمه بالكامل، لكنه كان قريبًا جدًا من الخوف، وإن لم يكن خوفًا طبيعيًا.
لكنني فعلت ذلك، أليس كذلك؟
“سيدي… لا أستطيع تقديم شيء دقيق، لكني أراك ككتلة شذوذ… لا نهائية.”
قلتُها بنبرة لم أتعرف عليها.
الشذوذ… مجددًا؟
قابلت ثلاثة جرذان لعينة لأول مرة في حياتي ، لم تكن مجرد مجرمين أو قطاع طرق، بل شيء أعمق، شيء أكثر خطورة. والآن، أنا هنا، أمام غرفة تحولت بشكل غريب، كأنها فقدت هويتها الأصلية، كأنها لم تعد تتبع القوانين ذاتها التي تحكم باقي المكان.
تردد المصطلح في ذهني، كأنه طيف شيء مألوف، كأنني سمعتُه من قبل، لكن في مكان آخر، في سياق مختلف تمامًا. لماذا يكررونه؟ ولماذا يجعلني ذلك أشعر كما لو أن جزءًا مني يعرف تمامًا ما يعنيه… لكنه يرفض الاعتراف بذلك؟
“لا… هذا لا يصفك بدقة. آسف على وصفك بهذا الشكل.”
“أنت تبدو… مثل الكيانات العظيمة من غابة غريمفليد.”
لم أُظهر أي ردة فعل واضحة، لكن عقلي كان يعمل بسرعة، يحاول تحليل الكلمات التي نطق بها.
قدرة فطرية؟ التسلسل الخاص؟ الشذوذ؟
ما الذي يعنيه هذا؟
كاسبر تابع، صوته أصبح أكثر انخفاضًا، كأن ما يقوله ليس مجرد كلمات، بل حقائق تجبره على إعادة التفكير في كل شيء يعرفه.
ماذا كانوا سيفعلون لو عرفوا من أكون؟
كان كأنني أنطق باسمي الحقيقي… اسم لم أكن أعرفه حتى الآن.
“أنت تبدو… مثل الكيانات العظيمة من غابة غريمفليد.”
غابة غريمفليد؟
“لا، في الواقع… حتى هم لا يعطون مثل هذا الوجود الغريب مثلك.”
شعرتُ بشيء ما يتحرك في داخلي عند ذكر هذا الاسم. لم يكن مجرد اسم بالنسبة لي، بل شيء أعمق، شيء مرتبط بذكريات لم أستطع استرجاعها بالكامل.
راقبته وهو يخفض رأسه قليلاً، كأن اعترافه هذا كان بمثابة هزيمة شخصية، أو ربما كان يعترف بشيء لم يكن يريد مواجهته من الأساس.
شيء بداخلي كان قد تحرر للحظات.
لكن كاسبر لم ينتهِ بعد.
حالتي هذه… مؤقتة.
كان إحساسًا وحشيًا، غريزيًا، لا ينبع من أفكاري بل من شيء أعمق، شيء متجذر في وجودي ذاته.
“لا، في الواقع… حتى هم لا يعطون مثل هذا الوجود الغريب مثلك.”
كلما واصل الحديث، كلما شعرتُ بالهواء يصبح أثقل، كأن كلماته كانت تضيف طبقة من الظلام فوق كل شيء حولنا.
“من الناحية النظرية…”
ثم، بعد لحظة صمت بدت وكأنها استمرت دهورًا، نظر إليّ مرة أخرى، ثم قال، بصوت خافت لكنه حمل في داخله ثقلًا لم أسمعه من قبل:
نظر إليّ مرة أخرى، لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف في نظراته، شيء يتجاوز الحيرة أو الخوف.
كلماتي لم تكن مجرد كلمات.
“أنت… لست موجودًا.”
“مجرد شخص عادي مجددًا… لكن عقلي، جسدي، وكياني كله… يحذرني من محاولة إلقاء نظرة عليك وفحصك.”
“هذا…” ابتلع ريقه، وكأن ما سيقوله الآن أثقل من أن يُقال بسهولة. “هذا هو الشيء الوحيد الذي منعني من مهاجمتك.”
الشذوذ… مجددًا؟
لم تكن كلماته مجرد استنتاجات عشوائية، لم تكن مجرد ملاحظات. كانت حقيقة يدركها عقله قبل أن يتمكن من فهمها بالكامل.
راقبته بصمت، أراقب تعابير وجهه المرتبكة، طريقة جلوسه المشدودة، الطريقة التي يحاول بها جاهدًا السيطرة على مشاعره لكنه يفشل في ذلك. لم يكن هذا مجرد كاسبر الذي عرفته… كان شيئًا مختلفًا.
“سيدي… أعذر جهلي وغبائي، لكن… من تكون؟”
ثم، بعد لحظة صمت بدت وكأنها استمرت دهورًا، نظر إليّ مرة أخرى، ثم قال، بصوت خافت لكنه حمل في داخله ثقلًا لم أسمعه من قبل:
لكنني لم أجب.
“سيدي… أعذر جهلي وغبائي، لكن… من تكون؟”
الصمت الذي أعقب سؤاله لم يكن صمتًا عاديًا. كان أشبه بفراغ، بانتظار ثقيل، كأن العالم نفسه توقف للحظة، كأن الزمن تجمد، مترقبًا كلماتي القادمة.
إن كان هذا تمثيلًا، فهو متقن للغاية… ولكن لماذا أشعر بأنه ليس كذلك؟ لماذا يبدو وكأن هذه المشاعر ليست مجرد عرض زائف، بل جزء منه… جزء عميق كان مختبئًا طوال هذا الوقت؟
“لكن سابقًا… التقطت منك هالة… رفيعة المستوى… هالة لا يمكن أن تنبعث من شخص عادي.”
لكنني لم أجب.
ليس بعد.
المشاعر المطلقة التي اجتاحتني منذ لحظات، تلك الدوامة من الاضطراب، القلق، والخوف، بدأت تتبخر. شعرت بها تتلاشى ببطء، وكأنها لم تكن سوى موجة مؤقتة من العاطفة، شيء عابر لم يكن جزءًا حقيقيًا مني.
بمجرد سماع سؤاله… لم أستطع التحكم بجسدي.
كأن هناك شيئًا آخر استيقظ بداخلي، ليس عقلًا، ليس وعيًا، بل رغبة بدائية قديمة، كأنها وُجدت قبلي بزمن غير معروف.
“لا، في الواقع… حتى هم لا يعطون مثل هذا الوجود الغريب مثلك.”
كان إحساسًا وحشيًا، غريزيًا، لا ينبع من أفكاري بل من شيء أعمق، شيء متجذر في وجودي ذاته.
“لا أستطيع وصف ذلك يا سيدي…”
سيطرتُ على جسدي… لكنني لم أكن أنا من يتحكم.
كلما واصل الحديث، كلما شعرتُ بالهواء يصبح أثقل، كأن كلماته كانت تضيف طبقة من الظلام فوق كل شيء حولنا.
كان الأمر كما لو أنني أصبحت مجرد قناة لشيء أقدم مني، شيء ظل نائمًا في الظلام لفترة طويلة جدًا، والآن وجد أخيرًا فرصة للكلام.
لو عرفوا أنني مجرد شخص ضائع، أنني في وسط مهمة لا ينبغي أن يفشل فيها أحد. لو عرفوا أنني… مختلف.
“سيد الفراغ وسط النور… ظل الفوضى داخل الجنون… الغريب من مملكة بعيدة… الأمير الثالث.”
كأن هناك شيئًا آخر استيقظ بداخلي، ليس عقلًا، ليس وعيًا، بل رغبة بدائية قديمة، كأنها وُجدت قبلي بزمن غير معروف.
قلتُها بنبرة لم أتعرف عليها.
“آه… أعتذر، سيدي…”
بصوت غريب… بارد… متسلط.
أجاب، صوته بالكاد مسموع، لكن كل كلمة كانت تحمل وزنًا أثقل من سابقتها:
“لكن سابقًا… التقطت منك هالة… رفيعة المستوى… هالة لا يمكن أن تنبعث من شخص عادي.”
كلماتي لم تكن مجرد كلمات.
كانت أمرًا.
أمرًا عالميًا… أمرًا يختزل المفاهيم، يضرب وعي من يسمعه كما لو أنه صوت صادر من وراء الحقيقة.
بمجرد نطقي للحرف الأول…
لم أشاهد شيئًا كهذا حتى في أكثر أفلام الرعب سوداويةً. الجدران التي يفترض بها أن تكون ثابتة بدت وكأنها تنبض، تتحرك، كأنها جلد مخلوق حي يتنفس ببطء. لم يكن الضوء غائبًا تمامًا، لكنه كان مشوهًا، كأنه يخوض معركة خاسرة ضد شيء غير مرئي، شيء يلتهمه قبل أن يصل إلى عيني.
ركع الجميع.
“هذا…” ابتلع ريقه، وكأن ما سيقوله الآن أثقل من أن يُقال بسهولة. “هذا هو الشيء الوحيد الذي منعني من مهاجمتك.”
ابتسمتُ، هادئًا كما لو أن كل شيء كان تحت سيطرتي، ثم سألتُ بصوت منخفض لكنه حاد، كأنني قطعت به الصمت المحيط بنا كالسيف:
ليس كاحترام، ليس كطاعة، بل كردة فعل لا إرادية.
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 1 يوم متبقي 14,000 شعلة الهدف: 66,666 21% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 5004Abdullah K🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉Hamood Mahemed💎 5004Abdullah K💎 5005ibrahim shazly💎 5006الخال!💎 100
أجسادهم سقطت أرضًا كما لو أن شيئًا ثقيلًا قد ضغط عليهم، كما لو أن قوة غير مرئية فرضت نفسها على كل من في الغرفة. رأيتُ عيونهم تتسع، وجوههم الشاحبة، ارتعاش أطرافهم، كأنهم شعروا بشيء لم يكن ينبغي لهم أن يشعروا به أبدًا.
غابة غريمفليد؟
لكنني لم أكن أراقبهم فقط.
كنتُ أراقب نفسي… أراقب فمي وهو يتحرك وينطق تلك الكلمات، أراقب صدى صوتي وهو يتردد في الفراغ، في الجدران، في شيء غير مرئي لكنني شعرت به.
ماذا كان يتوقع مني عندما دخلتُ تلك الغرفة؟
تقدمت نحوه خطوة، تاركًا ثقل الصمت يحيط بنا، قبل أن أقول بصوت ثابت، نبرة هادئة ولكنها لا تقبل المراوغة:
لم يكن هذا صوتي.
رفعت حاجبي ببطء.
كان أعمق.
كان أثقل.
توقف للحظة، وكأن الكلمات تهرب منه، وكأن عقله يحاول العثور على الطريقة الصحيحة لوصف شيء لا يمكن وصفه.
كان كأنني أنطق باسمي الحقيقي… اسم لم أكن أعرفه حتى الآن.
شيء بداخلي كان قد تحرر للحظات.
لكن السؤال الحقيقي…
رفع رأسه ببطء، وكأن كلماتي كانت حملاً ثقيلاً أجبره على مواجهة الواقع. بدا متردداً للحظة، كأن عقله يبحث عن إجابة وسط دوامة من الأفكار المشوشة، ثم أخيرًا، بعد صمت امتد أكثر مما يجب، تمتم بصوت منخفض، متردد، لكنه لا يزال يحمل أثرًا من كاسبر القديم:
“إذاً، كاسبر… هل ستتكلم؟”
هل كان هذا شيئًا جيدًا؟
ابتسمتُ، هادئًا كما لو أن كل شيء كان تحت سيطرتي، ثم سألتُ بصوت منخفض لكنه حاد، كأنني قطعت به الصمت المحيط بنا كالسيف:
كان إحساسًا وحشيًا، غريزيًا، لا ينبع من أفكاري بل من شيء أعمق، شيء متجذر في وجودي ذاته.
“سيدي… لا أستطيع تقديم شيء دقيق، لكني أراك ككتلة شذوذ… لا نهائية.”
