وِلادة - الجزء 3
كان يطوف في السماء ظلٌّ ثقيل، ثابتٍ رغم العلو، بينما يمتطي تنينًا أبيضًا يشقّ الفضاء تحته بجسدٍ أسطوريٍّ يفرض حضوره على كل ما دونه. أجنحة التنين الهائلة تمتد كقارتين من العاج، تضرب الهواء بضربات بطيئة محسوبة، وكل خفقة تُطلق موجةً صامتة تجرّ معها الريح والبرد. حراشفه البيضاء لم تكن ناصعة فحسب، بل مكسوّة بلمعانٍ باهت يشبه الجليد المصقول، صفائح متداخلة كالدروع، تعكس ضوء السماء الشاحبة وتكسره إلى ظلالٍ باردة.
**********
كان ذا شعرٍ فضّيٍّ قصير، ممشوط للخلف بانسيابية واضحة، ما يمنح مظهرًا مرتبًا وحادّ الملامح. الخصلات الأساسية متجهة إلى الخلف بثبات، بينما تنفلت خصلاتٌ قليلة خفيفة لتنسدل على الجبين بشكل غير منتظم.
“…”
وجهٌ شاحب مؤلوفٌ كالرخام الرمادي، أحاطت به هالة مرعبة. عظمتا الوجنتين بارزتان قليلاً، العينان سوداوتان بالكامل، بلا بياضٍ ولا لمعة، كأنهما ثقبان في صفحة العالم، يبتلعان الضوء بدل أن يعكسانه.
“الروابط العائلية… عنوانٌ رنانٌ بحق.” قالت فانيسا
كان يرتدي لباساً ذا تصميمٍ داكن أنيق يفيض رهبة وأناقة في آنٍ واحد. يتكوّن من طبقات متناسقة من القماش الأسود المائل إلى الرمادي القاتم، تعلوها عباءة طويلة ذات أطراف حادّة وملمس رطب. الغطاء الذي يحيط بالرأس يخفي الملامح تحت وطأة الرياح العاتية في السماء الباردة، بينما تتقاطع على الصدر والخصر أحزمة جلدية مزخرفة بمشابك معدنية برّاقة توازن بين الطابع القتالي واللمسة الجمالية. القفازات بيضاء والحذاء متين التصميم، في حين تمنح الخيوط الدقيقة وتفاصيل الخياطة إحساسًا بالفخامة والانضباط. إنه زيّ لمحارب، يجمع بين القوة، الصمت، والرهبة التي لا تحتاج إلى كلمات لتُفهم.
“…”
ينزلق التنين فوق القرى الصغيرة في الأسفل، فتبدو البيوت كألعابٍ منسية، ويغمرها صرير الرياح قبل أن يصلها صدى مروره. ومع كل اندفاعٍ للأمام، تكشط مخالبه الذيلُ الطويلُ حوافّ الغيوم المنخفضة، بينما تحت جسده تُثار الثلوج المتراكمة على السفوح، تُسحب من أماكنها كأن الأرض نفسها تُمسح بيدٍ عملاقة. خطوطٌ بيضاء ترتفع خلفه، دوّامات من الثلج تتفتّت وتتناثر، شاهدة على السرعة التي لا ترحم.
“رايندار سيبيك… هذا اسمك صحيح!” قالت فانيسا
كان الراكب ساكنًا فوق عنق التنين، كأنهما كيان واحد. عباءته الداكنة ترفرف بعنف، أطرافها الحادّة تُقاوم الريح، لكن جسده لا يميل ولا يتزعزع. عيناه السوداوان، الخاليتان من البياض، تحدّقان في الأفق الشمالي حيث ترتفع القمة الجبلية كرمحٍ مغروس في السماء. لا دهشة في نظرته، فقط تركيزٌ بارد يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة… كما كان الحال عند اقتحامه القصر الملكي لإيقاف مراسم استدعاء البطل سابقًا.
“يبدو أنه قد حان وقت الربيع…”
حين اندفع التنين أسرع، انحنت الأشجار في الأسفل، وانشطرت طبقات الثلج على المنحدرات، كأن الجبل يُفسح له الطريق. زئيرٌ مكتوم خرج من صدره، ليس صراخًا، بل اهتزازًا عميقًا في الهواء، شعرت به الأرض قبل الآذان. ومع اقترابهما من القمة، بدا أن العالم كله يصغر، وأن الشمال نفسه يخضع لهيبة هذا الجسد الأبيض، وللظلّ الذي يمتطيه بلا كلمة.
“نعم” أجاب
“حسنًا… إنه منظرٌ بديعٌ من فوق، أليس كذلك؟” قال
كان يرتدي لباساً ذا تصميمٍ داكن أنيق يفيض رهبة وأناقة في آنٍ واحد. يتكوّن من طبقات متناسقة من القماش الأسود المائل إلى الرمادي القاتم، تعلوها عباءة طويلة ذات أطراف حادّة وملمس رطب. الغطاء الذي يحيط بالرأس يخفي الملامح تحت وطأة الرياح العاتية في السماء الباردة، بينما تتقاطع على الصدر والخصر أحزمة جلدية مزخرفة بمشابك معدنية برّاقة توازن بين الطابع القتالي واللمسة الجمالية. القفازات بيضاء والحذاء متين التصميم، في حين تمنح الخيوط الدقيقة وتفاصيل الخياطة إحساسًا بالفخامة والانضباط. إنه زيّ لمحارب، يجمع بين القوة، الصمت، والرهبة التي لا تحتاج إلى كلمات لتُفهم.
**********
اصطفّت القبور في خطوط متوازية غير تامة، مغروسة في الثلج كأوتاد حلمٍ منسيّ. لم تكن شواهدها حجرًا، بل أعمدة خشبية رفيعة، مربوطة بخيوطٍ بيضاء تتراقص ببطء مع الريح. على كل قبر، وُضعت قطعة قماش تحمل رمز العائلة، وقد غطّاها الصقيع حتى بدت كأنها أطياف معلّقة بين العالمين.
عند حافة الغابة الثلجية، وقد غاصت قدماها قليلاً في بياض السفح البارد، وقفت فتاة صغيرة بهدوء يشبه الحلم، كأنها فكرة لم تكتمل بعد. شعرها البني ينسدل طويلاً وناعماً، يحيط بوجه شاحب صافٍ كصفحة لم تُكتب، وتنساب خصلاته بثقلٍ رزين على وجهها، عيناها بنيَّتان، واسعتان، داكنتان، تحملان نظرة فارغة ساكنة لا تخلو من تساؤلٍ خفي، بينما شفتاها الصغيرتان تمنحان ملامحها مسحة براءةٍ باردة. ترتدي فستاناً أبيض تتخلله لمسات زهريّة ناعمة، تتدلى أكمامه بخفة وتنساب طبقاته بهدوء. فتاة تحضر بصمتٍ عميق، مخلِّفةً أثرها دون أن تنطق. الأشجار من حولها صامتة، أغصانها مثقلة بالثلج، كأنها تحبس أنفاسها معها… لقد كانت الفتاة رينا.
“يبدو أنه قد حان وقت الربيع…”
رفعت رينا نظرها ببطءٍ، فوقعت عيناها على سنجاب صغير يتسلق جذع شجرة قريبة، يضُمُّ طعامه إلى صدره بإصرارٍ طفولي، يقفز ثم يتوقف، ثم يكمل طريقه بحيوية لا تعبأ بقسوة البرد.
كان يطوف في السماء ظلٌّ ثقيل، ثابتٍ رغم العلو، بينما يمتطي تنينًا أبيضًا يشقّ الفضاء تحته بجسدٍ أسطوريٍّ يفرض حضوره على كل ما دونه. أجنحة التنين الهائلة تمتد كقارتين من العاج، تضرب الهواء بضربات بطيئة محسوبة، وكل خفقة تُطلق موجةً صامتة تجرّ معها الريح والبرد. حراشفه البيضاء لم تكن ناصعة فحسب، بل مكسوّة بلمعانٍ باهت يشبه الجليد المصقول، صفائح متداخلة كالدروع، تعكس ضوء السماء الشاحبة وتكسره إلى ظلالٍ باردة.
تابعته بنظرة طويلة، وفي تلك اللحظة تسلل إلى ملامحها شيء يشبه الدفء. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها الجافتين، ابتسامة بالكاد تُرى، لكنها صادقة. ومعها، بدأ الغيم الرمادي المتراكم في السماء بالانقشاع تدريجيًا، يتفكك ببطء، حتى يفسح المجال لضوء أصفى، أهدأ، كأن الشتاء نفسه يتراجع خطوة إلى الوراء متفاعلًا مع حضورها.
بعد ذلك، توجَّه رايندار، وخلفه ليارا نحو فانيسا ومعها الأم الشريفة سيرا…
الهالات الداكنة حول عينيها لا تختفي، ولا شحوب بشرتها يزول، لكن نظرتها تلمع للحظة، ثم تهمس بصوت خافت مبتسم، كأنها تخاطب العالم أو نفسها…
ينزلق التنين فوق القرى الصغيرة في الأسفل، فتبدو البيوت كألعابٍ منسية، ويغمرها صرير الرياح قبل أن يصلها صدى مروره. ومع كل اندفاعٍ للأمام، تكشط مخالبه الذيلُ الطويلُ حوافّ الغيوم المنخفضة، بينما تحت جسده تُثار الثلوج المتراكمة على السفوح، تُسحب من أماكنها كأن الأرض نفسها تُمسح بيدٍ عملاقة. خطوطٌ بيضاء ترتفع خلفه، دوّامات من الثلج تتفتّت وتتناثر، شاهدة على السرعة التي لا ترحم.
“يبدو أنه قد حان وقت الربيع…”
“حسنًا… أشكرُكما على الانتظار حتى إحياء الجنازة!” أجابت فانيسا
بقت واقفة، ساكنة، والابتسامة لا تزال معلّقة على محياها، بسيطة ومتواضعة، لكنها كافية لتعلن بداية شيء جديد، ولو كان هشًا مثل أول زهرة تشق طريقها عبر الثلج.
“نعم… بعد كل شيئ، هو جزءٌ من عائلتي.” أجاب رايندار
**********
“…”
إثر المجزرة وفي جوٍّ صحوٍ مشرق، أقيمت جنازةٌ بسيطة في القرية تكريمًا لأرواح الموتى. كان الصمت هو الكاهن الأوّل في تلك المراسم.
كان ذا شعرٍ فضّيٍّ قصير، ممشوط للخلف بانسيابية واضحة، ما يمنح مظهرًا مرتبًا وحادّ الملامح. الخصلات الأساسية متجهة إلى الخلف بثبات، بينما تنفلت خصلاتٌ قليلة خفيفة لتنسدل على الجبين بشكل غير منتظم.
في عمق الغابة البيضاء، حيث لا تصل الطرق ولا تجرؤ الخرائط على الاكتمال، كانت تقع قبيلة أنصاف القطط الشمالية المخفية كما لو أنها انبثقت من الثلج نفسه. يرتدون ملابسهم الاعتيادية، آذانهم المنتصبة منحنية إلى الخلف احترامًا، بعضهم يبكي، البعض الآخر دمعت عيناه، وآخرون لم تكُن أعينهم الواسعة تبكي… بل تلمع فقط، كأن الدموع فكرة قديمة لم يعودوا يؤمنون بها.
بعد ذلك، توجَّه رايندار، وخلفه ليارا نحو فانيسا ومعها الأم الشريفة سيرا…
اصطفّت القبور في خطوط متوازية غير تامة، مغروسة في الثلج كأوتاد حلمٍ منسيّ. لم تكن شواهدها حجرًا، بل أعمدة خشبية رفيعة، مربوطة بخيوطٍ بيضاء تتراقص ببطء مع الريح. على كل قبر، وُضعت قطعة قماش تحمل رمز العائلة، وقد غطّاها الصقيع حتى بدت كأنها أطياف معلّقة بين العالمين.
“الروابط العائلية… عنوانٌ رنانٌ بحق.” قالت فانيسا
تقدّم الجميع بصمت، وبينهم كان يقِف رايندار وليارا. كانت الأعين الحزينة تتوجَّه نحوهم بنوعٍ من الكراهية أو الغضب ربما، كما لو أن أعينهم تتساءل عن سبب تواجد غرباءٍ من جنسٍ مختلف بينهم بعد هذه الفاجعة… بدت ليارا قلقة، لكن رايندار لم يهتم لذلك واستمرَّ بالدعاء للموتى بعينين مغلقتين خاشعتين… لا بكاء، لا نحيب، فقط وقع خطواتٍ خفيفة فوق الثلج، وكأن الأرض نفسها تحاول ألّا تُزعج الموتى.
حين اندفع التنين أسرع، انحنت الأشجار في الأسفل، وانشطرت طبقات الثلج على المنحدرات، كأن الجبل يُفسح له الطريق. زئيرٌ مكتوم خرج من صدره، ليس صراخًا، بل اهتزازًا عميقًا في الهواء، شعرت به الأرض قبل الآذان. ومع اقترابهما من القمة، بدا أن العالم كله يصغر، وأن الشمال نفسه يخضع لهيبة هذا الجسد الأبيض، وللظلّ الذي يمتطيه بلا كلمة.
كانت الزهور غريبة، لا تنتمي لفصل الشتاء. بتلاتها شفافة، تميل إلى الأزرق البنفسجي، تتفتّح رغم البرد، وكأنها تتغذّى على الفقد ذاته. أمسك كل فرد زهرة واحدة فقط، لا أكثر، لأن الأرواح بحسب معتقداتهم لا تحب الإسراف.
رُميت الزهور واحدة تلو الأخرى، لم تسقط، كانت تلامس الثلج، ثم تغوص فيه ببطء، تاركة خلفها وهجًا خافتًا، كأن الأرض تبتلع الذكرى برفق.
توقّفوا أمام القبور، انحنت الرؤوس، وانحنت الآذان… رفع أحد الشيوخ يده، لم يتكلم، لكن الجميع سمع الدعاء. لم يكن صوتًا، بل إحساسًا، كأن كلماتٍ غير منطوقة تسلّلت إلى الصدر مباشرة؛ رجاءٌ بأن تجد الأرواح جحورها في الجنة عند الضفة الأخرى، وأن تنال هناك ما لم تستطِع نيلهُ هنا من سعادةٍ ورحمة.
رفعت رينا نظرها ببطءٍ، فوقعت عيناها على سنجاب صغير يتسلق جذع شجرة قريبة، يضُمُّ طعامه إلى صدره بإصرارٍ طفولي، يقفز ثم يتوقف، ثم يكمل طريقه بحيوية لا تعبأ بقسوة البرد.
رُميت الزهور واحدة تلو الأخرى، لم تسقط، كانت تلامس الثلج، ثم تغوص فيه ببطء، تاركة خلفها وهجًا خافتًا، كأن الأرض تبتلع الذكرى برفق.
رفعت رينا نظرها ببطءٍ، فوقعت عيناها على سنجاب صغير يتسلق جذع شجرة قريبة، يضُمُّ طعامه إلى صدره بإصرارٍ طفولي، يقفز ثم يتوقف، ثم يكمل طريقه بحيوية لا تعبأ بقسوة البرد.
وحين انتهى الجميع، لم ينتظروا، لم يلتفتوا، لم يودّعوا، بل واصلوا المسير. مرّوا بين القبور صفًا صفًا، كل فرد يعبر كأنه يعبر حلمًا لا يخصّه وحده. ومع كل خطوة بعيدة، كانت الخيوط البيضاء المشدودة على الشواهد ترتخي قليلًا… ثم تنقطع.
وجهٌ شاحب مؤلوفٌ كالرخام الرمادي، أحاطت به هالة مرعبة. عظمتا الوجنتين بارزتان قليلاً، العينان سوداوتان بالكامل، بلا بياضٍ ولا لمعة، كأنهما ثقبان في صفحة العالم، يبتلعان الضوء بدل أن يعكسانه.
وفي اللحظة التي اختفى فيها آخر فرد بين الأشجار، هبّت الريح، تلاشت آثار الأقدام، وبلغَ نور الشمس الدافئ بياض الثلوج التي تُغطِّي تلك القبور…
“نعم” أجاب
بعد ذلك، توجَّه رايندار، وخلفه ليارا نحو فانيسا ومعها الأم الشريفة سيرا…
كانت الزهور غريبة، لا تنتمي لفصل الشتاء. بتلاتها شفافة، تميل إلى الأزرق البنفسجي، تتفتّح رغم البرد، وكأنها تتغذّى على الفقد ذاته. أمسك كل فرد زهرة واحدة فقط، لا أكثر، لأن الأرواح بحسب معتقداتهم لا تحب الإسراف.
“نحنُ مغادرون.” قال رايندار
“لن أفعل… لا سبب لديَّ لأكون غاضبةً من شخصٍ غادر هذا العالم… كما أنني لم أكُن غاضبةً منه أساسًا، فبعد كل شيئٍ سيبقى منقذ حياتي، وما حدث اليوم ليس إلا جزاءً لمحاولتي حجزه في قفص دون أن أوضح له المسار.” قالت
“حسنًا… أشكرُكما على الانتظار حتى إحياء الجنازة!” أجابت فانيسا
“العائلة ليست دمًا يجري في العروق فحسب بالضرورة، بل وعدٌ صامت يوقظ الإنسان حين تخذله كل الدوافع الأخرى. تحت اسمها، يصبح المستحيل احتمالًا، ويتحوّل الخوف إلى خطوةٍ للأمام.” أتبعَت قائلةً
“لا تكوني، الدعاء للموتى واجب…” أجاب
“عجيبٌ أمر الحياة… في هذه اللحظة، حين تشرق الشمس فوق هذه البقعة، قد تغيم في أخرى. نحن نقيم جنازة، وآخرون يرقصون فرحًا في مكان بعيد… مع أننا نتشارك سماءً واحدة، إلا أننا لا نعيشُ اللحظة ذاتها.” قالت العجوز سيرا
“…”
“الروابط العائلية… عنوانٌ رنانٌ بحق.” قالت فانيسا
بدى التردد واضحًا على ليارا وكأنها تحاول قول شيئٍ… “أتمنى أن لا تكوني حاقدةً على إليان… لقد نال كفايته من الألم والمعاناة بدورِه…” قالت
كان يطوف في السماء ظلٌّ ثقيل، ثابتٍ رغم العلو، بينما يمتطي تنينًا أبيضًا يشقّ الفضاء تحته بجسدٍ أسطوريٍّ يفرض حضوره على كل ما دونه. أجنحة التنين الهائلة تمتد كقارتين من العاج، تضرب الهواء بضربات بطيئة محسوبة، وكل خفقة تُطلق موجةً صامتة تجرّ معها الريح والبرد. حراشفه البيضاء لم تكن ناصعة فحسب، بل مكسوّة بلمعانٍ باهت يشبه الجليد المصقول، صفائح متداخلة كالدروع، تعكس ضوء السماء الشاحبة وتكسره إلى ظلالٍ باردة.
“لن أفعل… لا سبب لديَّ لأكون غاضبةً من شخصٍ غادر هذا العالم… كما أنني لم أكُن غاضبةً منه أساسًا، فبعد كل شيئٍ سيبقى منقذ حياتي، وما حدث اليوم ليس إلا جزاءً لمحاولتي حجزه في قفص دون أن أوضح له المسار.” قالت
إثر المجزرة وفي جوٍّ صحوٍ مشرق، أقيمت جنازةٌ بسيطة في القرية تكريمًا لأرواح الموتى. كان الصمت هو الكاهن الأوّل في تلك المراسم.
“حقًا؟”
بقت واقفة، ساكنة، والابتسامة لا تزال معلّقة على محياها، بسيطة ومتواضعة، لكنها كافية لتعلن بداية شيء جديد، ولو كان هشًا مثل أول زهرة تشق طريقها عبر الثلج.
“أجل…”
وفي اللحظة التي اختفى فيها آخر فرد بين الأشجار، هبّت الريح، تلاشت آثار الأقدام، وبلغَ نور الشمس الدافئ بياض الثلوج التي تُغطِّي تلك القبور…
“هل قررتم أخد جثمانه معكم في تابوت لدفنه قربكم؟” سألت العجوز سيرا
“أشكرُكما على مساعدتكما… أنا ممتنة لكما حقَّا!” قالت فانيسا
“نعم… بعد كل شيئ، هو جزءٌ من عائلتي.” أجاب رايندار
ينزلق التنين فوق القرى الصغيرة في الأسفل، فتبدو البيوت كألعابٍ منسية، ويغمرها صرير الرياح قبل أن يصلها صدى مروره. ومع كل اندفاعٍ للأمام، تكشط مخالبه الذيلُ الطويلُ حوافّ الغيوم المنخفضة، بينما تحت جسده تُثار الثلوج المتراكمة على السفوح، تُسحب من أماكنها كأن الأرض نفسها تُمسح بيدٍ عملاقة. خطوطٌ بيضاء ترتفع خلفه، دوّامات من الثلج تتفتّت وتتناثر، شاهدة على السرعة التي لا ترحم.
“الروابط العائلية… عنوانٌ رنانٌ بحق.” قالت فانيسا
لوَّح رايندار بيده مغادرًا، بينما إلتفتت ليارا لهما وابتسمت بخفَّة عند الرحيل…
“…”
“أشكرُكما على مساعدتكما… أنا ممتنة لكما حقَّا!” قالت فانيسا
“العائلة ليست دمًا يجري في العروق فحسب بالضرورة، بل وعدٌ صامت يوقظ الإنسان حين تخذله كل الدوافع الأخرى. تحت اسمها، يصبح المستحيل احتمالًا، ويتحوّل الخوف إلى خطوةٍ للأمام.” أتبعَت قائلةً
وفي اللحظة التي اختفى فيها آخر فرد بين الأشجار، هبّت الريح، تلاشت آثار الأقدام، وبلغَ نور الشمس الدافئ بياض الثلوج التي تُغطِّي تلك القبور…
“…”
“حسنًا أظنُّ أن الجميع يمتلكُ ماضيًا لا يُريد التطرُّق إليه إن أمكن… أ ليس كذلك؟” قال ثم إلتفَّ مغادرًا. “هيا بنا ليارا!”… لحقته ليارا بثبات.
“قد يُخطئ المرء، وقد ينحرف عن الطريق، لكن من حملَ العائلة في قلبه يعرف أن النُّبل الحقيقي لا يكون في الانتصار، بل في الوقوف أمام العاصفة قائلًا؛ أنا المخطئ… وأنا من يتحمّل اللوم، فقط اتركوا من أُحبّ بعيدًا عن الأذى…” أتبعَت قائلةً
“رايندار سيبيك… هذا اسمك صحيح!” قالت فانيسا
“…”
عند حافة الغابة الثلجية، وقد غاصت قدماها قليلاً في بياض السفح البارد، وقفت فتاة صغيرة بهدوء يشبه الحلم، كأنها فكرة لم تكتمل بعد. شعرها البني ينسدل طويلاً وناعماً، يحيط بوجه شاحب صافٍ كصفحة لم تُكتب، وتنساب خصلاته بثقلٍ رزين على وجهها، عيناها بنيَّتان، واسعتان، داكنتان، تحملان نظرة فارغة ساكنة لا تخلو من تساؤلٍ خفي، بينما شفتاها الصغيرتان تمنحان ملامحها مسحة براءةٍ باردة. ترتدي فستاناً أبيض تتخلله لمسات زهريّة ناعمة، تتدلى أكمامه بخفة وتنساب طبقاته بهدوء. فتاة تحضر بصمتٍ عميق، مخلِّفةً أثرها دون أن تنطق. الأشجار من حولها صامتة، أغصانها مثقلة بالثلج، كأنها تحبس أنفاسها معها… لقد كانت الفتاة رينا.
“تلك هي قوة الروابط، أن تجعلك أضعف أمامهم… وأقوى من أجلهم…” أتممت قائلةً
“رايندار سيبيك… هذا اسمك صحيح!” قالت فانيسا
كان الحميع يصغي بتمعنٍ لفانيسا وهي تُلقي هذه الكلمات، وكان رايندار يشدُّ قبضته بقوة إثرها…
اصطفّت القبور في خطوط متوازية غير تامة، مغروسة في الثلج كأوتاد حلمٍ منسيّ. لم تكن شواهدها حجرًا، بل أعمدة خشبية رفيعة، مربوطة بخيوطٍ بيضاء تتراقص ببطء مع الريح. على كل قبر، وُضعت قطعة قماش تحمل رمز العائلة، وقد غطّاها الصقيع حتى بدت كأنها أطياف معلّقة بين العالمين.
“رايندار سيبيك… هذا اسمك صحيح!” قالت فانيسا
كان ذا شعرٍ فضّيٍّ قصير، ممشوط للخلف بانسيابية واضحة، ما يمنح مظهرًا مرتبًا وحادّ الملامح. الخصلات الأساسية متجهة إلى الخلف بثبات، بينما تنفلت خصلاتٌ قليلة خفيفة لتنسدل على الجبين بشكل غير منتظم.
“نعم” أجاب
“…”
“لقد سمِعت أنك صنعتَ اسمًا لنفسك بعيدًا عن عائلتك النبيلة بعد أن نصَّبتَ نفسكَ كسيِّد سيف الشمال… لماذا تخلَّيت عن كلِّ شيئٍ وغادرت فجأة؟” سألَت
“حقًا؟”
“حسنًا أظنُّ أن الجميع يمتلكُ ماضيًا لا يُريد التطرُّق إليه إن أمكن… أ ليس كذلك؟” قال ثم إلتفَّ مغادرًا. “هيا بنا ليارا!”… لحقته ليارا بثبات.
“…”
“هذه إنها تخصُّك، أ ليسَ كذلك!” رمت فانيسا قلادة رايندار التي التقطتها سابقًا.
“حسنًا… أشكرُكما على الانتظار حتى إحياء الجنازة!” أجابت فانيسا
“أشكرُكما على مساعدتكما… أنا ممتنة لكما حقَّا!” قالت فانيسا
تابعته بنظرة طويلة، وفي تلك اللحظة تسلل إلى ملامحها شيء يشبه الدفء. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها الجافتين، ابتسامة بالكاد تُرى، لكنها صادقة. ومعها، بدأ الغيم الرمادي المتراكم في السماء بالانقشاع تدريجيًا، يتفكك ببطء، حتى يفسح المجال لضوء أصفى، أهدأ، كأن الشتاء نفسه يتراجع خطوة إلى الوراء متفاعلًا مع حضورها.
لوَّح رايندار بيده مغادرًا، بينما إلتفتت ليارا لهما وابتسمت بخفَّة عند الرحيل…
يُتبع…
“عجيبٌ أمر الحياة… في هذه اللحظة، حين تشرق الشمس فوق هذه البقعة، قد تغيم في أخرى. نحن نقيم جنازة، وآخرون يرقصون فرحًا في مكان بعيد… مع أننا نتشارك سماءً واحدة، إلا أننا لا نعيشُ اللحظة ذاتها.” قالت العجوز سيرا
“نعم… بعد كل شيئ، هو جزءٌ من عائلتي.” أجاب رايندار
“أنتِ محقَّة!” ردَّت فانيسا
اصطفّت القبور في خطوط متوازية غير تامة، مغروسة في الثلج كأوتاد حلمٍ منسيّ. لم تكن شواهدها حجرًا، بل أعمدة خشبية رفيعة، مربوطة بخيوطٍ بيضاء تتراقص ببطء مع الريح. على كل قبر، وُضعت قطعة قماش تحمل رمز العائلة، وقد غطّاها الصقيع حتى بدت كأنها أطياف معلّقة بين العالمين.
يُتبع…
كان يرتدي لباساً ذا تصميمٍ داكن أنيق يفيض رهبة وأناقة في آنٍ واحد. يتكوّن من طبقات متناسقة من القماش الأسود المائل إلى الرمادي القاتم، تعلوها عباءة طويلة ذات أطراف حادّة وملمس رطب. الغطاء الذي يحيط بالرأس يخفي الملامح تحت وطأة الرياح العاتية في السماء الباردة، بينما تتقاطع على الصدر والخصر أحزمة جلدية مزخرفة بمشابك معدنية برّاقة توازن بين الطابع القتالي واللمسة الجمالية. القفازات بيضاء والحذاء متين التصميم، في حين تمنح الخيوط الدقيقة وتفاصيل الخياطة إحساسًا بالفخامة والانضباط. إنه زيّ لمحارب، يجمع بين القوة، الصمت، والرهبة التي لا تحتاج إلى كلمات لتُفهم.
وفي اللحظة التي اختفى فيها آخر فرد بين الأشجار، هبّت الريح، تلاشت آثار الأقدام، وبلغَ نور الشمس الدافئ بياض الثلوج التي تُغطِّي تلك القبور…
