Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الشطرنج الأبدي 44

روان.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

روان.

الفصل 43 – روان

تبقّت منها اثنتان.

منذ بضع أعوام.

“تصفيق! تصفيق!”

>تحت السماء المظلمة، وراء جبال آرتيميس.

حدث كل هذا بسببها!

كبّل رجلٌ أسود الشعر، تدلت خصلاته كستائر ليلٍ أغرقتها الأمطار، بعينين كلهيب لايطفئ، بسلاسل أشد سواداً من السماء، فوق منصة من العار والدم.

“يافتى!”في تلك اللحظة، تحدّث أغاريس بفظاظة مخرباً الجو:”أنا جائع، أعدّ شيئاً!”

تجمّع الناس أسفله، بينما رمقوه بنظرات من الشماتة والرعب، ناظرين له وللجلاّد ذو النصل الأسود.

“اقتلوه! لتذهب روحه إلى الجحيم!”

تقدّم الجلّاد نحوه بخطواتٍ رزينة، كأنما يدوس بها على كرامته، قائلاً ببرود:”كينغرال سيد منزل فيدالم الأدنى، نُدينك بمحاولة التودّد إلى آنسةٍ من منزل أوريفيوس الأعلى، هل تعترف بخطيئتك؟”

لكنها لم تتحرك.

بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.

“وإن كنت لأختصر مقالي، فرحلة العيش ذاتها هي أكبر معنى.”

لم يكن عالم مصاصي الدماء كالبشر، ولم يعتمد على المنظمات أو الدول وإنمّا قدر الدم والسلالات، متبعاً نظام إقطاعيات نموذجي.

“جيد، جيد جداً! أنت رائع يافتى! تستحق ثنائي!”حتى أغاريس ببلادته، لم يسعه سوى التصفيق بثناء، معجباً بالمشهد:”يبدو لذيذاً، لكن أين اللحوم؟ أضف بعض اللحم!”

كان والدها – الفكيونت كينغرال آثماً إستحق القتل بموجب عدة قوانين، فبدمائه القذرة الدنيا كان قد تجرأ على “الزواج” من إحدى المنازل الثلاثة العظيمة، منزل دوقية أوريفيوس!

كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!

“هاهاها خطيئتي؟ إن كانت القلوب تُجرّم، فلتُكتب جريمتي بحروفٍ من نار، ولتموتوا في غيظكم، فلا أعترف بأيٍ مما تقول!”

راحت خضرواتٌ فاخرةٌ تلوّن الهواء مع دوران حلقات اللهب؛ حبات طماطم يانعة تتلألأ كالمرجان، وقرون فلفل أرجواني تتمايل كالشرائط في الريح، وأوراق ريحان خضراء تنثر عبيرها مع كل دوران.

“!!!”

“هاهاها خطيئتي؟ إن كانت القلوب تُجرّم، فلتُكتب جريمتي بحروفٍ من نار، ولتموتوا في غيظكم، فلا أعترف بأيٍ مما تقول!”

إنتشر صدى شهيقٍ حاد، حين هاجت الجموع ككلابٍ أُطلق لجامها:

كرهت روان والدتها كُل الكره، فبغض النظر عن كونها لم تربهما حتى، فقد تسببت الآن بمقتل والدها!

“أيها الوقح!”

لم يفهم كاليد هذا.

“أنّى لذي سلالة دنيئة أن يتجرأ!”

“بلوب.”

“اقتلوه! لتذهب روحه إلى الجحيم!”

…لكنها لم ترد الموت أيضاً.

“إنه لا يعرف مكانته، أخضعه!”

بدأ أليتاليس بتربية كريثل على الحقد!

“ابن العاهرة القذر!”

كانوا بحاجة إلى هذا النور، إلى أي شعاعٍ يخرق ظلام حياةٍ من الهرب والذل.

لم يَطرف الفيكونت كينغرال، لم يتراجع. كان واقفًا… رأسه مرفوع، ونظراته ترميهم كما ترمى السهام.

“ووش!!”

حتى في مواجهة الموت، لم يبدو الفيكونت كينغرال خائفاً، بل وضحك بغطرسة مستجيباً لهم بإحتقار.

رفع أغاريس حاجبيه،”آه، لقد إستيقظت الفتاة.”

“سووش!”

كان واجبه أثقل من الجبال، أن يعيد بناء اسم عائلته المحطم. وأن يصلح ما خلفه “ذنب” أخاه، والذي فاق الإستحالة.

في لحظة خاطفة، هوى نصل الجلّاد، تلاه صوت مكتوم.

‘لقد إعتدت على دمائهم بالفعل.’

“بلوب.”

“ابن العاهرة القذر!”

تدحرج رأس الفيكونت كينغرال على أرض المنصّة، متوقفًا بهدوء أمام أنظار الحشود. لم يسمع سوى صوت شهيق الرياح.

في لحظة، انتفخت الأرض بثغاءٍ رقيق، وشقت أنامل خضراء طريقها نحو السماء!

رغم موته، ظلّت على ملامحه ابتسامة متغطرسة، بلا همّ، فحتى في الموت بدا بلا ندم.

جبال آرتيميس الشاهقة حالت دون المرور، امتدت حتى كادت تلامس السماء، وتسلّقها سيستغرق سنوات.

هكذا بدا للوهلة الأولى. لكن من تمعّن النظر، رأى شيئًا آخر في عينيه؛ قلقًا دفينًا—حيث كان طفلاه وأخوه.

كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟

تشاركت روان وعمها وأخوها تعبيراً من اليأس والفجعة، ناظرين إلى ذلك الرأس المقطوع، مخالفين التعابير السائدة من الفرحة والراحة.

تراقص اللهب بجمال كبتلات ورود ملونة أسفل الثمار، وبحفيف من يده، تلاعب الماء المبهّر معه، منتجاً روائح داعبت أنف روان، كما لم تشمّ قط.

آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.

مدّت يدها المرتجفة، شاحبة الأطراف…

كانت قد فقدت والدها – سندها.

بدأ أليتاليس بتربية كريثل على الحقد!

كان الحشد يضحك، وسخر الكثيرون منه.

“ما مرادك من هذا المكان؟ ولم مازلت ملتصقاً بي؟”

كرهت روان والدتها كُل الكره، فبغض النظر عن كونها لم تربهما حتى، فقد تسببت الآن بمقتل والدها!

كانا أغاريس وكاليد.

حدث كل هذا بسببها!

روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.

كشخصٍ ينتمي إلى إحدى المنازل الثلاث العظيمة، فقد “أغوت” والدها – الفيكونت كينغرال مع معرفتها بالعواقب و أنجبتها و أخاها الصغير، ثم تخلصت منهم هكذا.

تقبّلت  الصحن، وهذه المرة لم تنسى أخلاقها، ممتنة لكاليد.

واجه الفيكونت كينغرال هذه النهاية لأنه أنه قد إرتبط بها.

في الظلام، عامت الأشباح بهدوء، منتجةً برودة لم تصدرها حتى أبرد الرياح. تارة كانت تهمس لها، منادية إياها للرحيل.

كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!

أعطى الكاهن لأليتاليس وحياً، وذرف أليتاليس الدموع؛ دموع راحةً، وسكينة.

منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.

لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”

تم إعتبار منزل فيدالم آثماً؛ وبموجب ذلك دُمر وإختفى من الوجود!

كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟

كان هذا المنزل تاريخاً؛ إرثاً عاش لالآف السنين!

كان واجبه أثقل من الجبال، أن يعيد بناء اسم عائلته المحطم. وأن يصلح ما خلفه “ذنب” أخاه، والذي فاق الإستحالة.

قال عمها أليتاليس:”يا عزيزتي روان، لا نستطيع البقاء هنا. فربما قد نكون التاليين.”

“ووش!!”

بدأ الثلاثة بالترحال؛ بالأحرى الهرب.

بهمسةٍ باردة، استدعى أليتاليس سحره الجليدي، فحطّم الأرض المتشققة.

كان سبب ذلك بسيطاً: حتّم منزل أوريفيوس على منزل فيدالم الفناء؛ أي أن كل من إنتمى له يجب أن يقتل!

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

كان كلا من روان وكريثل هجينين قد لوّث وجودهما اسم منزل أوريفيوس؛ ومن هذا المنطلق، وجب إبادتهما بلا شك. فقد كان هذا تدنيساً!

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

لم يكن عمها أليتاليس ليسمح بذلك، فقد كانا عائلته الوحيدة في هذا العالم، والأهم أنهما سليلا أخيه الوحيدين، وآخر ورثة منزل فيدالم. فهو نفسه كان عقيماً. وموتهما عنى فناء منزل فيدالم حقاً من الوجود.

كانت الفتاة التي أنقذها كاليد بعد إعدام أليتاليس.

لم يكن أليتاليس ليسمح بذلك.

“ظلام؟”إعمقت نظرة كاليد محللاً عيناها والهالة منهما، وعبس دون إدراكه متمتماً:”وهذا المستوى…أوريفيوس؟”

مع ترحالهم وهروبهم، عاشوا في الغابات و تحت الكهوف. بين الثلوج والعواصف، تسلقوا الجبال الشاهقة و وعبروا البحيرات و الأنهار. وكثيراً ما طوردوا من قبل جلادي منزل أوريفيوس.

دبّ الرعب فيها وفي كريثل، فقد فارقا عمهما الذي قد كانا معه طيلة أربعة أعوام،

قاتل أليتاليس الجلّادين بشدة و بأس، مستعرضاً سحر الجليد الذي تميز به منزل فيدالم بأشكالٍ عديدة من الزهور والنباتات؛ لكنه لم يفز دائماً، وخسر عدة مرات، حتى فقدان ذراعه اليُمنى ذات مرة.

حتى في مواجهة الموت، لم يبدو الفيكونت كينغرال خائفاً، بل وضحك بغطرسة مستجيباً لهم بإحتقار.

كان كلا من روان وكرثيل يشاهدان هذا بمزيج من مشاعر العجز و الإحباط، ومازادهما ذلك إلّا يأساً وألماً. بالأخص لروان التي علمت أن وجودهما بحد ذاته قد كان السبب.

كان الضوء المتلألأ في عيني روان القاتمة، مماثلاً للذي في الطبق الزجاجي. فلم ترى في حياتها أجمل من هذا.

كانت ترى عمها يموت تدريجياً، وأخيها الذي لم يبلغ الحلم بعد يخسر طفولته ببطء.

كانا أغاريس وكاليد.

كانت صامتة، كان لدى عمها أليتاليس ما يشغله من نكد وألم، و خشيت من زيادة المشاكل فوق رأسه. كان أخوها الأصغر كريثل صامتاً أيضاً. طيلة الرحلة كان فقط يُحدق بهما بصمت، لكن روان قد علمت بسوء حالته.

وقال:”لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا.”

كان كريثل طفلاً، لم يرد لا أليتاليس ولا روان أن يختبر هذه المعيشة مبكراً وينشأ عليها؛ لكن هذا قد كان واقعاً، وحُتِّم عليه ذلك.

“جائع؟ إذن، تجهّز!”إبتسم نحو روان، ثم قال:”دعينا من الكلام وننتقل للأفعال؛ سأريك شيئاً من جمال الحياة.”

في مرحلة ما، تغيّر فكر أليتاليس.

إنتشر صدى شهيقٍ حاد، حين هاجت الجموع ككلابٍ أُطلق لجامها:

“كريثل، أترى هؤلاء؟”

مدّ كاليد يده بخفة، ومن لا شيء تراقصت نسائم دافئة حوله، كانت تدور بذكاء، تقطع الأوراق والثمار بطرف الريح كسكاكين خفية.

“كريثل، إكرههم جميعاً. لقد قتلوا والدك، ولست عنه ببعيد.”

بات الهواء أبرد، ونبضها بات يصبح… أبطأ فأبطأ.

بدأ أليتاليس بتربية كريثل على الحقد!

كان مفتاح المصفوفة…بيد العم أليتاليس، ما يعني أن بدون عودته لم يستطيعا الخروج.

لم يزني الكونت كينغرال بابنة منزل أوريفيوس تلك وينجب منها طفلين، بل كان زواجاً صحيحاً قد ووفِقَ عليه، وأنجبتهما برضاها. لكنها لم تعلم كيف تغيرت الأمور فجأة للأسوأ.

‘هل تخلّى عمي عنا؟’

في صباها، لم توجد أمها حولها لتربيتها، لكن والدها – الفيكونت كينغرال قد كان موجوداً ربّاها وعلمها وأعطاها ما إفتقرت له من دفأ. كان عمها أليتاليس كذلك، ربوها بكل حب.

في أقصى الجنوب الشرقي من القارة، خلف جبالٍ لا تُعبر، في إمبراطوريةٍ بشرية تُدعى فولنهايم، ينتظركم قدَر.

كان كريثل مختلفاً، ذكرياته بشأن والده كانت غير واضحة . عندما أُعدم الفيكونت، كان عمره 7 أعوام.

‘أنا خائفة.’

حاولت روان يائسةً أن تمنحه دفئًا يوازي ما سُرق منه، لكن مشهد الدم على منصة الإعدام لم يفارقه، ظلّ محفورًا في ذاكرته كندبة لا تندمل.

كان الحشد يضحك، وسخر الكثيرون منه.

‘واخوفي عليه، أسيعيش كطفل عادي؟’

آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.

لم تعلم روان.

كان كريثل مختلفاً، ذكرياته بشأن والده كانت غير واضحة . عندما أُعدم الفيكونت، كان عمره 7 أعوام.

في أحد أيام الهرب الطويلة، التقوا بكاهن عند أطراف منطقة القمر السفلي، بدا كما لو أن القدر رتّبه بنفسه.

كان الأول شاباً بشعرٍ كأعشاب لامعة، مرتدياً لباساً أجنبياً ثقيلاً متعدد الألوان، وقناعاً أسوداً غطى نصف وجهه السفلي، قد أعطاه هالةً من الغموض، كان مضجعاً على جنبه، مستمعاً للآخر.

عندما طلب أليتاليس مساعدته بلهفة، رفض الأخير أي مقابل.

تجمّع الناس أسفله، بينما رمقوه بنظرات من الشماتة والرعب، ناظرين له وللجلاّد ذو النصل الأسود.

وقال:”لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا.”

واحدًا تلو الآخر.

كانوا بحاجة إلى هذا النور، إلى أي شعاعٍ يخرق ظلام حياةٍ من الهرب والذل.

تراقص اللهب بجمال كبتلات ورود ملونة أسفل الثمار، وبحفيف من يده، تلاعب الماء المبهّر معه، منتجاً روائح داعبت أنف روان، كما لم تشمّ قط.

أعطى الكاهن لأليتاليس وحياً، وذرف أليتاليس الدموع؛ دموع راحةً، وسكينة.

حين فتحت عينيها، لم يكن العم هناك…ولا المصفوفة.

لقد حُمّل ما لا يطاق.

ومن تحت الأنقاض، أخرج صندوقًا حجريًّا مغلقًا بإحكام.

كان واجبه أثقل من الجبال، أن يعيد بناء اسم عائلته المحطم. وأن يصلح ما خلفه “ذنب” أخاه، والذي فاق الإستحالة.

هل كانت لتحيي العائلة؟ لم ترىً معنىً من ذلك، فلم تكن برجل مجد الإرث والإسم.

شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.

في الفسحة الخافتة بين حطام الأبنية والظلال، كوّر كاليد يديه فوق الأرض، إنعكس ضوء الشفق الملون على عينيه اللامعتين، أخذ يبعثر قبضةً من البذور فوق التراب الجاف، ثم مرّر أصابعه في الهواء.

كانت توجد فرصةٌ لهم للإرتفاع من جديد.

لم يكن عمها أليتاليس ليسمح بذلك، فقد كانا عائلته الوحيدة في هذا العالم، والأهم أنهما سليلا أخيه الوحيدين، وآخر ورثة منزل فيدالم. فهو نفسه كان عقيماً. وموتهما عنى فناء منزل فيدالم حقاً من الوجود.

قال الوحي—

“سووش!”

في أقصى الجنوب الشرقي من القارة،
خلف جبالٍ لا تُعبر،
في إمبراطوريةٍ بشرية تُدعى فولنهايم،
ينتظركم قدَر.

منذ بضع أعوام.

فرصةٌ غامضة، بالقدرة على التحكم بالدم بطلاقةٍ تامة، وبإمكانكم أخذ العفو إذا سلمتوه للعائلة الملكية.

ثم، تحت لمسة خفيفة من كف كاليد، انفجرت بذورٌ صغيرة فأنبتت فجأة عنقود عنبٍ بلون العقيق، وتفاحًا بحمرة الفجر، وجزرًا نحيلًا براقًا كالذهب.

في الواقع، قدّرت منازل مصاصي الدماء القدرة على التحّكَم بالدم؛ فقد كانت علامةً على نقاوة الدم.

آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.

إن كانت وحي الكاهن صحيحاً…

“عنصر نار قوي…أين هو؟”

عادوا إلى الأرض القديمة حيث إرتفع اسم فيكونتية فيدالم ذات مرة، تلك الأرض التي لم تبقَ فيها سوى الأطلال والذكريات المدفونة.

حدث كل هذا بسببها!

كانوا كأشباح تسللت تحت عباءة الليل.

لكنها لم تتحرك.

بهمسةٍ باردة، استدعى أليتاليس سحره الجليدي، فحطّم الأرض المتشققة.

في الواقع، قدّرت منازل مصاصي الدماء القدرة على التحّكَم بالدم؛ فقد كانت علامةً على نقاوة الدم.

ومن تحت الأنقاض، أخرج صندوقًا حجريًّا مغلقًا بإحكام.

لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”

داخله، وُجدت ورقة قديمة — كانت مصفوفة نقل آني متحركة، محفورة بسحر الفضاء.

‘هل كنا عبئاً؟’

قال أليتاليس لروان وكريثيل أن هذه المصفوفة خُبئت هنا منذ حرب الدم البارد منذ آلاف السنين، وكان من المفترض ألّا تُستخدم أبدًا. لكنهم لم يملكوا ملاذاً آخراً.

جبال آرتيميس الشاهقة حالت دون المرور، امتدت حتى كادت تلامس السماء، وتسلّقها سيستغرق سنوات.

“هاك رحيق السنا، بالهناء عليك.”

وأتبع في كلامه أن هذه المصفوفة صُنعت بيد خبير أبعاد سريّة، لصٍّ قديم دان لأسلاف عائلة فيدالم، ومن أجل ردّ الدين، منحهم خمس مصفوفات…ذات استخدامٍ واحد.

“معنى؟”لم يستسغ كاليد رؤية الألم على وجه الحسناوات، وقال مومئاً،”أكيد، فالحياة مليئة بشتّى المجامل والمحاسن، وألستِ أحدها؟ إستكشاف هذا المجامل وعيشها والبحث عنها بل والتأمل بها يعطي معنىً للحياة، فهذا العالم جميل.”

تبقّت منها اثنتان.

“اقتلوه! لتذهب روحه إلى الجحيم!”

استخدموا إحداها.

“لعنة؟”رفع خالد حاجباً، قبل أن يتغير تعبيره ويبتسم،”ممتاز، لنتفق: ستساعدني في شغلة ما، وبالمقابل سأفكُّ عنك لعنتك، موافق؟”

بدأوا بالتنقّل عبر الفضاء…

“أزيرزز!!”

واحدًا تلو الآخر.

“جائع؟”عبس كاليد نحو أغاريس، كان هذا الفتى وقحاً حقاً، حتى في لحظات كهذه:”هذا ليس بالوقت المناسب لـ…أوه، عليك نور!”

وفي كل مرة، كانوا على وشك أن يُقبض عليهم من قِبل البشر، لكنهم نجوا.

‘أنا خائفة.’

وفي لحظةٍ من غفلة، لمس كريثل ، تيارات الفضاء الملتوية بالخطأ. شعرت روان بالرعب، وما كان لها إلا إحتضانه بسرعةٍ خوفاً عليه، لكن مالم تحسب حسابه هو أنها حين رمشت أظلم كل شيء.

حتى في مواجهة الموت، لم يبدو الفيكونت كينغرال خائفاً، بل وضحك بغطرسة مستجيباً لهم بإحتقار.

حين فتحت عينيها، لم يكن العم هناك…ولا المصفوفة.

لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”

ولا أي وسيلة للعودة.

فجأة، شعر كلاهما بالقشعريرة أسفل ظهورهما، وبلا تردد، نظرا نحو إتجاه واحد!

كانا وحدهما.

تفتحت زهورٌ صغيرة بلون الذهب والقرمزي، وعلى أغصانها الوليدة تمايلت ثمارٌ طازجة نضرة، مبرزةً سحر الحياة الذي لا يخفى على ناظره.

دبّ الرعب فيها وفي كريثل، فقد فارقا عمهما الذي قد كانا معه طيلة أربعة أعوام،

شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.

ظلامٌ كثيف، وغبارٌ خانق، وأرضٌ مغطاة بركام الأحجار والهياكل العظمية والجداريات المحطّمة، ونسيمٌ بارد كأنّه آتٍ من قاع الجحيم.

‘واخوفي عليه، أسيعيش كطفل عادي؟’

بعد أن هدأت رعشة المفاجأة، أدركت روان:
لقد انفصلا عن عمهما أليتاليس، وانتقلا إلى بُعدٍ سري مهجور!

مع ترحالهم وهروبهم، عاشوا في الغابات و تحت الكهوف. بين الثلوج والعواصف، تسلقوا الجبال الشاهقة و وعبروا البحيرات و الأنهار. وكثيراً ما طوردوا من قبل جلادي منزل أوريفيوس.

كان مفتاح المصفوفة…بيد العم أليتاليس، ما يعني أن بدون عودته لم يستطيعا الخروج.

“ظلام؟”إعمقت نظرة كاليد محللاً عيناها والهالة منهما، وعبس دون إدراكه متمتماً:”وهذا المستوى…أوريفيوس؟”

لقد قررت إنتظاره هنا و عدم التحرك.

كرهت روان والدتها كُل الكره، فبغض النظر عن كونها لم تربهما حتى، فقد تسببت الآن بمقتل والدها!

كان من المؤكد أن عمهما سيعود من أجلهما.

تم إعتبار منزل فيدالم آثماً؛ وبموجب ذلك دُمر وإختفى من الوجود!

بعد مضي خمس أيام، سقط كريثل، ولم يسع جسده الهزيل التحمل.

روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.

جوع، وبرد، ورعب.

حدث كل هذا بسببها!

مهما فكرت، لم تستطع روان الخروج بأي حلول، فلم تحمل معها شيئاً لإطعامه.

كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟

روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.

…لكنها لم ترد الموت أيضاً.

كانت جائعة.

واجه الفيكونت كينغرال هذه النهاية لأنه أنه قد إرتبط بها.

‘أشتهي دماً…’

“أزيزززز!!”

‘حتى لو كانت دماء حشرة.’

شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.

‘لقد إعتدت على دمائهم بالفعل.’

‘أشتهي دماً…’

لكنها لم تتحرك.

كان مفتاح المصفوفة…بيد العم أليتاليس، ما يعني أن بدون عودته لم يستطيعا الخروج.

خشيت أن يعود العم ولا يجدها.

…

إنتظرت عمها أليتاليس لينقذهم.

امتزجت جميعها في عناق الهواء والنار، حيث تُقشّر وتقُطع وتُطهى دون أن تمسها يد، بل بحنوّ سحره. وفي النهاية، جمعت حلقات اللهب نفسها إلى طبقٍ بسيط زجاجي، لكن مفعمٍ بالحياة، قدّمه كاليد بلباقة إلى مصاصة الدماء اليائسة.

مرّ الوقت… ولم يعد أحد.

“معنى؟”لم يستسغ كاليد رؤية الألم على وجه الحسناوات، وقال مومئاً،”أكيد، فالحياة مليئة بشتّى المجامل والمحاسن، وألستِ أحدها؟ إستكشاف هذا المجامل وعيشها والبحث عنها بل والتأمل بها يعطي معنىً للحياة، فهذا العالم جميل.”

بدأت الأفكار السوداء تنهشها:

كان من المؤكد أن عمهما سيعود من أجلهما.

‘هل تخلّى عمي عنا؟’

هل كانت لتنتقم من دوقية والدتها – أوريفيوس؟ لقد كرهت والدتها كل الكره، وكذا عموم مصاصي الدماء، لكنها لم ترى من معنىً في الإنتقام. لقد رأت أخيها الذي نشأ مشوهاً بالكره، وعمّها الذي لم يرد إلا عودة العائلة؛ لم ترد أياً منهما.

‘هل كنا عبئاً؟’

في أحد أيام الهرب الطويلة، التقوا بكاهن عند أطراف منطقة القمر السفلي، بدا كما لو أن القدر رتّبه بنفسه.

‘هل كنا عائقًا؟ ألهذا حال دوننا؟’

بالنظر في الأمر. لم يكن لها صوت منذ البداية، فقد كانت نكرة.

بات الهواء أبرد، ونبضها بات يصبح… أبطأ فأبطأ.

“هذا العالم جميل…؟”تعمّق الضوء المظلم في عيني روان، حين تعاقد حاجباها الساكنان وإرتجف كتفاها الرقيقين:”أين؟ أي جمال؟ أتهزأ بي؟”

‘من هو هذا الطفل؟’

إبتسم كاليد بذلك، وقال:”يالها من تأثيرٍ طبي جيّد في جسدك، يبدو أنه قد كان مقموعاً لعدم توفر مغذيات كفاية لديك. فور أن عالجت عروق المانا لديك؛ وإذا به ينهمر كسد منفجر. لا تحتاجين الآن إلا الراحة والتغذية.”

‘لماذا عليّ أن أعتني به؟’

بدأوا بالتنقّل عبر الفضاء…

كان كل شيء يتجمد.

“هاهاها خطيئتي؟ إن كانت القلوب تُجرّم، فلتُكتب جريمتي بحروفٍ من نار، ولتموتوا في غيظكم، فلا أعترف بأيٍ مما تقول!”

كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟

‘أشتهي دماً…’

‘بطل، ساحر، أو حتى قديس، أنقذونا.’

رفع أغاريس حاجبيه،”آه، لقد إستيقظت الفتاة.”

بالنظر في الأمر. لم يكن لها صوت منذ البداية، فقد كانت نكرة.

لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”

‘لا أستطيع المثابرة، لكنني…لا أبغي الموت.’

في مرحلة ما، تغيّر فكر أليتاليس.

في الظلام، عامت الأشباح بهدوء، منتجةً برودة لم تصدرها حتى أبرد الرياح. تارة كانت تهمس لها، منادية إياها للرحيل.

ناهيك عن عدم أهليتها لمعارضة منزل عريق مثله، إحدى الدوقيات الثلاثة العظيمة.

‘أنا خائفة.’

امتزجت جميعها في عناق الهواء والنار، حيث تُقشّر وتقُطع وتُطهى دون أن تمسها يد، بل بحنوّ سحره. وفي النهاية، جمعت حلقات اللهب نفسها إلى طبقٍ بسيط زجاجي، لكن مفعمٍ بالحياة، قدّمه كاليد بلباقة إلى مصاصة الدماء اليائسة.

ما كان لها إلا احتضان أخاها الذي بات كالثلج في مرحلة ما، وأغلقت جفونها.

“أزيزززز!!”

ظنّت أن الموت، قد…يحررها.

مهما فكرت، لم تستطع روان الخروج بأي حلول، فلم تحمل معها شيئاً لإطعامه.

مدّت يدها المرتجفة، شاحبة الأطراف…

في صباها، لم توجد أمها حولها لتربيتها، لكن والدها – الفيكونت كينغرال قد كان موجوداً ربّاها وعلمها وأعطاها ما إفتقرت له من دفأ. كان عمها أليتاليس كذلك، ربوها بكل حب.

مستجمعةً آخر حولها، حاولت روان فتح عيناها بشق، لكنها لم تبصر أو تمس شيئاً.

“ووش!!”

منذ اليوم الذي أُعدم فيه والدها، وحتى الآن، لم ترَ روان أيّ ضوء.

بعد أن هدأت رعشة المفاجأة، أدركت روان: لقد انفصلا عن عمهما أليتاليس، وانتقلا إلى بُعدٍ سري مهجور!

– كانت حياتها لاتزال قاتمة .

ظلامٌ كثيف، وغبارٌ خانق، وأرضٌ مغطاة بركام الأحجار والهياكل العظمية والجداريات المحطّمة، ونسيمٌ بارد كأنّه آتٍ من قاع الجحيم.

…

“ووش!!”

شعرت روان وكأنها تغوص في الماء، فلم ترى إلاّ الظلام.

لم يكن عمها أليتاليس ليسمح بذلك، فقد كانا عائلته الوحيدة في هذا العالم، والأهم أنهما سليلا أخيه الوحيدين، وآخر ورثة منزل فيدالم. فهو نفسه كان عقيماً. وموتهما عنى فناء منزل فيدالم حقاً من الوجود.

لكن رغم حلوكه، إلا أن صدى صوتٍ باهت قد رنّ حولها، قائلاً:

أبقت روان على صمتها، ونظرت له منتظرة ما سيفعل.

“إبقي حيّة يا فتاة…فالوقت ليس مناسباً للموت بعد.”

…لكنها لم ترد الموت أيضاً.

…

في الظلام، عامت الأشباح بهدوء، منتجةً برودة لم تصدرها حتى أبرد الرياح. تارة كانت تهمس لها، منادية إياها للرحيل.

> بعد بضع أيّام.

ظلامٌ كثيف، وغبارٌ خانق، وأرضٌ مغطاة بركام الأحجار والهياكل العظمية والجداريات المحطّمة، ونسيمٌ بارد كأنّه آتٍ من قاع الجحيم.

أسفل أضواء الأشفاق، وبين الرمال، على بساطٍ ملون، وجد شابان، بينما نامت عذراء متعرقة بالألام.

شعرت روان؛ أو كما سمّاها منقذها مرة، كلير. بيأسٍ عارم.

كان الأول شاباً بشعرٍ كأعشاب لامعة، مرتدياً لباساً أجنبياً ثقيلاً متعدد الألوان، وقناعاً أسوداً غطى نصف وجهه السفلي، قد أعطاه هالةً من الغموض، كان مضجعاً على جنبه، مستمعاً للآخر.

كانت فتاة بشعرٍ قصير، حالك السواد ذو خصلة بيضاء، أشعت عيناها الدمويتين بضوءٍ بنفسجي مظلم، بينما لمع ناباها القصيران، مبرزين هويتها كمصاصة دماء!

كان الثاني فتىً يافعاً، بشعرٍ أحمر من الدم، ذو بريقٍ مظلم، كان مميز العينين، مختلفتا اللونين. متحدثاً بإثارة.

“أزيرزز!!”

كانا أغاريس وكاليد.

شعرت روان وكأنها تغوص في الماء، فلم ترى إلاّ الظلام.

“ما مرادك من هذا المكان؟ ولم مازلت ملتصقاً بي؟”

كان كلا من روان وكرثيل يشاهدان هذا بمزيج من مشاعر العجز و الإحباط، ومازادهما ذلك إلّا يأساً وألماً. بالأخص لروان التي علمت أن وجودهما بحد ذاته قد كان السبب.

لم يفهم كاليد هذا.

كان كلا من روان وكرثيل يشاهدان هذا بمزيج من مشاعر العجز و الإحباط، ومازادهما ذلك إلّا يأساً وألماً. بالأخص لروان التي علمت أن وجودهما بحد ذاته قد كان السبب.

بدا وكأن أغاريس قادرٌ على إيجاده أينما كان.

عندما طلب أليتاليس مساعدته بلهفة، رفض الأخير أي مقابل.

“ألم أخبرك؟ أنا ملعون!”عبّس أغاريس:”أخبرتني سلفاً بقدرتك على إزالة اللعنة، مالك تراجعت عن كلامك؟ سأقتلك!”

كانت روان ضائعة، كمن سار في درب بلا وجهة.

“لعنة؟”رفع خالد حاجباً، قبل أن يتغير تعبيره ويبتسم،”ممتاز، لنتفق: ستساعدني في شغلة ما، وبالمقابل سأفكُّ عنك لعنتك، موافق؟”

تنهد في نفسه:’آه، كان ليُستحسن لو كنا في قرية أقزام، لكن الجود بالموجود.’

“جيد! أنت أرجل مما إعتقدت!”صفق أغاريس، نظر إلى الأفق مبتسماً:”لنبدأ بعنصر النار القوي هذا، فأثق بقدرته على تطهيري من لعنتي.”

كانت صامتة، كان لدى عمها أليتاليس ما يشغله من نكد وألم، و خشيت من زيادة المشاكل فوق رأسه. كان أخوها الأصغر كريثل صامتاً أيضاً. طيلة الرحلة كان فقط يُحدق بهما بصمت، لكن روان قد علمت بسوء حالته.

“عنصر نار قوي…أين هو؟”

إن كانت وحي الكاهن صحيحاً…

“ألا تشعر به؟”كانت عينا أغاريس مختلفتا الألوان تبرقان بضوءٍ لا تشوبه شائبة:”إنه هناك! عنصر النار هذا قمة في النقاء والقوة، أنا متأكد أن ضربة منه كافية لإحراق كل هذا الفضاء ومافيه!”

“وإن كنت لأختصر مقالي، فرحلة العيش ذاتها هي أكبر معنى.”

“لهذه الدرجة؟”تجولت عينا كاليد حول المكان، لكنه لم يرى أو يستشعر أي شيء. هل كان أغاريس يهذي؟ أم أن غريزته قد كانت صائبة؟

شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.

‘…آه، لقد ذكر ذلك قبل أن تبتلعنا البوابة.’تذكّر كاليد، وشعر فجأة بأن الأمر يستحق التجربة:”إذن من أين نبدأ؟ لنؤجل خدمتي هذه، ونبدأ بك.”

الفصل 43 – روان

“ووش!!”

منذ اليوم الذي أُعدم فيه والدها، وحتى الآن، لم ترَ روان أيّ ضوء.

فجأة، شعر كلاهما بالقشعريرة أسفل ظهورهما، وبلا تردد، نظرا نحو إتجاه واحد!

“إنه لا يعرف مكانته، أخضعه!”

رفع أغاريس حاجبيه،”آه، لقد إستيقظت الفتاة.”

“معنى؟”لم يستسغ كاليد رؤية الألم على وجه الحسناوات، وقال مومئاً،”أكيد، فالحياة مليئة بشتّى المجامل والمحاسن، وألستِ أحدها؟ إستكشاف هذا المجامل وعيشها والبحث عنها بل والتأمل بها يعطي معنىً للحياة، فهذا العالم جميل.”

كانت فتاة بشعرٍ قصير، حالك السواد ذو خصلة بيضاء، أشعت عيناها الدمويتين بضوءٍ بنفسجي مظلم، بينما لمع ناباها القصيران، مبرزين هويتها كمصاصة دماء!

تم إعتبار منزل فيدالم آثماً؛ وبموجب ذلك دُمر وإختفى من الوجود!

كانت الفتاة التي أنقذها كاليد بعد إعدام أليتاليس.

قال الوحي—

“ظلام؟”إعمقت نظرة كاليد محللاً عيناها والهالة منهما، وعبس دون إدراكه متمتماً:”وهذا المستوى…أوريفيوس؟”

“ووش!” “ووش!”

خفف نظرته، ثم قال بصوته المهدئ:”طاب مساءك.”

كان هذا المنزل تاريخاً؛ إرثاً عاش لالآف السنين!

حدّقت الفتاة حولها صامتة. ثم رفعت نظرتها نحو أضواء الشفق في السماء، ولانت عيناها لاشعورياً. قبل أن تخفضهما نحو كاليد.

مات والدها معدماً، وكذا عمها أيضاً. ولم يختلف مصير أخيها الصغير رغم كل محاولاتها عنهما كذلك. وفي النهاية، كانت هي الناجية الوحيدة.

إبتسم كاليد بذلك، وقال:”يالها من تأثيرٍ طبي جيّد في جسدك، يبدو أنه قد كان مقموعاً لعدم توفر مغذيات كفاية لديك. فور أن عالجت عروق المانا لديك؛ وإذا به ينهمر كسد منفجر. لا تحتاجين الآن إلا الراحة والتغذية.”

حين فتحت عينيها، لم يكن العم هناك…ولا المصفوفة.

لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”

لقد كرهت روان هذا العالم ومافيه.

شعرت روان؛ أو كما سمّاها منقذها مرة، كلير. بيأسٍ عارم.

“يافتى!”في تلك اللحظة، تحدّث أغاريس بفظاظة مخرباً الجو:”أنا جائع، أعدّ شيئاً!”

مات والدها معدماً، وكذا عمها أيضاً. ولم يختلف مصير أخيها الصغير رغم كل محاولاتها عنهما كذلك. وفي النهاية، كانت هي الناجية الوحيدة.

كرهت روان والدتها كُل الكره، فبغض النظر عن كونها لم تربهما حتى، فقد تسببت الآن بمقتل والدها!

هل كانت لتحيي العائلة؟ لم ترىً معنىً من ذلك، فلم تكن برجل مجد الإرث والإسم.

“ابن العاهرة القذر!”

هل كانت لتنتقم من دوقية والدتها – أوريفيوس؟ لقد كرهت والدتها كل الكره، وكذا عموم مصاصي الدماء، لكنها لم ترى من معنىً في الإنتقام. لقد رأت أخيها الذي نشأ مشوهاً بالكره، وعمّها الذي لم يرد إلا عودة العائلة؛ لم ترد أياً منهما.

“بلوب.”

ناهيك عن عدم أهليتها لمعارضة منزل عريق مثله، إحدى الدوقيات الثلاثة العظيمة.

بدأ الثلاثة بالترحال؛ بالأحرى الهرب.

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

“وإن كنت لأختصر مقالي، فرحلة العيش ذاتها هي أكبر معنى.”

شعر كاليد بمدى يأسها وصدق ضياعها، وتنهد محدثاً نفسه:’ظننت ذلك، أثّر موت ذلك الرجل عليها…يا ربّاه، هذه ورطة…’

“…شكراً لك.”

“معنى؟”لم يستسغ كاليد رؤية الألم على وجه الحسناوات، وقال مومئاً،”أكيد، فالحياة مليئة بشتّى المجامل والمحاسن، وألستِ أحدها؟ إستكشاف هذا المجامل وعيشها والبحث عنها بل والتأمل بها يعطي معنىً للحياة، فهذا العالم جميل.”

لقد قررت إنتظاره هنا و عدم التحرك.

“وإن كنت لأختصر مقالي، فرحلة العيش ذاتها هي أكبر معنى.”

…لكنها لم ترد الموت أيضاً.

“هذا العالم جميل…؟”تعمّق الضوء المظلم في عيني روان، حين تعاقد حاجباها الساكنان وإرتجف كتفاها الرقيقين:”أين؟ أي جمال؟ أتهزأ بي؟”

لم يكن أليتاليس ليسمح بذلك.

لم يكن لدى روان الكثير من الذكرى الحميدة، ولم ترى في كوابيسها سوى أفظع المشاهد، بدأً من إعدام والدها. فقد قضت نصف حياتها هرباً، فأنى لمثلها أن يرى جمال الحياة؟

بعد أن هدأت رعشة المفاجأة، أدركت روان: لقد انفصلا عن عمهما أليتاليس، وانتقلا إلى بُعدٍ سري مهجور!

“دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟”

“دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟”

كانت روان ضائعة، كمن سار في درب بلا وجهة.

قال أليتاليس لروان وكريثيل أن هذه المصفوفة خُبئت هنا منذ حرب الدم البارد منذ آلاف السنين، وكان من المفترض ألّا تُستخدم أبدًا. لكنهم لم يملكوا ملاذاً آخراً.

…لكنها لم ترد الموت أيضاً.

كان كريثل طفلاً، لم يرد لا أليتاليس ولا روان أن يختبر هذه المعيشة مبكراً وينشأ عليها؛ لكن هذا قد كان واقعاً، وحُتِّم عليه ذلك.

ليس خوفاً من الموت، لكن لكونه سيجعل كلّ نضال عاشوه حتى هذه اللحظة بلا معنى، وسيدمر ما عاش عمها و والدها لأجله.

لقد قررت إنتظاره هنا و عدم التحرك.

لقد كرهت روان هذا العالم ومافيه.

‘هل كنا عبئاً؟’

“يافتى!”في تلك اللحظة، تحدّث أغاريس بفظاظة مخرباً الجو:”أنا جائع، أعدّ شيئاً!”

حدث كل هذا بسببها!

“جائع؟”عبس كاليد نحو أغاريس، كان هذا الفتى وقحاً حقاً، حتى في لحظات كهذه:”هذا ليس بالوقت المناسب لـ…أوه، عليك نور!”

تقبّلت  الصحن، وهذه المرة لم تنسى أخلاقها، ممتنة لكاليد.

لمع بريق في عينيه، قبل أن يومأ ويصفق.

مستجمعةً آخر حولها، حاولت روان فتح عيناها بشق، لكنها لم تبصر أو تمس شيئاً.

“جائع؟ إذن، تجهّز!”إبتسم نحو روان، ثم قال:”دعينا من الكلام وننتقل للأفعال؛ سأريك شيئاً من جمال الحياة.”

لم يكن أليتاليس ليسمح بذلك.

” كما أخبرتك سلفاً؛ تغذية وراحة، هذا ما ينقصك. أعرف أن الشهية تغيب حين يختنق القلب…لكنّ الجسد، وإن قُهر، لا بدّ له من قوت.”

رفع أغاريس حاجبيه،”آه، لقد إستيقظت الفتاة.”

تنهد في نفسه:’آه، كان ليُستحسن لو كنا في قرية أقزام، لكن الجود بالموجود.’

لم يكن عمها أليتاليس ليسمح بذلك، فقد كانا عائلته الوحيدة في هذا العالم، والأهم أنهما سليلا أخيه الوحيدين، وآخر ورثة منزل فيدالم. فهو نفسه كان عقيماً. وموتهما عنى فناء منزل فيدالم حقاً من الوجود.

أبقت روان على صمتها، ونظرت له منتظرة ما سيفعل.

ثم، تحت لمسة خفيفة من كف كاليد، انفجرت بذورٌ صغيرة فأنبتت فجأة عنقود عنبٍ بلون العقيق، وتفاحًا بحمرة الفجر، وجزرًا نحيلًا براقًا كالذهب.

في الفسحة الخافتة بين حطام الأبنية والظلال، كوّر كاليد يديه فوق الأرض، إنعكس ضوء الشفق الملون على عينيه اللامعتين، أخذ يبعثر قبضةً من البذور فوق التراب الجاف، ثم مرّر أصابعه في الهواء.

حدّقت الفتاة حولها صامتة. ثم رفعت نظرتها نحو أضواء الشفق في السماء، ولانت عيناها لاشعورياً. قبل أن تخفضهما نحو كاليد.

“ووش!!”

مدّت يدها المرتجفة، شاحبة الأطراف…

في لحظة، انتفخت الأرض بثغاءٍ رقيق، وشقت أنامل خضراء طريقها نحو السماء!

خشيت أن يعود العم ولا يجدها.

“شوو!!”

ومن تحت الأنقاض، أخرج صندوقًا حجريًّا مغلقًا بإحكام.

تفتحت زهورٌ صغيرة بلون الذهب والقرمزي، وعلى أغصانها الوليدة تمايلت ثمارٌ طازجة نضرة، مبرزةً سحر الحياة الذي لا يخفى على ناظره.

– كانت حياتها لاتزال قاتمة .

“ووش!” “ووش!”

“جيد! أنت أرجل مما إعتقدت!”صفق أغاريس، نظر إلى الأفق مبتسماً:”لنبدأ بعنصر النار القوي هذا، فأثق بقدرته على تطهيري من لعنتي.”

مدّ كاليد يده بخفة، ومن لا شيء تراقصت نسائم دافئة حوله، كانت تدور بذكاء، تقطع الأوراق والثمار بطرف الريح كسكاكين خفية.

لم يَطرف الفيكونت كينغرال، لم يتراجع. كان واقفًا… رأسه مرفوع، ونظراته ترميهم كما ترمى السهام.

“فرقعة!”

‘لقد إعتدت على دمائهم بالفعل.’

“أزيزززز!!”

مات والدها معدماً، وكذا عمها أيضاً. ولم يختلف مصير أخيها الصغير رغم كل محاولاتها عنهما كذلك. وفي النهاية، كانت هي الناجية الوحيدة.

بفرقعة من أصابعه، التمعت حلقة مشتعلة في الهواء، كأنفاس تنينٍ!

لكن رغم حلوكه، إلا أن صدى صوتٍ باهت قد رنّ حولها، قائلاً:

“أزيرزز!!”

رغم موته، ظلّت على ملامحه ابتسامة متغطرسة، بلا همّ، فحتى في الموت بدا بلا ندم.

تراقص اللهب بجمال كبتلات ورود ملونة أسفل الثمار، وبحفيف من يده، تلاعب الماء المبهّر معه، منتجاً روائح داعبت أنف روان، كما لم تشمّ قط.

جوع، وبرد، ورعب.

جلست روان تراقب مذهولة، لم تعتقد قطّ أن السحر قد يستخدم هكذا، كان وكأنها أمام ساحر من حكايات ما قبل النوم؛ كان صانع معجزات من اللاشيء!

“إبقي حيّة يا فتاة…فالوقت ليس مناسباً للموت بعد.”

“تصفيق! تصفيق!”

جوع، وبرد، ورعب.

“جيد، جيد جداً! أنت رائع يافتى! تستحق ثنائي!”حتى أغاريس ببلادته، لم يسعه سوى التصفيق بثناء، معجباً بالمشهد:”يبدو لذيذاً، لكن أين اللحوم؟ أضف بعض اللحم!”

لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”

“…”أعطاه كاليد أذناً صماء، ولم يأبه به.

تبقّت منها اثنتان.

راحت خضرواتٌ فاخرةٌ تلوّن الهواء مع دوران حلقات اللهب؛ حبات طماطم يانعة تتلألأ كالمرجان، وقرون فلفل أرجواني تتمايل كالشرائط في الريح، وأوراق ريحان خضراء تنثر عبيرها مع كل دوران.

‘لماذا عليّ أن أعتني به؟’

“ووش.”

منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.

ثم، تحت لمسة خفيفة من كف كاليد، انفجرت بذورٌ صغيرة فأنبتت فجأة عنقود عنبٍ بلون العقيق، وتفاحًا بحمرة الفجر، وجزرًا نحيلًا براقًا كالذهب.

روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.

“ووش!!”

واحدًا تلو الآخر.

امتزجت جميعها في عناق الهواء والنار، حيث تُقشّر وتقُطع وتُطهى دون أن تمسها يد، بل بحنوّ سحره. وفي النهاية، جمعت حلقات اللهب نفسها إلى طبقٍ بسيط زجاجي، لكن مفعمٍ بالحياة، قدّمه كاليد بلباقة إلى مصاصة الدماء اليائسة.

كانت ترى عمها يموت تدريجياً، وأخيها الذي لم يبلغ الحلم بعد يخسر طفولته ببطء.

“هاك رحيق السنا، بالهناء عليك.”

بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.

كان الضوء المتلألأ في عيني روان القاتمة، مماثلاً للذي في الطبق الزجاجي. فلم ترى في حياتها أجمل من هذا.

“أزيرزز!!”

“…شكراً لك.”

ومن تحت الأنقاض، أخرج صندوقًا حجريًّا مغلقًا بإحكام.

تقبّلت  الصحن، وهذه المرة لم تنسى أخلاقها، ممتنة لكاليد.

“كريثل، أترى هؤلاء؟”

جلست روان تراقب مذهولة، لم تعتقد قطّ أن السحر قد يستخدم هكذا، كان وكأنها أمام ساحر من حكايات ما قبل النوم؛ كان صانع معجزات من اللاشيء!

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط