نورد كاسيان
تذكر نورد قصصاً سمعها عن تلك الشجرة عندما كان طفلاً. سأل والده عنها مرة، فأجابه فيرس بجدية: “إنها حقيقية يا بني. لكنك لن تواجهها إلا إن كنت غبياً بما يكفي لتغامر بمفردك.” لم يغامر نورد بمفرده في الغابة منذ ذلك الحين.
“صباح الخير جميعاً،” قال أركو بهدوئه المعتاد. “نورد، هل نمت جيداً؟ أم أن الحماس منعك من النوم؟”
انقلب السرير على الأرض مع صوت خشبي مفاجئ كأنه طلقة نارية في هدوء الصباح. قفز نورد كاسيان من على فراشه كأنه لسعته عقرب، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، وقلبه يدق بعنف في صدره.
“ماذا؟ ماذا؟”
بعد ساعة من المشي، توقفت الفرقة عند منطقة واسعة تحوي بقايا معركة قديمة. أرض مليئة بالحجارة المتكسرة والعظام البيضاء التي تفتت تحت أقدامهم. رائحة الموت القديم كانت لا تزال عالقة في الهواء، ممزوجة برائحة التراب الرطب والنباتات المتسلقة التي تغطي كل شيء.
“دعه وشأنه يا نورد،” قال فريد بصوته العميق الذي يشبه هدير أسد كسول. “أبوك كان دائماً يظن نفسه شاباً. منذ أن عرفته قبل عشرين عاماً وهو يقول ‘عز شبابي’.”
ضحك فيرس كاسيان، والده، ذلك الرجل الذي لا يزال في الرابعة والثلاثين لكن التجاعيد بدأت تظهر حول عينيه من كثرة التحديق في الخرائط القديمة، ضحك بصوت عالٍ خشن أشبه بحفيف أوراق الخريف. “ماذا بك يا بني؟ قم، إنها الساعة السادسة. لقد تأخرنا.”
“لأنه كان يغرد يا يونار. الوحوش لا تغرد.”
تنفس نورد الصعداء وألقى بنفسه على السرير مجدداً، ثم قفز في وجه والده بقبضات غير حقيقية وصوته ممزوجاً بالغضب المازح: “أبي! من الذي يوقظ ابنه بقلب السرير عليه؟”
نظر حوله مجدداً. الجميع كان منشغلاً بمهامهم: فريد يفحص درعاً قديماً، يونار تحدق في الأفق، فيرس وأركو يتجادلان حول قيمة القلادة. تومان كان يحاول رفع سيف صدئ من الأرض دون جدوى.
ابتسم فيرس تلك الابتسامة التي لا يراها نورد إلا في الصباحات التي تسبق مغامرة حقيقية. كانت ابتسامة رجل عاش نصف عمره في الغابات والساحات المظلمة، رجل رأى أشياء تجعل الدم يتجمد في العروق، لكنه اختار أن يربي ابنه ليرى الجمال أولاً والخطر ثانياً.
أركو وفيرس تفحصا معاً رفات جندي قديم كان يرتدي درعاً يبدو أكثر قيمة من البقية.
“أي ابن يستيقظ السادسة؟” سأل فيرس وهو يعدل قميصه الجلدي البالي. “الحفرة الزرقاء لا تملأ نفسها بنفسها، والكنوز لا تقفز إلى أحضان النائمين.”
“ماذا؟ ماذا؟”
“أنا طبيب الفرقة وليس وسيطاً بينكما،” تدخل أركو مازحاً. “لكن إن استمر جدالكما، سأحتاج إلى دواء للصداع قبل أن نبدأ.”
نظر نورد إلى النافذة الصغيرة في غرفته. كان ضوء الفجر يتسلل بخجل عبر الزجاج المتسخ، يرسم خطوطاً ذهبية على أرضية الغرفة الخشبية. غرفته بسيطة: سرير حديدي صدئ قليلاً، منضدة خشبية مليئة بالرسومات القديمة للوحوش والأسلحة التي رسمها عندما كان طفلاً، وخزانة ملابس لا تحتوي إلا على قميصين جيدين وثلاثة سروايل.
“الحقيقة أن…” بدأ نورد لكن يونار قاطعته.
تزوج فيرس في الثامنة عشر من عمره، في عام كان الجميع يعتقد أن الأسعار ستنخفض والأوبئة انتهت. أنجب نورد بعد عام، وكانت نورا، زوجته، امرأة جميلة بشعر أسود طويل وعيون خضراء تشبه إلى حد كبير عيون نورد الآن. ماتت بسبب الوباء الحاد حين كان نورد في الثالثة فقط. لم يتزوج فيرس مجدداً. لم يذكر السبب أبداً، لكن نورد يعرف أن والده كان يخشى أن يأتي رجل آخر لأمه لو كان الوضع معكوساً، فقرر أن يكون هو الأب والأم معاً.
“هيا، هيا،” حثه فيرس وهو يغادر الغرفة. “لدينا مهام كثيرة اليوم. إنه يومك الأول كمغامر وباحث كنوز يا نورد. لا تريد أن يبدأ بسجل حافل بالتأخير.”
“السرير انقلب به. والده فعلها مجدداً.”
“أي ابن يستيقظ السادسة؟” سأل فيرس وهو يعدل قميصه الجلدي البالي. “الحفرة الزرقاء لا تملأ نفسها بنفسها، والكنوز لا تقفز إلى أحضان النائمين.”
ابتسم نورد رغماً عنه. كمغامر، كباحث كنوز. كان يحلم بهذا اليوم منذ أن كان في الخامسة، حين أخذ والده لأول مرة إلى مشارف بلدة أفير وأراه كيف يجمعون أسلحة الجنود القتلى من المعارك القديمة ويعيدون تكريرها وتحسينها وبيعها للحاكم. لم يكن عملاً نبيلاً بالمعنى الدقيق، لكنه كان صادقاً.
نهض نورد من السرير ورتبه ببطء متعمد. لم يكن كسولاً، لكنه كان يؤمن بأن للصباح طقوساً لا يجب كسرها. مد يده إلى الوسادة وأزال الغبار الوهمي، ثم ضبط الغطاء ليكون مستقيماً تماماً. بعد ذلك، توجه إلى المطبخ الصغير الملحق بالمنزل.
نهض نورد من السرير ورتبه ببطء متعمد. لم يكن كسولاً، لكنه كان يؤمن بأن للصباح طقوساً لا يجب كسرها. مد يده إلى الوسادة وأزال الغبار الوهمي، ثم ضبط الغطاء ليكون مستقيماً تماماً. بعد ذلك، توجه إلى المطبخ الصغير الملحق بالمنزل.
نورد وقف في منتصف ساحة المعركة القديمة، يدور حول نفسه ببطء محاولاً استيعاب كل التفاصيل. شعره الأسود القصير يتطاير قليلاً مع النسيم الخفيف، وعيناه الخضراوان تتسعان كلما رأى شيئاً جديداً. كان يشعر بأنه في حلم، أو ربما في بداية حلم طويل ومعقد.
كان منزلهم بسيطاً: غرفتان، مطبخ صغير، وحوش ضيق يجلسون فيه أحياناً ليتحدثوا عن أحلامهم البعيدة. يقع المنزل في الطرف الغربي من إقليم جورجان، في بلدة أفير الصغيرة التي يمر عبرها فروع نهر جورجان العظيم. البلدة صغيرة، لا يزيد عدد سكانها عن خمسة آلاف، لكنها حيوية ومليئة بالمغامرين الذين يفدون من كل مكان بحثاً عن الثروات في غابات أفير الكثيفة.
فجأة، لاحظ شيئاً غريباً. في زاوية بعيدة من الميدان، تحت كومة من الحجارة والأوراق الجافة، كان هناك شيء يلمع بضوء أزرق خافت. نظر حوله ليتأكد من أن لا أحد يراقب، ثم تقدم ببطء نحو ذلك الشيء.
أشعل نورد النار في الموقد ووضع قدراً صغيراً من الماء ليغلي. قطع بعض الخبز الجاف الذي تبقى من الأمس، وقطعتين من اللحم المجفف، وأعد فطوراً بسيطاً. أكلا معاً في صمت مريح، ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات بين أب وابنه تربيا معاً بعد موت الأم.
وقف نورد مكانه مرتجفاً. نظر إلى يده. لم يكن هناك أي أثر. الصندوق اختفى. الحجارة عادت إلى مكانها كما لو لم يحركها أحد. اللحظات التي مضت بدت وكأنها لم تحدث.
توقف نورد. تذكر كلمات والده: “لا تلمسوا أي شيء يبدو سحرياً”. لكن هل كان هذا الصندوق سحرياً؟ أم مجرد قطعة أثرية عادية؟ الضوء الأزرق لم يكن ساطعاً بما يكفي ليبدو سحرياً فعلاً. ربما كان مجرد انعكاس للضوء على معدن غريب.
“هل أنت جاهز؟” سأل فيرس وهو يمسح فمه بكم قميصه.
ابتسم نورد رغماً عنه. كمغامر، كباحث كنوز. كان يحلم بهذا اليوم منذ أن كان في الخامسة، حين أخذ والده لأول مرة إلى مشارف بلدة أفير وأراه كيف يجمعون أسلحة الجنود القتلى من المعارك القديمة ويعيدون تكريرها وتحسينها وبيعها للحاكم. لم يكن عملاً نبيلاً بالمعنى الدقيق، لكنه كان صادقاً.
وأخيراً، جاء تومان. كان في السابعة عشرة، أكبر من نورد بسنة واحدة فقط، لكنه كان قد انضم للفرقة منذ عامين. نجمة واحدة منخفضة في القتال، لكنه كان سريعاً وذكياً، وشعره البني الفاتح دائماً منسدل على عينيه بطريقة تخفيه عما يفكر فيه حقاً.
“جاهز منذ سنوات يا أبي.”
“انظر إلى هذا،” قال أركو وهو يشير إلى قلادة صغيرة على رقبة الجندي. “إنها تلمع بطريقة غريبة. هل تعتقد أنها مسحورة؟”
ابتسم فيرس. “إذاً لننطلق.”
خرجوا من المنزل معاً. كان هواء الصباح بارداً ولطيفاً، يحمل معه رائحة التراب الرطب والنباتات البرية. كانت بلدة أفير تستيقظ أيضاً: امرأة تفتح نافذة غرفة نومها، طفل يركض خلف دجاجة هاربة، رجل عجوز ينظف بندقيته على عتبة منزله.
توجه الاثنان إلى ساحة التجمع الرئيسية في البلدة، حيث كانت تنتظرهما الفرقة. نورد يعرفهم جميعاً، لكنه لم يسافر معهم من قبل. كان مجرد صبي بالأمس، واليوم أصبح مغامراً.
كانت يونار أول من رآهم. وقفت أمام العربة الخشبية الصغيرة التي اعتادوا استخدامها لنقل الغنائم، وسلاحها القنص على ظهرها، وشعرها الأحمر الطويل منسدلاً على كتفيها كالنار الهادئة. كانت في الرابعة والثلاثين مثل فيرس، لكنها تبدو أصغر سناً، ربما لأنها لم تنجب أطفالاً، أو ربما لأن وجهها كان مستديراً وناعماً بشكل لا يتناسب مع كونها قناصة قاتلة.
“هل أنت جاهز؟” سأل فيرس وهو يمسح فمه بكم قميصه.
“أخيراً،” قالت بصوتها الخشن الذي اعتاد عليه نورد منذ صغره. “ظننت أنكما قررتما النوم حتى الظهر.”
“لولا هذا الرجل العجوز،” قال نورد مشيراً إلى والده، “لكنت هنا منذ ساعة.”
“عجوز؟” رفع فيرس حاجبه. “عمري أربعة وثلاثون يا بني. أنا في عز شبابي.”
ابتسم نورد رغماً عنه. كمغامر، كباحث كنوز. كان يحلم بهذا اليوم منذ أن كان في الخامسة، حين أخذ والده لأول مرة إلى مشارف بلدة أفير وأراه كيف يجمعون أسلحة الجنود القتلى من المعارك القديمة ويعيدون تكريرها وتحسينها وبيعها للحاكم. لم يكن عملاً نبيلاً بالمعنى الدقيق، لكنه كان صادقاً.
ضحك الجميع. كان فريد، عم نورد حقاً لكن ليس بالدم، يقف إلى جانب العربة وعضلاته الضخمة تبرز من تحت قميصه الجلدي الضيق. كان في السابعة والثلاثين، لكنه كان قوياً كأنه في الخامسة والعشرين. نجمة واحدة متقدمة في القتال تجعله أقوى فرد في الفرقة من ناحية القوة الغاشمة.
“جاهز منذ سنوات يا أبي.”
“دعه وشأنه يا نورد،” قال فريد بصوته العميق الذي يشبه هدير أسد كسول. “أبوك كان دائماً يظن نفسه شاباً. منذ أن عرفته قبل عشرين عاماً وهو يقول ‘عز شبابي’.”
وأخيراً، جاء تومان. كان في السابعة عشرة، أكبر من نورد بسنة واحدة فقط، لكنه كان قد انضم للفرقة منذ عامين. نجمة واحدة منخفضة في القتال، لكنه كان سريعاً وذكياً، وشعره البني الفاتح دائماً منسدل على عينيه بطريقة تخفيه عما يفكر فيه حقاً.
“وها أنا لا أزال على قيد الحياة،” أجاب فيرس بابتسامة. “أكثر مما يمكن أن يقوله نصف من عرفتهم.”
“هيا، هيا،” حثه فيرس وهو يغادر الغرفة. “لدينا مهام كثيرة اليوم. إنه يومك الأول كمغامر وباحث كنوز يا نورد. لا تريد أن يبدأ بسجل حافل بالتأخير.”
“الطرق اللطيفة لا تصنع المغامرين،” أجاب فيرس وهو يشيح بوجهه.
صمت للحظة قصيرة. كان فيرس يشير إلى رفاق سقطوا في المغامرات. لكن سرعان ما عادت الابتسامة إلى وجهه.
جاء أركو من خلف العربة، يحمل حقيبته الطبية الجلدية الضخمة التي لا تفارقه أبداً. كان في الثامنة والعشرين، أصغر من فيرس بقليل، لكنه كان الأكثر حكمة بينهم. نجمة واحدة متوسطة في الذهن ونجمة واحدة منخفضة في السحر جعلته الطبيب المثالي للفرقة: يستطيع تشخيص الأمراض بدقة ويستخدم السحر الأساسي لوقف النزيف وتثبيت العظام.
“ليس أنت طبعاً،” قال تومان بسرعة وهو يبتعد قليلاً. “أنت في عز شبابك مثل فيرس تماماً.”
“صباح الخير جميعاً،” قال أركو بهدوئه المعتاد. “نورد، هل نمت جيداً؟ أم أن الحماس منعك من النوم؟”
“نعم،” قال نورد وهو ينظر حوله بتقدير. “أشعر بأنها حية. تتنفس.”
“الحقيقة أن…” بدأ نورد لكن يونار قاطعته.
“عجوز؟” رفع فيرس حاجبه. “عمري أربعة وثلاثون يا بني. أنا في عز شبابي.”
كان يورس يقترب من بعيد، يمشي ببطء كما يفعل دائماً. كان في الخامسة والثلاثين، مقاتل نجمة واحدة متوسط، وشخصيته كانت الأكثر هدوءً بينهم. نادراً ما يتحدث، لكن عندما يتحدث، يكون حديثه محسوباً وذا معنى. أومأ للجميع برأسه ووقف إلى جانب العربة دون أن ينبس ببنت شفة.
“السرير انقلب به. والده فعلها مجدداً.”
كان يورس يقترب من بعيد، يمشي ببطء كما يفعل دائماً. كان في الخامسة والثلاثين، مقاتل نجمة واحدة متوسط، وشخصيته كانت الأكثر هدوءً بينهم. نادراً ما يتحدث، لكن عندما يتحدث، يكون حديثه محسوباً وذا معنى. أومأ للجميع برأسه ووقف إلى جانب العربة دون أن ينبس ببنت شفة.
شعر نورد بخيبة أمل صغيرة لكنه أومأ برأسه. كان يعلم أن والده محق.
ضحك أركو بصوت منخفض ومهذب. “فيرس، فيرس. متى ستتعلم أن هناك طرقاً ألطف لإيقاظ الناس؟”
أركو وفيرس تفحصا معاً رفات جندي قديم كان يرتدي درعاً يبدو أكثر قيمة من البقية.
“الطرق اللطيفة لا تصنع المغامرين،” أجاب فيرس وهو يشيح بوجهه.
“بعضها يغرد. سمعت عن وحوش تغرد لجذب الضحايا.”
كان يورس يقترب من بعيد، يمشي ببطء كما يفعل دائماً. كان في الخامسة والثلاثين، مقاتل نجمة واحدة متوسط، وشخصيته كانت الأكثر هدوءً بينهم. نادراً ما يتحدث، لكن عندما يتحدث، يكون حديثه محسوباً وذا معنى. أومأ للجميع برأسه ووقف إلى جانب العربة دون أن ينبس ببنت شفة.
ابتسم نورد رغماً عنه. كمغامر، كباحث كنوز. كان يحلم بهذا اليوم منذ أن كان في الخامسة، حين أخذ والده لأول مرة إلى مشارف بلدة أفير وأراه كيف يجمعون أسلحة الجنود القتلى من المعارك القديمة ويعيدون تكريرها وتحسينها وبيعها للحاكم. لم يكن عملاً نبيلاً بالمعنى الدقيق، لكنه كان صادقاً.
وأخيراً، جاء تومان. كان في السابعة عشرة، أكبر من نورد بسنة واحدة فقط، لكنه كان قد انضم للفرقة منذ عامين. نجمة واحدة منخفضة في القتال، لكنه كان سريعاً وذكياً، وشعره البني الفاتح دائماً منسدل على عينيه بطريقة تخفيه عما يفكر فيه حقاً.
تنفس نورد الصعداء وألقى بنفسه على السرير مجدداً، ثم قفز في وجه والده بقبضات غير حقيقية وصوته ممزوجاً بالغضب المازح: “أبي! من الذي يوقظ ابنه بقلب السرير عليه؟”
“نورد!” صرخ تومان من بعيد وهو يركض نحوه. “أخيراً! سأحظى برفيق في السن! لا مزيد من الاستماع إلى قصص ‘في زماننا’ من هؤلاء العجائز.”
“نعم،” قال نورد بصوت أجش لم يعرفه من قبل. “نعم، أنا بخير. فقط… فكرت أني رأيت شيئاً.”
“من تقصد بالعجائز؟” سأل فريد وهو يعقد ذراعيه الضخمتين.
“نعم،” قال نورد بصوت أجش لم يعرفه من قبل. “نعم، أنا بخير. فقط… فكرت أني رأيت شيئاً.”
“نورد!” صرخ تومان من بعيد وهو يركض نحوه. “أخيراً! سأحظى برفيق في السن! لا مزيد من الاستماع إلى قصص ‘في زماننا’ من هؤلاء العجائز.”
“ليس أنت طبعاً،” قال تومان بسرعة وهو يبتعد قليلاً. “أنت في عز شبابك مثل فيرس تماماً.”
ضحك الجميع مجدداً. وقف نورد يتأمل المجموعة. سبعة أشخاص، كلهم مستعدون لبدء اليوم، وكلهم قبلوه كواحد منهم. كان يشعر بامتنان غامر، وخوف خفيف، وإثارة لا توصف.
“ليست مسحورة،” قال. “لكنها مصنوعة من معدن نادر. يمكن أن تساوي الكثير في السوق.”
“حسناً،” قال فيرس وهو يصفق بيديه. “لنناقش خطة اليوم. سنتجه إلى الجزء الشمالي الغربي من غابة أفير. هناك تقارير عن وجود بقايا معركة قديمة تعود إلى حرب الممالك الثلاث. الكل يعرف التعليمات: البحث أولاً عن الأسلحة القابلة للتحسين والتكرير، ثم النباتات النادرة، ثم أي شيء آخر يلمع. لا تلمسوا أي شيء يبدو سحرياً قبل أن أراه أنا أو أركو. لا تنفردوا بمفردكم مهما حدث. ويونار، أرجوك هذه المرة لا تطلقي النار على أي شيء إلا إذا كان يهاجمنا مباشرة. تذكر ما حدث الشهر الماضي.”
أشارت القلادة بضوء خافت في ضوء الشمس المتسلل بين الأشجار، عاكسة ألواناً قوس قزح على يد فيرس. كان المشهد جميلاً بشكل غريب.
“كان طائراً ضخماً يا فيرس،” قالت يونار بعينين بريئتين. “كيف عرفت أنه ليس وحشاً؟”
نظر نورد إلى النافذة الصغيرة في غرفته. كان ضوء الفجر يتسلل بخجل عبر الزجاج المتسخ، يرسم خطوطاً ذهبية على أرضية الغرفة الخشبية. غرفته بسيطة: سرير حديدي صدئ قليلاً، منضدة خشبية مليئة بالرسومات القديمة للوحوش والأسلحة التي رسمها عندما كان طفلاً، وخزانة ملابس لا تحتوي إلا على قميصين جيدين وثلاثة سروايل.
“بعضها يغرد. سمعت عن وحوش تغرد لجذب الضحايا.”
“لأنه كان يغرد يا يونار. الوحوش لا تغرد.”
ابتسم تومان وربت على كتفه. “سيحدث هذا كثيراً. الغابة تحب خداع العيون. تعال، فيرس ينادينا للتجميع.”
“بعضها يغرد. سمعت عن وحوش تغرد لجذب الضحايا.”
“أنا طبيب الفرقة وليس وسيطاً بينكما،” تدخل أركو مازحاً. “لكن إن استمر جدالكما، سأحتاج إلى دواء للصداع قبل أن نبدأ.”
ضحك الجميع. كان فريد، عم نورد حقاً لكن ليس بالدم، يقف إلى جانب العربة وعضلاته الضخمة تبرز من تحت قميصه الجلدي الضيق. كان في السابعة والثلاثين، لكنه كان قوياً كأنه في الخامسة والعشرين. نجمة واحدة متقدمة في القتال تجعله أقوى فرد في الفرقة من ناحية القوة الغاشمة.
“هل تحب الغابة يا نورد؟” سأل تومان وهو يمشي إلى جانبه.
تحرك الجميع نحو العربة. بدأوا بتوزيع المعدات: فريد حمل الفؤوس الثقيلة، يورس حمل الحبال والأوتاد، تومان حمل الحقائب الفارغة للغنائم، وأركو حمل أدويته وعدداً من القوارير الزجاجية الصغيرة لجمع النباتات. نورد وقف محتاراً قليلاً.
“كان طائراً ضخماً يا فيرس،” قالت يونار بعينين بريئتين. “كيف عرفت أنه ليس وحشاً؟”
“مهمتك اليوم يا بني،” قال فيرس وهو يضع يده على كتف نورد، “هي الملاحظة والتعلم فقط. لا تحاول فعل أي شيء بطولي. فقط انظر، استمع، واحفظ. الدماغ هو أفضل أداة لباحث الآثار.”
“ولكني أستطيع…”
توجهت الفرقة نحو بقعة أخرى في الغابة تاركة وراءها ساحة المعركة القديمة. كان اليوم لا يزال طويلاً، والمغامرة قد بدأت للتو.
“أعرف أنك تستطيع،” قطعه فيرس بلطف. “لكن اليوم، فقط راقب.”
اقترب أكثر، ثم أكثر. الحجارة كانت متكدسة بطريقة تبدو عشوائية لكنها لم تكن كذلك. كان هناك نظام خفي في ترتيبها، كأن أحداً أراد إخفاء شيء ما.
شعر نورد بخيبة أمل صغيرة لكنه أومأ برأسه. كان يعلم أن والده محق.
انطلقت الفرقة ببطء، متجهين نحو شمال البلدة حيث تبدأ غابة أفير. كانت أشجار الغابة ضخمة، يصل ارتفاع بعضها إلى أربعين متراً، وجذوعها عريضة بحيث يحتاج خمسة رجال للتفاف حولها. الضوء كان خافتاً هناك، يتسلل بين الأوراق الكثيفة كأنه يختبئ من شيء ما.
ضحك الجميع مجدداً. وقف نورد يتأمل المجموعة. سبعة أشخاص، كلهم مستعدون لبدء اليوم، وكلهم قبلوه كواحد منهم. كان يشعر بامتنان غامر، وخوف خفيف، وإثارة لا توصف.
“هل تحب الغابة يا نورد؟” سأل تومان وهو يمشي إلى جانبه.
“نعم،” قال نورد وهو ينظر حوله بتقدير. “أشعر بأنها حية. تتنفس.”
اقترب أكثر، ثم أكثر. الحجارة كانت متكدسة بطريقة تبدو عشوائية لكنها لم تكن كذلك. كان هناك نظام خفي في ترتيبها، كأن أحداً أراد إخفاء شيء ما.
“إنها تتنفس فعلاً،” تدخلت يونار من الأمام. “وبعض الأشجار تتنفس بطريقة لا تحبذها. هناك شجرة في العمق تسمى ‘الخانقة’ تمتص الطاقة الحية من كل من يقترب منها. تجنبها إن رأيتها.”
تذكر نورد قصصاً سمعها عن تلك الشجرة عندما كان طفلاً. سأل والده عنها مرة، فأجابه فيرس بجدية: “إنها حقيقية يا بني. لكنك لن تواجهها إلا إن كنت غبياً بما يكفي لتغامر بمفردك.” لم يغامر نورد بمفرده في الغابة منذ ذلك الحين.
بعد ساعة من المشي، توقفت الفرقة عند منطقة واسعة تحوي بقايا معركة قديمة. أرض مليئة بالحجارة المتكسرة والعظام البيضاء التي تفتت تحت أقدامهم. رائحة الموت القديم كانت لا تزال عالقة في الهواء، ممزوجة برائحة التراب الرطب والنباتات المتسلقة التي تغطي كل شيء.
“هل أنت جاهز؟” سأل فيرس وهو يمسح فمه بكم قميصه.
“هنا،” قال فيرس بصوت هامس تقريباً. “انظروا حولكم بعناية. لكن لا تلمسوا أي شيء إلا بعد أن أقول لكم.”
بدأ الجميع بالانتشار. فريد رفع قطعة كبيرة من الحديد الصدئ، درع قديم ربما، وفحصه بعين خبيرة. يورس ركع على الأرض يجمع حبيبات صغيرة لامعة بين أصابعه، ربما بقايا جوهرة تحطمت. يونار وقفت على تل قريب تراقب المحيط كله من فوق، قناصتها جاهزة لأي خطر.
نظر نورد إلى النافذة الصغيرة في غرفته. كان ضوء الفجر يتسلل بخجل عبر الزجاج المتسخ، يرسم خطوطاً ذهبية على أرضية الغرفة الخشبية. غرفته بسيطة: سرير حديدي صدئ قليلاً، منضدة خشبية مليئة بالرسومات القديمة للوحوش والأسلحة التي رسمها عندما كان طفلاً، وخزانة ملابس لا تحتوي إلا على قميصين جيدين وثلاثة سروايل.
أركو وفيرس تفحصا معاً رفات جندي قديم كان يرتدي درعاً يبدو أكثر قيمة من البقية.
“انظر إلى هذا،” قال أركو وهو يشير إلى قلادة صغيرة على رقبة الجندي. “إنها تلمع بطريقة غريبة. هل تعتقد أنها مسحورة؟”
“السرير انقلب به. والده فعلها مجدداً.”
تردد فيرس قليلاً ثم مد يده بحذر وأخذ القلادة. فحصها من كل زاوية، وحاول الشعور بأي طاقة غريبة فيها. بعد لحظات من الصمت، تنفس الصعداء.
“لولا هذا الرجل العجوز،” قال نورد مشيراً إلى والده، “لكنت هنا منذ ساعة.”
“ليست مسحورة،” قال. “لكنها مصنوعة من معدن نادر. يمكن أن تساوي الكثير في السوق.”
توجهت الفرقة نحو بقعة أخرى في الغابة تاركة وراءها ساحة المعركة القديمة. كان اليوم لا يزال طويلاً، والمغامرة قد بدأت للتو.
أشارت القلادة بضوء خافت في ضوء الشمس المتسلل بين الأشجار، عاكسة ألواناً قوس قزح على يد فيرس. كان المشهد جميلاً بشكل غريب.
خرجوا من المنزل معاً. كان هواء الصباح بارداً ولطيفاً، يحمل معه رائحة التراب الرطب والنباتات البرية. كانت بلدة أفير تستيقظ أيضاً: امرأة تفتح نافذة غرفة نومها، طفل يركض خلف دجاجة هاربة، رجل عجوز ينظف بندقيته على عتبة منزله.
نورد وقف في منتصف ساحة المعركة القديمة، يدور حول نفسه ببطء محاولاً استيعاب كل التفاصيل. شعره الأسود القصير يتطاير قليلاً مع النسيم الخفيف، وعيناه الخضراوان تتسعان كلما رأى شيئاً جديداً. كان يشعر بأنه في حلم، أو ربما في بداية حلم طويل ومعقد.
فجأة، لاحظ شيئاً غريباً. في زاوية بعيدة من الميدان، تحت كومة من الحجارة والأوراق الجافة، كان هناك شيء يلمع بضوء أزرق خافت. نظر حوله ليتأكد من أن لا أحد يراقب، ثم تقدم ببطء نحو ذلك الشيء.
“وها أنا لا أزال على قيد الحياة،” أجاب فيرس بابتسامة. “أكثر مما يمكن أن يقوله نصف من عرفتهم.”
اقترب أكثر، ثم أكثر. الحجارة كانت متكدسة بطريقة تبدو عشوائية لكنها لم تكن كذلك. كان هناك نظام خفي في ترتيبها، كأن أحداً أراد إخفاء شيء ما.
“ولكني أستطيع…”
“هل تحب الغابة يا نورد؟” سأل تومان وهو يمشي إلى جانبه.
مد يده بحذر ورفع حجراً صغيراً. ثم آخر. ثم آخر.
“السرير انقلب به. والده فعلها مجدداً.”
توجهت الفرقة نحو بقعة أخرى في الغابة تاركة وراءها ساحة المعركة القديمة. كان اليوم لا يزال طويلاً، والمغامرة قد بدأت للتو.
تحت الحجارة، كان هناك صندوق خشبي صغير، لا يتجاوز حجم قبضة اليد. كان مغلقاً بإحكام، ومغطى بطبقة سميكة من الغبار والأوساخ. لكن ذلك الضوء الأزرق كان لا يزال يلمع من خلال شقوق الصندوق، خافتاً لكنه واضح.
توقف نورد. تذكر كلمات والده: “لا تلمسوا أي شيء يبدو سحرياً”. لكن هل كان هذا الصندوق سحرياً؟ أم مجرد قطعة أثرية عادية؟ الضوء الأزرق لم يكن ساطعاً بما يكفي ليبدو سحرياً فعلاً. ربما كان مجرد انعكاس للضوء على معدن غريب.
“نورد؟ هل أنت بخير؟” سمع صوت تومان من بعيد.
“أنا طبيب الفرقة وليس وسيطاً بينكما،” تدخل أركو مازحاً. “لكن إن استمر جدالكما، سأحتاج إلى دواء للصداع قبل أن نبدأ.”
نظر حوله مجدداً. الجميع كان منشغلاً بمهامهم: فريد يفحص درعاً قديماً، يونار تحدق في الأفق، فيرس وأركو يتجادلان حول قيمة القلادة. تومان كان يحاول رفع سيف صدئ من الأرض دون جدوى.
انقلب السرير على الأرض مع صوت خشبي مفاجئ كأنه طلقة نارية في هدوء الصباح. قفز نورد كاسيان من على فراشه كأنه لسعته عقرب، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، وقلبه يدق بعنف في صدره.
مد نورد يده نحو الصندوق.
مد يده بحذر ورفع حجراً صغيراً. ثم آخر. ثم آخر.
لمس غطاءه الخشبي.
نظر إلى والده الذي كان يبتسم له من بعيد، وهذا الوجه الحنون المتعب جعله يشعر بالخوف أكثر مما كان يشعر بالاطمئنان. ماذا سيحدث إن عرف فيرس؟ هل سيخاف منه؟ هل سيحاول إزالة هذا الشيء منه بطريقة قد تؤذيه؟
وفي تلك اللحظة، تحول كل شيء.
لم يكن الصندوق صندوقاً. كان شيئاً آخر تماماً. تحت لمسة نورد، تفكك الخشب إلى جزيئات صغيرة سائلة كالزئبق، وتدفقت نحو يده كأنها حية. صرخ نورد محاولاً إبعاد يده، لكن السائل اللزج كان أسرع. تسلل بين أصابعه، تحت أظافره، إلى داخله. شعر بوخز بارد في كل مكان وصل إليه ذلك السائل، ثم اختفى تماماً كما لو لم يكن موجوداً.
اقترب أكثر، ثم أكثر. الحجارة كانت متكدسة بطريقة تبدو عشوائية لكنها لم تكن كذلك. كان هناك نظام خفي في ترتيبها، كأن أحداً أراد إخفاء شيء ما.
وقف نورد مكانه مرتجفاً. نظر إلى يده. لم يكن هناك أي أثر. الصندوق اختفى. الحجارة عادت إلى مكانها كما لو لم يحركها أحد. اللحظات التي مضت بدت وكأنها لم تحدث.
“نورد؟ هل أنت بخير؟” سمع صوت تومان من بعيد.
“هل أنت جاهز؟” سأل فيرس وهو يمسح فمه بكم قميصه.
“نعم،” قال نورد بصوت أجش لم يعرفه من قبل. “نعم، أنا بخير. فقط… فكرت أني رأيت شيئاً.”
“من تقصد بالعجائز؟” سأل فريد وهو يعقد ذراعيه الضخمتين.
اقترب تومان منه ونظر إلى الأرض الخالية تحت قدمي نورد. “ماذا رأيت؟”
“لا شيء،” قال نورد بسرعة. “يبدو أنني أخطأت. مجرد وهم ضوء.”
ابتسم تومان وربت على كتفه. “سيحدث هذا كثيراً. الغابة تحب خداع العيون. تعال، فيرس ينادينا للتجميع.”
تحرك نورد خلف تومان بخطى ثقيلة. كان يشعر بشيء غريب في جسده، في ذهنه، في روحه. لم يكن يعرف ماذا حدث، لكنه كان يعرف شيئاً واحداً بكل تأكيد: لم يكن هذا وهماً. شيء ما دخل داخله، وكان عليه أن يخفي هذا الأمر عن الجميع. على الأقل في الوقت الحالي.
نورد وقف في منتصف ساحة المعركة القديمة، يدور حول نفسه ببطء محاولاً استيعاب كل التفاصيل. شعره الأسود القصير يتطاير قليلاً مع النسيم الخفيف، وعيناه الخضراوان تتسعان كلما رأى شيئاً جديداً. كان يشعر بأنه في حلم، أو ربما في بداية حلم طويل ومعقد.
نظر إلى والده الذي كان يبتسم له من بعيد، وهذا الوجه الحنون المتعب جعله يشعر بالخوف أكثر مما كان يشعر بالاطمئنان. ماذا سيحدث إن عرف فيرس؟ هل سيخاف منه؟ هل سيحاول إزالة هذا الشيء منه بطريقة قد تؤذيه؟
قرر نورد أن يصمت. فقط في الوقت الحالي. فقط حتى يفهم ما حدث له.
توجهت الفرقة نحو بقعة أخرى في الغابة تاركة وراءها ساحة المعركة القديمة. كان اليوم لا يزال طويلاً، والمغامرة قد بدأت للتو.
“الطرق اللطيفة لا تصنع المغامرين،” أجاب فيرس وهو يشيح بوجهه.
لكن بالنسبة لنورد، كانت مغامرة مختلفة تماماً عما تخيلها.
