مقر نونا تابع لكنيسة اتحاد الأمم في مدينة بيرن.
داخل المقر الكبير وداخل غرفة واسعة، جلس رجل في الأربعينات من عمره على كرسي خشبي وأمامه مكتب مليء بالأوراق والكتب، كان يحمل قلماً بين ثلاث أصابع ويكتب شيئاً ما.
توقف الرجل عن الكتابة، ثم رفع رأسه في الهواء ليحدق في أضواء الثريا التي تضيء الغرفة بخمسة ألوان مختلفة: الأحمر، الأصفر، الأخضر، الأزرق، والبنفسجي، ثم حول الرجل عينيه فإذا به ينظر إلى خزانة على جانبه الأيمن.
وقف الرجل من مكانه ثم توجه نحوها، كانت الخزانة مملوءة بالكتب والأوراق، بدا الرجل وكأنه يبحث عن شيء ما، رفع يده ثم حمل كتاباً أحمر اللون وتراجع إلى مكانه.
وقبل أن يجلس في مكانه، التفت إلى الجدار الذي يحمل ثلاث لوحات جدارية، واحدة منهم كانت رسمة لنفس الرجل بملابسه الخضراء الداكنة وثلاث نجوم على كتفه الأيمن.
أما اللوحتان، فكانت إحداهما لفتاة في أوائل العشرينات من عمرها بشعرها الأسود وفستانها الأخضر القماشي، واللوحة المتبقية كانت للرجل نفسه والفتاة وامرأة بجانبهما.
بعد تحديقه الطويل في اللوحات، أكمل الرجل مسيره نحو كرسيه ثم جلس وفتح الكتاب.
لكن قبل أن يبدأ بالبحث داخل الكتاب، سمع دقات خلف الباب.
داق داق داق…
رفع الرجل رأسه نحو الباب أمامه ثم تمتم بصوت هادئ: “من هناك؟”
“أيها العقيد، لدي تقرير مستعجل.”
انحنى الرجل الذي يجلس على كرسيه نحو الكتاب مرة أخرى ثم قال: “ادخل.”
فتح الشخص الباب، والذي كان يرتدي ملابس رمادية باهتة، انحنى قليلاً: “سيدي، لقد وجدنا أفراداً من الجيش ميتين.”
رفع الرجل رأسه فجأة: “ماذا؟”
صمت الجندي ولم يقل شيئاً، بينما حدق فيه العقيد مطولاً ثم سأل: “أين؟”
أجاب الجندي بسرعة: “إنهما في حي جوغو سيدي.”
أغلق الرجل ذو الحواجب الكثيفة الكتاب الذي في يده ثم وقف فجأة، سقطت قبعته الخضراء المطرزة براية كنيسة اتحاد الأمم، ظهر رأسه المحروق وذلك ما جعل ملامح الجندي تتغير، لكن سرعان ما تدارك الموقف وعدل ملامحه.
“كيف ماتوا؟” سأل العقيد وهو يحمل قبعته ووضعها على رأسه مرة أخرى.
“سيدي، موتهم كان غريباً حقاً، لقد قتلوا بعضهم البعض، ولقد كان هناك جندي آخر وجدناه فاقداً للوعي، بعد أن استفاق وتحدثنا معه وجدناه لا يتذكر أي شيء بخصوص دخوله ذلك الحي.”
“قتلوا بعضهم البعض؟” تمتم الرجل وهو يحدق في الجندي أمامه.
الجندي مرة أخرى لم يتحدث واكتفى بالصمت، بينما دخل العقيد في تفكير وهو يلمس شواربه الطويلة ثم قال: “كيف استنتجتم أنهم قتلوا بعضهم البعض؟”
“سيدي، لقد تلقيا طلقات من كلتا البندقيتين اللتين كانا يحملانهما.”
نظر إليه الرجل ثم تمتم ببطء: “ليس هذا ما أقصد يا غبي، هذه الحادثة غير عادية بالمرة، لابد من أن شخصاً تدخل ولعب هذه اللعبة معنا.”
“لم أفهم سيدي، ماذا تقصد؟”
“جهز العربة حالاً، سنتوجه لمكان الحادث فوراً.”
انحنى الجندي: “أوامرك سيدي”، ثم خرج مسرعاً من الغرفة.
بدأ العقيد يتمشى داخل الغرفة وهو يمسك بذقنه: “هل من الممكن أن هذه الحادثة مرتبطة بالحوادث الأخرى؟” تنهد الرجل وهو يقف أمام رداء أسود معلق في الجدار، أمسكه وارتداه ثم نظر باتجاه الباب: “حسناً لنذهب، سنرى عندما نصل إلى هناك.”
داخل بيت جومانجي المليء بالنقوش الغريبة والتي كان يحدق فيها يوسافير في هذه اللحظة، وهو جالس على كرسي خشبي مهترئ، بينما الجميع يجلسون بجانبه حول طاولة الطعام.
“من الجيد أننا وجدنا مكاناً للمكوث فيه في هذا الحي”، تحدث يوسافير وهو لا يزال ينظر إلى تلك النقوش.
التفت ميمون نحوه وقال: “هذا المنزل جيد مقارنة بما يبدو من الخارج وما شهدناه في طريقنا إلى هنا.”
“الآن ماذا سنفعل؟” تحدث يوراي مخاطباً الجميع.
بعد صمت حل في المكان يورينا فتحت فمها قائلة: “اليوم قد مر، غداً سنفترق ونبدأ بحثنا في هذه المدينة عن أي دليل قد يقودنا إلى مخلفات الحرب.”
يوسافير عدل رأسه ثم حدق فيهم: “اتفقنا.” أومأ يوراي: “وأنا.” الخرساء أيضاً قالت: “وأنا”، وميمون أيضاً: “وأنا.”
“حسناً، الجميع متفق”، قالت يورينا.
ضم يوسافير يديه نحوه: “علينا أن نسأل جومانجي، فقد يفيدنا ولو قليلاً في معرفة شيء ما.”
التفت ميمون باتجاه الباب: “لقد تأخر قليلاً، يا ترى ماذا يفعل؟”
ابتسم يوسافير: “ربما يلهو مرة أخرى مع أفراد الجيش.”
أطلق ميمون ابتسامة أيضاً: “إنه يذكرني بذاك الشخص.”
ابتسم يوراي: “لا، بل يذكرنا بشخصين، يا ترى ماذا يفعلون الآن؟”
ابتسم يوسافير وكأنه يتذكر شيئاً ما: “إنني مشتاق للسمين الحقير.”
“هاهاها”، ضحك يوراي: “لابد أنه ازداد سمنة مما كان عليه.”
ابتسمت الخرساء أيضاً: “لا عجب في ذلك، إنه يأكل كثيراً.”
“علينا أن نسرع ونلتقي بالبقية فلا مجال للتأخر”، تحدثت يورينا بكل هدوء.
بدأ يوسافير يفكر ثم قال: “علينا غداً أن نتوجه إلى عدة أماكن لجمع عدة معلومات حتى لو كانت قليلة، سننقسم إلى أربعة أماكن رغم كبر المدينة، لكن يوماً بعد يوم لابد سنجد شيئاً ما.”
“معك حق”، تمتم يوراي.
بعد ساعة والأحاديث تتداول بينهم، دخل جومانجي وفي يده أكياس رمادية مملوءة بالخضار وأشياء أخرى. ابتسم وقال: “هل ارتحتم قليلاً؟”
أومأ يوسافير برأسه وهو يبتسم: “نعم، فلديك منزل جميل.”
“هاهاهاها”، ضحك جومانجي ثم قال: “إذًا الآن حان وقت تجهيز الطعام.”
وضع الأكياس على الطاولة وأفرغ محتواها، مع الخضار التي كانت تظهر، كان هناك خبز ودجاجتان.
التفت جومانجي إليهم: “من فيكم يجيد الطبخ؟”
وقفت يورينا دون قول شيء، أمسكت بالخضار والدجاجتين ثم همست بصوت خافت مخاطبة الخرساء: “تعالي معي.”
التفت ميمون إلى يوراي ويوسافير: “لم نأكل طعام يورينا منذ مدة طويلة.”
التفتت إليه الخرساء بابتسامة: “حسناً، اليوم ستأكلون من يدها.”
جلس جومانجي في أحد مكاني الفتاتين ينتظر معهم تجهيز الطعام، ثم صاح بصوت عالٍ: “اعتبروا المطبخ مطبخكم، افعلوا ما يحلو لكم، أرجو فقط أن يكون العشاء لذيذاً.”
“كيف هي الأجواء في الخارج؟” سأل يوسافير.
وضع جومانجي يديه بشكل متقاطع أمام صدره: “كالعادة، إنها رائعة وقذرة في نفس الوقت.”
ابتسم يوسافير: “أظنك تستمتع في هذا المكان.”
“نوعاً ما”، أجاب جومانجي ثم صمت، ثم أكمل كلامه: “إذًا أين كنتم متوجهين قبل أن ألتقي بكم؟”
أومأ يوسافير: “لقد وصلنا لتونا إلى هذه المدينة، كنا نبحث عن مكان مناسب نقيم فيه.”
“هاهاها، لديكم حظ جيد يا أصدقاء لمصادفتكم لي فور وصولكم إلى هنا.”
“هل أنت ولدت في هذه المدينة؟” سأل ميمون.
رفع جومانجي حواجبه: “لا أعرف صراحة أين، لكن أظن أنني وُلدت فيها.”
“هل بإمكانك إخبارنا قليلاً عن هذه المدينة؟” تحدث يوراي بجدية.
حدق جومانجي في يوراي مطولاً: “ما بك مغمض عينيك؟ هل بإمكانك الرؤية حقاً؟”
لم يستجب يوراي لكلام الآخر واكتفى بالصمت ينتظر رد جومانجي.
جومانجي، عندما لم يستجب له يوراي، تنهد وقال: “ماذا تريدون أن تعرفوا؟”
“أي شيء يخص هذه المدينة”، تكلم يوسافير.
وضع جومانجي قدماً على الأخرى ووضع يديه خلف رأسه وهو ينظر إلى السقف: “هذه المدينة قد ترونها مدينة عادية، لكن هناك أشياء تحدث فيها العقل لا يقدر على استيعابها.”
نظر الثلاثة إلى بعضهم ثم نظروا إلى جومانجي بفضول.
أكمل جومانجي كلامه: “حتى لو أخبرتكم عن كل شيء فلن تفهموني، لذلك إن مكثتم هنا قليلاً ستعرفون عما أتحدث عنه.”
لم يسأل يوسافير والبقية أي سؤال لأنهم وجدوا جومانجي لم يثق فيهم بعد لكي يخبرهم بكل شيء.
بعد مدة طويلة من التحدث فيما بينهم، رن صوت الخرساء في أذن الجميع وهذا ما جعل جومانجي مصدوماً:
“لقد حان وقت الطعام، استعدوا…”
وزعت الأطباق فوق طاولة، وتم تجهيز طاولة بكل ما تحتاجه أجسامهم، من مأكل ومشرب.
ثم بدأ يأكلون: هيا بسم الله.
وهم يأكلون سأل يوسافير وهو يحدق في جومانجي الذي بدأ منغمساً في طعامه وهو يبتسم: “هل هناك مكان يقدم بعض المعلومات؟ فلدينا العديد من الأسئلة.”
رفع جومانجي رأسه وهو يمضغ، قال: “هناك مكان، لكن ليس كل شخص يملك كل الإجابات، الإجابة التي تود الحصول عليها مرتبطة بالسؤال الذي تطرحه.”
“أين هذا المكان؟” سأل يوسافير.
أجاب جومانجي وهو يبتلع لقمة كبيرة: “مطعم ألفريدو في حي الجنان.”
“أين يوجد هذا الحي؟” سأل يوسافير.
أجابت يورينا فوراً: “إنه في المنطقة المتوسطة.”
رفع جومانجي حواجبه وهو يحدق في يورينا، لكنه لم يقل شيئاً، واكتفى برمي لقمة كبيرة إلى فمه.
نهاية الفصل.
