Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

خطيئة الإنسان 88

فخ في المجاري

الفصل الثامن والثمانون: فخ في المجاري

وصل حاكوف لموقع المتظاهرين وهو يتحدث عبر زهرة عباد الشمس، كانت عروق جبهته بارزة ووجهه محتقناً يغلي غضباً وهو يصرخ: “حسناً، حسناً أيها المستشار..”

بعد أن أغلق الخط، وضع زهرة عباد الشمس جانباً، ثم رمق المتظاهرين أمامه بنظرة حانقة وصاح بصوتٍ جهوري: “أيها الأوغاد! هل تريدون الموت جوعاً؟ إن لم تعملوا فكيف تأملون في العيش!”

كان سبب تصرف حاكوف بهذا الصلف وصياحه العالي هو استقواؤه بالجنود الذين كانوا يصطفون خلفه؛ ليس جندياً أو اثنين، بل العشرات مدججين ببنادقهم.

سادت لفتة غريبة بين المتظاهرين؛ فرغم حشدهم الغفير، لم يُسمع لهم صوت، بل تركت الكلمات المخطوطة على اللافتات التي يحملونها مهمة البوح بما يجول في أذهانهم، بينما تعمد بعضهم وضع لاصقٍ فوق أفواههم في صمتٍ مطبق بليغ.

كان المشهد مهيباً حقاً؛ هؤلاء الناس الذين اعتادوا قضاء أيامهم في العمل دون أن يجرؤوا على رفع رؤوسهم نحو السماء، ها هم الآن يتقدمون بكل جسارة، رافعين هاماتهم وكأن شيئاً في هذا الكون لن يزعزع وقفتهم أو يكسر هذه الشجاعة التي ولدت بين ليلة وضحاها.

تصبب العرق من حاكوف وهو يتمتم بصوتٍ خافت: “ما الذي دهاهم؟ هل جن جنون هؤلاء الرعاع؟ ما الذي تغير فجأة؟ ما الذي جعلهم بهذه الصلابة؟”

في هذه الأثناء، توقفت عربة سوداء فاخرة، وبسرعة قفز السائق ليفتح الباب، ليخرج غريموند بكل هيبة؛ أطل على التجمع الغفير ببدلته الحمراء القانية وربطة عنقه السوداء، ثم عدّل قبعته فوق رأسه وهمّ بالنزول. ولم تكد قدم غريموند تطأ الأرض حتى توقفت عربة أخرى، ترجل منها كامينوس ونائبه.

تقدم حاكوف نحوه مهرولاً: “أيها النبيل غريموند، مرحباً بقدومك.”
أكتفى غريموند بإيماءة صامتة من رأسه. حيا كل من كامينوس وروبرت النبيل غريموند، الذي رد التحية بإيماءة مماثلة ثم سأل ببرود: “ما الذي يجري هنا؟”

حاول كامينوس الحديث، لكن حاكوف قاطعه بسرعة: “كما ترى أيها النبيل، لقد امتنع الجميع عن العمل. نحن مرتبطون بطلبيات ضخمة مع ممالك أخرى، وأي تأخير في تجهيزها سيكون ضربة موجعة لسمعة ومصالح الأسرة الحاكمة.”

“وما هو موقف الأسرة من هذا التصعيد؟” سأل غريموند بهدوء.

أجاب حاكوف: “لقد تواصلت معهم للتو وهم في طريقهم إلينا، أتوقع وصولهم بعد الظهر.” صمت حاكوف قليلاً ثم هز رأسه مكملاً: “كما تعلم، الأسرة هي المسؤولة عن إنتاج قضبان الحديد، وعلينا تجهيز أطنان عديدة.. توقف العمال يعني أن العالم سيفقد الكثير، هذا الضرر لا يخصنا وحدنا بل سيمتد للعالم أجمع.”

وضع غريموند يديه بشكل متقاطع خلف ظهره، ثم استدار نحو كامينوس سائلاً: “ما قولك في هذا أيها العقيد؟”
أجاب كامينوس برصانة: “ليس هناك ما يُقال حالياً، علينا أولاً الاستماع لمطالب الناس ومعرفة ما يصبون إليه.”

***

“هكذا تسير الأمور.. القوة كلها في يد العمال؛ إن أرادوا شيئاً فبإمكانهم انتزاعه. هم قادرون على ذلك، لكنهم كانوا يفتقرون للجرأة. باستطاعة هؤلاء العمال إدارة المصانع وفرض إرادتهم بدلاً من الخضوع كعبيد.”

حدق الشخص الآخر في رفيقه الواقف بجانبه: “قدرتك مذهلة حقاً؛ التحفيز على الثورة واستخراج الرغبات المكبوتة.. على هؤلاء الناس أن يمتنوا لك.”

“هيه”، سخر الآخر دون أن يلتفت: “أنا لا أفعل شيئاً سوى إيقاظ الأفكار التي وأدها الخوف في صدورهم.. نعم، هي قدرة نافعة وسنستفيد منها كثيراً مستقبلاً؛ فإيقاظ أمة تعيش في غياهب الرعب هو عملٌ عظيم.”

“هيهي.. الآن انتزعنا الخوف من قلوبهم، وتلك الطلبيات الضخمة ستُلغى، مما سيكبد الأسرة الحاكمة خسائر فادحة. بعدها، سنضرب بقوة. هل سمعت بما يُخطط له؟”

أومأ الآخر برأسه: “لا، ما الخبر؟”

“أنت تعلم أنه بجانب الجيش النظامي، تمتلك كل مملكة أو أسرة حاكمة جيشاً خاصاً بها، باستثناء الممالك الصغيرة. في الماضي، كان لهذه السلطنة جيش عظيم لكنه تلاشى مع سقوط العائلة الحاكمة القديمة. أما هذه العائلة الجديدة، فيبدو أنهم يسعون لبناء جيش خاص بهم.”

“ألهذا السبب لم تحضر الأسرة حتى الآن؟”

“بالضبط، هم منشغلون بتكوين جيش لإدارة السلطنة وحمايتهم. انظر الآن،” أشار بيده الضبابية نحو الحشود: “الجيش لم يتدخل لقمع التظاهرات حتى اللحظة، لماذا برأيك؟”

“أعتقد أنهم لا يملكون الصلاحية المباشرة لذلك.”

“أصبت، فإصدار أمر كهذا يتطلب إذناً من العميد، وهو أمر سيتأخر. برأيك، لو كان جيش الأسرة الخاص موجوداً، هل كانوا سينتظرون كل هذا الوقت؟”

هز الآخر رأسه: “مستحيل.. لن يتحاوروا معهم أصلاً؛ ستكون البنادق فوق ظهورهم والهراوات في أيديهم، تلك هي لغتهم الوحيدة.”

“معك حق، لكن بفضل قدرتك، حتى لو أشهروا الهراوات فلن يصمت الناس، بل ستعم الفوضى؛ لأن الناس سيقاتلون من أجل كرامتهم. الخوف هو ما يجعلهم يتراجعون حين يرون تضحية واحدة، لكننا اليوم كسرنا ذلك الخوف.”

“رغم الثمن الذي قد يُدفع من أرواح البعض، إلا أن كلمتهم ستُسمع ولن يخضعوا مجدداً.. لو كنت في مستوى صعود أعلى، لجعلت هذه الشجاعة ثابتة في قلوبهم للأبد.”

“لا تقلق، أنت تبذل كل ما في وسعك، وعليك أن تفخر بذلك.”

“أنت من أبناء هذه السلطنة، أليس كذلك؟”

ضحك الشخص بمرارة: “هاهاها.. نعم، كنت كذلك في الماضي، قبل أن تسقط الأسرة الحاكمة القديمة.”

“وكيف سقطت تلك الأسرة؟”

خيم الصمت عليه وهو يسترجع ذكرياتٍ غابرة، ثم تنهد قائلاً: “كانت مؤامرة دنيئة لإسقاطنا بعد أن رفضت الأسرة الخضوع لإملاءات كنيسة اتحاد الأمم.. باختصار، تعرضنا للخيانة من أقرب المقربين للسلطان.”

***

في أكثر بقاع العاصمة “بيرن” قتامة، كان يوسافير ورفاقه برفقة جومانجي يتوغلون داخل أنفاق المجاري العفنة. كان ميمون في المقدمة، حاملاً مصباحاً زيتياً يطرد به وحشة الظلام، مرتدياً بدلة بلاستيكية شفافة من صنع جومانجي؛ لم يعرفوا مصدرها لكن أحداً لم يسأل، وكان الجميع يرتدون مثلها اتقاءً للقذارة.

“ألم نصل بعد؟” سأل يوسافير وهو يضغط بيده على صدره متألماً.

أجاب ميمون: “لقد اقتربنا.”

شعرت يورينا بتألم يوسافير، فهمست بخفوت: “كان يجدر بك البقاء في المنزل، فجرحك لم يلتئم بعد يا يوسافير.”

“لا تقلقي، يمكنني الصمود. لقد فُتحت القشرة الخارجية للجرح فقط، كما أنني اعتدت على الألم، هذا لا يذكر.”

أومأت يورينا برأسها، مدركةً أن الجدال مع يوسافير في هذه الأمور عديم الجدوى، فهو لن يستمع لأحد. لكن ما لم يدركه الرفاق هو أن يوسافير يتحمل هذا العذاب فقط ليكون بجانبهم؛ فرغم ثقته في قوتهم، إلا أن حدسه كان يدفعه للتواجد.

بعد انعطافة قصيرة، وصلوا إلى النقطة التي توقف عندها ميمون ليلة أمس. وكما حدث سابقاً، كان هناك تجمع من الجرذان الضخمة حول الجمجمة، وما إن شعروا بقدوم المجموعة حتى تفرقوا هاربين.

اقترب الجميع ليحدقوا في الجمجمة التي كان الدود ينخرها، لكن الصدمة كانت أنها لم تعد كاملة؛ لم يبقَ منها سوى النصف!

“إنها ناقصة،” تمتم جومانجي بذهول.

فوجئ ميمون مما رأى: “لكنني رأيتها بعيني ليلة أمس.. كانت مكتملة تماماً!”

“هل تأكل هذه الجرذان العظام؟” تساءل يوسافير بشك.

أحست “الخرساء” بقشعريرة باردة تجتاح جسدها عند سماع كلماته.

“ليست الجرذان، بل هذه الديدان هي من تلتهمها،” قال جومانجي وهو يشير إلى اليرقات التي تتلوى داخل العظام. ثم استقام في وقفته ونظر للأمام: “هيا، علينا مواصلة التقدم.”

مع توغل المجموعة، ازدادت الرائحة تعفناً، وصار المسير شاقاً بسبب تراكم النفايات المتحللة. وصلوا أخيراً إلى مفترق طرق.

نظر جومانجي إليهم قائلاً: “سأذهب من هذا الطريق، وتوجهوا أنتم إلى ذاك الاتجاه.”

حذره ميمون: “وكيف ستتدبر أمر الإضاءة؟ المكان حالك السواد.”

“لا تشغلوا بالكم بي، اقلقوا على أنفسكم فقط.” قالها ثم اختفى في الممر المظلم.

التفت يوسافير نحو البقية وقال بحزم: “هيا لنكمل طريقنا.”

بعد فترة من السير في القنوات الضيقة، لاح لهم ضوء في الأفق. تقدموا بحذر، ليفاجؤوا بثلاثة أشخاص يحدقون فيهم ببرود داخل غرفة غريبة، ثم بدأ أحدهم يصفق ببطء مستهزئاً: “باق.. باق.. باق! أحسنتم، أحسنتم حقاً.. لقد كنت بانتظاركم، ومن الجيد أنكم لم تتأخروا.”

صُعق يوسافير والرفاق من هذا المشهد. “ما الذي يحدث هنا؟” تمتم ميمون بذهول.

علت الابتسامة وجهي الرجلين خلف القائد، بينما أكمل الأخير حديثه بنبرة ساخرة: “هل ظننتم حقاً أننا نجهل أمركم؟ هل اعتقدتم أن العثور على الجمجمة كان محض صدفة؟ نحن من وضعناها كطعم لنجركم إلى هذا المكان المعزول! ألم يخبرك رفاقنا المعتقلون أنك لا تدرك حجم القوة التي تواجهها؟” وجه نظره مباشرة نحو يوسافير وأضاف: “ونحن نعلم جيداً أنكم تحتجزون اثنين من رجالنا.”

“هاهاهاهاها!” قهقه أحد الرجال: “ليسوا سيئين تماماً هؤلاء الثوار.”

في تلك اللحظة، تجمد يوراي؛ فقد تعرف على ذلك الشخص فوراً.. كيف ينساه وهو الذي طارده فوق أسطح المصانع؟ إنه “مينو”، الرجل الذي كان يصفق الآن بكل برود.

نهاية الفصل.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط