وصل جومانجي إلى الموقع الذي ترك فيه جواهر العليق فوق ظهر النحلة.
كان المكان يغرق في صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يبشر بخير.
التحركات الهزيلة التي كانت تصدرها النحلة من قبل قد توقفت تماماً.
وجدها هناك.. جثة هامدة بلا حراك.
أما جواهر العليق الثلاث، فقد اختفت تماماً عن السطح.
وبدلاً منها، برزت ثلاث ثقوب غائرة ومظلمة على جسد النحلة الهامد.
توقف جومانجي غارقاً في أفكاره.
كان ثمة لغزٌ لطالما استعصى على فهم الأكثرية من المزارعين.
ماذا يحدث حقاً إن التقى عليقٌ بعليقٍ آخر من نفس النوع في وعاء روحي واحد؟
كان الجواب يختبئ في ذكريات جومانجي وتجارب ماهينور الغابرة.
تمتم ببطء شديد، وصوته يتردد في سكون المكان:
“هل سينجح الأمر حقاً.. أم أنني فعلت شيء غير طبيعي؟”
لم يتردد كثيراً، وبحركة حازمة، شق جسد النحلة الضخم إلى نصفين.
انكشف جوف الكائن، لتقع عيناه على مشهدٍ غريب.
هناك، رأى شيئاً أسود اللون، يتخذ شكلاً هجيناً.
كان نصفه هلامياً ونصفه الآخر رخوياً، وكأنه كائن لم يكتمل نموه بعد.
بدى ذلك الشيء ساكناً تماماً، لا نبض فيه ولا أثر لطاقة روحية مستقرة.
لقد توقفت عملية التحول في منتصف الطريق، وتجمدت في لحظةٍ برزخية لا هي حياة ولا هي موت.
بعد المزيد من البحث والتدقيق داخل أحشاء النحلة، وجد جومانجي نفس الكيان الهجين الذي تشكل كان “ميتاً” بالفعل؛ كتلة صماء لا حياة فيها، وكأنها جُثة لشيءٍ لم يولد بعد.
توقف جومانجي لبرهة، وشريط ذكريات الألف عام يمر أمام عينيه بسرعة البرق، ثم تمتم في نفسه بمرارة:
“عليق غسق المخفي.. عليق من الدرجة التاسعة!”
لم يستسلم جومانجي، بل استمر في نبش البقايا الروحية للنحلة، حتى عثر على شيءٍ غريب مستقر فوق “القلب” مباشرة.
كان جسماً صغيراً بدا ساكناً تماماً، خامداً بلا حراك، كأنه قطعة من الحجر الأسود المصقول.
اشتعلت عينا جومانجي ببريقٍ مفاجئ فور رؤية ذلك الكائن الرخوي المستتر؛ فثمة بصيص أمل قد لاح في الأفق.
لكن، ومع مرور الثواني، لم يتحرك العليق، ولم يصدر عنه أي نبض روحي أو استجابة لـمحيطه.
في تلك اللحظة، تسلل نوعٌ من القلق الصامت إلى أعماق جومانجي، قلقٌ لم يعهده من قبل.
هل فشل الأمر حقاً؟
هل تبخرت الجواهر الثلاث وضاعت سدى في هذه المحاولة؟
وقف هناك، وسط أشلاء النحلة الميتة، عاجزاً عن معرفة ما حدث بدقة خلف حجاب المادة الروحية.
كان الصمت الذي يلف “العليق الخامد” فوق القلب، هو الجواب الوحيد الذي يملكه الآن.
تنهد جومانجي بعمق، ثم أشاح بنظره بعيداً وهو يهمس بنبرة هادئة ومتزنة:
“لا بأس.. فالفشل في حد ذاته ليس إلا نوعاً آخر من النجاح، وطريقاً لمعرفة حدود المستحيل.”
أغمض عينيه للحظة مستسلماً للواقع، ثم استطرد وهو يهم بالوقوف:
“لقد حاولتُ بكل ما أملك، لكن الأمر انتهى هنا.. ليس لدي وقتٌ إضافي لأضيعه فوق جثة هامدة، فهناك زراعاتٌ وأعمالٌ تنتظرني في أرجاء المزرعة.”
كان جومانجي قد عقد العزم على الرحيل لإكمال مشروعه الزراعي، وبالفعل استدار بجسده مغادراً المكان.
ولكن.. فجأة!
تناهى إلى مسمعه صوتٌ خافت جداً، صوتُ تكسرٍ رقيق لا يكاد يُسمع وسط هذا السكون المطبق.
توقف جومانجي في مكانه، وشعر ببرودة تسري في عموده الفقري.
استدار ببطء نحو جثة النحلة، واتسعت عيناه من الدهشة؛ لقد بدأ جلد “العليق الخامد” فوق القلب بالتشقق!
كانت شقوقاً دقيقة وصغيرة في البداية، بالكاد تُرى بالعين المجردة، لكنها بدأت تتوسع بسرعة جنونية كخيوط العنكبوت.
لمعت عينا جومانجي ببريقٍ من الأمل المتفجر، واندفع مقترباً مرة أخرى من الجثة ليرى ما يحدث بأم عينيه.
وفجأة، لم تعد الشقوق تحتمل الضغط الداخلي؛ فانفجرت بقوة روحية صاعقة أطلقت موجةً من الضوء والحرارة، مما اضطر جومانجي لوضع يده أمام وجهه ليحمي عينيه من شدة الوميض!
لقد كان “الخمود” مجرد غلاف، وما يحدث الآن هو ولادةٌ من نوعٍ خاص.
ومع انقشاع الضوء تدريجياً، بدأت ملامح الكيان الجديد تتجسد فوق قلب النحلة المحطم.
لم يعد هناك أثر لتلك القطعة الحجرية الساكنة؛ بل ظهر بدلاً منها “عليق” غريب، هيئته تختلف تماماً عن شكل السابق.
كان كائناً رخوياً يفيض بلون بنفسجي عميق وساحر، يمتلك ذيلان انسيابية تتحرك بخفة وكأنها تسبح في الهواء.
والأكثر غرابة، كانا هذان القرنان اللذان يبرزان من رأسه، يشبهان في تفاصيلهما قرون الغزال، مما أضفى عليه طابعاً أسطورياً ومهيباً.
تسمر جومانجي في مكانه، يراقب هذا الكائن الفريد الذي كان يشع بضوء بنفسجي خافت، يبعث في الأرجاء نبضاتٍ روحية هادئة ومنتظمة.
وبعد لحظات من الذهول، انفرجت أساريره وظهرت ابتسامة رضا عريضة على محياه، ثم همس بصوتٍ تملؤه الثقة:
“لقد نجح الأمر إذاً..”
أدرك جومانجي في تلك اللحظة الحقيقة؛ أن ذلك الشكل الرخوي القبيح والهامد الذي رآه في البداية لم يكن فشلاً، بل لم يكن سوى “شرنقة” مؤقتة.
غلافٌ روحي صلب يحمي عملية التحول العظيمة لهذا المخلوق الذي ولد للتو من رحم الموت.
لم يكن مجرد عليق من الدرجة التاسعة لأن، بل كان طفرةً روحية ولدت من تطور جوهر العليق.
لقد تجلى أخيراً ذلك الكيان الذي خطط له جومانجي بدقة وصبر: “عليق غسق الليل” من المرتبة السابعة!
رغم أن هذه العملية تطلبت التضحية بحياة كائن آخر وسلب روحه، إلا أن جومانجي لم يشعر بذرة ندم؛ فهو يدرك يقيناً أنه في هذا العالم القاسي، لا وجود للارتقاء دون قرابين، فكل شيء يكمل الآخر في دورة البقاء المريرة.
انحنى جومانجي بوقار، ومد يده نحو الكائن البنفسجي المتوهج.
“بمجرد أن استقر العليق على معصمه، شعر جومانجي بضغطٍ خفي يزداد حول قدميه، وكأن الجاذبية بدأت تعترف بوجوده كمركز ثقلٍ جديد.”
بدأ العليق يزحف فوق كفه وصعوداً إلى ذراعه، متلمساً جلده بحميمية كأنه حيوان أليف عاد إلى صاحبه.
لم يكن هذا الارتباط غريباً؛ فهذا العليق لم يولد من رحم النحلة فحسب، بل ولد ونضج داخل “المزرعة الروحية” الخاصة بجومانجي، مما جعله جزءاً لا يتجزأ من كيانه الطاقي ومنصاعاً لإرادته بالكامل.
داعب جومانجي القرون الصغيرة الشبيهة بقرون الغزال، وشعر بتدفق الطاقة البنفسجية الباردة عبر مسامه.
لقد انتهت مرحلة المقامرة، وبدأت مرحلة السيادة؛ فبهذا العليق، لم تعد قواعد اللعبة كما كانت من قبل.
شعر جومانجي بنشوة غامرة تتدفق في عروقه وهو يراقب الكائن البنفسجي الصغير، ثم تمتم بنبرة ملؤها العزم:
“حسناً.. هيا بنا الآن، لقد حان الوقت لتصبح الجنين روحي، وايضا هي بنا لتطوير هذه المزرعة.”
كان جومانجي يدرك سراً يجهله السواد الأعظم من المزارعين؛ فعملية تطوير المزرعة باستخدام عليق أسطوري كهذا ليست مجرد زيادة في القوة، بل هي إعادة صياغة لجوهر المكان.
ورغم ظهور جوهر العليق هذا في كنف قبيلة من الدرجة الثالثة، إلا أن أحداً من شيوخها أو عباقرتها لم يكن ليجرؤ على تخيل كيفية استخدامه أو فك شفرات قدراته الحقيقية.
وهذا الأمر منطقي تماماً في عالم المزارعين؛ فهناك آلاف الأنواع من “العليق”، أغلبها يظل يتحول من الجوهر إلى المرتبة التاسعة الدنيا، دون أن يجد المسار الصحيح للتطور.
وهناك من المزارعين من يقضون أعمارهم للوصول به إلى الثامنة أو السابعة، لكنهم يفتقرون للحكمة والظروف التي تجعل العليق يتجاوز حدوده الطبيعية.
فالحقيقة الراسخة هي أنه ليس من الضروري لكل “عليق” أن يمتلك مساراً تصاعدياً من المرتبة التاسعة وصولاً إلى الأولى؛ فمعظمها مسارات مسدودة.
لكن جومانجي، بخبرته التي تتحدى الزمن، كان يعرف هذا المسار، محولاً ذلك العليق من بذرة لأسطورة ستبدأ في النمو من قلب مزرعته الروحية، لتغير قواعد القوة الموروثة في هذا العالم القاسي.
“عليق غسق الليل” من المرتبة السابعة.. كائنٌ أسطوري يتبع في جوهره “نهج مذهب الوزن”.
كان جومانجي يتأمل في طاقة العليق البنفسجية التي بدأت تمتزج بكيانه، وهمس بنبرة حازمة:
“مذهب الوزن.. أظنني سأسلك هذا الطريق الآن.”
لم يكن اختيار هذا المسار عشوائياً؛ فمذهب الوزن يعد من أندر وأفتك المذاهب الروحية، حيث يمنح صاحبه القدرة على التلاعب بالكتلة والجاذبية، محولاً كل ضربة بسيطة إلى اصطدام يضاهي سقوط الجبال
كان جومانجي يدرك أن امتلاك عليق من المرتبة السابعة في هذه المرحلة المبكرة، وباتباع هذا النهج تحديداً، سيجعله قوة لا يستهان بها، قادرة على سحق العظام وتفتيت الدروع مهما بلغت صلابتها.
لقد كانت تلك هي القطعة المفقودة في أحجيته؛ فبينما ينشغل الآخرون بالسرعة أو العناصر التقليدية، قرر جومانجي السيادة من خلال الثقل المطلق.
ومع هذا العليق الذي سيستقر الآن كجنين في قلب مزرعته، سيخطى أولى صفحاته في تاريخ هذا العالم القاسي.
نهاية الفصل
