Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

التمرد على الموت 35

جودة متوسطة

 

وقف جومانجي في قلب مملكته المتجددة، يستشعر بعمقٍ كل ذرة هواء وكل نبضة طاقة داخل حدود مزرعته؛ فقد أدرك بحدسه الخبير أن المكان لم يعد كما كان، بل انسلخ من جلده القديم ليولد من جديد.

 

ألقى نظرة فاحصة على التربة البنية الفاتحة التي باتت تضج بالحيوية، وهز رأسه بوقارٍ هادئ وهو يتمتم: “مزرعةٌ ذات جودة متوسطة.. لا بأس بها كبداية في هذه المرحلة الحرجة.” ورغم نبرته التي توحي بعدم الاكتفاء، إلا أن عينيه كانتا تشعان برضا مكتوم.

 

في هذه الأثناء، كان لجواهر العليق المستقرة في أنحاء المزرعة رأيٌ آخر؛ فقد بدأت تتمايل وترقص في أماكنها ببهجةٍ غامرة، مستشعرةً هذا التحول الجذري في بيئتها.

 

كانت تلك الجواهر قد عاشت فترة من “الاكتئاب الروحي” حين كانت المزرعة مجرد أرض مقفرة وجافة تفتقر للغذاء، أما الآن، فقد وجدت في التربة الجديدة والجاذبية المكثفة ملاذاً أعجبها بحق، وبدأت أطيافها الصغيرة ترفرف وكأنها تتنفس الحرية لأول مرة منذ زمن بعيد.

 

لم يعد اللون الأحمر الصارخ يطغى على كل شبر؛ بل استحال المشهد إلى لون بني فاتح يوحي بالرصانة والخصوبة، حتى الجبل العظيم الذي كان يتوسط المزرعة تبدلت ملامحه ليتناغم مع هذه الجودة الجديدة.

 

اختفت تلك الصخور الخشنة التي كانت تشبه حراشف التماسيح، ونهر صار اكبر مما كان عليه، بدى المكان أوسع بكثير وأكثر انفتاحاً، كأن المزرعة كانت تتنفس في ضيقٍ وانفرجت أساريرها الآن.

 

تجول جومانجي بصمتٍ لبرهة، يستكشف زوايا مزرعته الروحية المتجددة، ثم تنهد بعمق وهو يتمتم برضا: “لقد تحسنت حقاً.. صارت الأرض تليق بما سيُزرع فيها.”

 

ثم استدعى بصوتٍ هادئ: “عليق الألف وجه.”

 

ما إن تردد صدى اسمه حتى مثل الكائن أمام سيده في طرفة عين.

 

نظر إليه جومانجي بنظرةٍ تحمل تقديراً خفياً وقال: “لك الحرية الآن.. اختر أي بقعةٍ في أرجاء هذه المزرعة لتتخذها مستقراً لك.”

 

اهتز العليق بحيوية، وكأنه ينحني تقديراً، ثم انطلق ينساب في الأفق بحثاً عن مكانه المثالي وسط التضاريس الجديدة.

 

استدار جومانجي نحو الصناديق التي أعدتها القبيلة، وبدأ بتفحص محتوياتها وهو يهمس لنفسه: “لدي الآن بذور الذرة الحمراء.. بذورٌ من المرتبة الثامنة، وهي أفضل ما أملك حالياً، لكنها وحدها لا تكفي.”

 

توقف جومانجي متأملاً المساحات الشاسعة، وأدرك أن المزرعة المتكاملة والثرية تقوم على ثلاثة أركان لا غنى عنها: الأول هو المحاصيل التي تخلفها البذور لتوفير الطاقة الروحية.

 

والثاني هو النباتات الطبية الروحية التي ستكون بمثابة صيدليته الخاصة وايضا منبع لطاقة.

 

أما الركن الثالث والأهم لضمان التوازن والارتقاء السريع، فهو الحيوانات الروحية من المرتبة الثامنة أو السابعة.. تلك الكائنات التي ستحول المزرعة من مجرد حقلٍ ساكن إلى نظام بيئي نابض بالسيادة والقوة.

 

“الآن، لنكتفِ بما ظفرنا به.. فكل شيء سيبلغ تمامه في حينه، أما المهمة العاجلة الآن فهي العودة إلى الأرض.”

 

لم تمضِ سوى لحظات قليلة حتى انغمس جومانجي في العمل بكيانه كله.

 

لم يكن لديه وقتٌ فائضٌ ليهدره في نشوة الفخر بجودة مزرعته المتوسطة؛ فبالنسبة لشخص مثله، حتى لو كانت المزرعة ذات جودة “ممتازة”، فإنها لا تكفي وحدها لضمان ارتقاءٍ صاروخي.

 

أدرك يقيناً أن الطموح الجامح، والعمل الدؤوب، والمثابرة الصابرة هي الأعمدة الحقيقية للنجاح، بجانب تلك الكنوز المعرفية والذكريات التي سلبها من أزمنةٍ غابرة دون أن يعلم بها أحد.

 

فالقمة في هذا العالم لا يطؤها الكسالة الذين يكتفون بالنتائج السطحية، ولا المتكبرون الذين يعتقدون أن الموهبة وحدها تكفي؛ بل هي حكرٌ على من سكب عرقه في تربة مزرعته.

 

لم يكن يهم إن كان المزارع شريراً يتبع المذاهب المظلمة أو صالحاً ينشد النور، ولم يكن يهم إن انتسب لقبيلةٍ مغمورة أو طائفةٍ عظمى، سواءً كان رجلاً أو امرأة.. فكل تلك المسميات تذوب أمام “طريق الزراعة”.

 

كان هذا الطريق يتطلب عزيمةً فولاذية لا تنكسر، وروحاً لا تلين أمام عواصف المستحيل؛ وهكذا بدأ جومانجي غرس بذوره، واضعاً أولى خطواته العملية في مسار السيادة المطلقة.

 

حتى مع تلك الذكريات الغابرة التي استولى عليها، أدرك جومانجي أن المعرفة وحدها سلاحٌ أعرج ما لم تسندها عزيمةٌ فولاذية؛ فليس كل من حمل سراً استحق أن يكون مزارعاً، وليس كل من سلك الطريق استحق بلوغ القمة.

 

فالسيادة ليست هبةً تُمنح، بل هي ضريبةٌ تُدفع من شقاء الروح وصلابة الجسد، وهكذا كان قانون الوجود في هذا العالم القاسي.

 

****

 

مر شهرٌ كامل في العالم الخارجي، لكن خلف أسوار المزرعة الروحية، كانت خمسة أشهرٍ من الزمن المكثف قد انقضت، بفضل تسارع الوقت في ذلك البعد الخاص.

 

كان جومانجي يقف بوقارٍ قرب البركة الروحية التي باتت تفيض بطاقةٍ كثيفة ووفيرة، تراقب عيناه بدقة ذلك الجدار الضبابي الذي بدأ يئن تحت وطأة الضغط، والشقوق تتسلل إليه كخيوط العنكبوت.

 

همس بنبرةٍ حملت صدى الانتظار: “حان الوقت.. المرحلة الثالثة بدأت تتجلى.”

 

في قلب كيانه، كانت البذرة السوداء ذات الورقتين تنبض بطاقةٍ هائلة، تهتز بعنفٍ وكأنها بركانٌ محبوس يبحث عن فوهة ليضخ فيها حممه الروحية.

 

فجأة، انشق الضباب بعتقٍ رهيب، وتحول السديم الأبيض الساكن إلى بحرٍ هائج من الأمواج الطاقية التي تضرب في كل اتجاه.

 

وكما فعل في المرات السابقة، تراجع جومانجي بضع خطوات إلى الوراء، يراقب المشهد ببرودٍ وهدوء من بعيد.

 

لكن البركة الروحية لم تمهله فرصة للابتعاد؛ فقد عجزت جدرانها الضيقة عن كبح جماح تلك الطاقة المستعرة، لتنفجر في ثورةٍ عارمة هزت أركان المزرعة بأكملها، مرسلةً موجاتٍ من الضغط الروحي كادت تقتلع الأشجار من جذورها.

 

رفع جومانجي ذراعه ليحمي عينيه من الوميض الكاسح، وبعد برهةٍ ساد فيها سكونٌ مهيب، فتح أجفانه ببطء ليتجلى أمام ناظريه مشهدٌ أسطوري.

 

لقد اختفت البركة المتواضعة تماماً، وحلّ مكانها “بحيرةٌ” شاسعة تتلألأ كمرآةٍ سماوية مصقولة، تعكس صفاء الأفق في أعماقها الصافية. كانت البحيرة تفوق سابقتها بأضعافٍ مضاعفة، وكأنها بحرٌ داخلي يختزن أسرار القوة.

 

وفي المركز تماماً، كانت البذرة السوداء تطفو بوقار، وقد انبثقت منها ورقتها الثالثة لتوها، مشعةً بهالةٍ من الثقل والسيادة.

 

لقد أتم جومانجي ارتقاءه بنجاح، واضعاً قدمه بثبات في “المرحلة الثالثة من المرتبة الأولى”.

 

لم يبتسم جومانجي إلا قليلاً، ابتسامةً باردة تحمل طعم الانتصار، وتمتم بصوتٍ يملؤه الهدوء: “المرحلة الثالثة.. مرحلة البحيرة.

 

 

****

 

في الخارج، كانت الأجواء يسودها هدوءٌ حذر، لكن تحت السطح كانت رياح الأحداث تهب تماماً كما تنبأت بها ذكريات جومانجي؛ فقد حدث ما كان متوقعاً بدقة مذهلة.

 

لقد تدخل طرفٌ خارجي أوقف تدهور حالة “الجنين” الخاص بالزعيم، بعد أن أجبره على الغوص في سباتٍ عميق، مما جعل الزعيم والشيوخ يتنفسون الصعداء مؤقتاً.

 

وبعد مغادرة ذلك الشخص الغامض، اجتمع الشيوخ مجدداً في حلقةٍ من التوجس.

 

تحدث “شيخ الزهور” بنبرةٍ هادئة حاول بها طمأنة الحاضرين: “الآن، وبعد أن توقفت معاناتك أيها الزعيم، لم يعد يفصلنا عن إنهاء هذه المعضلة سوى خروج الزميل الروحي من عزلته.”

 

إلا أن أحد الشيوخ، الذي كان ينظر إلى شيخ الزهور بعينين يملؤهما الشك والإحباط، تمتم ببطء: “أرجو فقط ألا يكون هذا الشخص الذي استقدمته مجرد محتالٍ بارع.”

 

“الزميل الروحي يبدو صادقاً في مسعاه، وطاقته لا تكذب،” اندفع شيخ الزهور مدافعاً عن جومانجي.

 

ليرد عليه شيخٌ آخر ببرود: “سنعرف الحقيقة قريباً.. لم يتبقَ له سوى شهر واحد، وإن تبين أنه كاذب، فإن الموت هو الوحيد الذي سيكون في انتظاره.”

 

في تلك اللحظة، رفع الزعيم يده بحزم منهياً الجدال: “أغلقوا هذا الموضوع الآن. سننتظر خروجه من عزلته لنحكم عليه. أما الآن، فهناك ما هو أهم لأطلعكم عليه.”

 

انتفض الشيوخ في مقاعدهم حين رأوا ملامح الجدية الصارمة ترتسم على وجه الزعيم، الذي تابع قائلاً: “سيصل سفير ‘عشيرة اللقلاق’ غداً صباحاً.. ويبدو أن لديهم أمراً ملحاً بخصوص الشرخ الذي انبثق قبل عامين.”

 

“هل علموا بالأمر بهذه السرعة؟” تساءل أحد الشيوخ بذعر خفي.

 

ليجيبه الزعيم بنبرةٍ مريرة: “وهل يخفى أمرٌ كهذا على عشيرة من المرتبة الرابعة؟ لديهم أعينٌ وآذان في كل زاوية من كل قبيلة.. لا شيء يمر دون علمهم.”

 

“شرخٌ من المرتبة التاسعة.. هل يطمعون في الاستحواذ عليه أيضاً رغم وقوعه ضمن حدود منطقتنا؟” تساءل أحد الشيوخ بنبرةٍ يملؤها الحنق والقلق.

 

رد عليه شيخٌ آخر مصححاً بجدية: “لقد كاد يتجاوز المرتبة التاسعة بالفعل؛ قل إنه من المرتبة الثامنة، فلم يعد يفصله الكثير حتى تتبدل رتبته تماماً.

 

لقد استنزفنا مواردنا وراقبناه بصبرٍ طويل، منتظرين وصوله إلى المرتبة الثامنة لننقضّ عليه ونغلقه لمصلحتنا.. لكن يبدو أن ريح طمعهم سبقت رياح تدبيرنا.”

 

حاول الزعيم تهدئة الأجواء المشحونة قائلاً بلهجةٍ واثقة: “لا بأس، سأتفاوض مع سفيرهم بخصوص هذا الأمر.

 

حتى وإن فرضوا سيطرتهم عليه بقوة مرتبتهم الرابعة، فسننتزع حق دخول شبابنا إليه مهما كان الثمن.”

 

ثم أضاف بحزمٍ وهو ينظر في أعين الشيوخ: “هذا الأمر مصيريٌ لنا؛ فالفرصة التي يخبئها هذا الشرخ لا تُعوض.

 

قد نجد في أحشائه ‘عليقاً’ نادراً، أو بذوراً أسطورية، أو حتى حيواناتٍ روحية كفيلة بنقل قبيلتنا إلى مستوى جديد تماماً.

 

لذا، علينا إقحام شبابنا في هذا الغزو، مهما بلغت التضحيات.”

 

نهاية الفصل

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط