Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

خطيئة الإنسان 87

حوادث متتابعة

الفصل السابع والثمانون: حوادث متتابعة

كان الفتى ممدداً على الأرض، يرمق القمر الذي توارى بخجل خلف ضباب المدينة الكثيف. وبابتسامة عريضة ارتسمت على محياه، رفع يده ليتحسس وجهه، فوجد أصابعه قد تلطخت بالدماء؛ في تلك اللحظة فتح فمه وتمتم بصوت خافت: “أوه.. إنها دمائي تسيل مرة أخرى.”

اعتدل الصبي في جلسته، وانسدل شعره الأسود بشكل عشوائي، رغم قصره الذي لم يبلغ عينيه بعد. حدق بعينيه السوداوين المظلمتين نحو خصمه الذي كان يرمقه بابتسامة نصر زائفة. في تلك الأثناء، هبت ريح عاتية فوق أسطح المنازل، جرفت معها أستار الضباب الكثيفة، فانقشع الغيم عن قمر مكتمل أنار بنوره الفضي أرجاء المكان، مما مكّن الخصمين من رؤية بعضهما بوضوح تام.

كان الأول بطبيعة الحال هو يوسافير، الساقط بملابسه السوداء التي غدت قطعة من ليل المدينة. أما الآخر، فكان رجلاً في الثلاثينيات من عمره، يرتدي بدلة حمراء فاقعة، ويبرز شعره الأسود من جانبي قبعته. ما لفت انتباه يوسافير لم يكن لون بدلة الرجل، بل تلك الراية المثبتة على صدره؛ كانت رسمة لشخصية تحمل منجل طويل بنهاية حادة مدورة خلف الشخصية، وأمامه خط مائل يفصل بين نصف الشمس والقمر. بالفعل كانت راية مؤسسة الأفق الأسود.

التفت الرجل نحو القمر المضيء الذي بدا في تلك اللحظة عملاقاً، ثم قال بنبرة متغطرسة: “عليك أن تشعر بالفخر، فاليوم سيشهد القمر على لحظاتك الأخيرة.”

اتكأ يوسافير على راحة يده ثم نهض ببطء والابتسامة لا تفارق شفتيه، رغم أن ثيابه عند الكتفين كانت محترقة وممزقة، بينما الجهة الأخرى من صدره كانت غارقة في الدماء، رغم أن الانفجار وقع في الجهة المقابلة.

لمح ميمون تلك الدماء من بعيد، فهمس بمرارة: “جرح الجرثومة القديم.. لقد فُتح مرة أخرى.”

كان القمر في كماله، منيراً بشكل يبهج الأرواح الحزينة. حدق فيه يوسافير ثم قال بنبرة تفيض بالثقة: “أأقضي نحبي على يد شخص مثلك؟ يا له من ضعف! ومع ذلك، فإن الموت تحت ضياء هذا القمر يظل شيئاً رائعاً.” صمت يوسافير برهة ثم استأنف بسخرية لاذعة: “لكنني أخشى حقاً أن يحزن القمر على رحيلي، فيصب غضبه عليكم.”

هز الرجل يديه باستخفاف: “ما هذا الهذيان؟ هل فقدت عقلك؟ أم أن الرعب تملكك لدرجة أنك بدأت تهذي بكلمات عشوائية؟”

“هيهيهيهي.. يمكنك قول ذلك، فأنا أغدو مجنوناً حقاً عندما يتعلق الأمر برفاقي.” ما إن أتم جملته حتى اندفع كالبرق، تاركاً وراءه قطرات من الدماء تتناثر في الهواء كياقوت منثور.

اتسعت عينا الرجل برعب: “يبدو أنك سئمت الحياة أيها الصبي!” ثم أرجع يده للخلف ليوجه ضربة ساحقة، لكنه ذهل حين توقف يوسافير فجأة قبل أن تصله اللكمة.

ابتسم يوسافير بظفر: “جرثومة السلسلة: المنجل!”
انطلقت السلسلة بشكل مقوس، منجلاً يحصد الهواء في طريقه نحو الرجل، الذي تراجع للخلف بذعر قائلاً: “هل تحسبني لقمة صائغة أيها الغِر؟”

“لا بأس، لا بأس،” تمتم يوسافير وهو يقهقه، “قل ما تشاء، فالأفعال تتحدث بصوت أعلى.” رمق ميمون يوسافير بنظرة قلقة وتمتم في سره: “ما بال هذا الغبي؟ أيخطط لشيء ما؟”

“جرثومة السلسلة: سوط!” انطلقت سلسلة ثانية من يد يوسافير الأخرى، محاصرةً الرجل في زاوية ضيقة. ما إن راوغ الضربة الأولى حتى وجد السلسلة الأخرى تشق طريقها نحو وجهه.. باق! اصطدمت السلسلة بوجهه بقوة، ليحلق في الهواء ويسقط بعيداً حتى استقر بالقرب من ميمون.

نهض الرجل مترنحاً وهو يمسك وجهه الذي طُبعت عليه حلقات السلسلة بوضوح، ثم بصق دماً قانياً، ومعه سقط سن ذهبي لامع على القرميد.

“هيهيهيهي.. هل آلمتك تلك الضربة؟” سأل يوسافير بلهجة متهكمة.

“أيها القذر! أنت لا تدري أي قوة تجابه، لو كنت تدرك حقيقتنا لما تجرأت على هذه الغطرسة!”

انطلق يوسافير مجدداً بعد أن تبدلت ملامحه؛ عقد حاجبيه بنظرة ثاقبة وباردة، بينما اندفع الرجل هو الآخر بنية القتل. لم يسمح له يوسافير بالاقتراب هذه المرة، بل ارتمى جانباً ولوح بسلسلته بسرعة فائقة.. صليل مؤذٍ تردد صداه في الحي وهو يستهدف قدم الرجل. قفز الرجل متجنباً السلسلة الزاحفة، لكن يوسافير لم يتوقف.

“اتبعيه!” صاح يوسافير موجهاً السلسلة ببراعة.

“اللعنة!” صرخ الرجل حين أطبقت السلسلة على قدمه بقوة. وبلا أي تردد، جره يوسافير بعنف مفرط.. بوم! ارتطم جسد الرجل بالمدخنة التي كانت تنفث دخاناً أسود كثيفاً.

في تلك اللحظة، كان سكان الحي قد استيقظوا على دوي الانفجارات؛ فهرعوا خارج منازلهم لتبين الأمر، تاركين بيوتهم خالية في عهدة الظلام.

حلق الرجل عالياً في سماء المدينة، والدماء تنزف من أنفه وفمه، بينما غدا وجهه ملوثاً بسواد المدخنة. أحكم يوسافير قبضته على السلسلة ثم اندفع نحوه في الهواء.. بوم! استقرت قدمه بقوة على وجه الرجل، ليسقط منه سن ذهبي ثانٍ.

صر الرجل على أسنانه بحقد وحاول الإمساك بالسلسلة بيده، وما إن لمسها حتى سرى سائل أسود لزج نحو الحلقات، ثم فرقع الرجل أصابعه بصرخة.. باق.. بومممم!

وقع انفجار مروع على طول السلسلة، لكن يوسافير اكتفى بالابتسام: “يا لك من غبي.” ذهل ذو البدلة الحمراء حين رأى السلسلة صامدة لم يمسها سوء، فصرخ بغيظ: “تباً لهذه السلسلة اللعينة! مما صُنعت؟”

كان دوي الانفجار قوياً لدرجة أن روبرت وكامينوس، وهما في طريقهما للعودة من أنقاض المصانع، سمعاه بوضوح.

فتح روبرت باب العربة العسكرية بسرعة وقال: “سأذهب لاستطلاع الأمر.”واختفى روبرت في لمح البصر، بينما بقي كامينوس هادئاً في مكانه، واضعاً ثقته الكاملة في نائبه.

أما فوق السطح، فقد استمر يوسافير في أرجحة الرجل وضربه بعنف متكرر ضد القرميد.. بوم.. بوم.. بوم! وكأن شيئاً بداخل يوسافير قد انفجر.

فجأة، استقرت يد ميمون على كتف يوسافير: “كفى، علينا الرحيل الآن، فقد نزفت الكثير من الدماء ولا نريد لفت مزيد من الأنظار.”

فتح يوسافير عينيه وكأنه عاد من غيبوبة، مطالعاً ملابسه الملطخة بالدماء، ثم أرخى قبضته لتسقط السلسلة ويسقط معها الرجل غارقاً في دمائه وهزيمته.

في تلك اللحظة وصل جومانجي وهو يبتسم: “هيا بنا، هذه المعركة ستجذب الجيش والفضوليين، هي لا مزيد من تردد!”

أومأ ميمون برأسه: “هيا يوسافير لنعد.”

بعد دقائق من تواريهم، ظهر روبرت فوق السطح، ليدقق في المكان فلم يجد سوى الرجل الفاقد للوعي. اقترب منه وتفحص شعاره: “مؤسسة الأفق الأسود.. هؤلاء الأوغاد، تجدهم في كل مكان تسيل فيه الدماء.”

أخرج روبرت زهرة عباد الشمس من سترته، وبدأت الزهرة ترن بصوت إيقاعي: “رن.. رن..”
فتح الخط وقال: “أنا في حي جوغو، أرسلوا عربة إسعاف، لدينا رجل مصاب هنا.”

أغلق الخط وتأمل القمر العملاق وهمس: “أنت وحدك الشاهد على ما جرى هنا.. ليتك تستطيع إخبارنا بما يطبخ في خفاء هذه المدينة.” تنهد بتعب وجلس ينتظر وصول القوات.

عند بزوغ الفجر، لم تكتحل أعين السكان بالنوم؛ فقد سرت الهمسات كالنار في الهشيم عبر أزقة المدينة. الكل يتساءل عن هوية المفجرين وسبب تلك الليلة الدامية.

في بناية شاهقة، وقف رجلان يغمر الضباب ملامحهما، حتى ثيابهما كانت تبدو كظلال متموجة. سأل أحدهما: “هل اكتملت الاستعدادات؟”

رد الآخر: “نعم، كل شيء جاهز، وقد بدأ التنفيذ بالفعل.”

“يبدو أن أمامنا يوم طويلة وحافلا في هذه العاصمة.”

****

في مقر الجيش، كان روبرت وكامينوس يقفان أمام الرجل الأسير الذي كُبلت يداه بالسلاسل، وبدا وجهه كخارطة من الجروح والتورمات.

قال روبرت بحدة: “أخبرني، من هو الطرف الآخر الذي تصارعت معه؟ لقد حطمتم المداخن وروّعتم السكان، تلك المنازل متهالكة وبالكاد صمدت أمام جنونكم. كيف سنصلح كل هذا الدمار؟”

أجاب الرجل بصوت خشن ومتهدج: “أعتقد.. أنني رأيت ذلك الفتى من قبل.”

هز روبرت رأسه مشجعاً: “إذاً لا تتردد، أخبرنا من هو.”

“لا أعرف اسمه، لكن ملامحه توحي بأنه من الثوار، أو شيء من هذا القبيل.”

“لا تعرف اسمه او من هو وتخاطر بحياتك لمقاتلته؟” سأل كامينوس ببرود.

لم يجب الرجل، بل قال بعناد: “لن أتحدث إلا بحضور زعيمي، عندها فقط ستسمعون ما تريدون.”

نظر روبرت إلى كامينوس ثم قبض يده وبسرعة خاطفة.. بوم! هوى بقبضته على وجه الرجل حتى طار بكرسيه ليرتطم بالحائط. “أتظن أنك في ضيافة والدك؟ أتظننا نلعب هنا؟” صرخ روبرت والدم ينفجر من وجه الأسير.
رفعه روبرت من ياقته ليجد جرحاً غائراً قد فُتح في خده: “إن لم تتكلم، فاعلم أنك ستتعفن هنا ولن يعلم أحد بوجودك.”

حدق كامينوس في الأسير وسأله بهدوء مخيف: “كيف كان شكل ذلك الثائر؟”
أجاب الرجل بصعوبة: “شعر أسود.. وملابس سوداء كأنه ظل.”

تذكر كامينوس شيئاً، فغادر الغرفة ليعود بعد لحظات وبيده حزمة من الملصقات. رفع ملصق يوسافير أمام عينيه: “أهذا هو؟”
اتسعت عينا الرجل بذهول: “نعم! هو بذاته.”

“هل كان وحده؟”
تذكر الرجل ملامح باهتة، لكنه استرجع صورة الشخص الذي وقف خلف يوسافير بصمت. وبعد تقليب عدة ملصقات، أشار بإصبعه نحو واحد منها.
حدق روبرت وكامينوس في ملصق ميمون، وتمتم روبرت بوجل: “حاصد الأرواح.. هكذا يلقبونه في التقارير إن لم تخني الذاكرة.”

أومأ كامينوس بجدية: “لقد وصلوا إلى هذه المدينة إذا..”
لم يكد ينهي كلامه حتى اقتحم جندي الغرفة وهو يلهث صائحاً: “سيدي العقيد! سيدي!”

التفت كامينوس بغضب: “ماذا هناك؟”
أجاب الجندي بذعر: “لقد أُبلغ عن اختفاء ثلاث نساء ليلة أمس، وأزواجهن يملأون الخارج بصراخ هستيري!”

ضغط كامينوس على قبضتيه بقوة وصاح بصوت متهدج: “اللعنة! ما الذي يحدث؟”

ولم تمضِ ثوانٍ حتى اندفع جندي آخر يصرخ: “سيدي! سيدي!”
تجهم وجه روبرت بينما زأر كامينوس: “ماذا هناك مرة أخرى؟!”
شعر الجندي بالرعب وتراجع خطوة، لكن روبرت سأله بحدة: “تكلم، ما الخبر؟”

“إنه العمال يا سيدي! لقد تجمهروا بالآلاف قرب المصانع المحترقة، يحملون أدواتهم وكأنهم يتأهبون لحرب، وجميعهم يرفعون ذات اللافتة!”

سأل روبرت بوجس: “وماذا كُتب عليها؟”

أجاب الجندي بسرعة: “لقد تحدثنا كثيراً، لا حديث اليوم!”

نهاية الفصل.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط