أشياء لا يمكن أن تموت (2)
نظر التنين بصمت إلى خوان، ثم اختفى بعد لحظات. وبعد برهة، ظهرت امرأة ذات شعر ذهبي طويل وقوامٍ ممشوق من خلف الظل. وكان الفستان الملوّن الذي يبرز منحنياتها يبدو وكأنه من طراز يعود إلى مئة عام على الأقل.
“لا أتكلم إلا بما أعلمه، ولا أعلم شيئًا سوى أنه ليس هنا.”
“يا لها من طريقة درامية للظهور،” قال خوان.
‘بالطبع، كان جيرارد هو من أنقذ حياتها.’
“اعذرني، أهذا مظهر غير لائق لي؟ أليس الأمر كذلك أيضًا لمظهرك الخفيف الذي لا يليق بسنك؟”
“إنها لا تكذب، أبي.”
تفاجأ خوان من ردّ التنين الهادئ. فعلى الرغم من أن التنين كانت تتحدث بنبرة متعجرفة قليلًا، إلا أنها بدت هادئة تمامًا، خاصة وهي تخاطب الشخص الذي أباد سلالتها بالكامل. كما أن حقيقة اتخاذ التنين لمظهر قزمٍ لمحادثة خوان كانت دلالة على نوع من الاحترام.
أغلق خوان عينيه وارتشف من الحساء بصعوبة. ثم، وضع الوعاء فورًا.
لكن خوان لم يكن يهتم بالمجاملات التي يُظهرها له التنين—فقد كان تركيزه منصبًا في مكان آخر.
“إذًا، لا تنوين مهاجمتي؟” سأل خوان.
“أين جيرارد؟” سأل خوان.
“هل غليت ماء البحر كما هو؟” سأل بعد لحظة من الصمت.
أظهر التنين تعبيرًا فيه شيء من التسلية عند سماعه سؤال خوان، بينما بدا على نيينا الحيرة.
“لأكون دقيقًا، من الأفضل إزالة القشور قبل شوي السمكة. وكذلك يجب إزالة الأحشاء أيضًا،” قال خوان.
رؤية هذا المشهد جعلت خوان لا يفهم سبب تغيّر تعبير نيينا. وللتحديد أكثر، فقد كان الوضع الحالي هو ما لا يستطيع فهمه. كان خوان يتذكر بوضوح أن جيرارد طعنه عدة مرات. لكنه لا يزال على قيد الحياة، ومعظم جروحه قد تعافت. من ناحية أخرى، كانت نيينا تضحك وتتحدث بهدوء مع التنين الذي كانت تود قتله بشدة من قبل.
كان هناك احتمال واحد فقط يمكن أن يفكر فيه خوان. تمتم بلهجة حزينة:
كان الوضع غريبًا إلى درجة جعلت خوان يعتقد أنه ربما ميتٌ بالفعل، وأنه في الحياة الأخرى. ولكن السبب الوحيد الذي جعله يعرف أن هذا ليس الآخرة، هو أنه قد مات مرةً من قبل.
“إنها لا تكذب، أبي.”
“هو ليس هنا،” أجابت التنين.
“وهذا سبب ولائكِ لجيرارد؟” سأل خوان.
“توقفي عن اللعب معي، أيتها التنين،” قال خوان بصوت منخفض.
بمعنى آخر، الغريب حاول أن يطبخ، وهو شيء لم يفعله قط في حياته، فقط من أجل خوان، الذي لم يعُد قادرًا على الحفاظ على هيئته دون المانا. لم يعرف خوان كيف يفسّر هذا التصرف من الغريب.
في تلك اللحظة، تدخلت نيينا.
مدّ خوان يده أولًا نحو إنتالوسيا. فالتنين لم يكن وحشًا، ولا إلهًا؛ وشعر خوان أن التفاهم معها يكفي. نظرت إنتالوسيا إلى خوان، ثم صافحت يده.
“إنها لا تكذب، أبي.”
“لا أتكلم إلا بما أعلمه، ولا أعلم شيئًا سوى أنه ليس هنا.”
تنهد خوان عندما رأى نيينا تمد يد العون للتنين. ثم أومأ برأسه؛ فقد كان يعلم أن نيينا كانت ستبحث عن جيرارد بمجرد أن تستيقظ. ولو كان جيرارد موجودًا هنا، لكان الجو مشحونًا أكثر مما هو عليه الآن. وكان لديه شعور أن الوضع المتعلق بجيرارد قد تم شرحه بالفعل، نظرًا لأن التنين ونيينا كانتا تتحدثان بهذه الودية.
“إذن دعيني أغيّر سؤالي. لماذا أحضرتِني إلى هنا؟ أليست هذه مشقّة كبيرة لمجرد قتلي؟” سأل خوان.
“يبدو أنك لا تستطيعين إخباري بمكانه،” قال خوان.
“أنت تعلم الجواب بالفعل. أنت تعلم إجابة سؤالك.”
“لا أتكلم إلا بما أعلمه، ولا أعلم شيئًا سوى أنه ليس هنا.”
“يبدو أنك لا تستطيعين إخباري بمكانه،” قال خوان.
“ما اسمك؟”
“…من أنت؟”
“هاه… أيسأل الإمبراطور النبيل عن اسم كائن متواضع مثلي؟ يا له من شرف،” قالت التنين بابتسامة.
وبهذا، انتهت صفحة العداء بين الإمبراطور والتنين. وكل ما تبقّى بينهما هو علاقة جديدة منفصلة تمامًا عن الماضي.
“أنتِ ستكونين آخر تنين في هذا العالم، لذا يجدر بي أن أتذكّر اسمكِ.”
أنهى خوان أكل السمكة بالكامل. وعلى الرغم من أنها لم تكن لذيذة جدًا، إلا أنها كانت أفضل من الحساء بالتأكيد. عرض الغريب عليه سمكة أخرى، لكن خوان رفض؛ شعر أن سمكة واحدة تكفيه للحفاظ على شكله.
كلا من نيينا والتنين عرفتا أن كلمات خوان تحمل تهديدًا ضمنيًا. شعرت التنين بشفتيها ترتجفان.
“أوَ تملِك القدرة على قتلي؟”
بدأ خوان بفكّ الضمادات الملفوفة حول وجه الغريب ببطء. توقّف للحظة، ثم أكمل إزالة الضمادات—ولم يجد شيئًا ليقوله عندما انكشف وجه الغريب.
“جرّبي إن أردتِ.”
كلا من نيينا والتنين عرفتا أن كلمات خوان تحمل تهديدًا ضمنيًا. شعرت التنين بشفتيها ترتجفان.
نظرَت التنين إلى خوان. كان قد فقد معظم ماناه، وكانت إصاباته شديدة. في الحقيقة، كانت حالته سيئة للغاية لدرجة أن الناس العاديين كانوا سيموتون بالفعل. ولكن عينيه، المملوءتين بنية القتل، أرعبتا التنين وجعلتها تشعر بالخدر.
“فعلٌ كقتل الإمبراطور كان يبدو جاذبًا لأذني، لكن لا! لم تكن تلك نيّتي. لقد كان جيرارد من دبّر ذلك، ولم يكن لي علم بالأمر؛ ولم نتحد فعليًا إلا بعد انتهاء تلك المسألة. عندما رأيت صغار التنانين من طائفة ليندفورم يُذبحون أمامي، أقسمت بالانتقام؛ لكن جيرارد تعهّد بإنقاذ واحد من جنسي، ولو كلّفه ذلك حياته، ووفى بذلك.”
فتخلّت عن محاولة استفزازه.
حتى خوان شعر أنه قد طرح سؤالًا سخيفًا عندما سمع ردّ إنتالوسيا.
“…أنا أدعى إنتالوسيا.”
وبهذا، انتهت صفحة العداء بين الإمبراطور والتنين. وكل ما تبقّى بينهما هو علاقة جديدة منفصلة تمامًا عن الماضي.
“إنتالوشيا. كيف لا زلتِ على قيد الحياة؟ كنت أظن أن جيرارد قضى على جنسكم بالكامل.”
“لأكون دقيقًا، من الأفضل إزالة القشور قبل شوي السمكة. وكذلك يجب إزالة الأحشاء أيضًا،” قال خوان.
“أنت تعلم الجواب بالفعل. أنت تعلم إجابة سؤالك.”
“جرّبي إن أردتِ.”
حتى خوان شعر أنه قد طرح سؤالًا سخيفًا عندما سمع ردّ إنتالوسيا.
“…أنا أدعى إنتالوسيا.”
‘بالطبع، كان جيرارد هو من أنقذ حياتها.’
“أظنكِ لا تنكرين أنني قد أموت من تناول هذا الطعام.”
كان خوان قد أصدر أمرًا بإبادة التنانين بالكامل منذ بداية الحرب ضدهم. ولم يكن هناك سوى مجموعة واحدة تم استثناؤها من هذا الأمر: صغار التنانين الذين يمكن ترويضهم. فقد كانت حياة تنينٍ واحد كافية لإحداث دمارٍ هائل في الإمبراطورية.
أظهر التنين تعبيرًا فيه شيء من التسلية عند سماعه سؤال خوان، بينما بدا على نيينا الحيرة.
لكن حقيقة أن هذا التنين البالغ لا يزال حيًا تعني أن جيرارد خالف أمر خوان منذ وقت طويل قبل مأساة أربالد.
“هو ليس هنا،” أجابت التنين.
“وهذا سبب ولائكِ لجيرارد؟” سأل خوان.
كان خوان قد أصدر أمرًا بإبادة التنانين بالكامل منذ بداية الحرب ضدهم. ولم يكن هناك سوى مجموعة واحدة تم استثناؤها من هذا الأمر: صغار التنانين الذين يمكن ترويضهم. فقد كانت حياة تنينٍ واحد كافية لإحداث دمارٍ هائل في الإمبراطورية.
“ولاء؟ إنها مجرد علاقة،” تمتمت إنتالوسيا وكأن كرامتها قد أُهينت. “كان مدينًا لي بحياته، أنا من أنقذته؛ أما هو، فحين ترك لي حياتي وسط الحرب، فقد كان ذلك وفاءً لدَينه. أما أنا، فقد رأيته كمجرم، ينهب موطني ويطالبني بالشكر لأنه لم يقتلني، لكن… كانت الأوقات صعبة بحيث لم يكن لدي مجال للتفكير في أمور مثل الجميل والضغينة. وأنا لست ممن يحملون الحقد طويلاً. لذا… من الأدق أن نقول إننا رفيقان في هدف مشترك. وإن كان حتى هذا الرابط قد تمزق الآن.”
هيلا تزوجت لاحقًا من رجل آخر، بل وأنجبت منه طفلًا. وكان خوان يتخيل أن جيرارد كان يراقب كل ذلك من بعيد.
هزّت إنتالوسيا كتفيها.
حتى خوان شعر أنه قد طرح سؤالًا سخيفًا عندما سمع ردّ إنتالوسيا.
“ما الذي جعل علاقتكما معقدة إلى هذا الحد؟ وما هو هدفكما؟ اغتيال الإمبراطور؟”
“يبدو أنك لا تستطيعين إخباري بمكانه،” قال خوان.
“الجرس يبقى جرسًا مهما تغيّر اسمه.” ضحكت إنتالوسيا، وصدى صوتها الرنان ملأ الوادي.
“توقفي عن اللعب معي، أيتها التنين،” قال خوان بصوت منخفض.
“فعلٌ كقتل الإمبراطور كان يبدو جاذبًا لأذني، لكن لا! لم تكن تلك نيّتي. لقد كان جيرارد من دبّر ذلك، ولم يكن لي علم بالأمر؛ ولم نتحد فعليًا إلا بعد انتهاء تلك المسألة. عندما رأيت صغار التنانين من طائفة ليندفورم يُذبحون أمامي، أقسمت بالانتقام؛ لكن جيرارد تعهّد بإنقاذ واحد من جنسي، ولو كلّفه ذلك حياته، ووفى بذلك.”
“ولم أفعل؟ بإمكاني القضاء على الإمبراطور الضعيف الواقف أمامي بسهولة. بالنسبة إليّ، فإنك الآن لا تساوي أكثر من حبة رمل في صحراء.” ابتسمت إنتالوسيا. “لكنني أعلم أيضًا أن تلك الحبة قادرة على حرق قدميّ. رأيت بني جنسي يطمعون بما لا ينبغي، ورأيتهم يهلكون بسببه. فدع نهايتي مع الإمبراطور تكون هنا؛ فلم أنسَ ولن أنسى الدماء التي سُفكت من بني جنسي.”
‘تنين هورهل.’
“جرّبي إن أردتِ.”
تذكّر خوان أن هورهل قال إنه سُمِح له بالاحتفاظ بتنينه بشرطٍ واحد—أن يخون طائفة ليندفورم، ويتخلى عن منصبه، ويعمل لصالح هيلا. وبهذه الشروط، تمكّن من إنقاذ تنينه، رغم القيود الكثيرة المفروضة عليه.
“هل غليت ماء البحر كما هو؟” سأل بعد لحظة من الصمت.
“هل كان جيرارد طرفًا في ذلك؟” سأل خوان.
لكن تجويف عينه اليسرى كان فارغًا وعميقًا، لدرجة أنه بدا وكأنه مجرد حفرة. أما الجرح الذي أتلف عينه فكان يعبر وجهه قطريًا، مما جعله يبدو كما لو أنه يرتدي رقعة عين.
“لست أعلم أكثر منك كيف فعلها. ومنذ ذلك الحين، عشنا معًا على هذا الجزيرة، أراقب أنا التنين، ويراقب هو هيلا.”
أخرج الغريب قدرًا ضخمًا ووضعه أمام خوان. بدا القدر وكأنه من ضمن مقتنيات التنين، لكنه الآن كان ممتلئًا بسائل أسود يغلي. عبس خوان عندما رأى تلك السمكة الكبيرة تُطهى في الحساء. رغم أن خوان شهد أفظع الأمور في حياته، إلا أن هذا الحساء أثار اشمئزازه بشدة.
“هيلا؟ لماذا؟”
***
“لم أجد جدوى في سؤاله. لكنه أمر منطقي، أليست رفيقته؟”
أدار خوان رأسه ونظر إلى القدر المعلّق فوق النار وتنهد. شعر بتناقض داخلي حين فكّر أن إلكيهل، السلاح الذي كاد أن يقتله مرتين، يُستخدم الآن لطهو السمك.
على الرغم من أن جيرارد وهيلا كانا من المفترض أن يتزوجا، إلا أن علاقتهما لم تكن رسمية. وكان هذا هو السبب الوحيد الذي سمح ببقاء هيلا على قيد الحياة بعد حادثة اغتيال الإمبراطور.
افترض أن الغريب يعيش هنا منذ مدة. وفكرة أن مهاراته في الطبخ بهذا السوء، رغم عيشه على جزيرة، تعني أنه هو الآخر لم يكن بحاجة لتناول الطعام ليبقى على قيد الحياة، مثل خوان.
هيلا تزوجت لاحقًا من رجل آخر، بل وأنجبت منه طفلًا. وكان خوان يتخيل أن جيرارد كان يراقب كل ذلك من بعيد.
‘تنين هورهل.’
‘ربما لهذا السبب تمكّن من إنقاذ هيلا عندما كادت أن تموت بعد رميها من على سور القلعة.’
كان الغريب فتىً يبدو أصغر قليلًا من خوان نفسه، في الخامسة عشرة تقريبًا. كان وجهه وشعره متشابهين للغاية مع جيرارد. لم يكن لديه سوى عين واحدة، لكن هذه العين كانت أيضًا مشابهة لعيني جيرارد، إلى درجة جعلت خوان يخطئ ويظنه جيرارد للحظة.
“إذًا، لا تنوين مهاجمتي؟” سأل خوان.
“لم أجد جدوى في سؤاله. لكنه أمر منطقي، أليست رفيقته؟”
“ولم أفعل؟ بإمكاني القضاء على الإمبراطور الضعيف الواقف أمامي بسهولة. بالنسبة إليّ، فإنك الآن لا تساوي أكثر من حبة رمل في صحراء.” ابتسمت إنتالوسيا. “لكنني أعلم أيضًا أن تلك الحبة قادرة على حرق قدميّ. رأيت بني جنسي يطمعون بما لا ينبغي، ورأيتهم يهلكون بسببه. فدع نهايتي مع الإمبراطور تكون هنا؛ فلم أنسَ ولن أنسى الدماء التي سُفكت من بني جنسي.”
نظر الغريب إلى خوان متجمّدًا في مكانه، لكن خوان لم يُبعد نظره. كان بإمكانه أن يشعر باهتزاز الغريب تحت الضمادات. وحين لم يتحرك الغريب رغم مرور الوقت، مدّ خوان يده ببطء نحو وجه الغريب، ولم يتجنّب الغريب تلك اليد.
كلمات إنتالوسيا بأنها لن تنسى دماء جنسها يمكن أن تُفسّر بطريقتين—إما أنها لن تنسى ثأرها، أو أنها لن تنسى الدرس الذي تعلمته. في كلتا الحالتين، فهذا يعني أنها لا تنوي أن تكون عدوة لخوان. وكان هذا كافيًا لخوان كي يخفف من حذره.
كان الغريب فتىً يبدو أصغر قليلًا من خوان نفسه، في الخامسة عشرة تقريبًا. كان وجهه وشعره متشابهين للغاية مع جيرارد. لم يكن لديه سوى عين واحدة، لكن هذه العين كانت أيضًا مشابهة لعيني جيرارد، إلى درجة جعلت خوان يخطئ ويظنه جيرارد للحظة.
مدّ خوان يده أولًا نحو إنتالوسيا. فالتنين لم يكن وحشًا، ولا إلهًا؛ وشعر خوان أن التفاهم معها يكفي. نظرت إنتالوسيا إلى خوان، ثم صافحت يده.
“فعلٌ كقتل الإمبراطور كان يبدو جاذبًا لأذني، لكن لا! لم تكن تلك نيّتي. لقد كان جيرارد من دبّر ذلك، ولم يكن لي علم بالأمر؛ ولم نتحد فعليًا إلا بعد انتهاء تلك المسألة. عندما رأيت صغار التنانين من طائفة ليندفورم يُذبحون أمامي، أقسمت بالانتقام؛ لكن جيرارد تعهّد بإنقاذ واحد من جنسي، ولو كلّفه ذلك حياته، ووفى بذلك.”
وبهذا، انتهت صفحة العداء بين الإمبراطور والتنين. وكل ما تبقّى بينهما هو علاقة جديدة منفصلة تمامًا عن الماضي.
على الرغم من أن جيرارد وهيلا كانا من المفترض أن يتزوجا، إلا أن علاقتهما لم تكن رسمية. وكان هذا هو السبب الوحيد الذي سمح ببقاء هيلا على قيد الحياة بعد حادثة اغتيال الإمبراطور.
“إذن دعيني أغيّر سؤالي. لماذا أحضرتِني إلى هنا؟ أليست هذه مشقّة كبيرة لمجرد قتلي؟” سأل خوان.
تنهد خوان عندما رأى نيينا تمد يد العون للتنين. ثم أومأ برأسه؛ فقد كان يعلم أن نيينا كانت ستبحث عن جيرارد بمجرد أن تستيقظ. ولو كان جيرارد موجودًا هنا، لكان الجو مشحونًا أكثر مما هو عليه الآن. وكان لديه شعور أن الوضع المتعلق بجيرارد قد تم شرحه بالفعل، نظرًا لأن التنين ونيينا كانتا تتحدثان بهذه الودية.
“لقد طُلِب مني معروفٌ لا أكثر،” أجابت إنتالوشيا.
هزّت إنتالوسيا كتفيها.
“من جيرارد؟ أين هو الآن؟”
“ألا يجدر بك أن تسأله بنفسك؟ إنه هناك.”
“ألا يجدر بك أن تسأله بنفسك؟ إنه هناك.”
بمعنى آخر، الغريب حاول أن يطبخ، وهو شيء لم يفعله قط في حياته، فقط من أجل خوان، الذي لم يعُد قادرًا على الحفاظ على هيئته دون المانا. لم يعرف خوان كيف يفسّر هذا التصرف من الغريب.
أشارت إنتالوسيا خلف ظهر خوان. وعندما استدار، وجد رجلًا غريبًا ملفوفًا بالضمادات ومبللًا بمياه البحر، وهو يحمل في يده سمكة كبيرة.
‘أعتقد أن أي أحد سيشعر بالحيرة إذا كان الشخص الذي طعنه عدة مرات في ظهره هو نفسه من يطهو له ويعالجه.’
***
أدار خوان رأسه ونظر إلى القدر المعلّق فوق النار وتنهد. شعر بتناقض داخلي حين فكّر أن إلكيهل، السلاح الذي كاد أن يقتله مرتين، يُستخدم الآن لطهو السمك.
أخرج الغريب قدرًا ضخمًا ووضعه أمام خوان. بدا القدر وكأنه من ضمن مقتنيات التنين، لكنه الآن كان ممتلئًا بسائل أسود يغلي. عبس خوان عندما رأى تلك السمكة الكبيرة تُطهى في الحساء. رغم أن خوان شهد أفظع الأمور في حياته، إلا أن هذا الحساء أثار اشمئزازه بشدة.
“ما الذي جعل علاقتكما معقدة إلى هذا الحد؟ وما هو هدفكما؟ اغتيال الإمبراطور؟”
ثم قطع الغريب جزءًا من السمكة في الوعاء وناوله إلى خوان.
بمعنى آخر، الغريب حاول أن يطبخ، وهو شيء لم يفعله قط في حياته، فقط من أجل خوان، الذي لم يعُد قادرًا على الحفاظ على هيئته دون المانا. لم يعرف خوان كيف يفسّر هذا التصرف من الغريب.
“أتريد مني أن آكل هذا؟” سأل خوان.
“أجد كلمات جلالته فظة جدًا. إذا أعدّ المضيف طعامًا، فعلى الضيف أن يُظهر أسمى درجات الامتنان، سواء كان الطعام سمًا أو داءً،” قالت إنتالوسيا.
“ما أظنه لا يُريك جمال الطعام، بل يقدّمه إليك لتأكله،” قالت إنتالوسيا ضاحكة من خلف خوان.
“أنتِ ستكونين آخر تنين في هذا العالم، لذا يجدر بي أن أتذكّر اسمكِ.”
“ألن تأكلي منه؟” سأل خوان إنتالوسيا.
“أجد كلمات جلالته فظة جدًا. إذا أعدّ المضيف طعامًا، فعلى الضيف أن يُظهر أسمى درجات الامتنان، سواء كان الطعام سمًا أو داءً،” قالت إنتالوسيا.
“اللحم المسلوق لا يغويني. كلْ منه قدر ما يطيب لك،” أجابت إنتالوسيا .
لكن حقيقة أن هذا التنين البالغ لا يزال حيًا تعني أن جيرارد خالف أمر خوان منذ وقت طويل قبل مأساة أربالد.
نظر خوان إلى الحساء في الوعاء. لم يكن يحتاج إلى تناول الطعام حتى الآن، لذلك لم يكن يهتم كثيرًا بالطعم. لكنه الآن لم يكن لديه خيار سوى أن يأكل شيئًا ما للحفاظ على قوّته وهيئته، إذ إن قلب المانا لديه كان شبه فارغ.
“توقفي عن اللعب معي، أيتها التنين،” قال خوان بصوت منخفض.
أغلق خوان عينيه وارتشف من الحساء بصعوبة. ثم، وضع الوعاء فورًا.
أنهى خوان أكل السمكة بالكامل. وعلى الرغم من أنها لم تكن لذيذة جدًا، إلا أنها كانت أفضل من الحساء بالتأكيد. عرض الغريب عليه سمكة أخرى، لكن خوان رفض؛ شعر أن سمكة واحدة تكفيه للحفاظ على شكله.
“هل غليت ماء البحر كما هو؟” سأل بعد لحظة من الصمت.
“فعلٌ كقتل الإمبراطور كان يبدو جاذبًا لأذني، لكن لا! لم تكن تلك نيّتي. لقد كان جيرارد من دبّر ذلك، ولم يكن لي علم بالأمر؛ ولم نتحد فعليًا إلا بعد انتهاء تلك المسألة. عندما رأيت صغار التنانين من طائفة ليندفورم يُذبحون أمامي، أقسمت بالانتقام؛ لكن جيرارد تعهّد بإنقاذ واحد من جنسي، ولو كلّفه ذلك حياته، ووفى بذلك.”
أومأ الغريب برأسه، مما جعل خوان يحدّق فيه بدهشة.
“ولذلك أنا لم أعد أتلذذ بهذه المأكولات الفاخرة.”
“الموت بسبب زيادة الملح بطيء ومؤلم. لماذا لم تطعنني حتى الموت مباشرة؟ هل ترغب حقًا في رؤيتي أموت ببطء وعذاب؟”
“لا أتكلم إلا بما أعلمه، ولا أعلم شيئًا سوى أنه ليس هنا.”
في تلك اللحظة، صفعت إنتالوسيا خوان على مؤخرة رأسه.
أغلق خوان عينيه وارتشف من الحساء بصعوبة. ثم، وضع الوعاء فورًا.
“أجد كلمات جلالته فظة جدًا. إذا أعدّ المضيف طعامًا، فعلى الضيف أن يُظهر أسمى درجات الامتنان، سواء كان الطعام سمًا أو داءً،” قالت إنتالوسيا.
“أين جيرارد؟” سأل خوان.
“أظنكِ لا تنكرين أنني قد أموت من تناول هذا الطعام.”
“إنتالوشيا. كيف لا زلتِ على قيد الحياة؟ كنت أظن أن جيرارد قضى على جنسكم بالكامل.”
“ولذلك أنا لم أعد أتلذذ بهذه المأكولات الفاخرة.”
“ولم أفعل؟ بإمكاني القضاء على الإمبراطور الضعيف الواقف أمامي بسهولة. بالنسبة إليّ، فإنك الآن لا تساوي أكثر من حبة رمل في صحراء.” ابتسمت إنتالوسيا. “لكنني أعلم أيضًا أن تلك الحبة قادرة على حرق قدميّ. رأيت بني جنسي يطمعون بما لا ينبغي، ورأيتهم يهلكون بسببه. فدع نهايتي مع الإمبراطور تكون هنا؛ فلم أنسَ ولن أنسى الدماء التي سُفكت من بني جنسي.”
تذوقت نيينا رشفة من الحساء، لكنها وضعته جانبًا بهدوء وتعبير مرير على وجهها. رغم أنها واجهت مصاعب كثيرة في ساحة المعركة، إلا أن هذا الحساء الذي أعدّه الغريب كان صعب التحمل حتى بالنسبة لها.
“توقفي عن اللعب معي، أيتها التنين،” قال خوان بصوت منخفض.
لم يُعرف ما إذا كان الغريب قد أُهين من رد فعل الآخرين تجاه طعامه، لكنه لم يُظهر أي عدائية على الإطلاق. ولم يكن يحمل إلكيهل في يده.
“لا أتكلم إلا بما أعلمه، ولا أعلم شيئًا سوى أنه ليس هنا.”
في الواقع، كان خوان هو الشخص الوحيد الذي أبدى العداء—ضد الحساء في الوعاء.
“أتريد مني أن آكل هذا؟” سأل خوان.
أدار خوان رأسه ونظر إلى القدر المعلّق فوق النار وتنهد. شعر بتناقض داخلي حين فكّر أن إلكيهل، السلاح الذي كاد أن يقتله مرتين، يُستخدم الآن لطهو السمك.
“أنت تعلم الجواب بالفعل. أنت تعلم إجابة سؤالك.”
اقترب الغريب من النار وكأنه لاحظ نظرة خوان إلى إلكيهل. أخذ السمكة المشوية التي كانت مشكوكة بالسيف وناولها لخوان.
لكن مظهر الفتى لم يكن ما يهم خوان. فقد نظر بعُمق إلى أعماق روح الفتى من خلال عينه.
“لا، لم أكن أنظر إلى السمكة بالتحديد. ولكن…”
***
نظر خوان إلى السمكة المشوية بريبة؛ لم يكن يصدق أن الغريب استخدم إلكيهل فعلاً لطهوها. لم يتخيل أبدًا أن السلاح الذي استُخدم لاغتيال الإمبراطور سيُستخدم كسيخ لشوي السمك.
كلا من نيينا والتنين عرفتا أن كلمات خوان تحمل تهديدًا ضمنيًا. شعرت التنين بشفتيها ترتجفان.
رغم أن السمكة كانت محترقة قليلًا من الخارج، إلا أنها بدت لذيذة إلى حدٍ ما، إذ كان الزيت يتدفق من لحمها. أخذ خوان قضمة منها بحذر.
نظر الغريب إلى خوان متجمّدًا في مكانه، لكن خوان لم يُبعد نظره. كان بإمكانه أن يشعر باهتزاز الغريب تحت الضمادات. وحين لم يتحرك الغريب رغم مرور الوقت، مدّ خوان يده ببطء نحو وجه الغريب، ولم يتجنّب الغريب تلك اليد.
“…ليست سيئة.”
‘بالطبع، كان جيرارد هو من أنقذ حياتها.’
لم يُبدِ الغريب أي ردة فعل عندما لم يُعجب أحد بحساءه، لكنه بدا سعيدًا حين رأى خوان يستمتع بالسمكة.
“ولذلك أنا لم أعد أتلذذ بهذه المأكولات الفاخرة.”
في تلك الأثناء، شعر خوان بشيء من الندم—شعر أنه كان يجدر به أن يعطي جيرارد بعض النصائح عن الطبخ بدلًا من الاكتفاء بتعليمه السيف أو السحر.
أومأ الغريب برأسه، مما جعل خوان يحدّق فيه بدهشة.
“لأكون دقيقًا، من الأفضل إزالة القشور قبل شوي السمكة. وكذلك يجب إزالة الأحشاء أيضًا،” قال خوان.
“ما اسمك؟”
كانت مثل هذه النصائح تُعد من البديهيات، لذلك شعر خوان بالغرابة وهو يقولها للغريب، لكن محاوره أومأ بحماسة. أخذ خوان يفكر وهو يمضغ قشور السمك وأحشائها في فمه.
“أوَ تملِك القدرة على قتلي؟”
افترض أن الغريب يعيش هنا منذ مدة. وفكرة أن مهاراته في الطبخ بهذا السوء، رغم عيشه على جزيرة، تعني أنه هو الآخر لم يكن بحاجة لتناول الطعام ليبقى على قيد الحياة، مثل خوان.
في الواقع، كان خوان هو الشخص الوحيد الذي أبدى العداء—ضد الحساء في الوعاء.
بمعنى آخر، الغريب حاول أن يطبخ، وهو شيء لم يفعله قط في حياته، فقط من أجل خوان، الذي لم يعُد قادرًا على الحفاظ على هيئته دون المانا. لم يعرف خوان كيف يفسّر هذا التصرف من الغريب.
“ولذلك أنا لم أعد أتلذذ بهذه المأكولات الفاخرة.”
‘أعتقد أن أي أحد سيشعر بالحيرة إذا كان الشخص الذي طعنه عدة مرات في ظهره هو نفسه من يطهو له ويعالجه.’
نظر الغريب إلى خوان متجمّدًا في مكانه، لكن خوان لم يُبعد نظره. كان بإمكانه أن يشعر باهتزاز الغريب تحت الضمادات. وحين لم يتحرك الغريب رغم مرور الوقت، مدّ خوان يده ببطء نحو وجه الغريب، ولم يتجنّب الغريب تلك اليد.
أنهى خوان أكل السمكة بالكامل. وعلى الرغم من أنها لم تكن لذيذة جدًا، إلا أنها كانت أفضل من الحساء بالتأكيد. عرض الغريب عليه سمكة أخرى، لكن خوان رفض؛ شعر أن سمكة واحدة تكفيه للحفاظ على شكله.
توقّف الغريب عن الحركة عند سماعه اسم جيرارد. نظر خوان إليه مباشرة.
“جيرارد.”
“ما الذي جعل علاقتكما معقدة إلى هذا الحد؟ وما هو هدفكما؟ اغتيال الإمبراطور؟”
توقّف الغريب عن الحركة عند سماعه اسم جيرارد. نظر خوان إليه مباشرة.
كان الوضع غريبًا إلى درجة جعلت خوان يعتقد أنه ربما ميتٌ بالفعل، وأنه في الحياة الأخرى. ولكن السبب الوحيد الذي جعله يعرف أن هذا ليس الآخرة، هو أنه قد مات مرةً من قبل.
“أزل الضمادات.”
“…من أنت؟”
نظر الغريب إلى خوان متجمّدًا في مكانه، لكن خوان لم يُبعد نظره. كان بإمكانه أن يشعر باهتزاز الغريب تحت الضمادات. وحين لم يتحرك الغريب رغم مرور الوقت، مدّ خوان يده ببطء نحو وجه الغريب، ولم يتجنّب الغريب تلك اليد.
لكن تجويف عينه اليسرى كان فارغًا وعميقًا، لدرجة أنه بدا وكأنه مجرد حفرة. أما الجرح الذي أتلف عينه فكان يعبر وجهه قطريًا، مما جعله يبدو كما لو أنه يرتدي رقعة عين.
بدأ خوان بفكّ الضمادات الملفوفة حول وجه الغريب ببطء. توقّف للحظة، ثم أكمل إزالة الضمادات—ولم يجد شيئًا ليقوله عندما انكشف وجه الغريب.
أومأ الغريب برأسه، مما جعل خوان يحدّق فيه بدهشة.
“…من أنت؟”
تذكّر خوان أن هورهل قال إنه سُمِح له بالاحتفاظ بتنينه بشرطٍ واحد—أن يخون طائفة ليندفورم، ويتخلى عن منصبه، ويعمل لصالح هيلا. وبهذه الشروط، تمكّن من إنقاذ تنينه، رغم القيود الكثيرة المفروضة عليه.
كان الغريب فتىً يبدو أصغر قليلًا من خوان نفسه، في الخامسة عشرة تقريبًا. كان وجهه وشعره متشابهين للغاية مع جيرارد. لم يكن لديه سوى عين واحدة، لكن هذه العين كانت أيضًا مشابهة لعيني جيرارد، إلى درجة جعلت خوان يخطئ ويظنه جيرارد للحظة.
“أوَ تملِك القدرة على قتلي؟”
لكن تجويف عينه اليسرى كان فارغًا وعميقًا، لدرجة أنه بدا وكأنه مجرد حفرة. أما الجرح الذي أتلف عينه فكان يعبر وجهه قطريًا، مما جعله يبدو كما لو أنه يرتدي رقعة عين.
أغلق خوان عينيه وارتشف من الحساء بصعوبة. ثم، وضع الوعاء فورًا.
لكن مظهر الفتى لم يكن ما يهم خوان. فقد نظر بعُمق إلى أعماق روح الفتى من خلال عينه.
أومأ الغريب برأسه، مما جعل خوان يحدّق فيه بدهشة.
‘هذا الفتى ليس جيرارد.’
فتخلّت عن محاولة استفزازه.
حينها فقط تذكّر خوان أن إنتالوسيا كانت تستخدم عبارات غريبة للإشارة إلى الغريب. لم يكن يعلم نواياها، لكنها نجحت في تشتيت انتباهه.
“لا أتكلم إلا بما أعلمه، ولا أعلم شيئًا سوى أنه ليس هنا.”
انحنى الفتى أمام خوان.
“لقد طُلِب مني معروفٌ لا أكثر،” أجابت إنتالوشيا.
“تحيةً لجلالتكم.”
هزّت إنتالوسيا كتفيها.
كان هناك احتمال واحد فقط يمكن أن يفكر فيه خوان. تمتم بلهجة حزينة:
بمعنى آخر، الغريب حاول أن يطبخ، وهو شيء لم يفعله قط في حياته، فقط من أجل خوان، الذي لم يعُد قادرًا على الحفاظ على هيئته دون المانا. لم يعرف خوان كيف يفسّر هذا التصرف من الغريب.
“أنت ابن هيلا وجيرارد.”
لكن تجويف عينه اليسرى كان فارغًا وعميقًا، لدرجة أنه بدا وكأنه مجرد حفرة. أما الجرح الذي أتلف عينه فكان يعبر وجهه قطريًا، مما جعله يبدو كما لو أنه يرتدي رقعة عين.
“أوَ تملِك القدرة على قتلي؟”
