Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 27

"الصديق القديم"
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

"الصديق القديم"

 

وبينما همّ بالجلوس، صدرت فجأة أنفاس متقطعة وواهِنة بجواره.

 

وفي لحظة، اختفى يودل.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

 

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

 

Arisu-san

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

الفصل 27: “الصديق القديم”

اقترب غيلبرت من إحدى الجثث، وجثا على ركبتيه وضغط على العنق المذبوح، فانكشف جرحٌ مروّع قد تغيّر لونه وتخثر الدم فيه.

….

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“جثث الحراس الثمانية الذين كانوا يحمون السيّد تاليس ساعة وقوع الحادث، تُركت هنا. لم يكن ذلك بدافع الاحترام فحسب، بل لأن الموقف كان عاجلًا. لم نمسّهم البتّة، وهم ما يزالون في الهيئة التي وجدوا عليها عند وقوع الحادث.”

وفي لحظة، اختفى يودل.

كان غيلبرت يشرح للسيّدة جينيس، التي ارتسم على وجهها ملامح الجدية وهي تقف في ممر الطابق الثاني من قاعة مينديس أمام الجثث الثمانية، فيما وقف يودل صامتًا بجانبهم.

“أمر مثير للدهشة؟” سخرت جينيس في سرّها.

“ستةٌ منهم فرسان مهرة من فئة المقاتلين العاديين ذوي الخبرة الكبيرة، ولديهم جميعًا قابلية للترقي إلى الفئة العليا. أمّا الاثنان الآخران فكانا بالفعل من نخبة الفئة العليا. جميعهم قُطِعت شرايين أعناقهم بسلاحٍ حادٍّ غير منتظم.”

 

اقترب غيلبرت من إحدى الجثث، وجثا على ركبتيه وضغط على العنق المذبوح، فانكشف جرحٌ مروّع قد تغيّر لونه وتخثر الدم فيه.

 

“استنادًا إلى تقديراتنا الأولية، فالفاعل ربّما كان من فئة النخبة الفائقة. أن يجهز على هؤلاء الثمانية في لحظة خاطفة لا يمكن إلا بمهارة فذّة وقوةٍ لا تُقدَّر. حتى يودل نفسه لم يستطع مجاراة سرعته.

“أغغ… أغغ…” وكأن السجين استشعر قدوم أحد، فبدأ يضطرب ويئن.

ثم إنّه يملك قدرةً مرعبة على التخفي. فقد كنّا قد أحكمنا الحراسة على جميع المداخل والمخارج ساعة الاقتحام، ومع ذلك تمكّن من التسلل، ولم يستشعر يودل بوجوده قط.”

لكنّها لم تُبدِ شيئًا. بل رفعت يدها بحركة اعتيادية، تلمس الشامة على شفتيها وهي تبتسم ابتسامة ساخرة: “الرجال… خلاصة التهور والإهمال.”

قال غيلبرت بوجهٍ ملبّد بالكآبة، وأخرج من جيب صدره ساعةً ميكانيكية نظر فيها: كانت تشير إلى السادسة والنصف مساءً، والقمر بدأ يعلو.

 

انعقد حاجبا جينيس بشدة، وشفاهها الفاتنة انطبقت بصرامة زادت من بروز شامة جميلة قرب فمها. شبكت ذراعيها وهي تتعمق في التفكير لحظة، ثم رفعت يدها فجأة وأصدرت طقطقة بأصابعها.

اقترب غيلبرت من إحدى الجثث، وجثا على ركبتيه وضغط على العنق المذبوح، فانكشف جرحٌ مروّع قد تغيّر لونه وتخثر الدم فيه.

“انزعوا خوذاتهم.”

 

بإيماءة من غيلبرت، تقدّم الحرّاس المجاورون وأزالوا الخوذات عن الرؤوس. تقدّمت جينيس بخطوات أنيقة بكعبَي حذائها الرسمي ذي الكعب العالي، وجثت على ركبة واحدة، وأخذت تتفحّص وجوههم بعناية.

“كنت أعلم، أنت من أولئك النبلاء رفيعي المنصب ضيّقي الأفق. لو أنّك رأيت ’إدارة الاستخبارات السرية’ في الكوكبة، أو ’الغرفة المظلمة’ في إكستيدت، أو حرّاس عباءة الغراب في سلالة الفجر والظلام، وكذلك ’كونتانا’ في هانبول، ولو شهدت الأساليب التي يستخدمونها، لأدركت كم من أناس مرعبين يختبئون في الزوايا المظلمة تحت المسرح الذي تقف عليه. بحركة طفيفة من أصابعهم يكشفون كل أسرارك.”

“لقد نزفَت شرايينهم بغزارة، ولم يكن أمامهم وقت طويل قبل أن تزهق أرواحهم، بالكاد ما يكفي للتلوي على الأرض… لحظة أن لمحوا القاتل.

 

انظروا إلى ملامحهم جميعًا.” قالت وهي تنحني أكثر. “هؤلاء الأربعة المستلقون على ظهورهم، وجوههم حملت الغضب والحقد والسخط والغيظ؛ ماتوا دون أن يدركوا ما الذي ضربهم لا يشعرون إلا بالضغينة.

 

أمّا هذان المستلقيان على جانبيهما، فقد جمدت على ملامحهما الدهشة والذهول والريبة؛ لقد لمحا الضربة المميتة مقبلةً وحاولا الردّ عبثًا، فلم يظفرا إلا بالصدمة والارتباك.

فمدّ يده بهدوء إلى فخذه، متظاهرًا بالحكة، ثم جرح يده بخنجر جي سي المربوط هناك.

وأمّا الاثنان الأخيران، الأقوى بينهم، فأحدهما مسند إلى الجدار، والآخر مطروح على ظهره. ملامحهما أكثر تعقيدًا: على وجه الأول ندم وألم، وعلى الآخر راحة واستسلام. لقد حاولا جاهدين صدّ الضربة، لكنّهما لم يفلحا. غير أنّهما كانا آخر من لفظ أنفاسه، ولذا أبصرا القاتل في لحظاتهما الأخيرة، فترك ذلك عليهما أثر الندم أو البصيرة المفاجئة. أي إنّهما لو كانا يعلمان هوية العدو مسبقًا لأكّداها بوضوح.”

 

نهضت جينيس بوجهٍ بارد، وعقدت ذراعيها، ونظرت نحو غيلبرت المرتبك، وقالت بحسم: “القاتل ليس من الفئة الفائقة! لو كان كذلك، لا يُقهر، لرأيت في وجهيهما يأسًا ورعبًا، لا ندمًا ولا استسلامًا. بل استخدم مهارةً خاصة، أو قدرةً نفسية، أو أداة. بدأ بأقوى اثنين أوّلًا، ثم انتقل إلى الستة الأضعف. وحين سقط الأقوى، سنحت لهم فرصة رؤية القاتل وطريقته في القتل.

 

القاتل لم يبلغ بعد الفئة الفائقة، لكنه بالغ السرعة، ربما يقارب سرعة نصف نخب الفئة الفائقة أو يفوقهم. لكنه ما دام دونها، فحين يقّتُل، لا بدّ أن يفعلها بالتتابع.”

تقدّم يودل وجثا أمام الجثث، كما لو انه يتحقق من كلامها. بينما كان غيلبرت يتأمّل المرأة أمامه بشرود، وكأنّه يستعيد صورة الفتاة متقدة الحماس في المحكمة قبل عشرين عامًا… وإلى جوارها ذلك الفتى المتدرّب الضحوك.

 

تنهد من أعماقه، وتقدّم إليها.

 

“سيّدتي جينيس، أعلم أنّك كنتِ أرفع ضابطة شرطة في العاصمة، وشاركتِ في تحقيقات مجزرة العائلة الملكية إبّان العام الدموي، بل وتتبّعتِ صوفي الهواء. حتى دائرة الاستخبارات الملكية كانت تستعين بك مرارًا. استنتاجك حادّ وباهر كما كان. لكن أولويّتنا العاجلة الآن هي استعادة ذلك الطفل.” قال غيلبرت بثبات، ويداه خلف ظهره.

 

تأمّلته جينيس وألقت نحوه بنظرة عابرة.

هزّت جينيس رأسها وأزاحت من ذهنها كل المشاعر غير المرتبطة بالقضية. “لقد تسلّل إذن إلى القصر مختبئًا بقدرته الفطرية على التحوّل إلى دم، ثم استغل موهبته في بلوغ أقصى سرعة في لحظة ليذبح هؤلاء ويختطف—وطبعًا لم يفعل ذلك بقوته وحدها.” رفعت جينيس رأسها وحدّقت بازدراء في غيلبرت. “هذا هو النخبة من الفئة الفائقة الذي تحدثت عنه؟”

(أرفع ضابطة شرطة؟) قبضت كفّيها بغير وعي. (ضابطة؟ هراء).

 

لكنّها لم تُبدِ شيئًا. بل رفعت يدها بحركة اعتيادية، تلمس الشامة على شفتيها وهي تبتسم ابتسامة ساخرة: “الرجال… خلاصة التهور والإهمال.”

 

ضيّق غيلبرت عينيه قليلًا وأمال قبعته بحيرة.

’رائحة دماء؟’

“ألستُ واضحة بما فيه الكفاية؟” خفضت يديها وتقدّمت بخطوات واثقة.

وفي تلك اللحظة، ارتفعت حرارة المعدن فجأة. تدفقت حرارة لافحة عبر القفل.

أشارت إلى جثة أمامها وقالت بيقين: “هذان الحارسان الأقوى كانا متجاورَين، وهما أوّل من هوجم، ثم تلاهما الاثنان، ثم الأربعة الآخرون. لكن ترتيب موتهم كان عكسيًا. الأقوى صمدوا حتى النهاية ورأوا القاتل. يكفيني أن أحدد موضعهما ساعة الضربة، لأستطيع رسم خطّ الهجوم وتحديد منفذ الاقتحام. الدماء المختلطة صعّبت تتبّع آثار حركتهم، لكن باحتساب زمن النزف وزمن سقوطهم وتلويهم، يمكن رسم دائرتين تتمحوران حول الأقوى. هاتان الدائرتان تحددان مجال حركتهم حتى موتهم.”

 

“ولا تنسوا٫ أقوى اثنين تعرّضا لنفس السلاح وفي وقتٍ واحد، ما يعني أنهما كانا متجاورين. والنقطة المشتركة بين الدائرتين هي موضع الكمين. نقطتان محتملتان، لكن واحدة فقط هي الحقيقية، نقطة التسلل الأولى، حيث باغت القاتل وبدأ هجومه.”

الأصوات المكتومة على السقف استمرت، تزداد حدة وقوة.

كانت ترسم بخطواتها أشكالًا بين الجثث، وغيلبرت ويودل يراقبانها بخضوع.

تقدّم تاليس ببطء نحو مصدر اللهاث. تحت الضوء الخافت، لمح هيئة بشرية ممددة على الأرض، مكبّلة بأغلال ثقيلة، تلهث بوجع.

“واستنادًا إلى نظرة الحارسان الأخيران قبل موتهما، فبعد أن فرغ القاتل من الجميع، انتقل إلى هذا الموضع. أعتقد أنّه الموضع الذي كان يقف فيه الطفل أيضًا. ومن هذا الموضع الأخير… وبحسب تسلسل الهجوم، يمكننا تحديد خطّ سيره.”

رجاءً… كفّوا عن إخافتي.

أخذت تتقدّم بين الجثث حتى عادت إلى حيث الأقوى، وقالت، “نهاية الخط تصل بين دائرتيهما. وأقرب نقطة هي هذه بالذات!”

اجتاحته موجة غثيان. فتنهد تاليس مجددًا. عدد التنهدات التي أطلقها في الأيام الماضية ربما فاق كمية ما شربه من ماء.

تقدّمت بخطى حازمة حتى استقرّت على بقعة بعينها وسط مسرح الجريمة، وامتلأت عيناها بحدّة لا تخطئ. “هنا وُجِّهت الضربة الأولى. هنا تسلّل القاتل وبدأ هجومه!”

تأمّلته جينيس وألقت نحوه بنظرة عابرة.

أسرع غيلبرت بضع خطوات إلى الأمام وراح يتلفّت حوله…

تقدّمت بخطى حازمة حتى استقرّت على بقعة بعينها وسط مسرح الجريمة، وامتلأت عيناها بحدّة لا تخطئ. “هنا وُجِّهت الضربة الأولى. هنا تسلّل القاتل وبدأ هجومه!”

“أتقصدين أنّ القاتل ظهر هنا فجأة؟” قال ببطء، “المرتزقة بالفعل هاجموا حتى هذه النقطة، لكن ذلك مستحيل—هذا المكان ما يزال بعيدًا عن السلالم. لم يكن للقاتل أي مكان يختبئ فيه حين كنا ننظف الفوضى.”

لم يُعرها غيلبرت اهتمامًا، بل بدأ يعطي أوامره من جديد: “افتحوا مستودع السلاح الاحتياطي وأعيدوا تنظيم القوات. جهّزوهم بالسيوف الفضية الخاصة بطرد الأرواح! اختاروا ثلاثين من أمهر المقاتلين ليلحقوا بي. وجهتنا: منطقة المدينة الشرقية!

أطلقت جينيس ضحكة خفيفة أخرى يملؤها الاستخفاف. وحده يودل تقدّم بهدوء وأشار إلى مزهرية صغيرة.

 

كان هذا النوع من المزهريات يُستعمل عادةً في الممرات، غير أنّ هذه المزهرية وحدها كانت الأقرب إلى جينيس.

 

تحت نظرات غيلبرت المليئة بالحيرة، تقدّمت جينيس بسرعة وأمسكت بالمزهرية، ثم حطّمتها دون تردد!

كان غيلبرت يشعر بقدر هائل من الإحراج، لكنه علم أنّ الوقت لم يكن مناسبًا ليبرّر نفسه، فقرّر أن يسأل بهدوء ومجاملة: “حقًا، أمر مثير للدهشة. إذن، أين الطفل؟”

طراخ!

 

انحنت بهدوء والتقطت قطعة محطّمة من المزهرية. وبعد أن فحصتها بدقة، مرّرت إصبعها بخفة على الجانب الداخلي للقطعة، ثم أظهرت ما التقطته لـ”الرجلين عديمي الفائدة”.

 

لدهشته، اكتشف غيلبرت أن إصبع جينيس ملطّخ بالدم الأحمر! وانحنى يودل أيضًا والتقط بعض القطع الأخرى—وكانت عليها بدورها بقع دم صغيرة على الداخل.

 

“لم يكن لديه مكان يختبئ فيه؟” أطلقت جينيس ضحكة ساخرة، مما زاد من حرج غيلبرت.

 

“إذن…” تسلّم غيلبرت القطعة المحطّمة، وقد تغيّر تعبيره. “هذا هو…”

 

نهضت جينيس، وبصوتٍ خبير قالت، “عدد الضحايا: ثمانية. سبب الوفاة: نزف في الشريان السباتي. الجاني: أحد أفراد عشيرة الدم من الفئة العليا، ويُعرف أيضًا بمصاص دماء. سلاح الجريمة: مخالب أحد أفراد عشيرة الدم…”

 

لكن بينما كانت تتحدث بحماسة، توقفت فجأة وقد تذكّرت وضعها الحالي. فشدت على أسنانها وابتلعت بقية كلماتها.

(بالطبع، قد يكون السبب أنه لم يبق لديه دم كثير أصلًا.) فكّر تاليس بفتور.

“ففي النهاية، لم أعد ضابطة شرطة.”

قال غيلبرت بوجهٍ ملبّد بالكآبة، وأخرج من جيب صدره ساعةً ميكانيكية نظر فيها: كانت تشير إلى السادسة والنصف مساءً، والقمر بدأ يعلو.

هزّت جينيس رأسها وأزاحت من ذهنها كل المشاعر غير المرتبطة بالقضية. “لقد تسلّل إذن إلى القصر مختبئًا بقدرته الفطرية على التحوّل إلى دم، ثم استغل موهبته في بلوغ أقصى سرعة في لحظة ليذبح هؤلاء ويختطف—وطبعًا لم يفعل ذلك بقوته وحدها.” رفعت جينيس رأسها وحدّقت بازدراء في غيلبرت. “هذا هو النخبة من الفئة الفائقة الذي تحدثت عنه؟”

 

كان غيلبرت يشعر بقدر هائل من الإحراج، لكنه علم أنّ الوقت لم يكن مناسبًا ليبرّر نفسه، فقرّر أن يسأل بهدوء ومجاملة: “حقًا، أمر مثير للدهشة. إذن، أين الطفل؟”

“آه! أغغ…” ازداد اضطراب السجين وأنينه. ولم يكف عن إصدار أصوات مبهمة، كالأبكم.

“أمر مثير للدهشة؟” سخرت جينيس في سرّها.

أدرك تاليس بغتة أن هذا الذي يشاركه زنزانته، يلهث عاجزًا عن الكلام، ليس سوى “صديق قديم”.

“كنت أعلم، أنت من أولئك النبلاء رفيعي المنصب ضيّقي الأفق. لو أنّك رأيت ’إدارة الاستخبارات السرية’ في الكوكبة، أو ’الغرفة المظلمة’ في إكستيدت، أو حرّاس عباءة الغراب في سلالة الفجر والظلام، وكذلك ’كونتانا’ في هانبول، ولو شهدت الأساليب التي يستخدمونها، لأدركت كم من أناس مرعبين يختبئون في الزوايا المظلمة تحت المسرح الذي تقف عليه. بحركة طفيفة من أصابعهم يكشفون كل أسرارك.”

“لم يكن لديه مكان يختبئ فيه؟” أطلقت جينيس ضحكة ساخرة، مما زاد من حرج غيلبرت.

ثم قالت بنظرة حادّة وبنبرة يقين، “الجريمة—حين وقعت الحادثة، لم يكن غروب الشمس قد حلّ بعد! لم يكن أمامه سوى أن يستخدم ’تمويه الدم’ ليختبئ بين المرتزقة!

 

“إنه من عشيرة الدم لكنه لم يبلغ بعد الفئة الفائقة. لذلك لا يملك سوى التحوّل إلى سائل أثناء استخدام تمويه الدم، ولا يمكنه البقاء في هذه الحالة أكثر من نصف ساعة. هذا لا يعني سوى أن المرتزقة وصلوا إلى هنا في غضون نصف ساعة!

 

“إن جماعة من المرتزقة اندفعوا بأقصى سرعة. والمناطق الوحيدة التي تبعد نصف ساعة عن مقاطعة الشفق هي: منطقة المدينة الشرقية حيث تقع قصور النبلاء، قاعة المدينة، ملتقى التجّار، والمنطقة المركزية حيث يقبع قصر النهضة!”

 

أطلقت جينيس تنهيدة. ثم مدّت يدها نحو خصرها من باب العادة، تبحث عن شيء لم يكن هناك.

أطلقت جينيس ضحكة خفيفة أخرى يملؤها الاستخفاف. وحده يودل تقدّم بهدوء وأشار إلى مزهرية صغيرة.

فتجمّدت لحظة، ثم أطلقت ضحكة مريرة في قلبها. “صحيح، لم أعد ضابطة شرطة. بل حتى التدخين أقلعت عنه منذ زمن.”

مرعوبًا، ربت على صدره، ثم أدرك أن زنزانته لم تكن غرفة فاخرة منفردة.

وذلك المتدرّب الذي كان دائمًا يتبعها ليُشعل لها السيجارة، ألم يُستبدل منذ زمن؟

 

زفرت زفرة طويلة.

بإيماءة من غيلبرت، تقدّم الحرّاس المجاورون وأزالوا الخوذات عن الرؤوس. تقدّمت جينيس بخطوات أنيقة بكعبَي حذائها الرسمي ذي الكعب العالي، وجثت على ركبة واحدة، وأخذت تتفحّص وجوههم بعناية.

أوقفت السيدة الحكيمة شرودها ونظرت نحو غيلبرت.

تنهد من أعماقه، وتقدّم إليها.

“اتخذ قرارك، أيها الكونت.”

 

استنشق غيلبرت بعمق وقال: “من سيرسل أحدًا للتحقيق هم بالتأكيد النبلاء. منطقة المدينة الشرقية ليست صغيرة، وقصورها هي الأنسب لإخفاء أفراد عشيرة الدم! ورغم كثرة القصور هناك…”

 

وفي لحظة، اختفى يودل.

 

كتم غيلبرت كلماته عند رؤيته تصرّف زميله الفظّ. لم يسعه سوى إطلاق تنهيدة. “حسنًا، على الأقل ضاق نطاق البحث.”

قال غيلبرت بوجهٍ ملبّد بالكآبة، وأخرج من جيب صدره ساعةً ميكانيكية نظر فيها: كانت تشير إلى السادسة والنصف مساءً، والقمر بدأ يعلو.

ألقى غيلبرت نظرة نحو جينيس وهزّ رأسه لها بهدوء. لكنها لم تجبه إلا بابتسامة ساخرة.

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

لم يُعرها غيلبرت اهتمامًا، بل بدأ يعطي أوامره من جديد: “افتحوا مستودع السلاح الاحتياطي وأعيدوا تنظيم القوات. جهّزوهم بالسيوف الفضية الخاصة بطرد الأرواح! اختاروا ثلاثين من أمهر المقاتلين ليلحقوا بي. وجهتنا: منطقة المدينة الشرقية!

 

“خذوا المصباح معكم!”

 

…..

طراخ!

بوم! بوم! بوم! بوم!

“استنادًا إلى تقديراتنا الأولية، فالفاعل ربّما كان من فئة النخبة الفائقة. أن يجهز على هؤلاء الثمانية في لحظة خاطفة لا يمكن إلا بمهارة فذّة وقوةٍ لا تُقدَّر. حتى يودل نفسه لم يستطع مجاراة سرعته.

الأصوات المكتومة على السقف استمرت، تزداد حدة وقوة.

 

أدار كريس رأسه، وظهر على وجهه لأول مرة شيء من القلق. نظر إلى تاليس بعين حاقدة وقال لإسترون: “خذه إلى الزنزانة وأحكم إغلاقها عليه!”

نخبة من الطبقة العليا…

ثم، من غير أن ينتظر رد فعل إسترون أو تاليس، اختفى العجوز مع رولانا!

أسرع غيلبرت بضع خطوات إلى الأمام وراح يتلفّت حوله…

ارتسمت الدهشة على وجه إسترون أيضًا. رفع تاليس، متجاهلًا صراخه ومقاومته (مهلًا! ما الذي يحدث! ألم نكن على وشك تبادل المعلومات، أيها الفاضل إسترون؟”) ثم رماه نحو الدرج الحجري.

“صديق قديم” كان هو وجالا قد صادفاه البارحة في سوق الشارع الأحمر…

وفي اللحظة التالية، بينما كان لا يزال يشعر بالدوار، ارتطم تاليس أرضًا برأسه على الحجر الرطب.

“بهذه الطريقة، لعل غيلبرت ويودل سيتمكّنان من تحديد موقعي؟”

طاخ!

 

تألّم وقطّب وجهه.

 

“أيها الصغير! ابق هنا وتصرف بأدب! سنعرف كل ما تفعله!” ومع صوت قفل المفتاح وكلمات إسترون القلقة، ساد الصمت من حوله.

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

نهض تاليس، مثقلًا بالهموم، لكنه شعر بالارتياح أيضًا. كان إسترون قد اختفى.

“واستنادًا إلى نظرة الحارسان الأخيران قبل موتهما، فبعد أن فرغ القاتل من الجميع، انتقل إلى هذا الموضع. أعتقد أنّه الموضع الذي كان يقف فيه الطفل أيضًا. ومن هذا الموضع الأخير… وبحسب تسلسل الهجوم، يمكننا تحديد خطّ سيره.”

فمدّ يده بهدوء إلى فخذه، متظاهرًا بالحكة، ثم جرح يده بخنجر جي سي المربوط هناك.

 

إنتابته آلام حادة، وبدأ دمه يقطر على الأرض.

أدار كريس رأسه، وظهر على وجهه لأول مرة شيء من القلق. نظر إلى تاليس بعين حاقدة وقال لإسترون: “خذه إلى الزنزانة وأحكم إغلاقها عليه!”

“ها قد بدأ.”

 

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، مستقبِلًا الإحساس المحترق الذي اجتاح جسده.

 

“بهذه الطريقة، لعل غيلبرت ويودل سيتمكّنان من تحديد موقعي؟”

بدت أغلالًا خاصة، أُعدّت للنخب.

تنهد بخفة وأرخى جسده كليًا، لكن فجأة داهمه إحساس بالوهن الشديد.

“آه!”

ارتجف الصبي وهو يزحف نحو الجدار ويسند جسده إليه.

زفرت زفرة طويلة.

(تجربة اليوم لن تقلّ روعةً عن رحلة البارحة إلى سوق الشارع الأحمر!)

 

لم يكن لدى تاليس شيء يفعله الان سوى إستكشاف البيئة من حوله. كان الضوء خافتًا، صادرًا عن مشعلين صغيرين. الأرضية كانت حجرية، رطبة، باردة، وقاسية. الجدران الملطّخة مليئة بالخدوش والعلامات، وعندها حاجز معدني ضيّق بأقفال ضخمة سُمكها بقدر الذراع.

“ها…” خفض تاليس رأسه وتنهد بعجز مرة أخرى.

ركلت قدماه بعض الأغلال الصدئة القريبة فأصدرت رنينًا. زفر تاليس بعمق وتمدد على الأرضية الصاقعة.

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

(لا شكّ، هذه زنزانة سجن. رطبة، موحلة، ومفعمة برائحة دماءٍ نتنة.)

لمس تاليس الأغلال، ولم يلبث أن لاحظ أنها أغلال ميكانيكية مصنوعة من حجر أسود باهت، منقوشة برسوم معقدة وكلمات، ثقيلة لكنها دقيقة. كانت تقيد ذراعي السجين على صدره بحيث يضطر ليقاطع ذراعيه. وامتد قفلان صاعدان ليشبكا خديه بإحكام، مانعين رأسه من الحركة. وحين دفعها تاليس بكل قوته، اكتشف أن هذه الأغلال الثقيلة إما مثبتة بالأرض، أو أنها ثقيلة كأنه مثبّت بها.

’رائحة دماء؟’

“انزعوا خوذاتهم.”

استطاع تاليس أن يشمّ نتانةً مالحةً فاسدة في الهواء.

 

كانت مشابهة لما شمه في سوق الشارع الأحمر بالأمس، لكنها أقوى بكثير.

أحد أفضل الأفراد “الاثني عشر الأقوى” في عصابة قوارير الدم. ذو القدرة النفسية المتخصص في التحكم بالرياح.

انقبض قلبه حين ترددت صرخات مخيفة وآهات من خارج زنزانته.

 

“آه!”

قال غيلبرت بوجهٍ ملبّد بالكآبة، وأخرج من جيب صدره ساعةً ميكانيكية نظر فيها: كانت تشير إلى السادسة والنصف مساءً، والقمر بدأ يعلو.

ارتاع تاليس إلى حدّ أنه نهض واقفًا!

وبتحرك تاليس، لم يعد ضوء المشعل خارج الزنزانة محجوبًا، فسقط مباشرة على وجه السجين. ورآه تاليس بوضوح. كان جسده مثخنًا بالجراح. ملابسه الرمادية ممزقة وقذرة.

مما يذكره، أنه لم يكن يملك يومًا صبرًا على أفلام الرعب. كان دومًا شخصٌ ما (لم يعد يتذكر اسمه) مصابًا بمتلازمة أوهام المراهقة الميؤوس منها يجرّه عنوة لمشاهدتها سويًا.

استطاع تاليس أن يشمّ نتانةً مالحةً فاسدة في الهواء.

وكان يسمي ذلك “تدريبًا على الشجاعة”.

انقبض قلبه حين ترددت صرخات مخيفة وآهات من خارج زنزانته.

من هول الإثارة، بدأ عقل تاليس يعمل بسرعة جنونية من جديد.

 

’زنزانة.’ رائحة دماء. عشيرة الدماء. صرخات وآهات.

“إن جماعة من المرتزقة اندفعوا بأقصى سرعة. والمناطق الوحيدة التي تبعد نصف ساعة عن مقاطعة الشفق هي: منطقة المدينة الشرقية حيث تقع قصور النبلاء، قاعة المدينة، ملتقى التجّار، والمنطقة المركزية حيث يقبع قصر النهضة!”

فجأة أدرك تاليس ما هذا المكان: إنه “خزينة الطعام” لعشيرة الدماء.

بإيماءة من غيلبرت، تقدّم الحرّاس المجاورون وأزالوا الخوذات عن الرؤوس. تقدّمت جينيس بخطوات أنيقة بكعبَي حذائها الرسمي ذي الكعب العالي، وجثت على ركبة واحدة، وأخذت تتفحّص وجوههم بعناية.

اجتاحته موجة غثيان. فتنهد تاليس مجددًا. عدد التنهدات التي أطلقها في الأيام الماضية ربما فاق كمية ما شربه من ماء.

“إن جماعة من المرتزقة اندفعوا بأقصى سرعة. والمناطق الوحيدة التي تبعد نصف ساعة عن مقاطعة الشفق هي: منطقة المدينة الشرقية حيث تقع قصور النبلاء، قاعة المدينة، ملتقى التجّار، والمنطقة المركزية حيث يقبع قصر النهضة!”

وبينما همّ بالجلوس، صدرت فجأة أنفاس متقطعة وواهِنة بجواره.

قطّب الصبي حاجبيه وحاول لمسه من جديد… ما إن يلمس القفل حتى يتوهج بحرارة عالية. بدا وكأنه لا يملك وسيلة لفكّ الأغلال. شيئًا فشيئًا خمد اضطراب السجين.

“هه! هه! آه!”

 

فازداد رعبه وزحف بضع خطوات مبتعدًا.

مدّ الصبي يده وأمسك بخصر السجين. وبقوة قبض على جهاز سحب الدم الغليظ، وسحب إبرة بكل ما أوتي من جهد، مجبرًا الإبرة التي انغرست عدة بوصات في وعاء دم السجين على الخروج.

رجاءً… كفّوا عن إخافتي.

 

مرعوبًا، ربت على صدره، ثم أدرك أن زنزانته لم تكن غرفة فاخرة منفردة.

 

تقدّم تاليس ببطء نحو مصدر اللهاث. تحت الضوء الخافت، لمح هيئة بشرية ممددة على الأرض، مكبّلة بأغلال ثقيلة، تلهث بوجع.

 

“أغغ…”

 

في الظلام، بدا وكأن السجين عاجز عن الكلام. ظل يطلق أنفاس متواصلة، يملأها الألم والعذاب.

 

كانت معاصمه موثوقة بقوة بالأغلال، ويبدو أن أنبوبًا يخرج من داخل المعصم إلى خارج الزنزانة.

هزّت جينيس رأسها وأزاحت من ذهنها كل المشاعر غير المرتبطة بالقضية. “لقد تسلّل إذن إلى القصر مختبئًا بقدرته الفطرية على التحوّل إلى دم، ثم استغل موهبته في بلوغ أقصى سرعة في لحظة ليذبح هؤلاء ويختطف—وطبعًا لم يفعل ذلك بقوته وحدها.” رفعت جينيس رأسها وحدّقت بازدراء في غيلبرت. “هذا هو النخبة من الفئة الفائقة الذي تحدثت عنه؟”

عرف تاليس ما هو ذلك.

 

إسترون قال ذات مرة: “برأيي، علينا فقط وصل جهاز سحب الدم وقناة التغذية حالًا، ثم وضعه في التابوت.”

أدار كريس رأسه، وظهر على وجهه لأول مرة شيء من القلق. نظر إلى تاليس بعين حاقدة وقال لإسترون: “خذه إلى الزنزانة وأحكم إغلاقها عليه!”

برؤيته لذلك، لم يعد هناك شك: إنه جهاز سحب دم.

 

“ها…” خفض تاليس رأسه وتنهد بعجز مرة أخرى.

“آه! أغغ…” ازداد اضطراب السجين وأنينه. ولم يكف عن إصدار أصوات مبهمة، كالأبكم.

إنه على الأغلب روح مسكينة اختطفتها عشيرة الدماء وأصبحت مصدرًا لغذائهم.

كانت ترسم بخطواتها أشكالًا بين الجثث، وغيلبرت ويودل يراقبانها بخضوع.

“أغغ… أغغ…” وكأن السجين استشعر قدوم أحد، فبدأ يضطرب ويئن.

“ستةٌ منهم فرسان مهرة من فئة المقاتلين العاديين ذوي الخبرة الكبيرة، ولديهم جميعًا قابلية للترقي إلى الفئة العليا. أمّا الاثنان الآخران فكانا بالفعل من نخبة الفئة العليا. جميعهم قُطِعت شرايين أعناقهم بسلاحٍ حادٍّ غير منتظم.”

شعر تاليس بموجة غثيان جديدة. وبسببها، قرر أنه عليه أن يفعل شيئًا.

’زنزانة.’ رائحة دماء. عشيرة الدماء. صرخات وآهات.

“آسف، قد يؤلم قليلًا، تحمّل معي لبعض الوقت.” قالها هامسًا للسجين البائس.

 

مدّ الصبي يده وأمسك بخصر السجين. وبقوة قبض على جهاز سحب الدم الغليظ، وسحب إبرة بكل ما أوتي من جهد، مجبرًا الإبرة التي انغرست عدة بوصات في وعاء دم السجين على الخروج.

 

“آه! أغغ…” ازداد اضطراب السجين وأنينه. ولم يكف عن إصدار أصوات مبهمة، كالأبكم.

 

ضغط تاليس على جرح معصم السجين. ولحسن الحظ، لم ينزف كثيرًا.

 

(بالطبع، قد يكون السبب أنه لم يبق لديه دم كثير أصلًا.) فكّر تاليس بفتور.

استنشق غيلبرت بعمق وقال: “من سيرسل أحدًا للتحقيق هم بالتأكيد النبلاء. منطقة المدينة الشرقية ليست صغيرة، وقصورها هي الأنسب لإخفاء أفراد عشيرة الدم! ورغم كثرة القصور هناك…”

حين كان يواجه أفراد عشيرة الدماء الثلاثة آنفًا، شعر تاليس بالقلق والرعب، لكنه لم يُثقل بالحزن.

 

أما الآن، فرؤية “مصدر الدم” المكبّل جعلت قلبه يثقل لسبب ما.

 

(ربما بدافع الشفقة.) فكّر بسخرية من نفسه.

“بهذه الطريقة، لعل غيلبرت ويودل سيتمكّنان من تحديد موقعي؟”

لمس تاليس الأغلال، ولم يلبث أن لاحظ أنها أغلال ميكانيكية مصنوعة من حجر أسود باهت، منقوشة برسوم معقدة وكلمات، ثقيلة لكنها دقيقة. كانت تقيد ذراعي السجين على صدره بحيث يضطر ليقاطع ذراعيه. وامتد قفلان صاعدان ليشبكا خديه بإحكام، مانعين رأسه من الحركة. وحين دفعها تاليس بكل قوته، اكتشف أن هذه الأغلال الثقيلة إما مثبتة بالأرض، أو أنها ثقيلة كأنه مثبّت بها.

 

بدت أغلالًا خاصة، أُعدّت للنخب.

“سيّدتي جينيس، أعلم أنّك كنتِ أرفع ضابطة شرطة في العاصمة، وشاركتِ في تحقيقات مجزرة العائلة الملكية إبّان العام الدموي، بل وتتبّعتِ صوفي الهواء. حتى دائرة الاستخبارات الملكية كانت تستعين بك مرارًا. استنتاجك حادّ وباهر كما كان. لكن أولويّتنا العاجلة الآن هي استعادة ذلك الطفل.” قال غيلبرت بثبات، ويداه خلف ظهره.

جسّ تاليس المشبك فوجده مصنوعًا من معدن خاص.

 

وفي تلك اللحظة، ارتفعت حرارة المعدن فجأة. تدفقت حرارة لافحة عبر القفل.

مما يذكره، أنه لم يكن يملك يومًا صبرًا على أفلام الرعب. كان دومًا شخصٌ ما (لم يعد يتذكر اسمه) مصابًا بمتلازمة أوهام المراهقة الميؤوس منها يجرّه عنوة لمشاهدتها سويًا.

“آه!” صرخ تاليس لا إراديًا من الألم وترك المشبك.

الأصوات المكتومة على السقف استمرت، تزداد حدة وقوة.

قطّب الصبي حاجبيه وحاول لمسه من جديد… ما إن يلمس القفل حتى يتوهج بحرارة عالية. بدا وكأنه لا يملك وسيلة لفكّ الأغلال. شيئًا فشيئًا خمد اضطراب السجين.

زفرت زفرة طويلة.

رؤية معاناته وآلامه جعلت تاليس في غاية الضيق. لكنه لم يستطع سوى الانسحاب بهدوء إلى جانب الجدار والجلوس مسندًا ظهره.

كان غيلبرت يشرح للسيّدة جينيس، التي ارتسم على وجهها ملامح الجدية وهي تقف في ممر الطابق الثاني من قاعة مينديس أمام الجثث الثمانية، فيما وقف يودل صامتًا بجانبهم.

وبتحرك تاليس، لم يعد ضوء المشعل خارج الزنزانة محجوبًا، فسقط مباشرة على وجه السجين. ورآه تاليس بوضوح. كان جسده مثخنًا بالجراح. ملابسه الرمادية ممزقة وقذرة.

 

وكان مبتور الساقين من الركبتين. أما عنقه فكان أشد رعبًا؛ اللحم والدم فيه قد اندمجا ببشاعة ولون بنفسجيّ قاتم، كأن حنجرته أصيبت بجراح بليغة. وربما كان ذلك سبب عجزه عن الكلام.

 

مدّ تاليس يده إلى عنقه. واستذكر تجاربه مرتين في الاختناق والألم المصاحب لهما، فارتجف.

 

نظر إلى السجين وفكّر بصمت، (يا له من إنسان بائس. أن يتمكن من البقاء حيًّا حتى الآن بكل تلك الإصابات… إنه لَمُعجزة.)

 

كان تعبير السجين متشنّجًا. ملامحه تلتوي وهو يلهث، كأنه يقاوم ألمًا شديدًا، لكنه لم يقدر إلا على إطلاق أنين خشن.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

شعره الأخضر القصير غطّى نصف وجهه.

“استنادًا إلى تقديراتنا الأولية، فالفاعل ربّما كان من فئة النخبة الفائقة. أن يجهز على هؤلاء الثمانية في لحظة خاطفة لا يمكن إلا بمهارة فذّة وقوةٍ لا تُقدَّر. حتى يودل نفسه لم يستطع مجاراة سرعته.

وشم غريب غطّى النصف الآخر.

…..

“أغغ…” استمر في الأنين بألم.

 

’تمهّل.’

وكان يسمي ذلك “تدريبًا على الشجاعة”.

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

 

أدرك تاليس بغتة أن هذا الذي يشاركه زنزانته، يلهث عاجزًا عن الكلام، ليس سوى “صديق قديم”.

لم يُعرها غيلبرت اهتمامًا، بل بدأ يعطي أوامره من جديد: “افتحوا مستودع السلاح الاحتياطي وأعيدوا تنظيم القوات. جهّزوهم بالسيوف الفضية الخاصة بطرد الأرواح! اختاروا ثلاثين من أمهر المقاتلين ليلحقوا بي. وجهتنا: منطقة المدينة الشرقية!

“صديق قديم” كان هو وجالا قد صادفاه البارحة في سوق الشارع الأحمر…

“آه!” صرخ تاليس لا إراديًا من الألم وترك المشبك.

ميديرا رالف.

تقدّمت بخطى حازمة حتى استقرّت على بقعة بعينها وسط مسرح الجريمة، وامتلأت عيناها بحدّة لا تخطئ. “هنا وُجِّهت الضربة الأولى. هنا تسلّل القاتل وبدأ هجومه!”

أحد أفضل الأفراد “الاثني عشر الأقوى” في عصابة قوارير الدم. ذو القدرة النفسية المتخصص في التحكم بالرياح.

“هه! هه! آه!”

نخبة من الطبقة العليا…

 

“تابع الريح الشبحية”—رالف.

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

قطّب الصبي حاجبيه وحاول لمسه من جديد… ما إن يلمس القفل حتى يتوهج بحرارة عالية. بدا وكأنه لا يملك وسيلة لفكّ الأغلال. شيئًا فشيئًا خمد اضطراب السجين.

 

بوم! بوم! بوم! بوم!

 

 

 

وكان مبتور الساقين من الركبتين. أما عنقه فكان أشد رعبًا؛ اللحم والدم فيه قد اندمجا ببشاعة ولون بنفسجيّ قاتم، كأن حنجرته أصيبت بجراح بليغة. وربما كان ذلك سبب عجزه عن الكلام.

 

 

 

أسرع غيلبرت بضع خطوات إلى الأمام وراح يتلفّت حوله…

 

كانت مشابهة لما شمه في سوق الشارع الأحمر بالأمس، لكنها أقوى بكثير.

 

أحد أفضل الأفراد “الاثني عشر الأقوى” في عصابة قوارير الدم. ذو القدرة النفسية المتخصص في التحكم بالرياح.

 

وفي اللحظة التالية، بينما كان لا يزال يشعر بالدوار، ارتطم تاليس أرضًا برأسه على الحجر الرطب.

 

وكان مبتور الساقين من الركبتين. أما عنقه فكان أشد رعبًا؛ اللحم والدم فيه قد اندمجا ببشاعة ولون بنفسجيّ قاتم، كأن حنجرته أصيبت بجراح بليغة. وربما كان ذلك سبب عجزه عن الكلام.

 

(تجربة اليوم لن تقلّ روعةً عن رحلة البارحة إلى سوق الشارع الأحمر!)

 

الأصوات المكتومة على السقف استمرت، تزداد حدة وقوة.

 

 

 

 

 

 

 

(بالطبع، قد يكون السبب أنه لم يبق لديه دم كثير أصلًا.) فكّر تاليس بفتور.

 

“ألستُ واضحة بما فيه الكفاية؟” خفضت يديها وتقدّمت بخطوات واثقة.

 

 

 

 

 

القاتل لم يبلغ بعد الفئة الفائقة، لكنه بالغ السرعة، ربما يقارب سرعة نصف نخب الفئة الفائقة أو يفوقهم. لكنه ما دام دونها، فحين يقّتُل، لا بدّ أن يفعلها بالتتابع.”

 

ضيّق غيلبرت عينيه قليلًا وأمال قبعته بحيرة.

 

 

 

أدار كريس رأسه، وظهر على وجهه لأول مرة شيء من القلق. نظر إلى تاليس بعين حاقدة وقال لإسترون: “خذه إلى الزنزانة وأحكم إغلاقها عليه!”

 

 

 

ضغط تاليس على جرح معصم السجين. ولحسن الحظ، لم ينزف كثيرًا.

 

تنهد بخفة وأرخى جسده كليًا، لكن فجأة داهمه إحساس بالوهن الشديد.

 

 

 

تأمّلته جينيس وألقت نحوه بنظرة عابرة.

 

….

 

 

 

 

 

كان هذا النوع من المزهريات يُستعمل عادةً في الممرات، غير أنّ هذه المزهرية وحدها كانت الأقرب إلى جينيس.

 

“استنادًا إلى تقديراتنا الأولية، فالفاعل ربّما كان من فئة النخبة الفائقة. أن يجهز على هؤلاء الثمانية في لحظة خاطفة لا يمكن إلا بمهارة فذّة وقوةٍ لا تُقدَّر. حتى يودل نفسه لم يستطع مجاراة سرعته.

 

أخذت تتقدّم بين الجثث حتى عادت إلى حيث الأقوى، وقالت، “نهاية الخط تصل بين دائرتيهما. وأقرب نقطة هي هذه بالذات!”

 

“آه! أغغ…” ازداد اضطراب السجين وأنينه. ولم يكف عن إصدار أصوات مبهمة، كالأبكم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

“ستةٌ منهم فرسان مهرة من فئة المقاتلين العاديين ذوي الخبرة الكبيرة، ولديهم جميعًا قابلية للترقي إلى الفئة العليا. أمّا الاثنان الآخران فكانا بالفعل من نخبة الفئة العليا. جميعهم قُطِعت شرايين أعناقهم بسلاحٍ حادٍّ غير منتظم.”

 

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

 

انظروا إلى ملامحهم جميعًا.” قالت وهي تنحني أكثر. “هؤلاء الأربعة المستلقون على ظهورهم، وجوههم حملت الغضب والحقد والسخط والغيظ؛ ماتوا دون أن يدركوا ما الذي ضربهم لا يشعرون إلا بالضغينة.

 

“لم يكن لديه مكان يختبئ فيه؟” أطلقت جينيس ضحكة ساخرة، مما زاد من حرج غيلبرت.

 

 

 

(بالطبع، قد يكون السبب أنه لم يبق لديه دم كثير أصلًا.) فكّر تاليس بفتور.

 

هزّت جينيس رأسها وأزاحت من ذهنها كل المشاعر غير المرتبطة بالقضية. “لقد تسلّل إذن إلى القصر مختبئًا بقدرته الفطرية على التحوّل إلى دم، ثم استغل موهبته في بلوغ أقصى سرعة في لحظة ليذبح هؤلاء ويختطف—وطبعًا لم يفعل ذلك بقوته وحدها.” رفعت جينيس رأسها وحدّقت بازدراء في غيلبرت. “هذا هو النخبة من الفئة الفائقة الذي تحدثت عنه؟”

 

 

 

 

 

قال غيلبرت بوجهٍ ملبّد بالكآبة، وأخرج من جيب صدره ساعةً ميكانيكية نظر فيها: كانت تشير إلى السادسة والنصف مساءً، والقمر بدأ يعلو.

 

زفرت زفرة طويلة.

 

“ها…” خفض تاليس رأسه وتنهد بعجز مرة أخرى.

 

 

 

 

 

 

 

ثم إنّه يملك قدرةً مرعبة على التخفي. فقد كنّا قد أحكمنا الحراسة على جميع المداخل والمخارج ساعة الاقتحام، ومع ذلك تمكّن من التسلل، ولم يستشعر يودل بوجوده قط.”

 

“ولا تنسوا٫ أقوى اثنين تعرّضا لنفس السلاح وفي وقتٍ واحد، ما يعني أنهما كانا متجاورين. والنقطة المشتركة بين الدائرتين هي موضع الكمين. نقطتان محتملتان، لكن واحدة فقط هي الحقيقية، نقطة التسلل الأولى، حيث باغت القاتل وبدأ هجومه.”

 

 

 

ثم قالت بنظرة حادّة وبنبرة يقين، “الجريمة—حين وقعت الحادثة، لم يكن غروب الشمس قد حلّ بعد! لم يكن أمامه سوى أن يستخدم ’تمويه الدم’ ليختبئ بين المرتزقة!

 

“لم يكن لديه مكان يختبئ فيه؟” أطلقت جينيس ضحكة ساخرة، مما زاد من حرج غيلبرت.

 

إسترون قال ذات مرة: “برأيي، علينا فقط وصل جهاز سحب الدم وقناة التغذية حالًا، ثم وضعه في التابوت.”

 

“هه! هه! آه!”

 

“انزعوا خوذاتهم.”

 

 

 

“واستنادًا إلى نظرة الحارسان الأخيران قبل موتهما، فبعد أن فرغ القاتل من الجميع، انتقل إلى هذا الموضع. أعتقد أنّه الموضع الذي كان يقف فيه الطفل أيضًا. ومن هذا الموضع الأخير… وبحسب تسلسل الهجوم، يمكننا تحديد خطّ سيره.”

 

وبتحرك تاليس، لم يعد ضوء المشعل خارج الزنزانة محجوبًا، فسقط مباشرة على وجه السجين. ورآه تاليس بوضوح. كان جسده مثخنًا بالجراح. ملابسه الرمادية ممزقة وقذرة.

 

 

 

“إن جماعة من المرتزقة اندفعوا بأقصى سرعة. والمناطق الوحيدة التي تبعد نصف ساعة عن مقاطعة الشفق هي: منطقة المدينة الشرقية حيث تقع قصور النبلاء، قاعة المدينة، ملتقى التجّار، والمنطقة المركزية حيث يقبع قصر النهضة!”

 

طراخ!

 

 

 

 

 

شعره الأخضر القصير غطّى نصف وجهه.

 

 

 

 

 

“ستةٌ منهم فرسان مهرة من فئة المقاتلين العاديين ذوي الخبرة الكبيرة، ولديهم جميعًا قابلية للترقي إلى الفئة العليا. أمّا الاثنان الآخران فكانا بالفعل من نخبة الفئة العليا. جميعهم قُطِعت شرايين أعناقهم بسلاحٍ حادٍّ غير منتظم.”

 

وبينما همّ بالجلوس، صدرت فجأة أنفاس متقطعة وواهِنة بجواره.

 

 

 

 

 

تقدّمت بخطى حازمة حتى استقرّت على بقعة بعينها وسط مسرح الجريمة، وامتلأت عيناها بحدّة لا تخطئ. “هنا وُجِّهت الضربة الأولى. هنا تسلّل القاتل وبدأ هجومه!”

 

 

 

 

 

وكان مبتور الساقين من الركبتين. أما عنقه فكان أشد رعبًا؛ اللحم والدم فيه قد اندمجا ببشاعة ولون بنفسجيّ قاتم، كأن حنجرته أصيبت بجراح بليغة. وربما كان ذلك سبب عجزه عن الكلام.

 

 

 

 

 

 

 

إنه على الأغلب روح مسكينة اختطفتها عشيرة الدماء وأصبحت مصدرًا لغذائهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نهضت جينيس بوجهٍ بارد، وعقدت ذراعيها، ونظرت نحو غيلبرت المرتبك، وقالت بحسم: “القاتل ليس من الفئة الفائقة! لو كان كذلك، لا يُقهر، لرأيت في وجهيهما يأسًا ورعبًا، لا ندمًا ولا استسلامًا. بل استخدم مهارةً خاصة، أو قدرةً نفسية، أو أداة. بدأ بأقوى اثنين أوّلًا، ثم انتقل إلى الستة الأضعف. وحين سقط الأقوى، سنحت لهم فرصة رؤية القاتل وطريقته في القتل.

 

’زنزانة.’ رائحة دماء. عشيرة الدماء. صرخات وآهات.

 

أمّا هذان المستلقيان على جانبيهما، فقد جمدت على ملامحهما الدهشة والذهول والريبة؛ لقد لمحا الضربة المميتة مقبلةً وحاولا الردّ عبثًا، فلم يظفرا إلا بالصدمة والارتباك.

 

 

 

 

 

استطاع تاليس أن يشمّ نتانةً مالحةً فاسدة في الهواء.

 

 

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

نهض تاليس، مثقلًا بالهموم، لكنه شعر بالارتياح أيضًا. كان إسترون قد اختفى.

 

 

 

ثم، من غير أن ينتظر رد فعل إسترون أو تاليس، اختفى العجوز مع رولانا!

 

 

 

 

 

طراخ!

 

 

 

أما الآن، فرؤية “مصدر الدم” المكبّل جعلت قلبه يثقل لسبب ما.

 

 

 

 

 

 

 

وشم غريب غطّى النصف الآخر.

 

ركلت قدماه بعض الأغلال الصدئة القريبة فأصدرت رنينًا. زفر تاليس بعمق وتمدد على الأرضية الصاقعة.

 

“إذن…” تسلّم غيلبرت القطعة المحطّمة، وقد تغيّر تعبيره. “هذا هو…”

 

“أغغ… أغغ…” وكأن السجين استشعر قدوم أحد، فبدأ يضطرب ويئن.

 

 

 

“خذوا المصباح معكم!”

 

كانت معاصمه موثوقة بقوة بالأغلال، ويبدو أن أنبوبًا يخرج من داخل المعصم إلى خارج الزنزانة.

 

تنهد بخفة وأرخى جسده كليًا، لكن فجأة داهمه إحساس بالوهن الشديد.

 

 

 

 

 

بإيماءة من غيلبرت، تقدّم الحرّاس المجاورون وأزالوا الخوذات عن الرؤوس. تقدّمت جينيس بخطوات أنيقة بكعبَي حذائها الرسمي ذي الكعب العالي، وجثت على ركبة واحدة، وأخذت تتفحّص وجوههم بعناية.

 

شعر تاليس بموجة غثيان جديدة. وبسببها، قرر أنه عليه أن يفعل شيئًا.

 

“لقد نزفَت شرايينهم بغزارة، ولم يكن أمامهم وقت طويل قبل أن تزهق أرواحهم، بالكاد ما يكفي للتلوي على الأرض… لحظة أن لمحوا القاتل.

 

 

 

 

 

“كنت أعلم، أنت من أولئك النبلاء رفيعي المنصب ضيّقي الأفق. لو أنّك رأيت ’إدارة الاستخبارات السرية’ في الكوكبة، أو ’الغرفة المظلمة’ في إكستيدت، أو حرّاس عباءة الغراب في سلالة الفجر والظلام، وكذلك ’كونتانا’ في هانبول، ولو شهدت الأساليب التي يستخدمونها، لأدركت كم من أناس مرعبين يختبئون في الزوايا المظلمة تحت المسرح الذي تقف عليه. بحركة طفيفة من أصابعهم يكشفون كل أسرارك.”

 

وبينما همّ بالجلوس، صدرت فجأة أنفاس متقطعة وواهِنة بجواره.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

 

ثم إنّه يملك قدرةً مرعبة على التخفي. فقد كنّا قد أحكمنا الحراسة على جميع المداخل والمخارج ساعة الاقتحام، ومع ذلك تمكّن من التسلل، ولم يستشعر يودل بوجوده قط.”

 

 

 

Arisu-san

 

نهضت جينيس بوجهٍ بارد، وعقدت ذراعيها، ونظرت نحو غيلبرت المرتبك، وقالت بحسم: “القاتل ليس من الفئة الفائقة! لو كان كذلك، لا يُقهر، لرأيت في وجهيهما يأسًا ورعبًا، لا ندمًا ولا استسلامًا. بل استخدم مهارةً خاصة، أو قدرةً نفسية، أو أداة. بدأ بأقوى اثنين أوّلًا، ثم انتقل إلى الستة الأضعف. وحين سقط الأقوى، سنحت لهم فرصة رؤية القاتل وطريقته في القتل.

 

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

 

إنه على الأغلب روح مسكينة اختطفتها عشيرة الدماء وأصبحت مصدرًا لغذائهم.

 

أشارت إلى جثة أمامها وقالت بيقين: “هذان الحارسان الأقوى كانا متجاورَين، وهما أوّل من هوجم، ثم تلاهما الاثنان، ثم الأربعة الآخرون. لكن ترتيب موتهم كان عكسيًا. الأقوى صمدوا حتى النهاية ورأوا القاتل. يكفيني أن أحدد موضعهما ساعة الضربة، لأستطيع رسم خطّ الهجوم وتحديد منفذ الاقتحام. الدماء المختلطة صعّبت تتبّع آثار حركتهم، لكن باحتساب زمن النزف وزمن سقوطهم وتلويهم، يمكن رسم دائرتين تتمحوران حول الأقوى. هاتان الدائرتان تحددان مجال حركتهم حتى موتهم.”

 

“جثث الحراس الثمانية الذين كانوا يحمون السيّد تاليس ساعة وقوع الحادث، تُركت هنا. لم يكن ذلك بدافع الاحترام فحسب، بل لأن الموقف كان عاجلًا. لم نمسّهم البتّة، وهم ما يزالون في الهيئة التي وجدوا عليها عند وقوع الحادث.”

 

 

 

وفي اللحظة التالية، بينما كان لا يزال يشعر بالدوار، ارتطم تاليس أرضًا برأسه على الحجر الرطب.

 

“إن جماعة من المرتزقة اندفعوا بأقصى سرعة. والمناطق الوحيدة التي تبعد نصف ساعة عن مقاطعة الشفق هي: منطقة المدينة الشرقية حيث تقع قصور النبلاء، قاعة المدينة، ملتقى التجّار، والمنطقة المركزية حيث يقبع قصر النهضة!”

 

القاتل لم يبلغ بعد الفئة الفائقة، لكنه بالغ السرعة، ربما يقارب سرعة نصف نخب الفئة الفائقة أو يفوقهم. لكنه ما دام دونها، فحين يقّتُل، لا بدّ أن يفعلها بالتتابع.”

 

 

 

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط