Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

البداية@بعد@النهاية@kol 525

سقوط أفيتوس
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

سقوط أفيتوس

الفصل 525: سقوط أفيتوس

تتبعت عينيّ الحبر حتى وصلت إلى يد تيسيا، التي فوجئت برؤيتها لا تزال تُمسك بيدي في هذا المكان المُجرد. تشكّلت من الحبر أحرف رونية. بإحساس حارق خفيف، تداخلت مع مجموعة أخرى تشكّلت على ظهر يدي. رفرفت عيناي بتناغم مع عيني تيسيا، وعندما توقفتا، اختفت الصورة الظلية، وكذلك المساحة البيضاء.

 

تتبعت عينيّ الحبر حتى وصلت إلى يد تيسيا، التي فوجئت برؤيتها لا تزال تُمسك بيدي في هذا المكان المُجرد. تشكّلت من الحبر أحرف رونية. بإحساس حارق خفيف، تداخلت مع مجموعة أخرى تشكّلت على ظهر يدي. رفرفت عيناي بتناغم مع عيني تيسيا، وعندما توقفتا، اختفت الصورة الظلية، وكذلك المساحة البيضاء.

منظور: آرثر ليوين

حسنًا، فكرتُ. سأحتاج مساعدة جي-آي. إذا استطاعت إيجادي مختبئًا في بُعدٍ جيبيٍّ على الجانب الآخر من العالم، فستتمكن من إجراء الحسابات اللازمة لمنع أفيتوس من الاصطدام.

 

 

ظهرتُ في قلب أقبية أغرونا الخاوية والموحشة، تمامًا في وسطها. كانت جثتَا كيزيس إندراث وأغرونا فريترا ممددتين بجواري، مطروحتين بلا احترام على حجر تايغرين كايلم البارد المقفر. رؤيتهما هناك، على الأرض القاسية، جعل موتهما يبدو فجأة أكثر واقعية… أشبه بالنهاية.

 

 

 

لكن… لم تكن كذلك.

استدارت سيلفي، وشعرت بي. سقطت عيناها الذهبيتان، كانعكاسٍ لي، على الجثتين عند قدميّ. لمست تيسيا، التي فزعت وابتعدت عن مكان جي-آي. عندما رأتني تيس، أشرق وجهها، واتخذت خطوات سريعة نحوي كما لو كانت على وشك الركض بين ذراعيّ. ثم انصبّ تركيزها على الجثتين، وتقطّعت خطواتها.

 

ولكن حتى مع سقوط أفيتوس واحتدام هدير بوابة المقابر، انتشر تموجٌ مُهدئٌ من الأثير فوق جبال ناب الباسيليسك وما وراءها. من جهة، أمسكت تيسيا بذراعي، مُمسكةً بي كما لو أنها ستسقط دون دعمي. ومن جهة أخرى، أمسكت سيلفي، مُستخدمةً فنًّا شيطانيًا لإبطاء الزمن، بكتفي وضغطت عليه بقوة.

هاذان السيدان من سادة الأزوراس كانا تهديدًا مستمرًا. لي، ولعائلتي، ولعالمي. كليهما كان حبيسًا لدورة صنعها بنفسه، وقد عاشا طويلًا، وتشكّلت هويتهما بما يفوق القدرة على التغيير، فلم يعودا قادرين على التعلّم أو العيش جنبًا إلى جنب مع “الأجناس الأدنى” في أي صورة من صور التساوي. صحيح أنّ أغرونا مثّل الخطر الأكبر بحضوره الدائم وتهديده النشط، لكن كيزيس، في الواقع، كان هو التهديد الأخطر… سواء ظهر ذلك بعد خمسين عامًا، أو مئة، أو ألف. لا وجود لمستقبل لعالمي ما دام على قيد الحياة، ولا وعد يمكن أن يقطعه، ويُؤمَن به، أو يُوفَى.

الفصل 525: سقوط أفيتوس

 

 

ومع ذلك، حتى مع موت كليهما… بقي الخطر الوجودي الأعظم.

عاد بي التفكير إلى ريجيس ورونية الدمار بينما اهتزت القلعة من أثر اصطدام قريب. لا تحتاج أفيتوس نفسها إلى الإنقاذ ليُحمي هذا العالم من الدمار.

 

كان كلّ طبقة من نواتي لا شيء سوى أثير مكثّف تحوّل إلى شكل مادي. نظريًا، كل الأثير الذي شكّل تلك الطبقات ما يزال موجودًا هناك، لكنه خامل، متمركز في هيئة محددة. تلك الطبقات كانت تعزز نواتي، وتُتيح تخزين المزيد من الأثير وأنقاه، لكنها في ذاتها تمثل مخزونًا لا يُصدّق من الأثير… إن استطعت الوصول إليه فقط.

كان تايغرن كايلم هادئًا على نحو مفاجئ. على بُعد مئة قدم، وقفت تيسيا وسيلفي عند موضع عرض الإسقاط الخاص بالجن، السمة الوحيدة المميزة لهذه القاعة الشاسعة والخالية. ضُغطت يد تيس على البلورة الحاضنة، حاجباها معقودان فوق عينيها المغلقتين، وشفاهها مشدودة بصمتٍ ثقيل. ومن خلال الحسّ السّادس للمانا الذي يمنحه نطاق القلب، شعرت بنبض المانا يتردد ذهابًا وإيابًا بينها وبين البلورة.

تنفست بعمق، ثم دفعت الأثير عبر قنواتي إلى رونية الفضاء، ثم وجهت تلك الطاقة إلى الأعلى. كانت التمزقات على أطراف أفيتوس نفسها نوعًا من “الفراغ المُتحكَّم به”، وتمكنت من الإمساك بذلك الجرح وشدّه، مُبطئًا الزحف المستمر لأرض أفيتوس نحو العالم المادي. كانت الحواف تتفتّت، وكتل ضخمة، شبيهة بالشهب، ما زالت تنهار متساقطة.

 

 

حسنًا، فكرتُ. سأحتاج مساعدة جي-آي. إذا استطاعت إيجادي مختبئًا في بُعدٍ جيبيٍّ على الجانب الآخر من العالم، فستتمكن من إجراء الحسابات اللازمة لمنع أفيتوس من الاصطدام.

 

 

 

استدارت سيلفي، وشعرت بي. سقطت عيناها الذهبيتان، كانعكاسٍ لي، على الجثتين عند قدميّ. لمست تيسيا، التي فزعت وابتعدت عن مكان جي-آي. عندما رأتني تيس، أشرق وجهها، واتخذت خطوات سريعة نحوي كما لو كانت على وشك الركض بين ذراعيّ. ثم انصبّ تركيزها على الجثتين، وتقطّعت خطواتها.

 

 

كان المستوى الأول من المقابر الأثرية نقطة ثابتة، بها بوابات دخول وخروج عديدة. بامتداد حواسي عبر رونية الفضاء وخطوة الحاكم، اتبعتُ تلك المسارات والخيوط وهي تمتد خارج البوابات إلى المناطق المعزولة داخل الفراغ. وباستخدام المسارات الأثيرية كخيوط، بدأتُ بربط البوابات القديمة بنسيج عشرات البوابات الأخرى في جميع أنحاء المنطقة. في جميع أنحاء ألاكريا، في قاعات جمعية الصاعدين، كانت بوابات الصعود الخاصة بهم تُغلق فجأةً عندما أقطعها.

قفز ريجيس من ثنية ذراعي بينما كنتُ أخطو فوق جسد أغرونا وأتجه نحو تيسيا. أخذتُ لحظةً لأتنفس، لأُريح نفسي في دفئها. تسللت يدي المتبقية إلى شعرها، تتخلل خصلات شعرها الحريرية.

“أخي!” زمجر بشدة. لم يكن في وجهه أثر للدهشة، ولا حتى للفرح… بل خوف، خالص لا لبس فيه. “السماء تنهار، ولم نعد قادرين على مجاراة القصف. الرماح، فاراي وميكا، وكذلك مناجل ألاكريان، يحاولون حماية الجيش والقلعة قدر استطاعتهم، لكنني…” تردّد، وابتلع ريقه بصعوبة، ثم نظر من حوله، ليستقرّ بصره على الجثتَين القريبتَين. “أغرونا… مات؟”

 

 

“هل أنتَ بخير؟” سألتني وهي تنظر إلى حيث كان من المفترض أن يكون ذراعي المفقودة.

تيس؟

 

 

لم أُجب فورًا، كنتُ أحتاج إلى لحظة لأُفكّر مليًا في سؤالها. هل كنتُ كذلك؟ ربما لم يكن الأمر مهمًا حقًا. تراجعتُ، وتركتُ يدي تمسح خدها. “هل أنتِ؟”

 

 

 

انزلقت نظرتها من جانبي إلى أغرونا. رفعت إحدى يديها لتضع يدي على وجهها، لكن الأخرى قبضت على جانبها. لم تنظر إليّ وهي تتحدث. “كان وحشًا يا آرثر. أبشع رجل قابلته أو تخيلته في حياتي. لم يرَ أحدًا سواه كإنسان. في كل مرة يبدأ عقلي بالاستيقاظ داخل جسدي، عندما أمدّ يدي إلى سيسيليا، كان يدفعني للأسفل. شعرتُ وكأنني أصعد لالتقاط أنفاسي، ثم يدفعني أحدهم للخلف تحت الماء. دائمًا أغرق، لكنني لا أموت أبدًا.” أسندت جبينها على صدري. “لا أعتقد أنني كرهت أحدًا من قبل يا آرثر. لكنني كرهته.”

 

 

 

أطلقتُ نفسًا مرتجفًا، متمنيًا لو كنتُ أعرف ما أقول في مثل هذه اللحظات. “لن يؤذي أحدًا آخر أبدًا.”

كنتُ لا أزال مترددًا، لكن سيلفي، بوجهها المُتجعد من جهد متابعة هذه المحادثة وسط ضجيج مناورة الملك، لمست أفكاري بخفة. ‘لا يُمكن أن يقع عبء كل مشكلة على عاتقك وحدك.’

 

 

التفت ذراعي تيسيا حول أسفل ظهري، وسحبتني بقوة.

 

 

 

مرّت سيلفي بجانبنا لتبقى بجانب رفات كيزيس. انقطعت مشاعرها عني، إما لتسمح لي بالتركيز أو لتحتفظ لنفسها ببعض الخصوصية. على الأرجح مزيج من الاثنين. لكن عندما لاحظتني أنظر، لامست أفكارها أفكاري، خفيفة كأجنحة الفراشة، لتخبرني أنها بخير.

كانت تيسيا هي من أجابت. “هناك مساحة. نوع من… مساحة مفتوحة، تركتها سيسيليا.” ضغطت يدها على البلورة بجانب يدي. “إذا استطعتِ تسليم نفسكِ إليّ، فسأسمح لكِ بالدخول.” كان التردد في صوتها غائبًا عن حضورها الجسدي وانعكاسها الذهني. شفتان ثابتتان، وحاجبان متجهمان بجدية، متمسكة بنفسها بثقة عززت عزيمتي.

 

‘يجب أن نُثبّت البوابة والجرح،’ حثّتني جي-آي. ‘أنت بحاجة إلى المزيد من الأثير. كمية كبيرة.’

في مكان قريب جدًا، دوى انهيار جليدي، واهتزت القلعة من حولنا، مما أجبرني على العودة إلى اللحظة. “أريد التحدث مع جي-آي.”

 

 

ثم صدمني. النهر. الزمن. القدر. كل ذلك الضغط المتزايد.

تنهدت تيسيا ووقفت على أطراف أصابعها لتقبلني، قبلة سريعة دفأت صدري وخدي. “من الأفضل أن تُسرع. إنها… تتلاشى.”

 

 

 

ارتفع نبضي. “انتظري، ماذا؟”

 

 

 

سارت سيلفي أمامي بخطى واسعة، تقودني نحو الغلاف البلوري. حينها فقط أدركتُ أن سبب تمكن تيسيا من وضع يدها على البلورة هو أن الحلقات الحجرية لم تعد تدور حول الجهاز. “قبل عودتكِ مباشرةً. لا بد أن ذلك كان عندما مات أغرونا. كان هناك نوع من الصدمة التي مرت عبر جسدها.”

احترقت خطوة الحاكم أثناء تنشيطها بالأثير. باستخدام رونية الفضاء، أمسكت بالثقب الصغير في قلب كل بوابة وبدأتُ أسحبها، مما أدى إلى توسيعها بسرعة. تمزق الفراغ حول حوافها، وتشققت الإطارات التي جُددت حديثًا من جديد، لكنني كنتُ أُبقي البوابات مفتوحةً الآن، وعندما تلامست بعضها البعض—

 

استمرت البوابة المُدمجة في التمدد، حتى بلغ ارتفاعها الآن نصف ارتفاع تايغرين كايلم. في لحظات، ستبتلع القلعة بأكملها.

هرعتُ إلى مكانها، أبحث عن أي علامات ضرر جسدي، لكنني لم أجد شيئًا. “جي-آي؟”

السماء كانت قد اختفت تقريبًا، محجوبةً بالكامل تقريبًا بأفيتوس. تداخلت المشاهد والمنشآت وكأنها مضغوطة فوق بعضها البعض؛ غابات وجبال ومحيطات تتمازج بصورة مشوهة، أشبه بخريطة طبوغرافية سيئة. رأيت حقولًا من عشب أزرق، وقممًا مثلّجة متعرجة، وسهولًا محترقة، وغابات حالمة، وقلاعًا ومدنًا طافية خفيفة كالدخان. وكلّ ذلك… يتفتّت، ويتساقط في شهب ناريّة عملاقة.

 

استمرت البوابة المُدمجة في التمدد، حتى بلغ ارتفاعها الآن نصف ارتفاع تايغرين كايلم. في لحظات، ستبتلع القلعة بأكملها.

تيسيا، التي كانت تتبعني، أمسكت بيدي وضغطت عليها وهي ترفعها. “عليك أن تلمس البلورة.” ضغطت يدي عليها.

باستخدام الخصائص الحسابية لحجر الأساس الأخير، أوضحتُ للقدر كيف يُمكن إطلاق الأثير المكبوت ببطء وعلى مر الزمن، مُجنّبًا دمار الحياة على هذا العالم. لكن طبيعة العملية —التي تجمع بين مناورة الملك والقدر وحجر الأساس نفس— جعلت استيعاب كل التفاصيل أمرًا مستحيلًا. على وجه الخصوص، كانت تفاصيل كيفية الوصول إلى المستقبل البعيد مُبهمة وغير واضحة في كل رؤية، إذ لم أستطع رؤية الوقت المُحيط بهزيمتي لمحاكاة أغرونا على الإطلاق. لقد أرسل قطع خيوط القدر موجاتٍ مُتلاحقة بعد سنوات.

 

 

شعرتُ بطفرةٍ من الوعي، ووعيٍ آخر مُرتبط بي. “آه. آرثر ل-ليوين. لقد نجحتَ. لقد أثبتَّ نصركَ. وهكذا، لم يبقَ سوى طريقٍ واحدٍ للمضي قدمًا.” بدا الصوتُ في رأسي مُتباطئًا ومُتقطعًا، مُصدرًا صوتًا مُتلعثمًا. “أرجوك. يجب أن تُنفِّذَ توجيهي الأساسي. لا تسمح بتدمير المقابر ال-ال-الأثرية.”

 

 

 

إن الطاقة المخزنة داخل الهيكل تنفد بسرعة. لم يبقَ أمام جي-آي سوى دقائق، ربما أقل. هل فعل أغرونا هذا؟

احترقت خطوة الحاكم أثناء تنشيطها بالأثير. باستخدام رونية الفضاء، أمسكت بالثقب الصغير في قلب كل بوابة وبدأتُ أسحبها، مما أدى إلى توسيعها بسرعة. تمزق الفراغ حول حوافها، وتشققت الإطارات التي جُددت حديثًا من جديد، لكنني كنتُ أُبقي البوابات مفتوحةً الآن، وعندما تلامست بعضها البعض—

 

التفت ذراعي تيسيا حول أسفل ظهري، وسحبتني بقوة.

“يبدو أنه وظّف نظام أمان مخفيًا في شبكتي المتصلة. عند وفاته، انفجرت قطعة من السحر الذي يربطني بـ… المقابر الأثرية، قاطعةً مصدر طاقتي ومُلحقةً ضررًا بالغًا بسلامة بنيتي الداخلية.”

 

 

اهتز حلقها وهي تبتلع بصعوبة. لم تُحدّق في عينيّ، لكنّ نظرة تركيزٍ شديدٍ بدت على وجهها. شدّت أصابعها حول يدي، وشعرتُ برعشةٍ خفيفةٍ فيها. “مسكنها يحتضر، لكنّ عقلها —كلّ المعلومات التي تُشكّل وعيها المُخزّن— لا يزال موجودًا، أليس كذلك؟ إنّها فقط بحاجةٍ إلى مكانٍ آخر… لتكون فيه.”

أخذتُ نفسًا عميقًا، وقبضتُ إحدى يدي على جانبي، وبالأخرى ضغطتُ بقوة على سطح البلورة البارد الأملس. “اسمعيني يا جي-آي. أعرف كيف أمنع تمزق عالم الأثير وأنقذ المقابر الأثرية في آنٍ واحد. لكن لا يمكنني فعل ذلك إذا دمّرت أفيتوس كل شيء أولًا. أحتاج مساعدتك.”

 

 

 

باستخدام الخصائص الحسابية لحجر الأساس الأخير، أوضحتُ للقدر كيف يُمكن إطلاق الأثير المكبوت ببطء وعلى مر الزمن، مُجنّبًا دمار الحياة على هذا العالم. لكن طبيعة العملية —التي تجمع بين مناورة الملك والقدر وحجر الأساس نفس— جعلت استيعاب كل التفاصيل أمرًا مستحيلًا. على وجه الخصوص، كانت تفاصيل كيفية الوصول إلى المستقبل البعيد مُبهمة وغير واضحة في كل رؤية، إذ لم أستطع رؤية الوقت المُحيط بهزيمتي لمحاكاة أغرونا على الإطلاق. لقد أرسل قطع خيوط القدر موجاتٍ مُتلاحقة بعد سنوات.

 

 

 

شعرتُ باتساع الصدع في الخارج. لولا كيزيس، لما استطاع شعبه الحفاظ على سيطرتهم عليه. لو انسكبت كل مخلوقات أفيتوس من خلال ذلك الجرح وسقطت في هذا العالم، لدُمر كلاهما، ولن يتحقق المستقبل الذي أراه. لكنني لم أعرف كيف أوقفه.

اُنتزع الفضاء من قبضتي عندما اندفعت البوابتان نحو الخارج واصطدمتا، ثم انحرفتا ورفضتا الاختلاط أو الاتحاد، كما لو أن الزيت والماء يختلطان.

 

عاد تركيزي إلى البوابتين. كانتا مختلفتين جوهريًا، كشقّين منفصلين على جانبين متقابلين من رداء. في ذلك المثال البسيط، كانت الطريقة الوحيدة لجعلهما ثقبًا واحدًا هي تمزيق الرداء حتى يتحدا. مع السحر والبوابات، لم يكن الأمر بهذه البساطة. لقد ارتبطتا تقنيًا بأماكن مختلفة، ورغم أن البوابتين كانتا متجاورتين تمامًا من هذا الجانب، إلا أن وجهتيهما قد تكونان على بُعد غير قابل للقياس.

هذا ليس صحيحًا تمامًا، اعترفتُ لنفسي.

 

 

كان المستوى الأول من المقابر الأثرية نقطة ثابتة، بها بوابات دخول وخروج عديدة. بامتداد حواسي عبر رونية الفضاء وخطوة الحاكم، اتبعتُ تلك المسارات والخيوط وهي تمتد خارج البوابات إلى المناطق المعزولة داخل الفراغ. وباستخدام المسارات الأثيرية كخيوط، بدأتُ بربط البوابات القديمة بنسيج عشرات البوابات الأخرى في جميع أنحاء المنطقة. في جميع أنحاء ألاكريا، في قاعات جمعية الصاعدين، كانت بوابات الصعود الخاصة بهم تُغلق فجأةً عندما أقطعها.

ريجيس، الذي كان يتبعني بتعب، وينظر إليّ من الأرض، أجاب على فكرتي بهمهمة خافتة، هادرة، غير مُلزمة.

أخذتُ نفسًا عميقًا، وقبضتُ إحدى يدي على جانبي، وبالأخرى ضغطتُ بقوة على سطح البلورة البارد الأملس. “اسمعيني يا جي-آي. أعرف كيف أمنع تمزق عالم الأثير وأنقذ المقابر الأثرية في آنٍ واحد. لكن لا يمكنني فعل ذلك إذا دمّرت أفيتوس كل شيء أولًا. أحتاج مساعدتك.”

 

‘آرثر، لقد أنهيت الحسابات اللازمة لإعادة تشكيل قارة أفيتوس،’ قالت جي-آي أخيرًا. “القوة المطلوبة… هائلة. لكن التصميم يحافظ على كل المواقع المهمة استراتيجيًا وثقافيًا، وتأثيره ضئيل جدًا على القارات الأخرى.”

كان هناك ارتعاشٌ يُعادل ارتعاش شخصٍ يُكافح لالتقاط أنفاسه. “أخشى.. أخشى أن عقلي… على وشك الانهيار. ولكن إن كنتَ سريعًا…”

مرّت سيلفي بجانبنا لتبقى بجانب رفات كيزيس. انقطعت مشاعرها عني، إما لتسمح لي بالتركيز أو لتحتفظ لنفسها ببعض الخصوصية. على الأرجح مزيج من الاثنين. لكن عندما لاحظتني أنظر، لامست أفكارها أفكاري، خفيفة كأجنحة الفراشة، لتخبرني أنها بخير.

 

“اقتراح مثير للاهتمام. أرى مشكلتين. أولًا، يقع الصدع حاليًا داخل الغلاف الجوي لهذا العالم، مما يتطلب نقل أف-أفيتوس بأكمله آلاف الأميال إلى مدار آمن. ثانيًا، ستحتاج حينها إلى خلق غلاف جوي حول قمر أف-أفيتوس الجديد.”

رغم رغبتي الشديدة في ذلك، فعّلتُ “مناورة الملك” واستفدتُ من زيادة قدرتي على التفكير والحساب. “كم تظنّين أن لدينا من الوقت؟” قلتُ الكلمات بصوت عالٍ وفكّرتُ فيها لجي-آي في آنٍ واحد.

 

 

عدد الفصول المتبقية: 7

“لديّ لحظاتٌ مُفردة. هذا العالم؟” سُمع صوتٌ مكتومٌ وهي تتوقف. “لا أستطيعُ الجزم. ساعةٌ واحدة. لا أكثر.”

كم هائلة؟ سألت.

 

 

لم أُضِع المزيد من الوقت، وبدأتُ في شرح أفكاري لأحصل على ما أستطيع من إسقاط الجن. كانت فكرتي الأولى هي تكثيف المشهد في قارة تتناسب تقريبًا مع مكانها السابق.

“بناءً على فهمي ل-لأفيتوس، سيتطلب هذا تدمير ما بين واحد وتسعين وثمانية وتسعين بالمائة من موطن الأزوراس، حسب مساحة المحيط التي ترغب في إزاحتها. أي خطأ قد يؤدي إلى إغراق كلٍّ من ديكاثين وألاكريا.”

 

 

“بناءً على فهمي ل-لأفيتوس، سيتطلب هذا تدمير ما بين واحد وتسعين وثمانية وتسعين بالمائة من موطن الأزوراس، حسب مساحة المحيط التي ترغب في إزاحتها. أي خطأ قد يؤدي إلى إغراق كلٍّ من ديكاثين وألاكريا.”

أومأت برأسها، وتلك القتامة لم تغادر ملامحها. ارتجفت عيناها، وشعرت بنبضة من سيطرتها وهي تنبسط فوق الجبال.

 

 

أومأتُ برأسي، بعد أن خمّنتُ ذلك بنفسي. ولكن ماذا عن شيءٍ كالقمر؟ باستخدام رونيةة الفضاء، قد أتمكن من إعادة تشكيل المشهد إلى كرة خارج الغلاف الجوي.

 

 

في عشرات الفروع من وعيي، نسجت صورة لما أحتاج إليه. أثيري الخاص يعاد توجيهه، يتدفّق خارج نواتي ثم يلتفّ ليضغط مجددًا على الغلاف الخارجي. هذا كان أثيري.

“اقتراح مثير للاهتمام. أرى مشكلتين. أولًا، يقع الصدع حاليًا داخل الغلاف الجوي لهذا العالم، مما يتطلب نقل أف-أفيتوس بأكمله آلاف الأميال إلى مدار آمن. ثانيًا، ستحتاج حينها إلى خلق غلاف جوي حول قمر أف-أفيتوس الجديد.”

 

 

 

انتقلت إلى أفكار ذات مفهوم أعلى، وأقل ارتباطًا بالواقع المادي كما فهمته، أفكار معقدة للغاية بحيث لا أستطيع استكشاف إمكاناتها بالكامل بنفسي.

 

 

كانت إيلي هناك، في أفيتوس. أمي. هل يُمكنني إخراجهما في الوقت المُناسب؟ وإذا استطعتُ إخراجهما، فمن غيرهما يُمكنني إنقاذه قبل أن أُلقي عالم الأزوراس بأكمله في النار؟ وإذا لم أستطع إنقاذ الجميع، فهل كان عليّ التزامٌ بعدم إنقاذ أحدٍ بدلًا من ذلك لمنع العنف المُحتمل بين الناجين و”الأدنى” الذين اختيروا فوقهم؟ ولكن، هل أنا حقًا أفضل من كيزيس إذا ألقيتُ الأزوراس بالموت؟

ثم أوقفتني جي-آي. كنت قد شرحتُ للتو مفهومًا غريبًا نوعًا ما، مفهومًا ظننتُ أنه من غير المرجح أن ينجح، لكنني استلهمت بعضًا من تصاميم الجنّ نفسه.

 

 

مرّت سيلفي بجانبنا لتبقى بجانب رفات كيزيس. انقطعت مشاعرها عني، إما لتسمح لي بالتركيز أو لتحتفظ لنفسها ببعض الخصوصية. على الأرجح مزيج من الاثنين. لكن عندما لاحظتني أنظر، لامست أفكارها أفكاري، خفيفة كأجنحة الفراشة، لتخبرني أنها بخير.

“ذا-ذا-ذاك قد ينقذ ما يزيد عن خمسة وأربعين بالمائة من مساحة أرض أفيتوس،” أجابت جي-آي، وقد ازداد صوت الطقطقة والتلعثم سوءًا. “الحسابات… معقدة. وأنا أوشك ع-على أن أصل-إلى-نهاية-قدرتي…”

عندما لم أُجِبْ سيلفي، تقدمت تيسيا، ولفّت يدها حول قبضتي وفتحتها بقوة لتشبك أصابعها بين أصابعي. “سأمنحك المزيد من الوقت.”

 

 

“نحن بحاجة إلى مزيد من الوقت.”

 

 

كانت تيسيا هي من أجابت. “هناك مساحة. نوع من… مساحة مفتوحة، تركتها سيسيليا.” ضغطت يدها على البلورة بجانب يدي. “إذا استطعتِ تسليم نفسكِ إليّ، فسأسمح لكِ بالدخول.” كان التردد في صوتها غائبًا عن حضورها الجسدي وانعكاسها الذهني. شفتان ثابتتان، وحاجبان متجهمان بجدية، متمسكة بنفسها بثقة عززت عزيمتي.

“ماذا عسانا نفعل يا آرثر؟” سألت سيلفي بنبرة استقصائية مُلحّة. وقفت تيسيا خلفها، عاجزة عن كبح الخوف من الظهور على وجهها.

 

دارت الأسئلة مع تروس عقلي، سريعة ودقيقة ودائرية، دون أن تجد إجابات. هل تستطيع سيلفي إيقاف الزمن بما يكفي لمعرفة كيفية التلاعب بأفيتوس ودخوله إلى هذا العالم دون تدمير أيٍّ منهما —أو كليهما؟ هل يمكنني استخدام قداس الشفق لكبح أفيتوس لفترة أطول، أو تضميد الجرح، أو إعادة منزل جي-إي إلى حالته قبل أن يُنصب فخ أغرونا؟

 

 

كان الأمر كمن يحاول نحت الجرانيت بأظافر. فهذه الطبقات صيغت بنيّة يائسة، وتصلّبت وغُمرت بغرضٍ حتى باتت قادرة على مقاومة ضغط داخلي لا يُحتمل.

عاد بي التفكير إلى ريجيس ورونية الدمار بينما اهتزت القلعة من أثر اصطدام قريب. لا تحتاج أفيتوس نفسها إلى الإنقاذ ليُحمي هذا العالم من الدمار.

زفرتُ نفسًا حارًا، مُشغِّلًا لعبة مناورة الملك على المشكلة. مع انشغال ذهني، بدا وكأن الجيش سيغادر المكان بعد لحظات. لم أستطع الانتظار أكثر. علينا أن نبدأ، وإلا فقد يكون الوقت قد فات. إن لم يكن قد فات بالفعل.

 

 

شعرت وكأن أفكاري تدور في دوامة.

 

 

 

كانت إيلي هناك، في أفيتوس. أمي. هل يُمكنني إخراجهما في الوقت المُناسب؟ وإذا استطعتُ إخراجهما، فمن غيرهما يُمكنني إنقاذه قبل أن أُلقي عالم الأزوراس بأكمله في النار؟ وإذا لم أستطع إنقاذ الجميع، فهل كان عليّ التزامٌ بعدم إنقاذ أحدٍ بدلًا من ذلك لمنع العنف المُحتمل بين الناجين و”الأدنى” الذين اختيروا فوقهم؟ ولكن، هل أنا حقًا أفضل من كيزيس إذا ألقيتُ الأزوراس بالموت؟

 

 

عاد بي التفكير إلى ريجيس ورونية الدمار بينما اهتزت القلعة من أثر اصطدام قريب. لا تحتاج أفيتوس نفسها إلى الإنقاذ ليُحمي هذا العالم من الدمار.

لكن صوتًا آخر أكثر صلابة أجاب: هل لدي حقًا أي خيار آخر؟

لقد أخطأنا في حساباتنا. كان ضغط عالم الأثير عشرة أضعاف، بل مئة ضعف ما كان ينبغي أن يكون. كان هناك شيء يدفعنا للخلف.

 

 

عندما لم أُجِبْ سيلفي، تقدمت تيسيا، ولفّت يدها حول قبضتي وفتحتها بقوة لتشبك أصابعها بين أصابعي. “سأمنحك المزيد من الوقت.”

عاد تركيزي إلى البوابتين. كانتا مختلفتين جوهريًا، كشقّين منفصلين على جانبين متقابلين من رداء. في ذلك المثال البسيط، كانت الطريقة الوحيدة لجعلهما ثقبًا واحدًا هي تمزيق الرداء حتى يتحدا. مع السحر والبوابات، لم يكن الأمر بهذه البساطة. لقد ارتبطتا تقنيًا بأماكن مختلفة، ورغم أن البوابتين كانتا متجاورتين تمامًا من هذا الجانب، إلا أن وجهتيهما قد تكونان على بُعد غير قابل للقياس.

 

استدارت سيلفي، وشعرت بي. سقطت عيناها الذهبيتان، كانعكاسٍ لي، على الجثتين عند قدميّ. لمست تيسيا، التي فزعت وابتعدت عن مكان جي-آي. عندما رأتني تيس، أشرق وجهها، واتخذت خطوات سريعة نحوي كما لو كانت على وشك الركض بين ذراعيّ. ثم انصبّ تركيزها على الجثتين، وتقطّعت خطواتها.

تلاقت فروع الأفكار المتنافسة، كلٌّ منها يتنافس على أن يكون الخيط “الأساسي”، مع تحول تركيزي كليًا إلى تيس. “ماذا تقصدين؟”

كان الأمر كمن يحاول نحت الجرانيت بأظافر. فهذه الطبقات صيغت بنيّة يائسة، وتصلّبت وغُمرت بغرضٍ حتى باتت قادرة على مقاومة ضغط داخلي لا يُحتمل.

 

السماء كانت قد اختفت تقريبًا، محجوبةً بالكامل تقريبًا بأفيتوس. تداخلت المشاهد والمنشآت وكأنها مضغوطة فوق بعضها البعض؛ غابات وجبال ومحيطات تتمازج بصورة مشوهة، أشبه بخريطة طبوغرافية سيئة. رأيت حقولًا من عشب أزرق، وقممًا مثلّجة متعرجة، وسهولًا محترقة، وغابات حالمة، وقلاعًا ومدنًا طافية خفيفة كالدخان. وكلّ ذلك… يتفتّت، ويتساقط في شهب ناريّة عملاقة.

اهتز حلقها وهي تبتلع بصعوبة. لم تُحدّق في عينيّ، لكنّ نظرة تركيزٍ شديدٍ بدت على وجهها. شدّت أصابعها حول يدي، وشعرتُ برعشةٍ خفيفةٍ فيها. “مسكنها يحتضر، لكنّ عقلها —كلّ المعلومات التي تُشكّل وعيها المُخزّن— لا يزال موجودًا، أليس كذلك؟ إنّها فقط بحاجةٍ إلى مكانٍ آخر… لتكون فيه.”

أضفتُ إلى تشول، “اذهب معهن. عد إلى ديكاثين بأي طريقة ممكنة، وأخبر مورداين بما يحدث. يجب أن يكون العنقاء مستعدين.”

 

لم أُضِع المزيد من الوقت، وبدأتُ في شرح أفكاري لأحصل على ما أستطيع من إسقاط الجن. كانت فكرتي الأولى هي تكثيف المشهد في قارة تتناسب تقريبًا مع مكانها السابق.

وضح اقتراحي لي، وشعرتُ بتوترٍ يتصاعد في داخلي فورًا وأنا أرفض الفكرة. “لا، هذا…” لكنني لم أستطع إكمال الجملة.

تعمقتُ في نواتي، أتحسس حواف الطبقة الرابعة، تلك التي تلفّ الطبقات الأخرى بإحكام، والتي تضمّ شظايا نواة المانا المحطّمة. بدلًا من أن أفتح البوابات بين قنواتي لأدع الجسيمات الأثيرية تتدفق، سعيت لاستخدام الأثير الخامل نفسه. أن أوقظه… أوجهه.

 

 

عادت بي فكرةٌ ما إلى الفيكتورياد، إلى تيسيا التي تنظر إليّ متوسلةً، كما لو كانت تطلب الموت… وتريد أن تضع نفسها في هذا الموقف مجددًا؟ لا. لقد شاركت تيسيا جسدها طويلًا جدًا دون أن يكون لها رأي في الأمر. ومع ذلك… في مواجهة دمار العالم، دمار الجميع، هل يُطلب منها أن تفعل هذا بقسوة… أم مجرد ضرورة؟

تجمدت أحشائي. هل كان ذلك ممكنًا؟ هل سينجح؟ هل سيكون كافيًا لو نجح؟

 

 

انقبض فكي. لم أستطع أن أرفض لها فرصة إنقاذ نفسها.

 

 

 

لكن ربما كانت هناك طريقة أخرى. “أنا من يجب أن أفعل ذلك. جي-آي، يمكنكِ استخدامي كمأوى لكِ. جسدي وأثيري سيوفران لكِ طاقة كافية.”

 

 

 

ساد الصمت، وللحظة، خشيتُ أن تكون جي-آي قد رحلت. ثم، ‘مع الوقت، ربما أستطيع. لكنك لا تعرف كيف تتقبلني داخليًا. سأضطر لمحاربتكَ للسيطرة، كما فعلت سيسيليا مع تيس-تيسيا. سيصبح عقلك ساحة معركة، وسيصبح كل شيء آخر أكثر صعوبة.’

 

 

 

أغمضت عينيّ وأخذت نفسًا عميقًا. “كيف يُمكن لتيسيا أن تفعل هذا إذًا؟”

 

 

 

كانت تيسيا هي من أجابت. “هناك مساحة. نوع من… مساحة مفتوحة، تركتها سيسيليا.” ضغطت يدها على البلورة بجانب يدي. “إذا استطعتِ تسليم نفسكِ إليّ، فسأسمح لكِ بالدخول.” كان التردد في صوتها غائبًا عن حضورها الجسدي وانعكاسها الذهني. شفتان ثابتتان، وحاجبان متجهمان بجدية، متمسكة بنفسها بثقة عززت عزيمتي.

منظور: آرثر ليوين

 

 

أجابت جي-آي ببطء، ‘مع التعاويذ المناسبة. لكنني سأحتاج إلى مزيد من الوقت.’

 

 

اقتربت سيريس وفاراي وميكا من مكاننا، وقد انضمّت إليهنّ —ولدهشتي— الطيف ميلزري، محلقاتٍ فوق الجيش.

كنتُ لا أزال مترددًا، لكن سيلفي، بوجهها المُتجعد من جهد متابعة هذه المحادثة وسط ضجيج مناورة الملك، لمست أفكاري بخفة. ‘لا يُمكن أن يقع عبء كل مشكلة على عاتقك وحدك.’

أجابت جي-آي ببطء، ‘مع التعاويذ المناسبة. لكنني سأحتاج إلى مزيد من الوقت.’

 

جي-آي، بعقلها الحرّ داخل الهيكل، رغم تجميد بنيته المادية، استخدمت هذا التدفق المفاجئ من القوة الأثيرية للدفع نحو الخارج.

مدت يدها لتلمس البلورة. تحرك الأثير، مشكلًا قفصًا من الزمن المحبوس حول الهيكل، مما أوقف التدهور المستمر لمصدر طاقة الهيكل. بدوري، صببتُ الأثير في الحبل غير المرئي الذي يربط الهيكل بالمقابر الأثرية، مستخدمًا قداس الشفق كقناة لإعادة بنائه. لم أستطع إعادة صياغة تعويذة أغرونا، بل جذبتُ الحبل نحوي فأصبحتُ مصدر قوة جي-آي.

وأخيرًا، اندمجت البوابتان في الجبال تحتي في بوابة واحدة ضخمة ملأت الوادي بأكمله.

 

 

جي-آي، بعقلها الحرّ داخل الهيكل، رغم تجميد بنيته المادية، استخدمت هذا التدفق المفاجئ من القوة الأثيرية للدفع نحو الخارج.

 

 

بجانبي، عضت تيسيا شفتها وتألمتُ. رمقتها بنظرة استفهام، لكنها اكتفت بابتسامة وأومأت برأسها مؤكدةً أنها بخير.

أصبح المكان من حولنا أبيض. اختفت سيلفي وريجيس، ووقفتُ جنبًا إلى جنب مع تيسيا.

 

 

انحبس أنفاسي ودارت عيناي إلى الوراء عندما انهارت عليّ الأوزان. “جي-آي… ما هذا؟”

“هل أنت متأكدة؟”

أومأت برأسي.

 

 

كان الصوت غير مجسد، لكنه بدا مثل صوت جي-آي.

لا. لا يمكنني أن أنحت الطبقة. بل يجب أن أحرّرها. إنها قوة. ويمكن توجيهها.

 

“هل أنت متأكدة؟”

“أنا كذلك،” أكدت تيس.

 

 

عادت بي فكرةٌ ما إلى الفيكتورياد، إلى تيسيا التي تنظر إليّ متوسلةً، كما لو كانت تطلب الموت… وتريد أن تضع نفسها في هذا الموقف مجددًا؟ لا. لقد شاركت تيسيا جسدها طويلًا جدًا دون أن يكون لها رأي في الأمر. ومع ذلك… في مواجهة دمار العالم، دمار الجميع، هل يُطلب منها أن تفعل هذا بقسوة… أم مجرد ضرورة؟

تقدمت نحو تيسيا صورة ظلية ذات قوة خام، لم أرها إلا كضوء برق. ارتعشت عينا تيس، واهتزت، وحركت رقبتها بانزعاج واضح. بدأ الحبر يسيل على جلدها كجداول صغيرة، مشكّلاً أحرفًا رونية ورموزًا مع تشكل التعاويذ. بطريقة ما، بدت هذه التصاميم أنظف وأقل قسوة، وأكثر شبهًا بتيسيا من تلك التي وُسمت بها على أنها وعاء سيسيليا.

————————

 

 

تتبعت عينيّ الحبر حتى وصلت إلى يد تيسيا، التي فوجئت برؤيتها لا تزال تُمسك بيدي في هذا المكان المُجرد. تشكّلت من الحبر أحرف رونية. بإحساس حارق خفيف، تداخلت مع مجموعة أخرى تشكّلت على ظهر يدي. رفرفت عيناي بتناغم مع عيني تيسيا، وعندما توقفتا، اختفت الصورة الظلية، وكذلك المساحة البيضاء.

لكن ربما كانت هناك طريقة أخرى. “أنا من يجب أن أفعل ذلك. جي-آي، يمكنكِ استخدامي كمأوى لكِ. جسدي وأثيري سيوفران لكِ طاقة كافية.”

 

أخذتُ نفسًا عميقًا، وقبضتُ إحدى يدي على جانبي، وبالأخرى ضغطتُ بقوة على سطح البلورة البارد الأملس. “اسمعيني يا جي-آي. أعرف كيف أمنع تمزق عالم الأثير وأنقذ المقابر الأثرية في آنٍ واحد. لكن لا يمكنني فعل ذلك إذا دمّرت أفيتوس كل شيء أولًا. أحتاج مساعدتك.”

أظلم غلاف الكريستال أمامنا، ولم يعد يصدر أي طنين من المانا أو الأثير.

تتبعت عينيّ الحبر حتى وصلت إلى يد تيسيا، التي فوجئت برؤيتها لا تزال تُمسك بيدي في هذا المكان المُجرد. تشكّلت من الحبر أحرف رونية. بإحساس حارق خفيف، تداخلت مع مجموعة أخرى تشكّلت على ظهر يدي. رفرفت عيناي بتناغم مع عيني تيسيا، وعندما توقفتا، اختفت الصورة الظلية، وكذلك المساحة البيضاء.

 

 

‘جي-اي؟’

 

 

 

تصلبتُ، عندما فوجئت بصوت تيسيا في ذهني.

دخل ريجس إلى جسدي المادي وانتقل إلى نواتي، ثم، معًا، انطلقنا طائرين عبر الشق المهشم الذي خلّفه شول في تايغرين كايلم. وما إن خرجنا حتى انكشفت أمامنا رؤيا من نهاية العالم.

 

ولكن حتى مع سقوط أفيتوس واحتدام هدير بوابة المقابر، انتشر تموجٌ مُهدئٌ من الأثير فوق جبال ناب الباسيليسك وما وراءها. من جهة، أمسكت تيسيا بذراعي، مُمسكةً بي كما لو أنها ستسقط دون دعمي. ومن جهة أخرى، أمسكت سيلفي، مُستخدمةً فنًّا شيطانيًا لإبطاء الزمن، بكتفي وضغطت عليه بقوة.

تيس؟

 

 

 

التفتت إليّ، وعيناها واسعتان تحدقان في فمي. هل يمكنك…؟’

“نحن بحاجة إلى مزيد من الوقت.”

 

 

أومأتُ برأسي، وشعرتُ بابتسامةٍ لا تتشكل وسط تشابك الأفكار. كنا متصلين، وعقلانا متشابكان كما هو الحال مع ريجيس وسيلفي. رفعتُ أيدينا المتشابكة، وتفحصتُ الأحرف الرونية المتشابكة على أصابعنا.

 

 

تتبعت عينيّ الحبر حتى وصلت إلى يد تيسيا، التي فوجئت برؤيتها لا تزال تُمسك بيدي في هذا المكان المُجرد. تشكّلت من الحبر أحرف رونية. بإحساس حارق خفيف، تداخلت مع مجموعة أخرى تشكّلت على ظهر يدي. رفرفت عيناي بتناغم مع عيني تيسيا، وعندما توقفتا، اختفت الصورة الظلية، وكذلك المساحة البيضاء.

‘لحظة من فضلكما،’ جاء صوت آخر. صوت جي-آي. أقوى الآن، وأكثر ثباتًا، وأكثر وضوحًا. ‘سيستغرق الأمر بعض الوقت للتعود عليه.’

حسنًا، فكرتُ. سأحتاج مساعدة جي-آي. إذا استطاعت إيجادي مختبئًا في بُعدٍ جيبيٍّ على الجانب الآخر من العالم، فستتمكن من إجراء الحسابات اللازمة لمنع أفيتوس من الاصطدام.

 

في الوادي أسفلنا، كانت سيريس وفاراي وميكا قد نظّمن ما تبقى من الناجين في المعركة. حاجزٌ قوي من المانا كان يغلف الوادي الذي دارت فيه المعركة، لكن حتى ذلك الحاجز، مهما بلغ من القوة، لم يكن ليصمد أمام ارتطام أفيتوس الكامل بعالمنا.

أغمضت تيسيا عينيها، لكنني ما زلت أستطيع رؤيتهما تتحركان بسرعة تحت جفنيها. ‘آسفة يا جي-آي. دعيني أحاول إفساح المجال.’

 

 

شعرتُ باتساع الصدع في الخارج. لولا كيزيس، لما استطاع شعبه الحفاظ على سيطرتهم عليه. لو انسكبت كل مخلوقات أفيتوس من خلال ذلك الجرح وسقطت في هذا العالم، لدُمر كلاهما، ولن يتحقق المستقبل الذي أراه. لكنني لم أعرف كيف أوقفه.

شعرتُ بالعقلين يتلامسان، يدفع أحدهما الآخر بلطف حينًا وبقوة حينًا، كلٌّ منهما يناور من أجل بسط سيطرته على الحيّز المحدود داخل الجسد. لكن تيس كانت تتنحّى ببطء داخل ذاتها، تمهّد الطريق لجي-آي لتستقر في الفراغ المتبقي.

 

 

فكرتُ مجددًا في النهر، كيف اندفع عبري بقوة هائلة، حتى أنني شكّلتُ طبقةً أساسيةً جديدةً في لحظات. ليت لديّ كل هذا الأثير الآن…

اهتزّت القلعة من جديد حين ارتطم بها شيء من الخارج. سمعت الجدران تنهار، والطوابق تتداعى، وشيئًا ضخمًا يشق طريقه بالقوة نحو الأسفل، بزاوية مائلة، متجهًا إلينا مباشرة. اندفع الأثير داخلي كرد فعل غريزي، لكن فقط لثانية، قبل أن أميّز بصمة المانا. تعاظمت الأصوات مع كل ارتطام، حتى انهار الطرف البعيد من القاعة، واندفع تشول إلى الداخل، غير مكترث بالحطام المتساقط حوله، ووصل إليّ في لحظة، طافيًا فوق الأرض.

تيسيا، التي كانت تتبعني، أمسكت بيدي وضغطت عليها وهي ترفعها. “عليك أن تلمس البلورة.” ضغطت يدي عليها.

 

أصبح المكان من حولنا أبيض. اختفت سيلفي وريجيس، ووقفتُ جنبًا إلى جنب مع تيسيا.

“أخي!” زمجر بشدة. لم يكن في وجهه أثر للدهشة، ولا حتى للفرح… بل خوف، خالص لا لبس فيه. “السماء تنهار، ولم نعد قادرين على مجاراة القصف. الرماح، فاراي وميكا، وكذلك مناجل ألاكريان، يحاولون حماية الجيش والقلعة قدر استطاعتهم، لكنني…” تردّد، وابتلع ريقه بصعوبة، ثم نظر من حوله، ليستقرّ بصره على الجثتَين القريبتَين. “أغرونا… مات؟”

‘إن قوة العالم الأثيري التي تُدفع للخلف ضد الحدود مع العالم المادي أعلى بكثير مما ينبغي أن تكون،’ فكرت جي آي بسرعة.

 

شعرتُ بطفرةٍ من الوعي، ووعيٍ آخر مُرتبط بي. “آه. آرثر ل-ليوين. لقد نجحتَ. لقد أثبتَّ نصركَ. وهكذا، لم يبقَ سوى طريقٍ واحدٍ للمضي قدمًا.” بدا الصوتُ في رأسي مُتباطئًا ومُتقطعًا، مُصدرًا صوتًا مُتلعثمًا. “أرجوك. يجب أن تُنفِّذَ توجيهي الأساسي. لا تسمح بتدمير المقابر ال-ال-الأثرية.”

أومأت برأسي.

 

 

لكن لم يكن عليّ الوصول إلى وجهتيهما، بل عليّ بناء وجهات جديدة تمامًا.

استرخى، كما لو أن التوتر قد انبعث من زنبرك. “إذن، جاء الانتقام.” تقطع صوته، رافعًا رأسي لألتقي بعينيه. كان اختلاف لونهما يوحي بأن أحد جانبي وجهه بارد بلا مشاعر، بينما الآخر يحترق بنيّة. “لكن الاحتفال يجب أن ينتظر. ما خطتك يا أخي؟”

 

 

تعمقتُ في نواتي، أتحسس حواف الطبقة الرابعة، تلك التي تلفّ الطبقات الأخرى بإحكام، والتي تضمّ شظايا نواة المانا المحطّمة. بدلًا من أن أفتح البوابات بين قنواتي لأدع الجسيمات الأثيرية تتدفق، سعيت لاستخدام الأثير الخامل نفسه. أن أوقظه… أوجهه.

نظرتُ من تشول إلى سيلفي، ثم ريجيس، وأخيرًا إلى تيسيا. كانت هناك حلقة أرجوانية متوهجة حول قزحيتي عينيها. “لنرَ ما الذي ننظر إليه.”

 

 

لكن انتباهي عاد فورًا إلى تيسيا. ‘الحسابات؟’

دخل ريجس إلى جسدي المادي وانتقل إلى نواتي، ثم، معًا، انطلقنا طائرين عبر الشق المهشم الذي خلّفه شول في تايغرين كايلم. وما إن خرجنا حتى انكشفت أمامنا رؤيا من نهاية العالم.

 

 

أطلقتُ نفسًا مرتجفًا، متمنيًا لو كنتُ أعرف ما أقول في مثل هذه اللحظات. “لن يؤذي أحدًا آخر أبدًا.”

السماء كانت قد اختفت تقريبًا، محجوبةً بالكامل تقريبًا بأفيتوس. تداخلت المشاهد والمنشآت وكأنها مضغوطة فوق بعضها البعض؛ غابات وجبال ومحيطات تتمازج بصورة مشوهة، أشبه بخريطة طبوغرافية سيئة. رأيت حقولًا من عشب أزرق، وقممًا مثلّجة متعرجة، وسهولًا محترقة، وغابات حالمة، وقلاعًا ومدنًا طافية خفيفة كالدخان. وكلّ ذلك… يتفتّت، ويتساقط في شهب ناريّة عملاقة.

 

 

هرعتُ إلى مكانها، أبحث عن أي علامات ضرر جسدي، لكنني لم أجد شيئًا. “جي-آي؟”

تدفّق هائل من السحر اندفع من أفيتوس، حيث أمسك عشرات الآلاف من الأزوراس بأطراف عالمهم، محاولين إبقاءه متماسكًا وهو ينزلق عائدًا إلى العالم المادي. لكن الجهد لم يكن كافيًا…

 

 

 

في الوادي أسفلنا، كانت سيريس وفاراي وميكا قد نظّمن ما تبقى من الناجين في المعركة. حاجزٌ قوي من المانا كان يغلف الوادي الذي دارت فيه المعركة، لكن حتى ذلك الحاجز، مهما بلغ من القوة، لم يكن ليصمد أمام ارتطام أفيتوس الكامل بعالمنا.

 

 

 

اقتربت سيريس وفاراي وميكا من مكاننا، وقد انضمّت إليهنّ —ولدهشتي— الطيف ميلزري، محلقاتٍ فوق الجيش.

 

 

 

‘عليكن إخراج الجميع من هنا،” قلتُ فورًا. لم يكن لديّ وقتٌ لشرح ما كنتُ أنوي فعله أو لإطلاعهن على أحداث تايغرين كايلم. أمرتُ عندما بدا أن سيريس وميكا سيبدآن بطرح الأسئلة، “بأسرع ما يمكن، الآن.”

 

 

وبينما تعيد رونية الحاكم بناء إطارات البوابة عن طريق لفها عبر الزمن إلى نقطة كانت فيها سليمة، ومضت البوابات نفسها واشتعلت، ملقية ضوءًا خافتًا عبر جانب الجبل.

أضفتُ إلى تشول، “اذهب معهن. عد إلى ديكاثين بأي طريقة ممكنة، وأخبر مورداين بما يحدث. يجب أن يكون العنقاء مستعدين.”

 

 

“يبدو أنه وظّف نظام أمان مخفيًا في شبكتي المتصلة. عند وفاته، انفجرت قطعة من السحر الذي يربطني بـ… المقابر الأثرية، قاطعةً مصدر طاقتي ومُلحقةً ضررًا بالغًا بسلامة بنيتي الداخلية.”

أومأ النصف عنقاء الضخم بجدية، وصفعني على كتفي، ثم استدار إلى البقيّة. “سمعتوه. لننطلق!”

أومأتُ برأسي، وشعرتُ بابتسامةٍ لا تتشكل وسط تشابك الأفكار. كنا متصلين، وعقلانا متشابكان كما هو الحال مع ريجيس وسيلفي. رفعتُ أيدينا المتشابكة، وتفحصتُ الأحرف الرونية المتشابكة على أصابعنا.

 

أظلم غلاف الكريستال أمامنا، ولم يعد يصدر أي طنين من المانا أو الأثير.

لكن انتباهي عاد فورًا إلى تيسيا. ‘الحسابات؟’

“اقتراح مثير للاهتمام. أرى مشكلتين. أولًا، يقع الصدع حاليًا داخل الغلاف الجوي لهذا العالم، مما يتطلب نقل أف-أفيتوس بأكمله آلاف الأميال إلى مدار آمن. ثانيًا، ستحتاج حينها إلى خلق غلاف جوي حول قمر أف-أفيتوس الجديد.”

 

 

‘اقتربت من النهاية،’ ردّت جي-آي.

في الوادي أسفلنا، كانت سيريس وفاراي وميكا قد نظّمن ما تبقى من الناجين في المعركة. حاجزٌ قوي من المانا كان يغلف الوادي الذي دارت فيه المعركة، لكن حتى ذلك الحاجز، مهما بلغ من القوة، لم يكن ليصمد أمام ارتطام أفيتوس الكامل بعالمنا.

 

 

تنفست بعمق، ثم دفعت الأثير عبر قنواتي إلى رونية الفضاء، ثم وجهت تلك الطاقة إلى الأعلى. كانت التمزقات على أطراف أفيتوس نفسها نوعًا من “الفراغ المُتحكَّم به”، وتمكنت من الإمساك بذلك الجرح وشدّه، مُبطئًا الزحف المستمر لأرض أفيتوس نحو العالم المادي. كانت الحواف تتفتّت، وكتل ضخمة، شبيهة بالشهب، ما زالت تنهار متساقطة.

جي-آي، بعقلها الحرّ داخل الهيكل، رغم تجميد بنيته المادية، استخدمت هذا التدفق المفاجئ من القوة الأثيرية للدفع نحو الخارج.

 

 

أسفلنا، كان من تبقّى من جيشنا يهرول عبر نفق وسط الصخور المنهارة، تلك التي سقطت حين ظهرت بوابتا المقابر. كنت بحاجة لإخراجهم بعيدًا عن ذلك الحيّز. كانت دقائق طويلة جدًا من الانتظار.

ظهرتُ في قلب أقبية أغرونا الخاوية والموحشة، تمامًا في وسطها. كانت جثتَا كيزيس إندراث وأغرونا فريترا ممددتين بجواري، مطروحتين بلا احترام على حجر تايغرين كايلم البارد المقفر. رؤيتهما هناك، على الأرض القاسية، جعل موتهما يبدو فجأة أكثر واقعية… أشبه بالنهاية.

 

 

‘آرثر، لقد أنهيت الحسابات اللازمة لإعادة تشكيل قارة أفيتوس،’ قالت جي-آي أخيرًا. “القوة المطلوبة… هائلة. لكن التصميم يحافظ على كل المواقع المهمة استراتيجيًا وثقافيًا، وتأثيره ضئيل جدًا على القارات الأخرى.”

 

 

تجمدت أحشائي. هل كان ذلك ممكنًا؟ هل سينجح؟ هل سيكون كافيًا لو نجح؟

كم هائلة؟ سألت.

 

 

 

بجانبي، عضت تيسيا شفتها وتألمتُ. رمقتها بنظرة استفهام، لكنها اكتفت بابتسامة وأومأت برأسها مؤكدةً أنها بخير.

 

 

لقد ألقيت بنفسي في مناوة الملط، وكل فرع من عقلي انبثق إلى فرعين، ثم أربعة، ثم ثمانية، وأكثر، وأكثر بكثير.

‘أكثر مما يمكنك توجيهه بأمان،’ أجابت جي-آي. ‘إجمالي أضعاف ما تخزنينه حاليًا في نواتك الأثيرية.’

 

 

انزلقت نظرتها من جانبي إلى أغرونا. رفعت إحدى يديها لتضع يدي على وجهها، لكن الأخرى قبضت على جانبها. لم تنظر إليّ وهي تتحدث. “كان وحشًا يا آرثر. أبشع رجل قابلته أو تخيلته في حياتي. لم يرَ أحدًا سواه كإنسان. في كل مرة يبدأ عقلي بالاستيقاظ داخل جسدي، عندما أمدّ يدي إلى سيسيليا، كان يدفعني للأسفل. شعرتُ وكأنني أصعد لالتقاط أنفاسي، ثم يدفعني أحدهم للخلف تحت الماء. دائمًا أغرق، لكنني لا أموت أبدًا.” أسندت جبينها على صدري. “لا أعتقد أنني كرهت أحدًا من قبل يا آرثر. لكنني كرهته.”

زفرتُ نفسًا حارًا، مُشغِّلًا لعبة مناورة الملك على المشكلة. مع انشغال ذهني، بدا وكأن الجيش سيغادر المكان بعد لحظات. لم أستطع الانتظار أكثر. علينا أن نبدأ، وإلا فقد يكون الوقت قد فات. إن لم يكن قد فات بالفعل.

 

 

 

اشتعلت قداس الشفق في عمودي الفقري، وبدأت جزيئات أثيرية ساطعة ومتحمسة تتدفق مني كحبوب لقاح من شجرة. انجرفت الجزيئات إلى أسفل في خطين دواميين. تصاعد العرق إلى جبهتي فورًا وأنا أفعل مناوةر الملك، ونطاق القلب، وقداس الشفق، كلها في آن واحد، مجهدًا قنوات الأثير الخاصة بي المصنوعة من الحمم البركانية لدفع طاقة كافية للخارج.

 

 

جي-آي، بعقلها الحرّ داخل الهيكل، رغم تجميد بنيته المادية، استخدمت هذا التدفق المفاجئ من القوة الأثيرية للدفع نحو الخارج.

تناثرت الجسيمات على طول حواف إطارات البوابة المحطمة، متجمعةً في الشقوق وعلى طول القطع المفقودة. عادت إلى ذهني ذكرى المنطقة المغطاة بالثلوج داخل المقابر الأثرية، وفجأةً تمنيت أن تكون كايرا —الموجودة هناك في مكان ما مع بقية الجيش— قد نجت من المعركة. لولاها، لما كان ما أفعله الآن ممكنًا.

 

 

 

وبينما تعيد رونية الحاكم بناء إطارات البوابة عن طريق لفها عبر الزمن إلى نقطة كانت فيها سليمة، ومضت البوابات نفسها واشتعلت، ملقية ضوءًا خافتًا عبر جانب الجبل.

لا. لا يمكنني أن أنحت الطبقة. بل يجب أن أحرّرها. إنها قوة. ويمكن توجيهها.

 

“هل أنت متأكدة؟”

احترقت خطوة الحاكم أثناء تنشيطها بالأثير. باستخدام رونية الفضاء، أمسكت بالثقب الصغير في قلب كل بوابة وبدأتُ أسحبها، مما أدى إلى توسيعها بسرعة. تمزق الفراغ حول حوافها، وتشققت الإطارات التي جُددت حديثًا من جديد، لكنني كنتُ أُبقي البوابات مفتوحةً الآن، وعندما تلامست بعضها البعض—

 

 

 

اُنتزع الفضاء من قبضتي عندما اندفعت البوابتان نحو الخارج واصطدمتا، ثم انحرفتا ورفضتا الاختلاط أو الاتحاد، كما لو أن الزيت والماء يختلطان.

وضح اقتراحي لي، وشعرتُ بتوترٍ يتصاعد في داخلي فورًا وأنا أرفض الفكرة. “لا، هذا…” لكنني لم أستطع إكمال الجملة.

 

 

في الأعلى، بدا الهواء نفسه يرتجف بينما فقدتُ قبضتي لفترة وجيزة على الفضاء المحيط بالجرح، مما تسبب في تحطم كتلة من الأرض بعرض أميال، وتساقطت من خلف الجبال كخطوط من النار.

دخل ريجس إلى جسدي المادي وانتقل إلى نواتي، ثم، معًا، انطلقنا طائرين عبر الشق المهشم الذي خلّفه شول في تايغرين كايلم. وما إن خرجنا حتى انكشفت أمامنا رؤيا من نهاية العالم.

 

 

ولكن حتى مع سقوط أفيتوس واحتدام هدير بوابة المقابر، انتشر تموجٌ مُهدئٌ من الأثير فوق جبال ناب الباسيليسك وما وراءها. من جهة، أمسكت تيسيا بذراعي، مُمسكةً بي كما لو أنها ستسقط دون دعمي. ومن جهة أخرى، أمسكت سيلفي، مُستخدمةً فنًّا شيطانيًا لإبطاء الزمن، بكتفي وضغطت عليه بقوة.

 

 

 

عدّلتُ قبضتي على الرونيات الأربعة، وأطلقت سيلفي التعويذة. معًا، أخذنا نفسًا مرتجفًا.

انزلقت نظرتها من جانبي إلى أغرونا. رفعت إحدى يديها لتضع يدي على وجهها، لكن الأخرى قبضت على جانبها. لم تنظر إليّ وهي تتحدث. “كان وحشًا يا آرثر. أبشع رجل قابلته أو تخيلته في حياتي. لم يرَ أحدًا سواه كإنسان. في كل مرة يبدأ عقلي بالاستيقاظ داخل جسدي، عندما أمدّ يدي إلى سيسيليا، كان يدفعني للأسفل. شعرتُ وكأنني أصعد لالتقاط أنفاسي، ثم يدفعني أحدهم للخلف تحت الماء. دائمًا أغرق، لكنني لا أموت أبدًا.” أسندت جبينها على صدري. “لا أعتقد أنني كرهت أحدًا من قبل يا آرثر. لكنني كرهته.”

 

اهتز حلقها وهي تبتلع بصعوبة. لم تُحدّق في عينيّ، لكنّ نظرة تركيزٍ شديدٍ بدت على وجهها. شدّت أصابعها حول يدي، وشعرتُ برعشةٍ خفيفةٍ فيها. “مسكنها يحتضر، لكنّ عقلها —كلّ المعلومات التي تُشكّل وعيها المُخزّن— لا يزال موجودًا، أليس كذلك؟ إنّها فقط بحاجةٍ إلى مكانٍ آخر… لتكون فيه.”

عاد تركيزي إلى البوابتين. كانتا مختلفتين جوهريًا، كشقّين منفصلين على جانبين متقابلين من رداء. في ذلك المثال البسيط، كانت الطريقة الوحيدة لجعلهما ثقبًا واحدًا هي تمزيق الرداء حتى يتحدا. مع السحر والبوابات، لم يكن الأمر بهذه البساطة. لقد ارتبطتا تقنيًا بأماكن مختلفة، ورغم أن البوابتين كانتا متجاورتين تمامًا من هذا الجانب، إلا أن وجهتيهما قد تكونان على بُعد غير قابل للقياس.

كانت تيسيا هي من أجابت. “هناك مساحة. نوع من… مساحة مفتوحة، تركتها سيسيليا.” ضغطت يدها على البلورة بجانب يدي. “إذا استطعتِ تسليم نفسكِ إليّ، فسأسمح لكِ بالدخول.” كان التردد في صوتها غائبًا عن حضورها الجسدي وانعكاسها الذهني. شفتان ثابتتان، وحاجبان متجهمان بجدية، متمسكة بنفسها بثقة عززت عزيمتي.

 

أطلقتُ نفسًا مرتجفًا، متمنيًا لو كنتُ أعرف ما أقول في مثل هذه اللحظات. “لن يؤذي أحدًا آخر أبدًا.”

لكن لم يكن عليّ الوصول إلى وجهتيهما، بل عليّ بناء وجهات جديدة تمامًا.

 

 

 

كان المستوى الأول من المقابر الأثرية نقطة ثابتة، بها بوابات دخول وخروج عديدة. بامتداد حواسي عبر رونية الفضاء وخطوة الحاكم، اتبعتُ تلك المسارات والخيوط وهي تمتد خارج البوابات إلى المناطق المعزولة داخل الفراغ. وباستخدام المسارات الأثيرية كخيوط، بدأتُ بربط البوابات القديمة بنسيج عشرات البوابات الأخرى في جميع أنحاء المنطقة. في جميع أنحاء ألاكريا، في قاعات جمعية الصاعدين، كانت بوابات الصعود الخاصة بهم تُغلق فجأةً عندما أقطعها.

 

 

 

وأخيرًا، اندمجت البوابتان في الجبال تحتي في بوابة واحدة ضخمة ملأت الوادي بأكمله.

 

 

لكن انتباهي عاد فورًا إلى تيسيا. ‘الحسابات؟’

انحبس أنفاسي ودارت عيناي إلى الوراء عندما انهارت عليّ الأوزان. “جي-آي… ما هذا؟”

 

 

هرعتُ إلى مكانها، أبحث عن أي علامات ضرر جسدي، لكنني لم أجد شيئًا. “جي-آي؟”

تشبثت تيسيا بي، كانت عيناها مغلقتين، وكان وجهها شاحبًا.

 

 

في الوادي أسفلنا، كانت سيريس وفاراي وميكا قد نظّمن ما تبقى من الناجين في المعركة. حاجزٌ قوي من المانا كان يغلف الوادي الذي دارت فيه المعركة، لكن حتى ذلك الحاجز، مهما بلغ من القوة، لم يكن ليصمد أمام ارتطام أفيتوس الكامل بعالمنا.

‘إن قوة العالم الأثيري التي تُدفع للخلف ضد الحدود مع العالم المادي أعلى بكثير مما ينبغي أن تكون،’ فكرت جي آي بسرعة.

‘سوف يتوسع إلى الصدع أعلاه،’ حذرت جي-آي بصوتها البارد.

 

 

كانت البوابة في الأسفل، كالصدع في الأعلى، تتسع خارج سيطرتي. ابتلعت أجزاءً من سفح الجبل، مما أدى إلى انهيارها مع هدير انهيار جليدي وتصاعد سحب من الغبار. توسعت حواسي، المنسوجة عبر المسارات الأثيرية، بسرعة، وألمًا يخترق جمجمتي وأنا أحاول تجربة العالم بأكمله في آنٍ واحد.

“أنا كذلك،” أكدت تيس.

 

 

لقد ألقيت بنفسي في مناوة الملط، وكل فرع من عقلي انبثق إلى فرعين، ثم أربعة، ثم ثمانية، وأكثر، وأكثر بكثير.

 

 

تدفّق هائل من السحر اندفع من أفيتوس، حيث أمسك عشرات الآلاف من الأزوراس بأطراف عالمهم، محاولين إبقاءه متماسكًا وهو ينزلق عائدًا إلى العالم المادي. لكن الجهد لم يكن كافيًا…

رأيتُ الجيش يتجه جنوبًا، مُحلقًا على زوارق من الجليد والحجر. مدينة فيكتوريوس، خرابٌ مُشتعل، لم يبقَ منها سوى فوهاتٍ مليئةٍ بوحوش المانا. قرية ميرين، سحرتها جميعًا يعملون معًا لتغليف مركز المدينة بالدروع وهم يشاهدون النيازك تتساقط في الأفق. موجةٌ عاتيةٌ تندفع نحو شواطئ بعيدة، تُثيرها الجزر المتساقطة. زيروس، مُحاطةٌ بقشرةٍ نارية، وابلٌ من الصخور المُتفجرة حولها. صحراء إلينور، غابةٌ من الأشجار الصغيرة المُسوّاة بالأرض والمشتعلة.

باستخدام الخصائص الحسابية لحجر الأساس الأخير، أوضحتُ للقدر كيف يُمكن إطلاق الأثير المكبوت ببطء وعلى مر الزمن، مُجنّبًا دمار الحياة على هذا العالم. لكن طبيعة العملية —التي تجمع بين مناورة الملك والقدر وحجر الأساس نفس— جعلت استيعاب كل التفاصيل أمرًا مستحيلًا. على وجه الخصوص، كانت تفاصيل كيفية الوصول إلى المستقبل البعيد مُبهمة وغير واضحة في كل رؤية، إذ لم أستطع رؤية الوقت المُحيط بهزيمتي لمحاكاة أغرونا على الإطلاق. لقد أرسل قطع خيوط القدر موجاتٍ مُتلاحقة بعد سنوات.

 

 

كان الأمر فوق طاقتي. لم أستطع استيعابه، ولم أستطع استيعابه. كان عقلي يتمزق.

‘دعها تذهب،’ قال صوت، أو أصوات متعددة. أصوات كثيرة في رأسي الآن، إلى جانب صوتي…

 

هرعتُ إلى مكانها، أبحث عن أي علامات ضرر جسدي، لكنني لم أجد شيئًا. “جي-آي؟”

‘دعها تذهب،’ قال صوت، أو أصوات متعددة. أصوات كثيرة في رأسي الآن، إلى جانب صوتي…

 

 

 

لكنني أصغيت. توقفت عن محاولة استيعاب الأمر وتركته. كان الأمر أشبه بتحرر جسدي وعقلي، كعقدة خيوط فوضوية، منفصلة عن الألم الجسدي. كانت شبكة الإحساس موجودة، لكنها كانت مجرد ضجيج في الخلفية. أستطيع الاستمرار، بغض النظر عن العواقب.

 

 

انتقلت إلى أفكار ذات مفهوم أعلى، وأقل ارتباطًا بالواقع المادي كما فهمته، أفكار معقدة للغاية بحيث لا أستطيع استكشاف إمكاناتها بالكامل بنفسي.

“آرثر!” صرخت الأصوات داخل رأسي وخارجه.

 

 

زفرتُ نفسًا حارًا، مُشغِّلًا لعبة مناورة الملك على المشكلة. مع انشغال ذهني، بدا وكأن الجيش سيغادر المكان بعد لحظات. لم أستطع الانتظار أكثر. علينا أن نبدأ، وإلا فقد يكون الوقت قد فات. إن لم يكن قد فات بالفعل.

فتحتُ عينيّ فجأةً، وشعرتُ وكأنني أنظر إلى نفسي من أعلى، وجسدي معلقٌ بين سيلفي وتيسيا. غطّى الدم شفتيّ وذقني، وجسدي يتخبط بسعالٍ لم أشعر به.

من الأعلى، رأيت نفسي أتمزق، وجسدي يبتلعه ضباب أحمر وأرجواني بينما تضرخ سيلفي وتيسيا.

 

 

استمرت البوابة المُدمجة في التمدد، حتى بلغ ارتفاعها الآن نصف ارتفاع تايغرين كايلم. في لحظات، ستبتلع القلعة بأكملها.

كان المستوى الأول من المقابر الأثرية نقطة ثابتة، بها بوابات دخول وخروج عديدة. بامتداد حواسي عبر رونية الفضاء وخطوة الحاكم، اتبعتُ تلك المسارات والخيوط وهي تمتد خارج البوابات إلى المناطق المعزولة داخل الفراغ. وباستخدام المسارات الأثيرية كخيوط، بدأتُ بربط البوابات القديمة بنسيج عشرات البوابات الأخرى في جميع أنحاء المنطقة. في جميع أنحاء ألاكريا، في قاعات جمعية الصاعدين، كانت بوابات الصعود الخاصة بهم تُغلق فجأةً عندما أقطعها.

 

 

أفلتتُ قبضتي الفضفاضة فوق الجرح.

دخل ريجس إلى جسدي المادي وانتقل إلى نواتي، ثم، معًا، انطلقنا طائرين عبر الشق المهشم الذي خلّفه شول في تايغرين كايلم. وما إن خرجنا حتى انكشفت أمامنا رؤيا من نهاية العالم.

 

تشبثت تيسيا بي، كانت عيناها مغلقتين، وكان وجهها شاحبًا.

جاهدت مناورة الملك لفكّ خيوط عقلي الواعي، فأفكاري كانت مزيجًا مشوشًا بدلًا من عشرات الأفكار الواضحة المنفصلة. كنتُ أستخدم أقصى طاقة جسدي دون وعي. ولم يكن ذلك كافيًا. كنتُ بحاجة إلى التركيز.

 

 

 

‘سوف يتوسع إلى الصدع أعلاه،’ حذرت جي-آي بصوتها البارد.

 

 

‘لحظة من فضلكما،’ جاء صوت آخر. صوت جي-آي. أقوى الآن، وأكثر ثباتًا، وأكثر وضوحًا. ‘سيستغرق الأمر بعض الوقت للتعود عليه.’

‘وعندما يحدث ذلك، سوف ينفجر عالم الأثير، وسوف يضيع كل شيء.’

اشتعلت قداس الشفق في عمودي الفقري، وبدأت جزيئات أثيرية ساطعة ومتحمسة تتدفق مني كحبوب لقاح من شجرة. انجرفت الجزيئات إلى أسفل في خطين دواميين. تصاعد العرق إلى جبهتي فورًا وأنا أفعل مناوةر الملك، ونطاق القلب، وقداس الشفق، كلها في آن واحد، مجهدًا قنوات الأثير الخاصة بي المصنوعة من الحمم البركانية لدفع طاقة كافية للخارج.

 

 

لقد أخطأنا في حساباتنا. كان ضغط عالم الأثير عشرة أضعاف، بل مئة ضعف ما كان ينبغي أن يكون. كان هناك شيء يدفعنا للخلف.

“يبدو أنه وظّف نظام أمان مخفيًا في شبكتي المتصلة. عند وفاته، انفجرت قطعة من السحر الذي يربطني بـ… المقابر الأثرية، قاطعةً مصدر طاقتي ومُلحقةً ضررًا بالغًا بسلامة بنيتي الداخلية.”

 

كان الأمر فوق طاقتي. لم أستطع استيعابه، ولم أستطع استيعابه. كان عقلي يتمزق.

ثم صدمني. النهر. الزمن. القدر. كل ذلك الضغط المتزايد.

كان هناك ارتعاشٌ يُعادل ارتعاش شخصٍ يُكافح لالتقاط أنفاسه. “أخشى.. أخشى أن عقلي… على وشك الانهيار. ولكن إن كنتَ سريعًا…”

 

 

“اللعنة،” هدرت، وسحبت جزءًا من القوة من رونياتي لتعزيز جسدي والطيران إلى أعلى، وسحبت تيسيا وسيلفي معي.

 

 

 

“آرت…” نظرتُ إلى تيسيا. كان وجهها ملطخًا بالدم من أنفها، وعيناها حمراوان تقريبًا كعصير ڤريترا.

وأخيرًا، اندمجت البوابتان في الجبال تحتي في بوابة واحدة ضخمة ملأت الوادي بأكمله.

 

 

كان الضغط الناتج عن جعل نفسها قناة لكل هذه القوة المعالجة الخام في جي-آي يمزقها.

 

 

 

‘يجب أن نُثبّت البوابة والجرح،’ حثّتني جي-آي. ‘أنت بحاجة إلى المزيد من الأثير. كمية كبيرة.’

 

 

 

تدفق الأثير حول حواف كلا الشقين في نسيج الفضاء. مددت يدي نحو درع الآثار، غير متأكد من حالته بعد هجوم كيزيس، لكنه استجاب، وتناثر على جسدي كما هو متوقع. على الفور، بدأ تأثيره يجذب الأثير الجوي، جاذبًا بعضًا من الأثير المتدفق نحوي. لكن حتى مع امتصاصه بنفس سرعة وصوله إليّ، لم يكن كافيًا. ليس تقريبًا.

كان الأمر كمن يحاول نحت الجرانيت بأظافر. فهذه الطبقات صيغت بنيّة يائسة، وتصلّبت وغُمرت بغرضٍ حتى باتت قادرة على مقاومة ضغط داخلي لا يُحتمل.

 

كم هائلة؟ سألت.

فكرتُ مجددًا في النهر، كيف اندفع عبري بقوة هائلة، حتى أنني شكّلتُ طبقةً أساسيةً جديدةً في لحظات. ليت لديّ كل هذا الأثير الآن…

أغمضت تيسيا عينيها، لكنني ما زلت أستطيع رؤيتهما تتحركان بسرعة تحت جفنيها. ‘آسفة يا جي-آي. دعيني أحاول إفساح المجال.’

 

أومأتُ برأسي، بعد أن خمّنتُ ذلك بنفسي. ولكن ماذا عن شيءٍ كالقمر؟ باستخدام رونيةة الفضاء، قد أتمكن من إعادة تشكيل المشهد إلى كرة خارج الغلاف الجوي.

تجمدت أحشائي. هل كان ذلك ممكنًا؟ هل سينجح؟ هل سيكون كافيًا لو نجح؟

اشتعلت قداس الشفق في عمودي الفقري، وبدأت جزيئات أثيرية ساطعة ومتحمسة تتدفق مني كحبوب لقاح من شجرة. انجرفت الجزيئات إلى أسفل في خطين دواميين. تصاعد العرق إلى جبهتي فورًا وأنا أفعل مناوةر الملك، ونطاق القلب، وقداس الشفق، كلها في آن واحد، مجهدًا قنوات الأثير الخاصة بي المصنوعة من الحمم البركانية لدفع طاقة كافية للخارج.

 

 

مع نفس مرتجف، نظرتُ إلى سيلفي. “أحتاج إلى ثانية.”

 

 

 

أومأت برأسها، وتلك القتامة لم تغادر ملامحها. ارتجفت عيناها، وشعرت بنبضة من سيطرتها وهي تنبسط فوق الجبال.

أفلتتُ قبضتي الفضفاضة فوق الجرح.

 

 

كان كلّ طبقة من نواتي لا شيء سوى أثير مكثّف تحوّل إلى شكل مادي. نظريًا، كل الأثير الذي شكّل تلك الطبقات ما يزال موجودًا هناك، لكنه خامل، متمركز في هيئة محددة. تلك الطبقات كانت تعزز نواتي، وتُتيح تخزين المزيد من الأثير وأنقاه، لكنها في ذاتها تمثل مخزونًا لا يُصدّق من الأثير… إن استطعت الوصول إليه فقط.

أطلقتُ نفسًا مرتجفًا، متمنيًا لو كنتُ أعرف ما أقول في مثل هذه اللحظات. “لن يؤذي أحدًا آخر أبدًا.”

 

 

تعمقتُ في نواتي، أتحسس حواف الطبقة الرابعة، تلك التي تلفّ الطبقات الأخرى بإحكام، والتي تضمّ شظايا نواة المانا المحطّمة. بدلًا من أن أفتح البوابات بين قنواتي لأدع الجسيمات الأثيرية تتدفق، سعيت لاستخدام الأثير الخامل نفسه. أن أوقظه… أوجهه.

 

 

فتحتُ عينيّ فجأةً، وشعرتُ وكأنني أنظر إلى نفسي من أعلى، وجسدي معلقٌ بين سيلفي وتيسيا. غطّى الدم شفتيّ وذقني، وجسدي يتخبط بسعالٍ لم أشعر به.

كان الأمر كمن يحاول نحت الجرانيت بأظافر. فهذه الطبقات صيغت بنيّة يائسة، وتصلّبت وغُمرت بغرضٍ حتى باتت قادرة على مقاومة ضغط داخلي لا يُحتمل.

مدت يدها لتلمس البلورة. تحرك الأثير، مشكلًا قفصًا من الزمن المحبوس حول الهيكل، مما أوقف التدهور المستمر لمصدر طاقة الهيكل. بدوري، صببتُ الأثير في الحبل غير المرئي الذي يربط الهيكل بالمقابر الأثرية، مستخدمًا قداس الشفق كقناة لإعادة بنائه. لم أستطع إعادة صياغة تعويذة أغرونا، بل جذبتُ الحبل نحوي فأصبحتُ مصدر قوة جي-آي.

 

 

لا. لا يمكنني أن أنحت الطبقة. بل يجب أن أحرّرها. إنها قوة. ويمكن توجيهها.

 

 

أجابت جي-آي ببطء، ‘مع التعاويذ المناسبة. لكنني سأحتاج إلى مزيد من الوقت.’

في عشرات الفروع من وعيي، نسجت صورة لما أحتاج إليه. أثيري الخاص يعاد توجيهه، يتدفّق خارج نواتي ثم يلتفّ ليضغط مجددًا على الغلاف الخارجي. هذا كان أثيري.

نظرتُ من تشول إلى سيلفي، ثم ريجيس، وأخيرًا إلى تيسيا. كانت هناك حلقة أرجوانية متوهجة حول قزحيتي عينيها. “لنرَ ما الذي ننظر إليه.”

 

تنفست بعمق، ثم دفعت الأثير عبر قنواتي إلى رونية الفضاء، ثم وجهت تلك الطاقة إلى الأعلى. كانت التمزقات على أطراف أفيتوس نفسها نوعًا من “الفراغ المُتحكَّم به”، وتمكنت من الإمساك بذلك الجرح وشدّه، مُبطئًا الزحف المستمر لأرض أفيتوس نحو العالم المادي. كانت الحواف تتفتّت، وكتل ضخمة، شبيهة بالشهب، ما زالت تنهار متساقطة.

إرادتي، التي تشكلت في قبضة في داخلي، ملفوفة حول نواتي ومضغوطة بقوة.

 

 

 

الطبقة الرابعة تحطمت.

أطلقتُ نفسًا مرتجفًا، متمنيًا لو كنتُ أعرف ما أقول في مثل هذه اللحظات. “لن يؤذي أحدًا آخر أبدًا.”

 

 

لم تستطع قنواتي احتوائه. الأثير، الذي كان مُسيطَرًا عليه تمامًا، اجتاحني.

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

 

هرعتُ إلى مكانها، أبحث عن أي علامات ضرر جسدي، لكنني لم أجد شيئًا. “جي-آي؟”

من الأعلى، رأيت نفسي أتمزق، وجسدي يبتلعه ضباب أحمر وأرجواني بينما تضرخ سيلفي وتيسيا.

حسنًا، فكرتُ. سأحتاج مساعدة جي-آي. إذا استطاعت إيجادي مختبئًا في بُعدٍ جيبيٍّ على الجانب الآخر من العالم، فستتمكن من إجراء الحسابات اللازمة لمنع أفيتوس من الاصطدام.

 

أومأت برأسها، وتلك القتامة لم تغادر ملامحها. ارتجفت عيناها، وشعرت بنبضة من سيطرتها وهي تنبسط فوق الجبال.

————————

فكرتُ مجددًا في النهر، كيف اندفع عبري بقوة هائلة، حتى أنني شكّلتُ طبقةً أساسيةً جديدةً في لحظات. ليت لديّ كل هذا الأثير الآن…

 

 

عدد كلمات الفصل: 4000

 

أومأت برأسي.

عدد الفصول المتبقية: 7

 

 

 

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

 

 

كان تايغرن كايلم هادئًا على نحو مفاجئ. على بُعد مئة قدم، وقفت تيسيا وسيلفي عند موضع عرض الإسقاط الخاص بالجن، السمة الوحيدة المميزة لهذه القاعة الشاسعة والخالية. ضُغطت يد تيس على البلورة الحاضنة، حاجباها معقودان فوق عينيها المغلقتين، وشفاهها مشدودة بصمتٍ ثقيل. ومن خلال الحسّ السّادس للمانا الذي يمنحه نطاق القلب، شعرت بنبض المانا يتردد ذهابًا وإيابًا بينها وبين البلورة.

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

تقدمت نحو تيسيا صورة ظلية ذات قوة خام، لم أرها إلا كضوء برق. ارتعشت عينا تيس، واهتزت، وحركت رقبتها بانزعاج واضح. بدأ الحبر يسيل على جلدها كجداول صغيرة، مشكّلاً أحرفًا رونية ورموزًا مع تشكل التعاويذ. بطريقة ما، بدت هذه التصاميم أنظف وأقل قسوة، وأكثر شبهًا بتيسيا من تلك التي وُسمت بها على أنها وعاء سيسيليا.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط