نورد المرعوب
توجهت الفرقة نحو عمق الغابة بعد أن تركت وراءها ساحة المعركة القديمة. كان الطريق يزداد وعورة كلما تقدموا، والأشجار تزداد كثافة حتى كادت تحجب السماء بالكامل. الضوء الذي كان يتسلل بخجل تحول إلى ظلام دامس تقريباً، لكن عيون المغامرين تعودت على هذا المشهد منذ سنين.
نورد سار خلف الجميع بخطى ثقيلة. لم يكن التعب الجسدي هو ما يثقل قدميه، بل ذلك الشيء الذي تسلل إلى داخله قبل ساعات. ما زال يشعر بذلك الوخز البارد المنتشر في عروقه، كأن مادة غريبة تجري مع دمه. حاول أن يقنع نفسه بأنه مجرد وهم، أن قلقه هو ما يخلق هذا الإحساس، لكن جسده كان يعرف حقيقة مختلفة.
اقترب أركو ببطء، وعيناه تتسعان كلما اقترب. “يا للهول،” همس. “هذه… هذه ليست ممتازة. هذه معززة.”
سار نورد في مؤخرة المجموعة، خطواته ثقيلة وكتفاه منحنيان. خلال المعركة، وقف إلى جانب أركو يراقب فقط، كما أمره والده. لكنه لم يشاهد المعركة حقاً. كان ذهنه مشغولاً بشيء آخر: ذلك الإحساس البارد، ذلك الغريب الذي سكن جسده.
“أأنت بخير يا نورد؟” سأل تومان وهو يخفض صوته لئلا يسمع الآخرون.
ابتسم الجميع. حتى يورس، ذلك الرجل قليل الكلام، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة. تومان كان يضحك بصوت مرتفع كعادته.
“نعم،” قال نورد بسرعة أكبر من اللازم. “مجرد إعياء. لم أعتد على المشي لساعات في الغابة مثلكم.”
ابتسم تومان. “ستعتاد. في أول أسبوع لي مع الفرقة، كنت أنام اثنتي عشرة ساعة كل يوم. كانت أركو تهدد بأن يفحصني بحثاً عن أمراض خفية.”
توجهت الفرقة نحو عمق الغابة بعد أن تركت وراءها ساحة المعركة القديمة. كان الطريق يزداد وعورة كلما تقدموا، والأشجار تزداد كثافة حتى كادت تحجب السماء بالكامل. الضوء الذي كان يتسلل بخجل تحول إلى ظلام دامس تقريباً، لكن عيون المغامرين تعودت على هذا المشهد منذ سنين.
“لا تدعوها تفلت،” صاح فيرس وهو يندفع نحوها بسيفه. لكن السحلية كانت أسرع. غطست في الماء واختفت تحت سطحه، تاركة وراءها أثراً من الدم الداكن يذوب في التيار.
ضحك نورد مجاملة، لكن ضحكته كانت جوفاء. عيناه الخضراوان كانتا تبحثان عن شيء لا يراه غيره، أو ربما تخافان من رؤيته.
تذكر لحظة لمسه الصندوق. كيف تفكك الخشب إلى سائل، كيف تسلل تحت أظافره، ذلك الوخز البارد.
“لماذا دون رتبة؟” سأل نورد وهو يحاول إلهاء نفسه عن ذلك الإحساس البارد في عروقه.
وصلوا إلى منطقة منخفضة بين تلال صغيرة، حيث كانت الأرض رطبة والنباتات تختلف عما سبقها. هنا، لم تكن الأشجار هي المسيطرة، بل شجيرات خضراء داكنة تنمو بكثافة على جوانب جدول مائي ضحل.
“بكيت،” قال فريد من الأمام. “رأيت الدموع بعيني.”
“هنا،” قال فيرس وهو يشير بيده. “هذه المنطقة لم يُنهبها أحد منذ أشهر. انشروا وابحثوا بعناية. يونار، أنتِ على التلة الشرقية تراقبين المحيط. فريد، أنت مع تومان في الجهة الغربية. يورس، ابق معي نحن الثلاثة سنبحث في الوسط.”
شريحة V9. شريحة ذكاء اصطناعي. صناعة مختبرات فورسوا.
نظر إلى نورد وأركو. “أنتما معاً. لا تبتعدا كثيراً.”
أغمض عينيه وحاول أن يرتاح. ربما كان حلماً. ربما استيقظ غداً ليجد كل شيء على ما يرام.
أومأ الجميع وبدأوا بالانتشار.
أركو الذي كان خلفهم سمع الكلام، فاقترب وضرب نورد على ظهره بيده الخفيفة. “هذه هي البداية أيها الشاب. لا تقلق، ستعود. كلنا مررنا بهذا الشعور في أول مغامرة. حتى فيرس نفسه، أتذكر يا فيرس حين بكيت في أول مرة؟”
كانت الأرض تحت أقدام نورد رطبة ولزجة قليلاً. كل خطوة تترك أثراً واضحاً، وكل صوت يشبه طقطقة عظام جافة تحت وطأة الأحذية الجلدية. أركو كان يمشي إلى جانبه بهدوء، عيناه الحادتان تمسحان الأرض والنباتات كأنه يقرأ كتاباً مفتوحاً.
توقف قلبه للحظة. من كان يتحدث؟ من كان في الغرفة معه؟
“هنا،” قال أركو فجأة وهو يركع على ركبتيه. أمامه كانت تنمو مجموعة من نباتات ذات أوراق عريضة خضراء مزرقة، تتوسطها أزهار صغيرة بيضاء كالثلج. “هذه ممتازة. عشبة ندى الجبل. لا تحمل رتبة، لكنها مفيدة جداً لمن هم دون نجمتين. تعزز الفكر لمدة نصف ساعة إذا مضغت ورقاتها.”
ابتسم أركو وهو يتجه نحوها. “هذه ممتازة أيضاً. عشبة الجندي الصامد. تمضغ جذورها فتزيد التحمل الجسدي، وتساعد على تحمل الألم. جنود الخطوط الأمامية كانوا يستخدمونها قديماً قبل المعارك، ومن هنا جاء اسمها.”
رفع نورد رأسه ليجد يونار تمشي إلى جانبه، بندقيتها على كتفها وشعرها الأحمر الطويل يلمع تحت أشعة الشمس الذهبية للغروب.
مد يده بحذر وبدأ يقطف الأوراق بحركات دقيقة، كما لو كان يفك لغزاً. نورد راقبه ثم تطلع حوله. على بعد خطوات، رأى مجموعة من نباتات مختلفة: سيقانها حمراء وأوراقها على شكل أسنان المنشار.
الصوت جاء من داخل رأسه. مباشرة.
“وما هذه؟” سأل مشيراً نحوها.
وفجأة، قطع صوت هدير منخفض صخب الفرقة.
ابتسم أركو وهو يتجه نحوها. “هذه ممتازة أيضاً. عشبة الجندي الصامد. تمضغ جذورها فتزيد التحمل الجسدي، وتساعد على تحمل الألم. جنود الخطوط الأمامية كانوا يستخدمونها قديماً قبل المعارك، ومن هنا جاء اسمها.”
جمع أركو حفنة من الجذور ووضعها في كيس من القماش. عيناه كانتا تلمعان كطفل وجد كنزاً. “اليوم يوم مبارك يا نورد. هذا النوع من الأعشاب النوع الممتاز دون رتبة أصبح نادراً في الآونة الأخيرة. الناس لا يعرفون قيمتها الحقيقية.”
“لم أبكِ أبداً،” قال فيرس بغضب مصطنع.
“لماذا دون رتبة؟” سأل نورد وهو يحاول إلهاء نفسه عن ذلك الإحساس البارد في عروقه.
نظر الجميع إلى النهر. كان الدم ما زال يختلط بالماء، لكن على الضفة المقابلة، ترك الوحش شيئاً ثميناً: نواته.
انفجر الماء فجأة وخرج منه وحش ضخم. كان سحلية نهرية، طولها يتجاوز الأربعة أمتار، جلدها أخضر داكن مغطى بقشور خشنة تشبه لحاء الأشجار القديمة. عيناها صفراوان عموديتان، وذيلها الطويل يضرب الماء بعنف محدثاً صوتاً كالرعد.
“لأن تأثيرها محدود على من تجاوز النجمتين،” شرح أركو. “لكن بالنسبة لنا، نحن الفرقة، هذه الأعشاب ثمينة. نستطيع تكريرها إلى إكسيرات طبية في المكرر الذي نملكه. الإكسير الناتج يكون أقوى بعشر مرات من مضغ العشب الخام.”
سمعا صوت صفير من بعيد. نظر نورد فرأى فريد ويورس وتومان وهم يقفون حول شيء ما على الأرض.
“أركو،” نادى نورد بصوت هامس. “انظر إلى هذه.”
“صحيح،” قال فيرس وهو يرفع الدرع الأكبر بصعوبة. “سنأخذه كله. الوزن ثقيل لكن القيمة أكبر.”
توجهوا نحوهم. كان هناك سيفان قديمان موضوعان على الأرض، مغطيان بالطحلب والأوساخ. بجانبهما درعان صدئان، أحدهما أكبر من الآخر، وكلاهما يحملان نقوشاً بالية لا تكاد تُقرأ.
وفجأة، سمع صوتاً.
جلس على حافة السرير مجدداً، ورأسه بين يديه، يتنفس بصعوبة. الشريحة. مختبرات فورسوا. تلك المادة السائلة التي دخلت جسده كانت شريحة؟ شريحة ذكاء اصطناعي؟
“لم نلمسهما بعد،” قال فريد وهو ينظر إلى فيرس. “انتظرناك.”
قفز نورد من السرير ودار حول نفسه بعينين مرعوبتين. الغرفة كانت فارغة. لا أحد. الباب مغلق. النافذة مغلقة.
لم يأت الصوت من خارج الغرفة. لم يأت من النافذة المفتوحة. لم يأت من عند الباب.
ركع فيرس بجانب السيفين وفحصهما بعناية. قلب الأول بين يديه، ثم الثاني. مسح جزءاً من الصدأ بإبهامه ليكشف عن معدن لامع تحته.
“نعم،” قال نورد بسرعة أكبر من اللازم. “مجرد إعياء. لم أعتد على المشي لساعات في الغابة مثلكم.”
“ليسا مسحورين،” قال بعد لحظات. “لكن المعدن جيد. يمكن تكريره وتحسينه إلى سيفين صالحين للاستخدام. خذوهما.”
ثم انتقل إلى الدروع. كانت أثقل وأكبر، لكنها بحالة أسوأ. جزء من الدرع الأصغر كان مثقوباً، وكأن سيفاً اخترقه يوماً ما. والدرع الأكبر كان منبعجاً بشدة من جهة الصدر.
نظرت إليه يونار للحظة أطول، ثم انفرج وجهها إلى ابتسامة. “إذاً أنت في عز العافية. ووالدك في عز الشباب. هههههههه.”
“هذا لا يصلح درعاً،” قال يورس فجأة، وكانت هذه أول كلمات ينطق بها منذ ساعات. “لكن المعدن نفسه يمكن استخدامه لصناعة شيء آخر.”
لم يأت الصوت من خارج الغرفة. لم يأت من النافذة المفتوحة. لم يأت من عند الباب.
“ابتعدوا،” سمع الجميع صوت يونار من التلة الشرقية.
“صحيح،” قال فيرس وهو يرفع الدرع الأكبر بصعوبة. “سنأخذه كله. الوزن ثقيل لكن القيمة أكبر.”
بينما كان الجميع منشغلين بتجميع الغنائم، لاحظ نورد شيئاً على بعد أمتار قليلة. نبتة واحدة كانت تنمو بمفردها في وسط مساحة خالية من العشب. ساقها أسود كالفحم وأوراقها ذهبية اللون، تشبه النار المجمدة.
“أركو،” نادى نورد بصوت هامس. “انظر إلى هذه.”
نظر يونار من على تلتها ورفعت حاجبها بغطرسة مازحة. “قناصة محترفة يا فيرس. هذا هو الفرق.”
اقترب أركو ببطء، وعيناه تتسعان كلما اقترب. “يا للهول،” همس. “هذه… هذه ليست ممتازة. هذه معززة.”
كانت السحلية سريعة على غير المتوقع. انقضت نحو تومان أولاً، ربما لأنه كان الأصغر حجماً، أو ربما لأن صوت صراخه جذبها. لكن تومان كان أسرع. تراجع بخطوة سريعة إلى الخلف، ثم التف حول جذع شجرة قريبة، مخلياً الطريق لفريد.
“ماذا يعني؟”
كانت تقف هناك، بندقيتها السحرية مثبتة على كتفها، عينها نصف مغمضة تهدف بدقة. أطلقت النار.
“يعني أن فوائدها تعمل على من هم في النجمتين أيضاً. إنها نادرة جداً. لا أحد يعلم مصدرها الحقيقي، وكيف تنمو. بعضهم يقول إنها تنبت فقط حيث سقطت قطرات دم من كائنات قوية في الماضي.”
المهام: التحليل، التخزين، الترتيب، قياس الحالة الذهنية.
“السماء كانت صافية.”
حرك أركو يديه حول النبتة دون أن يلمسها، كأنه يختبرها من بعيد. بعد لحظات، أخرج سكيناً صغيراً من حقيبته وقطع الساق برفق من قاعدتها، ثم وضع النبتة كلها في قارورة زجاجية محكمة الإغلاق.
كان هذا جنوناً. لم يسمع عن شيء كهذا في أي من قصص والده عن الكنوز القديمة. لم يسمع عن مختبرات فورسوا. لم يسمع عن شريحة تعيش داخل جسد إنسان وتتحدث إليه من داخل رأسه.
“هذه وحدها تساوي كل ما جمعناه اليوم،” قال وهو يبتسم ابتسامة عريضة. “ربما أكثر.”
انفجر الماء فجأة وخرج منه وحش ضخم. كان سحلية نهرية، طولها يتجاوز الأربعة أمتار، جلدها أخضر داكن مغطى بقشور خشنة تشبه لحاء الأشجار القديمة. عيناها صفراوان عموديتان، وذيلها الطويل يضرب الماء بعنف محدثاً صوتاً كالرعد.
عادت الفرقة للتجمع، وكانت الغنائم تتراكم في العربة الخشبية: سيفان قديمان، درعان صدئان، وأكياس مليئة بالأعشاب الممتازة والمعززة. الجميع كان في حالة معنوية مرتفعة، يتحدثون ويضحكون عما سيفعلونه بحصتهم من المال.
لكن نورد كان صامتاً. وقف على طرف المجموعة، يداه في جيوبه، وعيناه زائغتان نحو الغابة العميقة. ذلك الإحساس البارد لم يختفِ، بل ازداد. لم يكن ألماً، بل كان شيئاً آخر، كأن جسده يتحسس وجود غريب داخله.
نظر إلى نورد وأركو. “أنتما معاً. لا تبتعدا كثيراً.”
“أأنت بخير يا نورد؟” سأل تومان وهو يخفض صوته لئلا يسمع الآخرون.
وفجأة، قطع صوت هدير منخفض صخب الفرقة.
ضحك نورد مجاملة، لكن ضحكته كانت جوفاء. عيناه الخضراوان كانتا تبحثان عن شيء لا يراه غيره، أو ربما تخافان من رؤيته.
الجميع تجمد. حتى الطيور توقفت عن التغريد.
تفرقت الفرقة كل إلى منزله. فريد ذهب ليغسل جروحه، ويونار لتخزين بندقيتها، وأركو إلى معمله الصغير ليفرز الأعشاب. تومان ركض خلف أصدقائه للعب قبل أن يحل الظلام.
“ماذا كان هذا؟” سأل تومان بصوت مرتجف.
“ما بك؟ حزين أيها الصبي؟”
لم يجب أحد. لكن الهدير تكرر، هذه المرة أقرب، وأكثر وضوحاً. كان قادماً من النهر الصغير الذي كانوا إلى جانبه.
تحرك الجميع ببطء إلى الخلف، عيونهم مثبتة على سطح الماء. لم يكن هناك ما يرونه في البداية، ثم بدأت تموجات صغيرة تتشكل على سطح النهر، ثم فقاعات، ثم…
“ليسا مسحورين،” قال بعد لحظات. “لكن المعدن جيد. يمكن تكريره وتحسينه إلى سيفين صالحين للاستخدام. خذوهما.”
انفجر الماء فجأة وخرج منه وحش ضخم. كان سحلية نهرية، طولها يتجاوز الأربعة أمتار، جلدها أخضر داكن مغطى بقشور خشنة تشبه لحاء الأشجار القديمة. عيناها صفراوان عموديتان، وذيلها الطويل يضرب الماء بعنف محدثاً صوتاً كالرعد.
كان هذا جنوناً. لم يسمع عن شيء كهذا في أي من قصص والده عن الكنوز القديمة. لم يسمع عن مختبرات فورسوا. لم يسمع عن شريحة تعيش داخل جسد إنسان وتتحدث إليه من داخل رأسه.
“ما بك؟ حزين أيها الصبي؟”
“سحلية نهرية،” قال فيرس بصوت هادئ مخادع. “رتبة نجمة واحدة متوسطة. ليست قاتلة لكنها خطيرة.”
ثم انتقل إلى الدروع. كانت أثقل وأكبر، لكنها بحالة أسوأ. جزء من الدرع الأصغر كان مثقوباً، وكأن سيفاً اخترقه يوماً ما. والدرع الأكبر كان منبعجاً بشدة من جهة الصدر.
“ليست قاتلة؟” صرخ تومان. “انظر إلى حجمها!”
“أصمت وتحرك،” قال فريد وهو يتقدم إلى الأمام، فؤوسه الضخمة في يديه.
جلس على حافة السرير مجدداً، ورأسه بين يديه، يتنفس بصعوبة. الشريحة. مختبرات فورسوا. تلك المادة السائلة التي دخلت جسده كانت شريحة؟ شريحة ذكاء اصطناعي؟
بدأت المعركة.
كانت السحلية سريعة على غير المتوقع. انقضت نحو تومان أولاً، ربما لأنه كان الأصغر حجماً، أو ربما لأن صوت صراخه جذبها. لكن تومان كان أسرع. تراجع بخطوة سريعة إلى الخلف، ثم التف حول جذع شجرة قريبة، مخلياً الطريق لفريد.
ثم انتقل إلى الدروع. كانت أثقل وأكبر، لكنها بحالة أسوأ. جزء من الدرع الأصغر كان مثقوباً، وكأن سيفاً اخترقه يوماً ما. والدرع الأكبر كان منبعجاً بشدة من جهة الصدر.
وفريد لم يضيع الفرصة. أرجح فأسه الأيمن بقوة وضرب جانب السحلية. لم تخترق الفأس قشورها بالكامل، لكن الضربة كانت قوية بما يكفي لإبعادها وتشتيت انتباهها.
الوحش زمجر بألم وغضب، وذيله التف حوله كالسوط، لكن فريد كان قد تراجع بالفعل إلى مسافة آمنة.
“هذا لا يصلح درعاً،” قال يورس فجأة، وكانت هذه أول كلمات ينطق بها منذ ساعات. “لكن المعدن نفسه يمكن استخدامه لصناعة شيء آخر.”
“يورس، الآن!” صرخ فيرس.
يورس كان ينتظر هذه اللحظة. اندفع من جهة اليسار، سيفه القصير مسلول، وطعن السحلية في عنقها حيث القشور أقل كثافة. نزف الدم الأسود على الأرض وابتلته التربة بشراهة.
“تلك كانت أمطار.”
السحلية تحركت بعنف، وأطلقت ذيلها نحو يورس الذي لم يستطع تفادي الضربة بالكامل. اصطدم الذيل بكتفه الأيمن وألقاه أرضاً، لكنه نهض سريعاً مبتعداً عن مرمى الخطر.
ضحكت بصوتها الخشن، وفريد الذي كان يمشي أمامهم سمع الضحك وأدار رأسه. “ماذا قالوا عن فيرس هذه المرة؟”
“ابتعدوا،” سمع الجميع صوت يونار من التلة الشرقية.
كانت تقف هناك، بندقيتها السحرية مثبتة على كتفها، عينها نصف مغمضة تهدف بدقة. أطلقت النار.
“السماء كانت صافية.”
سهم سحري أزرق أسرع من البصر اخترق الهواء وأصاب بطن السحلية. لم تكن الضربة قاتلة، لكنها كانت دقيقة جداً. السهم اخترق نقطة ضعف في القشور حيث كانت المعدة مكشوفة قليلاً، وبدأ الدم يتدفق بغزارة.
تذكر لحظة لمسه الصندوق. كيف تفكك الخشب إلى سائل، كيف تسلل تحت أظافره، ذلك الوخز البارد.
لكن شيئاً بداخله كان قد تغير إلى الأبد.
السحلية صرخت صرخة مدوية جعلت أوراق الأشجار ترتجف. تمايلت على جنبها، ثم بدأت تتراجع نحو النهر محاولة الهرب.
ابتسم الجميع. حتى يورس، ذلك الرجل قليل الكلام، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة. تومان كان يضحك بصوت مرتفع كعادته.
“لا تدعوها تفلت،” صاح فيرس وهو يندفع نحوها بسيفه. لكن السحلية كانت أسرع. غطست في الماء واختفت تحت سطحه، تاركة وراءها أثراً من الدم الداكن يذوب في التيار.
وقف الجميع يلهثون. كانت المعركة قصيرة لكنها استنزفت طاقتهم.
فيرس نفسه سمع الحديث وتقدم نحو نورد. “ما به ابني؟”
“هل أصيب أحد؟” سأل أركو وهو يتقدم نحوهم بحقيبته الطبية.
“كتفي،” قال يورس بهدوء وهو يلمس مكان الإصابة. “ليست خطيرة.”
“سأفحصها عندما نعود. الآن، لنتفقد ما تركته السحلية.”
نظر الجميع إلى النهر. كان الدم ما زال يختلط بالماء، لكن على الضفة المقابلة، ترك الوحش شيئاً ثميناً: نواته.
كان خائفاً. لم يسبق له أن شعر بهذا الخوف من قبل. خوف ليس من عدو يراه، بل من شيء داخله لا يفهمه.
كانت النواة كرة صغيرة بحجم قبضة اليد، لونها أخضر داكن يلمع بضوء خافت من الداخل. هذه النواة هي مصدر قوة الوحش، وهي ثمينة جداً في السوق. يمكن استخدامها في تحسين الأسلحة، أو تكريرها إلى إكسيرات نادرة، أو بيعها بثمن باهظ.
“نحن محظوظون،” قال فيرس وهو يلوح بيده لتومان ليجمع النواة. “سحلية نهرية تموت خارج الماء بهذه السرعة؟ لقد كان يمكن أن تقاتل أطول لو لم تصب يونار بطنها.”
كان خائفاً. لم يسبق له أن شعر بهذا الخوف من قبل. خوف ليس من عدو يراه، بل من شيء داخله لا يفهمه.
نظر يونار من على تلتها ورفعت حاجبها بغطرسة مازحة. “قناصة محترفة يا فيرس. هذا هو الفرق.”
كان هذا جنوناً. لم يسمع عن شيء كهذا في أي من قصص والده عن الكنوز القديمة. لم يسمع عن مختبرات فورسوا. لم يسمع عن شريحة تعيش داخل جسد إنسان وتتحدث إليه من داخل رأسه.
ضحك الجميع مجدداً، واستمرت الفرقة في سيرها نحو البلدة.
مع غروب الشمس، بدأت الفرقة رحلة العودة إلى بلدة أفير. العربة كانت محملة بالغنائم: السيفان القديمان، الدروع الصدئة، أكياس الأعشاب، نواة السحلية، وحتى جثة السحلية نفسها التي خرجوا لاسترجاعها من النهر بعد أن تأكدوا من موتها. كان اللحم يصلح للأكل، والجلد يصلح لصناعة دروع خفيفة.
ركع فيرس بجانب السيفين وفحصهما بعناية. قلب الأول بين يديه، ثم الثاني. مسح جزءاً من الصدأ بإبهامه ليكشف عن معدن لامع تحته.
الجميع كانوا يتحدثون بحماس عن المعركة، يعيدون تمثيل اللحظات الحاسمة، يضحكون على أخطائهم الصغيرة.
أغمض عينيه وحاول أن يرتاح. ربما كان حلماً. ربما استيقظ غداً ليجد كل شيء على ما يرام.
إلا نورد.
أركو الذي كان خلفهم سمع الكلام، فاقترب وضرب نورد على ظهره بيده الخفيفة. “هذه هي البداية أيها الشاب. لا تقلق، ستعود. كلنا مررنا بهذا الشعور في أول مغامرة. حتى فيرس نفسه، أتذكر يا فيرس حين بكيت في أول مرة؟”
سار نورد في مؤخرة المجموعة، خطواته ثقيلة وكتفاه منحنيان. خلال المعركة، وقف إلى جانب أركو يراقب فقط، كما أمره والده. لكنه لم يشاهد المعركة حقاً. كان ذهنه مشغولاً بشيء آخر: ذلك الإحساس البارد، ذلك الغريب الذي سكن جسده.
وماذا لو تفاقم الأمر؟ ماذا لو انتشر في جسده كالسم؟ ماذا لو قتله؟
وقف الجميع يلهثون. كانت المعركة قصيرة لكنها استنزفت طاقتهم.
كان خائفاً. لم يسبق له أن شعر بهذا الخوف من قبل. خوف ليس من عدو يراه، بل من شيء داخله لا يفهمه.
“ما بك؟ حزين أيها الصبي؟”
“سأفحصها عندما نعود. الآن، لنتفقد ما تركته السحلية.”
رفع نورد رأسه ليجد يونار تمشي إلى جانبه، بندقيتها على كتفها وشعرها الأحمر الطويل يلمع تحت أشعة الشمس الذهبية للغروب.
وصلوا إلى أفير مع وقت غروب الشمس. كانت السماء تتلون بالأحمر والبرتقالي، والناس في البلدة كانوا يعودون إلى منازلهم بعد يوم عمل طويل. الأطفال كانوا يلعبون في الساحة الرئيسية، ورائحة الخبز الطازج تفوح من المخبز الصغير قرب النافورة.
تردد للحظة، ثم قال بصوت حاول أن يجعله عادياً: “لا، لا شيء يا عمتي يونار. أشعر فقط بالإعياء.”
توقف يونار عن المشي ونظر إليه بعينيها الزرقاوين الثاقبتين. كانت نادراً ما تكون جادة، لكنها الآن كانت كذلك. “هل لمست نبتة غريبة؟ بعض الأعشاب تسبب تعباً غريباً إذا لمستها بالخطأ.”
“لا، لا، حقاً لم ألمس شيئاً،” قال نورد بسرعة، وربما بسرعة أكبر من اللازم. “التزمت بما قلتموه لي. كل شيء على ما يرام.”
ابتسم تومان. “ستعتاد. في أول أسبوع لي مع الفرقة، كنت أنام اثنتي عشرة ساعة كل يوم. كانت أركو تهدد بأن يفحصني بحثاً عن أمراض خفية.”
نظرت إليه يونار للحظة أطول، ثم انفرج وجهها إلى ابتسامة. “إذاً أنت في عز العافية. ووالدك في عز الشباب. هههههههه.”
سمعا صوت صفير من بعيد. نظر نورد فرأى فريد ويورس وتومان وهم يقفون حول شيء ما على الأرض.
ضحكت بصوتها الخشن، وفريد الذي كان يمشي أمامهم سمع الضحك وأدار رأسه. “ماذا قالوا عن فيرس هذه المرة؟”
تفرقت الفرقة كل إلى منزله. فريد ذهب ليغسل جروحه، ويونار لتخزين بندقيتها، وأركو إلى معمله الصغير ليفرز الأعشاب. تومان ركض خلف أصدقائه للعب قبل أن يحل الظلام.
تم تجهيز البيانات. المكان: مجهول. المالك: مجهول. البيانات: مجهولة. يرجى قراءة بضع كتب أو تصفح الإنترنت لفهم الحالة.
“أنه في عز شبابه،” قالت يونار وهي لا تزال تضحك.
“توتر أول مغامرة،” قال نورد قبل أن يسأله والده أي شيء. “فقط توتر.”
“لماذا دون رتبة؟” سأل نورد وهو يحاول إلهاء نفسه عن ذلك الإحساس البارد في عروقه.
فريد ضحك أيضاً، وصوته العميق اهتز في أرجاء الغابة. “عز الشباب الذي لا ينام قبل منتصف الليل ويستيقظ بعد الظهر. هذا ليس عز شباب، هذا مرض.”
ضحكت بصوتها الخشن، وفريد الذي كان يمشي أمامهم سمع الضحك وأدار رأسه. “ماذا قالوا عن فيرس هذه المرة؟”
ديينغ.
ابتسم الجميع. حتى يورس، ذلك الرجل قليل الكلام، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة. تومان كان يضحك بصوت مرتفع كعادته.
سمعا صوت صفير من بعيد. نظر نورد فرأى فريد ويورس وتومان وهم يقفون حول شيء ما على الأرض.
فيرس نفسه سمع الحديث وتقدم نحو نورد. “ما به ابني؟”
وماذا لو تفاقم الأمر؟ ماذا لو انتشر في جسده كالسم؟ ماذا لو قتله؟
“يقول إنه يشعر بتعب،” قالت يونار. “لكنني أعتقد أنها مجرد بداية الطريق.”
“يقول إنه يشعر بتعب،” قالت يونار. “لكنني أعتقد أنها مجرد بداية الطريق.”
نظر فيرس إلى نورد، وعيناه البنيتان الدافئتان فحصتا وجهه. كان نورد يعرف أن والده يستطيع قراءة مشاعره أحياناً أفضل منه، لكن هذه المرة، كان مصمماً على إخفاء ما يجري.
“توتر أول مغامرة،” قال نورد قبل أن يسأله والده أي شيء. “فقط توتر.”
أركو الذي كان خلفهم سمع الكلام، فاقترب وضرب نورد على ظهره بيده الخفيفة. “هذه هي البداية أيها الشاب. لا تقلق، ستعود. كلنا مررنا بهذا الشعور في أول مغامرة. حتى فيرس نفسه، أتذكر يا فيرس حين بكيت في أول مرة؟”
“لم أبكِ أبداً،” قال فيرس بغضب مصطنع.
“بكيت،” قال فريد من الأمام. “رأيت الدموع بعيني.”
كانت النواة كرة صغيرة بحجم قبضة اليد، لونها أخضر داكن يلمع بضوء خافت من الداخل. هذه النواة هي مصدر قوة الوحش، وهي ثمينة جداً في السوق. يمكن استخدامها في تحسين الأسلحة، أو تكريرها إلى إكسيرات نادرة، أو بيعها بثمن باهظ.
لكن هذه المرة، لم يأت جواب.
“تلك كانت أمطار.”
“السماء كانت صافية.”
ضحك الجميع مجدداً، واستمرت الفرقة في سيرها نحو البلدة.
أغمض عينيه وحاول أن يرتاح. ربما كان حلماً. ربما استيقظ غداً ليجد كل شيء على ما يرام.
وصلوا إلى أفير مع وقت غروب الشمس. كانت السماء تتلون بالأحمر والبرتقالي، والناس في البلدة كانوا يعودون إلى منازلهم بعد يوم عمل طويل. الأطفال كانوا يلعبون في الساحة الرئيسية، ورائحة الخبز الطازج تفوح من المخبز الصغير قرب النافورة.
ابتسم تومان. “ستعتاد. في أول أسبوع لي مع الفرقة، كنت أنام اثنتي عشرة ساعة كل يوم. كانت أركو تهدد بأن يفحصني بحثاً عن أمراض خفية.”
تفرقت الفرقة كل إلى منزله. فريد ذهب ليغسل جروحه، ويونار لتخزين بندقيتها، وأركو إلى معمله الصغير ليفرز الأعشاب. تومان ركض خلف أصدقائه للعب قبل أن يحل الظلام.
“تلك كانت أمطار.”
“أأنت بخير يا نورد؟” سأل تومان وهو يخفض صوته لئلا يسمع الآخرون.
نورد عاد إلى منزله الصغير مع والده. لم يتحدثا كثيراً. فيرس كان منهكاً من يوم طويل ونورد كان يريد فقط أن يكون بمفرده.
دخل غرفته وألقى بنفسه على السرير.
نظر إلى نورد وأركو. “أنتما معاً. لا تبتعدا كثيراً.”
“كتفي،” قال يورس بهدوء وهو يلمس مكان الإصابة. “ليست خطيرة.”
في هذا الوقت من كل يوم، كان نورد يخرج ليلعب مع أصدقائه الشباب. كانوا يجلسون على جسر النهر القديم، يتحدثون عن الفتيات والأحلام والمستقبل. لكن الليلة، لم يستطع.
“ما بك؟ حزين أيها الصبي؟”
“ماذا تريدين مني؟” سأل بصوت خافت، عارفاً أن لا أحد سيسمعه.
جلس على سريره وحيداً، ينظر إلى يديه. كانت يدا عاديتين، يدا صبي في السادسة عشرة. لكن شيئاً ما بداخلهما كان مختلفاً الآن.
“توتر أول مغامرة،” قال نورد قبل أن يسأله والده أي شيء. “فقط توتر.”
تذكر لحظة لمسه الصندوق. كيف تفكك الخشب إلى سائل، كيف تسلل تحت أظافره، ذلك الوخز البارد.
لكن هذه المرة، لم يأت جواب.
أغمض عينيه وحاول أن يرتاح. ربما كان حلماً. ربما استيقظ غداً ليجد كل شيء على ما يرام.
وصلوا إلى منطقة منخفضة بين تلال صغيرة، حيث كانت الأرض رطبة والنباتات تختلف عما سبقها. هنا، لم تكن الأشجار هي المسيطرة، بل شجيرات خضراء داكنة تنمو بكثافة على جوانب جدول مائي ضحل.
سهم سحري أزرق أسرع من البصر اخترق الهواء وأصاب بطن السحلية. لم تكن الضربة قاتلة، لكنها كانت دقيقة جداً. السهم اخترق نقطة ضعف في القشور حيث كانت المعدة مكشوفة قليلاً، وبدأ الدم يتدفق بغزارة.
وفجأة، سمع صوتاً.
“ابتعدوا،” سمع الجميع صوت يونار من التلة الشرقية.
“أنه في عز شبابه،” قالت يونار وهي لا تزال تضحك.
لم يأت الصوت من خارج الغرفة. لم يأت من النافذة المفتوحة. لم يأت من عند الباب.
“نحن محظوظون،” قال فيرس وهو يلوح بيده لتومان ليجمع النواة. “سحلية نهرية تموت خارج الماء بهذه السرعة؟ لقد كان يمكن أن تقاتل أطول لو لم تصب يونار بطنها.”
الصوت جاء من داخل رأسه. مباشرة.
لكن هذه المرة، لم يأت جواب.
تردد للحظة، ثم قال بصوت حاول أن يجعله عادياً: “لا، لا شيء يا عمتي يونار. أشعر فقط بالإعياء.”
لم يكن كصوت بشري، بل كان أكثر وضوحاً، أكثر نقاءً، كأنه يقرأ كلمات مطبوعة بحبر واضح على صفحة بيضاء في ذهنه.
كانت الأرض تحت أقدام نورد رطبة ولزجة قليلاً. كل خطوة تترك أثراً واضحاً، وكل صوت يشبه طقطقة عظام جافة تحت وطأة الأحذية الجلدية. أركو كان يمشي إلى جانبه بهدوء، عيناه الحادتان تمسحان الأرض والنباتات كأنه يقرأ كتاباً مفتوحاً.
وفجأة، قطع صوت هدير منخفض صخب الفرقة.
ديينغ.
“بكيت،” قال فريد من الأمام. “رأيت الدموع بعيني.”
توقف قلبه للحظة. من كان يتحدث؟ من كان في الغرفة معه؟
كانت الأرض تحت أقدام نورد رطبة ولزجة قليلاً. كل خطوة تترك أثراً واضحاً، وكل صوت يشبه طقطقة عظام جافة تحت وطأة الأحذية الجلدية. أركو كان يمشي إلى جانبه بهدوء، عيناه الحادتان تمسحان الأرض والنباتات كأنه يقرأ كتاباً مفتوحاً.
لكنها كانت حقيقية. كانت تتحدث إليه الآن.
شريحة V9. شريحة ذكاء اصطناعي. صناعة مختبرات فورسوا.
رفع رأسه ونظر إلى المرآة المعلقة على جدار غرفته. رأى وجهه: شاحب، متعب، خائف. نفس الوجه الذي رآه كل صباح طوال ستة عشر عاماً.
الصوت جاء من داخل رأسه. مباشرة.
قفز نورد من السرير ودار حول نفسه بعينين مرعوبتين. الغرفة كانت فارغة. لا أحد. الباب مغلق. النافذة مغلقة.
المهام: التحليل، التخزين، الترتيب، قياس الحالة الذهنية.
“سأفحصها عندما نعود. الآن، لنتفقد ما تركته السحلية.”
كان هذا جنوناً. لم يسمع عن شيء كهذا في أي من قصص والده عن الكنوز القديمة. لم يسمع عن مختبرات فورسوا. لم يسمع عن شريحة تعيش داخل جسد إنسان وتتحدث إليه من داخل رأسه.
“من… من أنت؟” همس نورد بصوت لم يسمعه من قبل.
“من… من أنت؟” همس نورد بصوت لم يسمعه من قبل.
لكن الصوت لم يجب. استمر كآلة تعلن عن نفسها.
توقف يونار عن المشي ونظر إليه بعينيها الزرقاوين الثاقبتين. كانت نادراً ما تكون جادة، لكنها الآن كانت كذلك. “هل لمست نبتة غريبة؟ بعض الأعشاب تسبب تعباً غريباً إذا لمستها بالخطأ.”
تم تجهيز البيانات. المكان: مجهول. المالك: مجهول. البيانات: مجهولة. يرجى قراءة بضع كتب أو تصفح الإنترنت لفهم الحالة.
نظر فيرس إلى نورد، وعيناه البنيتان الدافئتان فحصتا وجهه. كان نورد يعرف أن والده يستطيع قراءة مشاعره أحياناً أفضل منه، لكن هذه المرة، كان مصمماً على إخفاء ما يجري.
تجمد نورد في مكانه.
فيرس نفسه سمع الحديث وتقدم نحو نورد. “ما به ابني؟”
الإنترنت؟ ما هذا؟ لم يسمع بهذه الكلمة في حياته.
دخل غرفته وألقى بنفسه على السرير.
لكن شيئاً بداخله كان قد تغير إلى الأبد.
جلس على حافة السرير مجدداً، ورأسه بين يديه، يتنفس بصعوبة. الشريحة. مختبرات فورسوا. تلك المادة السائلة التي دخلت جسده كانت شريحة؟ شريحة ذكاء اصطناعي؟
كان هذا جنوناً. لم يسمع عن شيء كهذا في أي من قصص والده عن الكنوز القديمة. لم يسمع عن مختبرات فورسوا. لم يسمع عن شريحة تعيش داخل جسد إنسان وتتحدث إليه من داخل رأسه.
“هنا،” قال فيرس وهو يشير بيده. “هذه المنطقة لم يُنهبها أحد منذ أشهر. انشروا وابحثوا بعناية. يونار، أنتِ على التلة الشرقية تراقبين المحيط. فريد، أنت مع تومان في الجهة الغربية. يورس، ابق معي نحن الثلاثة سنبحث في الوسط.”
لكنها كانت حقيقية. كانت تتحدث إليه الآن.
“صحيح،” قال فيرس وهو يرفع الدرع الأكبر بصعوبة. “سنأخذه كله. الوزن ثقيل لكن القيمة أكبر.”
رفع رأسه ونظر إلى المرآة المعلقة على جدار غرفته. رأى وجهه: شاحب، متعب، خائف. نفس الوجه الذي رآه كل صباح طوال ستة عشر عاماً.
“يقول إنه يشعر بتعب،” قالت يونار. “لكنني أعتقد أنها مجرد بداية الطريق.”
لكن شيئاً بداخله كان قد تغير إلى الأبد.
بدأت المعركة.
“ماذا تريدين مني؟” سأل بصوت خافت، عارفاً أن لا أحد سيسمعه.
“وما هذه؟” سأل مشيراً نحوها.
لكن هذه المرة، لم يأت جواب.
لكن شيئاً بداخله كان قد تغير إلى الأبد.
الغرفة كانت صامتة تماماً، وضوء الغروب كان يتلاشى ببطء، ونورد كاسيان جلس وحيداً في الظلام، يحاول أن يفهم ما حدث له، وخائفاً من أن يسأل أي شخص آخر.
“بكيت،” قال فريد من الأمام. “رأيت الدموع بعيني.”
