أحاطت بجومانجي كنوزٌ روحية لا تُقدر بثمن.
تصدرتها “نحلة العسل الأسود” الرابضة فوق تلك التربة الحمراء الغريبة.
كانت الطاقة الروحية في المكان تبدو ضئيلة، وكأنها تترقب العاصفة القادمة.
“أمامي شهران من العزلة في هذا المكان المقفر..”
“شهران عليّ فيهما خوض سباق مع الزمن لرفع مرتبتي وتطوير جودة مزرعتي الروحية إلى آفاق جديدة.”
صمت لبرهة قبل أن يضيف:
كان لـ “عليق غسق الليل” من الرتبة السابعة سحرٌ خاص وأهمية قصوى.
فقدرته لا تتوقف عند رفع جودة المزرعة الروحية بمرحلة واحدة فحسب.
بل تمتد لتضاعف عدد الأنوية الروحية لدى المزارع.
والأدهى من ذلك، هي تلك القدرة الهجومية المرعبة التي يمنحها:
التحكم في ثقل الجسم وزيادة وزن المستخدم بشكلٍ مفاجئ وصاعق.
مما يجعل ضرباته كفيلة بسحق أعتى الخصوم.
رفع جومانجي جواهر العليق الثلاثة بين كفيه، ملمسها بارد ونبضها الروحي خافت.
حدق في النحلة الضخمة بعينين يملؤهما الإصرار والوعي بالخطر.
تمتم بمرارة: “لدي ثلاث جواهر من العليق.. لكنني لا أملك ثلاث نحلات.”
أدرك في تلك اللحظة أن محاولة تطوير الجواهر الثلاث باستخدام مصدر واحد هي مقامرة تقف على حد السكين.
فنسبة الفشل قد تعصف بجوهر قوته بالكامل.
ومع ذلك، لم يتراجع، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة وهو يضيف:
“أعرف أن تطوير هذا العليق يكتنفه خطرٌ مميت.. ولكن، لا توجد غنيمة عظيمة في هذا العالم دون ثمن.”
وضع جومانجي يده على صدره وأغمض عينيه، محاولاً استجماع قدراته الذهنية والروحية لرؤية لمحةٍ من المستقبل.
كان يطمح لمعرفة نتائج خطته الجريئة في تطوير “العليق”، ليعرف إن كان النجاح حليفه أم أن الفشل يتربص به.
لكن، ومهما بذل من جهدٍ وتركيز، ظل الغيب محجوباً.
ولم تُسعفه بصيرته في اختراق حجب الغد، وكأن القدر يرفض منحه إجابةً مجانية قبل أن يخوض المعركة بنفسه بعد.
“ياللخيبة! هذا العليق المتكبر يرفض الظهور.. لكن لماذا استخدم قدرته عندما لمست ذلك الفتى؟”
رغم أن عليق النظرة قد اشتغل من قبل، إلا أنه الآن أبى أن يعمل.
حتى مع ذكريات الألف عام التي استحوذت عليها، كان هذا العليق غامضاً بعض الشيء.
بعد فترة من الصمت والتأمل، حسم جومانجي أمره.
وضع جواهر العليق الثلاث فوق جسد النحلة الرابضة بعناية، ليترك التفاعل الروحي بينهما يبدأ ببطء.
“ليس لدي الوقت للوقوف مكتوف الأيدي.”
اتجهت عيناه فوراً نحو مشروعه الأهم: زراعة النباتات الروحية لإنعاش مزرعته.
أخرج جومانجي بذور “الأرز الأبيض” النادرة، بدأ يتأمل فيها: “حسناً، لنبدأ العمل.”
شرع في غرسها طوال اليوم داخل النهر؛ وهو صنفٌ لا ينمو إلا مغموراً بالمياه الروحية العميقة.
ثم أخرج بيوض “نجم البحر القرمزي”، وانهمك في حفر قنواتٍ وحفرٍ مخصصة لها بعناية فائقة.
كان جومانجي يطبق قاعدةً ذهبية في علم المزارع الروحية.
تأمل في عمله والأشياء التي غرسها وقال:
“كل كائن حي أطلقه في أرجاء مزرعتي، يبعث طاقةً روحية فريدة تتغذى عليها ‘البذرة السوداء’ داخل البئر الروحي.”
ومع كل زيادة في كثافة هذه الطاقة وانبعاثات الكائنات الروحية، ستتسارع وتيرة نمو المزرعة وترتقي مرتبتها.
فالعلاقة طردية؛ فكلما ازدادت طاقة الروحية للكائنات، قفزت المزرعة نحو مستوياتٍ أسمى وأعلى.
لم يكتفِ جومانجي بتلك الكائنات والزراعات، بل قرر حرق المراحل وضخ كميات مهولة من الطاقة الصافية.
فأخرج مئة نواة روحية من الرتبة النحاسية، وعشر أنوية من الرتبة الفضية اللامعة.
اقترب بخطوات ثابتة من بئر الروح، وأردف: “حسناً، هيا لنقم بهذا الآن.”
وبحركة خاطفة، بدأ بتفتيت تلك الأنوية الصلبة، لتنهمر شظاياها وطاقتها المركزة دفعة واحدة داخل البئر.
كانت تلك الطاقة المسالة تحتاج لأيام طويلة أو شهور لتتراكم طبيعياً، لكنه قلص الزمن لثوانٍ معدودة.
البئر الذي كان غارقاً في سكونه قبل قليل، استحال فجأة إلى مرجل يغلي.
ثارت الطاقة داخله وفاضت عن حدودها، وتحول الضباب الأبيض الرقيق إلى مدٍّ هائج يزمجر بعنف.
بدأت أمواج الطاقة تصطدم بجدران البئر بقوة زلزالية.
حتى أن أصداء تلك الارتطامات ترددت في أرجاء المزرعة كأنها طبول حرب تُعلن بداية عهد جديد.
لم تكن مجرد اصطدامات عابرة، بل كانت عملية “كسر للقيود”.
إذ بدأت شقوق دقيقة تظهر وتنتشر على جدران الكهف المحيط بالبئر تحت وطأة الضغط الروحي الهائل.
راقب جومانجي المشهد بعينين ثاقبتين وهدوءٍ يسبق العاصفة، فقد كان يدرك تماماً ما يحدث.
همس لنفسه وهو يشاهد ما يحدث: المزرعة الروحية لم تعد تتسع لرتبتها الحالية، والشقوق لم تكن علامة دمار، بل هي مخاض الولادة لرتبة أسمى وأقوى.
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى عجز البئر عن احتواء تلك الطاقة التي كانت تغلي كمرجل بركاني ثائر.
وما هي إلا لحظات حتى انفجر البئر بقوة زلزالية هزت أركان المزرعة الروحية بالكامل.
تراجع جومانجي بضع خطوات وهو يراقب الانفجار الذي شق المكان نصفين.
حيث اندفعت موجات الطاقة الروحية بكثافة مفرطة حجبت الرؤية تماماً.
واستحال كل شيء داخل المزرعة إلى بياضٍ مطلق نتيجة شتات الطاقة المتفجرة في كل زاوية.
ومع مرور الوقت، بدأ الضباب الكثيف ينحسر تدريجياً ليعود إلى مركزه.
وفي تلك اللحظة، اقترب جومانجي من قلب الانفجار.
ومع انقشاع آخر خيوط الضباب، تجلى أمامه مشهدٌ مهيب.
بركة روحية واسعة تفوق حجم البئر السابق بعشرة أضعاف.
وفي قلب سديمها الأبيض استقرت بذرة سوداء لها ورقتان تشعان ببريق أخاذ.
عكس البذرة التي كانت في البئر بورقة واحدة فقط؛ تطورت البذرة مع تطور البئر.
ارتسمت على وجه جومانجي ابتسامة رضا.
فقد أدرك أنه خطى خطوته الأولى الحقيقية نحو القمة، مرتقياً إلى الدرجة الثانية من المرتبة الأولى.
إن هذا التطور السريع يعد إنجازاً جباراً حتى بمعايير المزارع ذات الجودة الممتازة.
فما حققه جومانجي كان عسيراً ومنالاً بعيداً لغيره.
لمعت عيناه وهو يشاهد هذه البركة حيث كانت جنباتها من غيوم بيضاء يتراقص فيها البرق بكل هدوء.
كان الفضل في هذه القفزة المذهلة يعود لسكبه الأنوية الروحية بتلك الكثافة.
“أعرف بأن هذا الأسلوب لن يجدي نفعاً إلا في هذه المراحل المبكرة.”
“فبمجرد أن ترتقي المزرعة في المراتب العليا، ستفقد هذه الأنوية قيمتها وتصبح بالنسبة لي مجرد حصىً لا نفع فيه.”
الوقود الحقيقي لنمو البذرة المركزية مستقبلاً لن يعتمد على الأنوية الروحية.
بل على جودة البذور والنباتات والحيوانات الروحية التي تستوطن المزرعة؛ فهي المحرك الحيوي للارتقاء.
ألقى نظرةً أخيرة على ما تبقى من أنويته، وتنهد قائلاً في نفسه:
“حتى هذه الكمية التي استهلكتها تُعد ثروةً طائلة لقبيلة من الدرجة الثالثة، لكنها مخاطرة كانت تستحق العمل من أجلها.”
لقد شعر بخفةٍ غريبة تسري في أركان مزرعته، وكأن الثقل الذي كان يجثم على صدره قد انزاح تماماً مع هذا الارتقاء.
ومع وصوله للدرجة الثانية من الرتبة الأولى، كانت ثمار التطوير ستظهر جلياً.
إذ ستضاعف إنتاج الأنوية الروحية التلقائي داخل المزرعة.
فالمزرعة ذات الجودة الضعيفة التي كانت تنتج نواة واحدة شهرياً ستصبح تنتج اثنتين.
بينما المزارع متوسطة الجودة قفز إنتاجها من اثنتين إلى أربع، والممتازة من ثلاث إلى ست.
“رغم أن الرقم قد يبدو بسيطاً، إلا أنه حجر زاوية في بنائي قوتي المستقبلية.”
ولم يتوقف النفع عند زيادة العدد فحسب، بل امتد ليشمل نقاء الأنوية الروحية التي أصبحت أكثر حدة وصفاءً.
وأيضاً، فإذا كان “البئر الروحي” يمنح المزارع طاقةً تكفيه للصمود والقتال لفترة وجيزة.
فإن “البركة الروحية” قد نقلت جومانجي إلى مستوى آخر من الاستقرار والقدرة على التحمل.
إذ تتيح لصاحبها خوض معارك أطول نفساً، وتمنحه سيطرةً أدق وسيادةً عالية على محتويات مزرعته.
كان هذا هو الحال كلما ارتقى المزارع في الدرجات والمراتب؛ طريقٌ شاقٌ لا يعترف إلا بالجهد والمثابرة.
أما عن بلوغ المراتب العليا، فقد كان الأمر يزداد تعقيداً وصعوبة.
خصوصاً وأن البذور ذات الجودة الرفيعة كانت نادرة وصعبة المنال.
فمن أراد بلوغ الذروة، فعليه دفع أثمانٍ باهظة، إذ لا مكان للصُدف أو التسهيلات في هذا العالم.
والآن، يقف جومانجي بثبات في الدرجة الثانية من المرتبة الأولى؛ إنجازٌ يوصف بالمذهل.
لو علم تسرّب خبر هذا التطور السريع إلى شيوخ قبيلة اكسبيريا، لما صدّقه عقل.
ولظنوه ضرباً من الخيال، خاصةً إذا ما قورن بجودة مزرعته الأصلية التي لا تشي بمثل هذه القفزات الإعجازية.
لم يمنح جومانجي نفسه ترف الفخر أو الاسترخاء، بل عاد بصلابة إلى العمل المضني.
غرس البذور، رعاية الشتلات، وتنظيم الكائنات الروحية.
كان كلما نال منه التعب، عمد إلى تفتيت ما تبقى من أنويته النحاسية لتجديد نشاطه والعودة للكفاح.
مر يومان من العمل الشاق المتواصل دون انقطاع، استنزف فيهما جومانجي كل طاقته البدنية والروحية.
وبعد أن أخذ قسطاً يسيراً من الراحة لترميم قواه، حان الوقت ليتفقد الساحة التي ترك فيها صراع الجواهر.
اتجهت أنظاره نحو “نحلة العسل الأسود” وجواهر العليق الثلاث، ليرى ما آلت إليه تلك المقامرة التي بدأت قبل يومين..
نهاية الفصل
