بعد انتهاء المجموعة من الأكل، توجهت الفتاتان نحو غرفة لوحدهما، والبقية كل شخص وأين تمدد؛ لأن المنزل كان كبيراً جداً يحتوي على خمس غرف.
بعد ليلة رعدية مطيرة، همس الصباح برائحة التربة التي تبهج الأنف، بين ضباب المدينة وغيوم السماء بدأ الناس يومهم كالعادة والكل متوجه إلى أعماله.
يوسافير والبقية كانوا حالياً جالسين وكلهم يرتدون ملابس سوداء تغطي كل ملامحهم، تلك الملابس جهزها لهم جومانجي الذي خرج في الصباح الباكر حتى هم لا يعرفون أين ذهب.
“حسناً اليوم كما أخبرتكم، كل واحد وأين سيذهب، باستثناء يورينا والخرساء ستذهبان مع بعضهما.”
أومأ الجميع برؤوسهم دون كلام.
بينما سألت يورينا: وأنت أين ستذهب؟
صمت يوسافير قليلا ثم أجاب: إلى المنطقة المتوسطة.
وما هي إلا لحظات حتى خرج الجميع من المنزل، وبعد خروجهم تفرقوا؛ يوسافير ذهب نحو المنطقة المتوسطة، يوراي ذهب نحو المصانع، ميمون بدأ بالبحث في تلك الأحياء التي كانوا فيها، رغم صعوبة البحث لكن ماذا سيفعل؟ أي شيء قد يكون ذا منفعة للطاقم.
أما بخصوص يورينا والخرساء فقد توجهتا باتجاه منطقة الأغنياء، الكل ذهب في طريقه والكل يعرف ما يجب فعله، ويعرفون المهمة التي وُكلت إليهم.
كان يوسافير حالياً يمشي في طريق غمرته مياه الأمطار وبسبب عدم جاهزية الطريق، كانت عربات الخيول تمشي في كل مكان تحمل الناس إلى وجهتهم وتصدر صوت طقطقة بسبب الحفر الموجودة في كل مكان.
تأمل يوسافير في السماء لكن لم يرَ شيئاً سوى البياض، حيث كان الضباب كثيفاً في هذا الصباح.
الناس يمشون ذهاباً وإياباً، الرجال غمر الأسود والأبيض ملابسهم بقبعات سوداء، والحذاء أيضاً، سترة داخلية بيضاء ومعاطف جلدية سوداء.
البعض يحمل في يده قبعته بينما البعض الآخر يتمشى هو وأطفاله، نساء يرتدين فساتين وتنانير منقوشة بمختلف الألوان، وريشة أعلى رؤوسهن.
أما بالنسبة ليوسافير فكان يتمشى بين هؤلاء الناس بكل هدوء وكأنه منهم.
“الناس هنا مختلفون عن مملكة راندور كثيراً، ما هذه الملابس الغريبة؟”
اختلاف الأماكن اختلاف التقاليد والعادات عند الناس هاذا ما لا يعرفه يوسافير.
بعد أن تمشى يوسافير لمدة ساعة تقريباً، وصل إلى المنطقة المتوسطة، توقف وبدأ ينظر حوله فإذا به ينظر إلى الكنيسة البابوية والتي كان بالأمس بجانبها هو والآخرون.
لمح يوسافير تحرك الجنود في كل مكان لهذا استدار وانطلق لمكان آخر.
بعد مدة من التجوال كان قد ابتعد كثيراً عن الكنيسة البابوية، وصل يوسافير إلى شارع يعج بالناس.
مر رجل في الأربعينات من عمره بجانبه، ما جعل يوسافير يسأل الرجل فوراً:
“أيها السيد، مرحباً، هل لي بسؤال؟”
حدق الرجل في يوسافير وهو يتمشى دون أن يتوقف، ثم أكمل مسيره غير مهتم.
تغير تعبير يوسافير حيث ارتفعت شفتاه نحو الأعلى وتجعدت جبهته وهو يحدق في ظهر الرجل: “هذا الوغد.”
مر شخص آخر ونادى يوسافير مرة أخرى: “سيدي مرحباً، هل لي بسؤال؟” نفس ما فعله الرجل الآخر فعله هذا الرجل.
ضغط يوسافير على قبضته وهو يحدق فيه.
بعد عدة محاولات، توقف رجل أخيراً.
“نعم، يمكنك أن تسأل”، تحدث الرجل.
ابتسم يوسافير ثم قال: “هل تعرف مطعم ألفريدو؟”
ارتفعت حواجب الرجل بشكل غريب، ونظرة فضول ظهرت على وجهه، ثم أكمل الرجل مسيره دون أن يجيب يوسافير.
فتح يوسافير عينيه بشكل متعجب، لم يفهم لماذا غادر الرجل.
وبعد أن طرح عدة أسئلة على مجموعة من الناس، البعض كان يحمل وجهه ملامح الفضول ثم يكمل مسيره، أما البعض الآخر فكانوا يبدؤون بالضحك والاستهزاء دون قول شيء.
يوسافير لم يفهم شيئاً، لكنه ازداد غضباً وقد مرت مدة لم يغضب فيها. لم يفهم شيئاً وكيف له أن يفهم هذا الشيء؛ لأن السؤال الذي يطرحه غريب جداً، كيف سيعرف الشخص مطعم ألفريدو في هذه المدينة الكبيرة؟ وهل يوجد مطعم واحد في هذه المدينة باسم ألفريدو؟
لم يتوقف يوسافير عن السؤال رغم استهزاء البعض منه، وبالرغم من ذلك لم يجب أحد على سؤاله. وصل وقت الظهيرة لكنه لم يجد المطعم بعد.
بعد المشي قليلاً، توقف يوسافير قرب شخص جالس يتكأ على جدار منزل تحته قماش ممزق، رجل عجوز بلحية طويلة وشعر أشعث أبيض، نظر يوسافير إلى ملابسه السوداء التي تبدو ممزقة فوق جسده وكان بعض الجلد ظاهر منها، حتى أن يوسافير شعر بالبرد فقط بالنظر إلى ملابسه الممزقة.
بدأ يوسافير يفكر وهو ينظر نحوه: “إن لم يجب الأشخاص الطبيعيون، لماذا لا أسأل هذا الرجل؟”
أخرج يوسافير قطعة “سولار” فضية وقام برميها أمام الرجل العجوز.
فتح الرجل عينيه بعد أن كانتا مغلقتين؛ لأنه سمع الصوت الذي أصدرته العملة وهي تقع على الأرض، نظر إليها مطولاً ثم مد يده وأمسكها ورفعها أمامه.
بدأ العجوز يدقق في العملة بيديه الممتلئتين بالعروق والدماء التي يبست عليها، بدأ يدقق في التاج والأرقام الثلاثة أسفله.
وهو يتأمل في العملة، سمع صوت يوسافير يخاطبه: “مطعم ألفريدو، أين يوجد؟”
رفع العجوز رأسه فجأة، التقت عيناه بأعين يوسافير السوداء، مما جعل عيني الرجل تفتحان بشكل أكبر، وهذا ما لمحه يوسافير.
انحنى رأس الرجل مرة أخرى وهو يتأمل في العملة والتاج والأرقام المنفصلة، فجأة بدأ يتمتم بكلمات تركت يوسافير مشوش الذهن:
“عندما يقتربون من اللقاء، وتقترب أرضنا من أرض الأحلام، سيأتي خسوف القمر، حينها ستحل النهاية، عصر جديد سيحل، عصر الفوضى سيأتي، عصر الحقيقة سيأتي، عصر النهاية سيأتي، العصر البنفسجي سيأتي.”
كانت كلمات الرجل تخرج من فمه وعيناه تبيضان وتبيضان حتى صارتا بيضاوين بالكامل.
لكن ما إن انتهى من كلامه سرعان ما رجعت عيناه إلى ما كانتا عليه؛ بنيتي اللون.
فتحت عينا الرجل بدهشة، التفت يميناً وشمالاً ثم وقعت عيناه على يوسافير أمامه والذي كان ينظر بفضول نحو الرجل.
“ما بال هذا العجوز؟ ما هذه الكلمات التي تلفظ بها؟ هل هو مجنون؟”
بعد أن تأمل في يوسافير مطولاً، رفع إحدى يديه وبدأ يطالع فيها، ثم توجه بصره إلى ملابسه التي تبدو ممزقة.
بعد تحديقه الطويل في جسمه ويديه، كانت العديد من الأسئلة تجوب خياله، وهو وحده يعرف ما يجوب ذهنه.
بعد ذلك نظر إلى العملة في يده ثم نظر باتجاه يوسافير مرة أخرى.
“من أنت؟” سأل العجوز.
لم يفهم يوسافير شيئاً ولم يجب على سؤال الرجل، لكن طرح سؤاله أيضاً: “ومن أنت أيها العجوز؟”
“عجوز…” تمتم الرجل، ثم بدأ يقف ببطء بعد أن وضع يده ليتكأ عليها.
وقف الرجل، ومع وقوفه كان يوسافير ينظر إلى الأعلى بأعين ملأتها الدهشة؛ كان الرجل طويلاً جداً، قرابة المترين ونصف المتر.
ولأن يوسافير كان في السابعة عشرة من عمره، بدا قصيراً مقارنة مع الرجل العجوز، لكنه لا يزال أمامه مدة طويلة ليزداد طولاً.
بدأ الرجل ينظر إلى الناس الذين يمشون ذهاباً وإياباً، بدا متأملاً وكأن في عقله العديد من التساؤلات.
وجه الرجل بصره نحو يوسافير وسأل: “في أي عام نحن أيها الفتى؟”
تفاجأ يوسافير من سؤاله: “ما خطب هذا العجوز؟ هل فقد عقله أم ذاكرته أم يعاني من عقدة التواريخ؟”
انتظر الرجل إجابة يوسافير وهو ينظر إليه.
أجاب يوسافير: “نحن الآن في عام 3016، الشهر الحادي عشر، قمران.”
فتح العجوز عينيه يتمعن في الكلمات التي خرجت من فم الصبي أمامه: “قمران؟ الشهر الحادي عشر؟ ما هذا الاسم؟ لم أسمع به من قبل.”
نهاية الفصل.
