بداية جديدة
“أنا قادم”؛ استجاب الصبي على الفور لنداء العجوز التي كانت تناديه من داخل الكوخ الخشبي، ذلك المسكن المتواضع الذي بدا وكأنه معلق فوق سطح الماء بفعل أعمدة خشبية ضخمة غُرست في قاع البحر.
لوّح كيبال بيده ضاحكاً: “العمل المتواصل يورث الإرهاق.. سأجعل من اليوم عطلة، نصطاد فيها بعض السمك ونبحر قليلاً، ثم نقفل راجعين مع اقتراب وقت الغداء”.
بعد شهر ونصف، كانت نظراته شاخصة نحو أفق بعيد غاص في غياهب العدم، يرمق بعينين قانيتين ذلك الضباب الكثيف الذي يبتلع المدى؛ لم يكن يقطع سكون تأمله سوى صوت الأمواج العاتية وهي تلطم القوارب الصغيرة الراسية بقسوة، حتى أن بعض رذاذها المالح كان يتطاير ليلامس وجهه الشاحب. كان الصباح يطل ببطء، والظلام ينقشع تدريجياً عن الأرجاء، بينما تعالت صيحات ديك لم يتوقف منذ مدة، معلنةً يقظة قسرية لأهالي تلك الأنحاء.
“نومريس.. نومريس!”؛ شق السكون صوت حاد واهن انبعث من العمق: “تعال وساعدني..!”.
“أنا قادم”؛ استجاب الصبي على الفور لنداء العجوز التي كانت تناديه من داخل الكوخ الخشبي، ذلك المسكن المتواضع الذي بدا وكأنه معلق فوق سطح الماء بفعل أعمدة خشبية ضخمة غُرست في قاع البحر.
“نعم، إنه جاهز يا نومريس.. فقط اذهب ونادِ على كيبال عند القارب”؛ جاء هذا الصوت الرقيق لامرأة من داخل غرفة أخرى في الكوخ، غرفة لم يكن يفصلها عن قاعة الجلوس سوى ستار من القماش الشفاف، اتخذ شكلاً مربعاً بلون رمادي فاتح.
“العم كيبال!..”؛ صرخ نومريس هذه المرة بصوت أكثر حدة وارتفاعاً.
أخذت خطواته تئن بوضوح فوق الممر الخشبي العتيق، حتى ولج عتبة الكوخ؛ لتقع عيناه على العجوز التي خط الشيب رأسها بالكامل، وهي تحاول جاهدة تعليق شبكة صيد ثقيلة فوق وتد بارز من الحائط.
بعد انتهاء المائدة الصغيرة، خرج كيبال ونومريس يحملان سلة من الخيزران المتين وصنارتي صيد، بينما ارتدى نومريس قبعة خيزران مماثلة لتلك التي يرتديها الرجل لتسليح رأسيهما ضد رذاذ البحر المالح.
أسرع نحوها بنبرة لائمة ومشفقة: “لا أيتها الجدة.. لقد أخبرتكِ مراراً ألا تفعلي هذا مجدداً! أنا هنا وسأعلقها بنفسي، إن استمررتِ في هذا سيتضرر ظهركِ حتماً.. ألم تشكي لي البارحة من آلام عمودكِ الفقري؟”.
أجابت العجوز وهي تبتسم برقة، قبل أن تكبّل خصرها بيدها متمتمةً بوهن: “معك حق يا بني.. لقد نسيتُ مجدداً، أعدكِ ألا أقلقكِ بعد اليوم، وسأعتمد عليك كلياً”.
تمعن كيبال في ملامح نومريس، ولمح هدوء وجهه الصارم الذي يشبه سكون الأعماق قبل العاصفة؛ انتبه إلى يده التي تحرك الملعقة بآلية داخل وعاء الحساء دون أن يتذوق رشفة واحدة، فهمس بنبرة حانية: “ما بك يا نومريس؟ تبدو غارقاً في شرودك.. هل تذكرتَ أي تفصيل صغير عن ماضيك؟”.
أجابت العجوز وهي تبتسم برقة، قبل أن تكبّل خصرها بيدها متمتمةً بوهن: “معك حق يا بني.. لقد نسيتُ مجدداً، أعدكِ ألا أقلقكِ بعد اليوم، وسأعتمد عليك كلياً”.
انتُزع نومريس من غيابات شروده وعاد إلى الواقع على وقع سؤالها، فأردف منكس الرأس: “لا.. لا زلتُ لا أتذكر أي شيء، ولا أعرف ما السبب وراء ذلك”.
رمقها نومريس بنظرة عاتبة بعد أن رفع الشبكة بخفة وعلقها في موضعها، ثم أردف: “لقد أخبرتِني بالكلمات نفسها البارحة، لكنكِ لم تغيري شيئاً مما تفعلينه!”.
لوحت بيدها في الهواء بقلة حيلة وضاحكة: “معذرةً.. معذرةً، لن يتكرر الأمر مجدداً.. لقد غاب عن بالي فحسب”.
تنهد نومريس بعمق وقال: “أيتها الجدة، عليكِ زيارة الطبيب فعلاً.. ما رأيكِ أن نذهب إليه بمجرد أن يستيقظ في عيادته؟”.
تمعن كيبال في ملامح نومريس، ولمح هدوء وجهه الصارم الذي يشبه سكون الأعماق قبل العاصفة؛ انتبه إلى يده التي تحرك الملعقة بآلية داخل وعاء الحساء دون أن يتذوق رشفة واحدة، فهمس بنبرة حانية: “ما بك يا نومريس؟ تبدو غارقاً في شرودك.. هل تذكرتَ أي تفصيل صغير عن ماضيك؟”.
“طبيب؟!”؛ أعادت العجوز الكلمة بنبرة متهكمة وهي تستدير وتسير في الاتجاه المقابل؛ كانت ترتدي جوارب صوفية بيضاء سميكة فوق سروال رمادي من القماش الخشن بدا منكمشاً ومجعداً بأكمله، تماماً مثل رداء نومريس المتواضع ذي اللونين الأسود والرمادي. واستطردت قائلة: “أنا لا أحتاج إلى أطباء في هذا العمر.. كم بقي لي لأعيشه على أي حال؟ لقد عشتُ ما فيه الكفاية، وكل ما تبقى من أيام ليس سوى بركة”.
أومأ نومريس برأسه مبتسماً وهو يتأمل قبعة الخيزران التقليدية التي يرتديها كيبال، والتي كانت تظلل وجهه ذو اللحية البنية الكثيفة والمشذبة.
رفع نومريس بصره ببطء، وقبل أن ينطق، تدخلت الجدة العجوز قائلة: “لقد سألته الأمر ذاته قبل قليل… لا يزال عاجزاً عن تذكر أي شيء”.
صمت نومريس ولم ينطق ببنت شفة، وبدا شارد الذهن يغرق في أفكاره الخاصة؛ لمحت الجدة ملامحه الغائبة تلك، فسألته بنبرة حانية: “وأنْت.. هل تذكرتَ أي شيء عن ماضيكَ بعد؟”.
مر الوقت سريعاً وهما في ذلك المدى الساكن يمارسان الصيد، حتى امتلأت سلة الخيزران عن آخرها بالأسماك، والتي كان جلّها حصاد تلك الشبكة التي بُسطت في الأعماق كنسيج عنكبوتي محكم.
لوّح كيبال بيده ضاحكاً: “العمل المتواصل يورث الإرهاق.. سأجعل من اليوم عطلة، نصطاد فيها بعض السمك ونبحر قليلاً، ثم نقفل راجعين مع اقتراب وقت الغداء”.
انتُزع نومريس من غيابات شروده وعاد إلى الواقع على وقع سؤالها، فأردف منكس الرأس: “لا.. لا زلتُ لا أتذكر أي شيء، ولا أعرف ما السبب وراء ذلك”.
تغيرت تعابير العجوز وارتسم الأسى على تقاطيع وجهها الهرم، وقالت: “هذا مؤسف حقاً.. ما يمر بك صعب للغاية؛ فأنت لا تزال صغيراً جداً.. يا ترى، كيف هو حال والديك الآن بعد اختفائك؟”.
مر الوقت سريعاً وهما في ذلك المدى الساكن يمارسان الصيد، حتى امتلأت سلة الخيزران عن آخرها بالأسماك، والتي كان جلّها حصاد تلك الشبكة التي بُسطت في الأعماق كنسيج عنكبوتي محكم.
ربتت العجوز على كتفه بحنو وقالت: “لا تقلق، سيكونا بخير حتماً.. أنت فقط من يجب عليه زيارة الطبيب ليطمئن على حالتك؛ فأنت، على عكسي تماماً، ما زلت برعمة غضة تحاول النضوج والازدهار”. ولمّا رأت ملامحه الغائمة التي لم تتبدد، استطردت مستفسرة: “هل تحتاج إلى شيء ما يا بني؟”.
“لا أعرف صراحةً.. لكن إن كانا موجودين، فأرجو أن يكونا بخير”؛ قالها نومريس بنبرة خفيضة حملت وزناً ثقيلاً من الشجن الخفي.
أومأ نومريس برأسه مبتسماً وهو يتأمل قبعة الخيزران التقليدية التي يرتديها كيبال، والتي كانت تظلل وجهه ذو اللحية البنية الكثيفة والمشذبة.
ربتت العجوز على كتفه بحنو وقالت: “لا تقلق، سيكونا بخير حتماً.. أنت فقط من يجب عليه زيارة الطبيب ليطمئن على حالتك؛ فأنت، على عكسي تماماً، ما زلت برعمة غضة تحاول النضوج والازدهار”. ولمّا رأت ملامحه الغائمة التي لم تتبدد، استطردت مستفسرة: “هل تحتاج إلى شيء ما يا بني؟”.
أجابها محاولاً تغيير مجرى الحديث: “لا شيء.. هل العمة بيانكا تعد وجبة الفطور؟”.
“نعم، إنه جاهز يا نومريس.. فقط اذهب ونادِ على كيبال عند القارب”؛ جاء هذا الصوت الرقيق لامرأة من داخل غرفة أخرى في الكوخ، غرفة لم يكن يفصلها عن قاعة الجلوس سوى ستار من القماش الشفاف، اتخذ شكلاً مربعاً بلون رمادي فاتح.
وضع الرجل مطرقته جانباً بوقار، ثم انتصب واقفاً وجذب حبل القارب المرتبط بالجسر الخشبي بقوة، حتى التصق هيكل القارب الصغير بحافة الممشى، ليرتقي فوقه بخفة لا تناسب ضخامته، وقال متبسماً: “هيا بنا إذن”.
رد نومريس ممتثلاً: “حسناً أيتها العمة، لن يطول الأمر.. سآتي به”.
خرج نومريس متوجهاً إلى الممر الخشبي الخارجي بخطوات سريعة؛ كان يراقب أهالي القرية المتواجدين على متن قواربهم، والذين ما إن يلمحوه حتى يعاجلوه بالترحاب: “مرحباً بك يا فتى!.. صباح الخير يا نومريس!”. وكان كلما مر بأحدهم يرد التحية بمثلها، والابتسامة لا تفارق محياهم الودود.
رمقها نومريس بنظرة عاتبة بعد أن رفع الشبكة بخفة وعلقها في موضعها، ثم أردف: “لقد أخبرتِني بالكلمات نفسها البارحة، لكنكِ لم تغيري شيئاً مما تفعلينه!”.
بعد مسافة قصيرة، وصل إلى نهاية الممشى الخشبي؛ ورغم أن حدود هذه القرية العائمة قد انتهت خلفه، إلا أن الجسر الخشبي الممتد كان لا يزال يتوغل لمسافة طويلة في عرض البحر. وعند ذروة الممشى، وجد رجلاً في الأربعينيات من عمره يقف فوق متن قارب صغير، كان يطرق بهمة ونشاط مستخدماً مطرقته الحديدية لتثبيت قطعة خشبية جديدة بدا أنها قُطعت للتو من جذع شجرة حديثة.
مر الوقت سريعاً وهما في ذلك المدى الساكن يمارسان الصيد، حتى امتلأت سلة الخيزران عن آخرها بالأسماك، والتي كان جلّها حصاد تلك الشبكة التي بُسطت في الأعماق كنسيج عنكبوتي محكم.
“أيها العم كيبال!..”؛ نادى نومريس للمرة الأولى، لكن لم يلقهِ الرجل بالاً؛ إذ كان غارقاً بكليته في تفاصيل عمله.
في تلك الأثناء، تقدم نومريس بخطوات وئيدة نحو حافة قاربهم، مشهراً نظراته القانية داخل جوف المركب الغريب؛ لمح كيبال الأمر ذاته في الوقت نفسه. كان هناك صبي ممدد في قاع القارب، يمتلك شعراً أبيض ناصعاً كالثلج، وبشرة شاحبة بلغت حداً شديداً من البياض، وكان مستلقياً بسكون تام يبدو معه وكأنه غارق في نوم عميق، أو فاقد للوعي تماماً.
“العم كيبال!..”؛ صرخ نومريس هذه المرة بصوت أكثر حدة وارتفاعاً.
لم يعقب نومريس، بل اكتفى بإلقاء خطاف صنارته نحو صفحة الماء الراكدة، ليبدأ كلاهما رحلة الانتظار وسط الصمت والضباب.
توقفت الطرقات المتتابعة فجأة، والتفت الرجل نحو مصدر الصوت وعلامات البهجة ترتسم على وجهه: “أوه! نومريس..”.
كان نومريس على وشك الحديث وإبلاغه بالرسالة، لكن الرجل عاجله ضاحكاً: “الفطور جاهز، أليس كذلك؟”.
التفت كيبال نحو نومريس وقال بنبرة هادئة: “هل نكتفي بهذا ونعود يا بني؟”.
أومأ نومريس برأسه مبتسماً وهو يتأمل قبعة الخيزران التقليدية التي يرتديها كيبال، والتي كانت تظلل وجهه ذو اللحية البنية الكثيفة والمشذبة.
“أيها العم كيبال!..”؛ نادى نومريس للمرة الأولى، لكن لم يلقهِ الرجل بالاً؛ إذ كان غارقاً بكليته في تفاصيل عمله.
وضع الرجل مطرقته جانباً بوقار، ثم انتصب واقفاً وجذب حبل القارب المرتبط بالجسر الخشبي بقوة، حتى التصق هيكل القارب الصغير بحافة الممشى، ليرتقي فوقه بخفة لا تناسب ضخامته، وقال متبسماً: “هيا بنا إذن”.
“نعم، مستعد”؛ أجاب نومريس بنبرة هادئة وثابتة.
سار نومريس خلف الرجل الذي كان يتمتع ببنية عريضة وقوية، ويرتدي ملابس الصيادين القماشية المتينة مع حزام جلدي ملتف بإحكام حول صدره، بينما استقرت مطرقته في مكانها المخصص عند جانبه الأيمن.
التف الأربعة حول مائدة الإفطار المتواضعة، والتي كانت تفوح منها رائحة حساء السمك الساخن الممزوج بالخضار الطازجة، بجانب شرائح من السمك المجفف والمملح، وأكواب دافئة من شاي الأعشاب البرية.
“نعم، إنه جاهز يا نومريس.. فقط اذهب ونادِ على كيبال عند القارب”؛ جاء هذا الصوت الرقيق لامرأة من داخل غرفة أخرى في الكوخ، غرفة لم يكن يفصلها عن قاعة الجلوس سوى ستار من القماش الشفاف، اتخذ شكلاً مربعاً بلون رمادي فاتح.
كانت العمة بيانكا تبدو شابة بملامحها الوسيمة والنضرة، رغم امتلاء وجنتيها بفعل السمنة. وسط هذه العائلة المحلية، بدا نومريس التناقض البصري الوحيد في المكان؛ بملامحه وثيابه القاتمة التي تمتزج فيها خيوط السواد بالرمادي، إلا أنهم رغم ذلك غمروا هذا الفتى الغريب برعاية فائقة وطيبة مفرطة منذ أن انتشلوه قبل شهر ونصف دون أن يعرفوا عن حقيقته شيئاً.
“نعم، إنه جاهز يا نومريس.. فقط اذهب ونادِ على كيبال عند القارب”؛ جاء هذا الصوت الرقيق لامرأة من داخل غرفة أخرى في الكوخ، غرفة لم يكن يفصلها عن قاعة الجلوس سوى ستار من القماش الشفاف، اتخذ شكلاً مربعاً بلون رمادي فاتح.
تمعن كيبال في ملامح نومريس، ولمح هدوء وجهه الصارم الذي يشبه سكون الأعماق قبل العاصفة؛ انتبه إلى يده التي تحرك الملعقة بآلية داخل وعاء الحساء دون أن يتذوق رشفة واحدة، فهمس بنبرة حانية: “ما بك يا نومريس؟ تبدو غارقاً في شرودك.. هل تذكرتَ أي تفصيل صغير عن ماضيك؟”.
“لا أعرف صراحةً.. لكن إن كانا موجودين، فأرجو أن يكونا بخير”؛ قالها نومريس بنبرة خفيضة حملت وزناً ثقيلاً من الشجن الخفي.
تحرك كيبال بسرعة صَوْب حافة القارب، ماداً قدميه بقوة ليتأهب للمصادمة، وهتف مستنكراً: “من الذي يقود هذا القارب بحق الجحيم؟!”.
رفع نومريس بصره ببطء، وقبل أن ينطق، تدخلت الجدة العجوز قائلة: “لقد سألته الأمر ذاته قبل قليل… لا يزال عاجزاً عن تذكر أي شيء”.
مر الوقت سريعاً وهما في ذلك المدى الساكن يمارسان الصيد، حتى امتلأت سلة الخيزران عن آخرها بالأسماك، والتي كان جلّها حصاد تلك الشبكة التي بُسطت في الأعماق كنسيج عنكبوتي محكم.
بعد شهر ونصف، كانت نظراته شاخصة نحو أفق بعيد غاص في غياهب العدم، يرمق بعينين قانيتين ذلك الضباب الكثيف الذي يبتلع المدى؛ لم يكن يقطع سكون تأمله سوى صوت الأمواج العاتية وهي تلطم القوارب الصغيرة الراسية بقسوة، حتى أن بعض رذاذها المالح كان يتطاير ليلامس وجهه الشاحب. كان الصباح يطل ببطء، والظلام ينقشع تدريجياً عن الأرجاء، بينما تعالت صيحات ديك لم يتوقف منذ مدة، معلنةً يقظة قسرية لأهالي تلك الأنحاء.
همهم كيبال مرسلاً نظرة متفحصة، ثم اقترح بابتسامة مشجعة: “امم.. ما رأيك إذن أن ترافقني اليوم في رحلة صيد؟”.
رفع نومريس بصره ببطء، وقبل أن ينطق، تدخلت الجدة العجوز قائلة: “لقد سألته الأمر ذاته قبل قليل… لا يزال عاجزاً عن تذكر أي شيء”.
“أنا قادم”؛ استجاب الصبي على الفور لنداء العجوز التي كانت تناديه من داخل الكوخ الخشبي، ذلك المسكن المتواضع الذي بدا وكأنه معلق فوق سطح الماء بفعل أعمدة خشبية ضخمة غُرست في قاع البحر.
نظر إليه نومريس باستغراب وسأل: “ألن تتابع عملك اليوم في صيانة القوارب وصناعتها؟”.
لوّح كيبال بيده ضاحكاً: “العمل المتواصل يورث الإرهاق.. سأجعل من اليوم عطلة، نصطاد فيها بعض السمك ونبحر قليلاً، ثم نقفل راجعين مع اقتراب وقت الغداء”.
أومأ نومريس برأسه موافقاً: “حسناً، لا مشكلة لدي.. يمكننا الذهاب”.
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .nightmode .shola-widget, .nightmode .shola-lb-wrap, .nightmode .shola-pb-wrap { background: #222; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .nightmode .shola-modal-box { background: #222; color: #ddd; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 16 يوم متبقي 11,000 شعلة الهدف: 66,666 16.5% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 10,000🥈Fares saeed🔥 1,000 🥇M. K💎 10,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉ibrahim shazly💎 5004الخال!💎 100
اتسعت ابتسامة الجدة العجوز وهتفت ببهجة: “هذا رائع حقاً! أحضرا لنا صيداً وفيراً من الأعماق لنقيم مأدبة احتفال صغيرة الليلة”.
كان نومريس على وشك الحديث وإبلاغه بالرسالة، لكن الرجل عاجله ضاحكاً: “الفطور جاهز، أليس كذلك؟”.
بعد انتهاء المائدة الصغيرة، خرج كيبال ونومريس يحملان سلة من الخيزران المتين وصنارتي صيد، بينما ارتدى نومريس قبعة خيزران مماثلة لتلك التي يرتديها الرجل لتسليح رأسيهما ضد رذاذ البحر المالح.
“العم كيبال!..”؛ صرخ نومريس هذه المرة بصوت أكثر حدة وارتفاعاً.
في تلك الأثناء، تقدم نومريس بخطوات وئيدة نحو حافة قاربهم، مشهراً نظراته القانية داخل جوف المركب الغريب؛ لمح كيبال الأمر ذاته في الوقت نفسه. كان هناك صبي ممدد في قاع القارب، يمتلك شعراً أبيض ناصعاً كالثلج، وبشرة شاحبة بلغت حداً شديداً من البياض، وكان مستلقياً بسكون تام يبدو معه وكأنه غارق في نوم عميق، أو فاقد للوعي تماماً.
جلس نومريس في مؤخرة القارب ممسكاً بالمجدافين بكلتا يديه، في حين هز كيبال شبكة الصيد القابعة عند القاع ليتحقق من سلامتها قبل أن يزيحها جانباً، ثم اتخذ مجلسه في المقابل ممسكاً بالمجدافين الآخرين. أومأ كيبال برأسه متسائلاً: “هل أنت مستعد يا فتى؟”.
رفع نومريس بصره ببطء، وقبل أن ينطق، تدخلت الجدة العجوز قائلة: “لقد سألته الأمر ذاته قبل قليل… لا يزال عاجزاً عن تذكر أي شيء”.
“نعم، مستعد”؛ أجاب نومريس بنبرة هادئة وثابتة.
“طبيب؟!”؛ أعادت العجوز الكلمة بنبرة متهكمة وهي تستدير وتسير في الاتجاه المقابل؛ كانت ترتدي جوارب صوفية بيضاء سميكة فوق سروال رمادي من القماش الخشن بدا منكمشاً ومجعداً بأكمله، تماماً مثل رداء نومريس المتواضع ذي اللونين الأسود والرمادي. واستطردت قائلة: “أنا لا أحتاج إلى أطباء في هذا العمر.. كم بقي لي لأعيشه على أي حال؟ لقد عشتُ ما فيه الكفاية، وكل ما تبقى من أيام ليس سوى بركة”.
اتسعت ابتسامة الجدة العجوز وهتفت ببهجة: “هذا رائع حقاً! أحضرا لنا صيداً وفيراً من الأعماق لنقيم مأدبة احتفال صغيرة الليلة”.
لم يكن قاربهما الوحيد الذي يشق عباب الماء في ذلك الصباح؛ إذ كانت عِدة قوارب لأهالي القرية قد سبقتهم إلى عرض البحر منذ مدة، بينما كانت قوارب أخرى تبتعد شيئاً فشيئاً أمامهم، متلاشية في الأفق.
أخذ قاربهما يبتعد وينفصل عن اليابسة تدريجياً، حتى ابتلعهما الضباب الرمادي الكثيف وانعزلا وسط لجة البحر المفتوح. كان الموج هادئاً وسكناً في هذه البقعة على عكس اضطرابه عند الشاطئ، وفجأة، برز من بين ثنايا الضباب شبح جزيرة عملاقة بدت كعملاق راقد في عتمة الأفق. كانت هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها نومريس للصيد في هذا المدى، فاستفسر وعيناه معلقتان بذلك الكيان الغامض: “ما هذا الشيء يا عم؟”.
أطلق الرجل ضحكة قصيرة وبسيطة وقال: “إنها مجرد جزيرة نائية.. سنقترب من محيطها قليلاً لنبدأ الصيد؛ فساحلها يعد بقعة مثالية تكتظ بالأسماك، خصوصاً مع هذه البرودة التي تجتاح الجو الآن”.
توقف القارب أخيراً عند نقطة محددة، فجمع كيبال الشبكة ببراعة قبل أن يقذفها بحركة دائرية واسعة لتستقر في عرض البحر. التفت بعد ذلك نحو دلو صغير، وأخرجه مستعرضاً ما بداخله من حشرات بحرية صغيرة وطُعوم تتحرك ببطء، ثم بدأ يثبت إحداها في خطاف صنارته، ليحذو نومريس حذوه ببرود تام ودون أي تردد.
نهاية الفصل
راقب كيبال حركة أصابع الفتى، وقال بنبرة ملأها الإعجاب: “عندما كنت في مثل سنك، كنت أرتعد خوفاً من مجرد لمس هذه الحشرات.. لكن رؤيتك وتمسكك بها بهذا الثبات يظهران أنك تملك شجاعة حقيقية في قلبك”.
أخذ قاربهما يبتعد وينفصل عن اليابسة تدريجياً، حتى ابتلعهما الضباب الرمادي الكثيف وانعزلا وسط لجة البحر المفتوح. كان الموج هادئاً وسكناً في هذه البقعة على عكس اضطرابه عند الشاطئ، وفجأة، برز من بين ثنايا الضباب شبح جزيرة عملاقة بدت كعملاق راقد في عتمة الأفق. كانت هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها نومريس للصيد في هذا المدى، فاستفسر وعيناه معلقتان بذلك الكيان الغامض: “ما هذا الشيء يا عم؟”.
لم يعقب نومريس، بل اكتفى بإلقاء خطاف صنارته نحو صفحة الماء الراكدة، ليبدأ كلاهما رحلة الانتظار وسط الصمت والضباب.
أجابها محاولاً تغيير مجرى الحديث: “لا شيء.. هل العمة بيانكا تعد وجبة الفطور؟”.
مر الوقت سريعاً وهما في ذلك المدى الساكن يمارسان الصيد، حتى امتلأت سلة الخيزران عن آخرها بالأسماك، والتي كان جلّها حصاد تلك الشبكة التي بُسطت في الأعماق كنسيج عنكبوتي محكم.
التفت كيبال نحو نومريس وقال بنبرة هادئة: “هل نكتفي بهذا ونعود يا بني؟”.
لم يجبه نومريس، بل التفت برأسه حاداً بنظراته نحو نقطة مبهمة في الأفق بعد أن استشعر حركة غريبة تقترب عبر المدى، واكتفى بالصمت المخيم. لاحظ كيبال تيبّس ملامح الفتى، فنقل بصره تلقائياً نحو الاتجاه ذاته الذي شاخت فيه نظرات نومريس؛ وفجأة، انشق ثوب الضباب الرمادي ليبرز من ثناياه قارب صغير كان يتقدم نحوهما ببطء شديد ورتابة مريبة، متخذاً مساراً مباشراً يهدد بالارتطام بهيكل قاربهم.
بعد مسافة قصيرة، وصل إلى نهاية الممشى الخشبي؛ ورغم أن حدود هذه القرية العائمة قد انتهت خلفه، إلا أن الجسر الخشبي الممتد كان لا يزال يتوغل لمسافة طويلة في عرض البحر. وعند ذروة الممشى، وجد رجلاً في الأربعينيات من عمره يقف فوق متن قارب صغير، كان يطرق بهمة ونشاط مستخدماً مطرقته الحديدية لتثبيت قطعة خشبية جديدة بدا أنها قُطعت للتو من جذع شجرة حديثة.
تحرك كيبال بسرعة صَوْب حافة القارب، ماداً قدميه بقوة ليتأهب للمصادمة، وهتف مستنكراً: “من الذي يقود هذا القارب بحق الجحيم؟!”.
رفع نومريس بصره ببطء، وقبل أن ينطق، تدخلت الجدة العجوز قائلة: “لقد سألته الأمر ذاته قبل قليل… لا يزال عاجزاً عن تذكر أي شيء”.
كانت العمة بيانكا تبدو شابة بملامحها الوسيمة والنضرة، رغم امتلاء وجنتيها بفعل السمنة. وسط هذه العائلة المحلية، بدا نومريس التناقض البصري الوحيد في المكان؛ بملامحه وثيابه القاتمة التي تمتزج فيها خيوط السواد بالرمادي، إلا أنهم رغم ذلك غمروا هذا الفتى الغريب برعاية فائقة وطيبة مفرطة منذ أن انتشلوه قبل شهر ونصف دون أن يعرفوا عن حقيقته شيئاً.
تأزّم جسد كيبال وضغط بكل قوته ليدفع القارب المغترب ويمنع تصادماً عنيفاً قد يقلب مركبهم، وظل متمسكاً بالدفع حتى تلاشت القوة الاندفاعية للمركب الآخر وتوقف تماماً. تنفس الرجل الصعداء وقد احتقن وجهه باللون الأحمر بفعل الجهد العضلي الهائل والضغط الذي خلفه المركب القادم.
همهم كيبال مرسلاً نظرة متفحصة، ثم اقترح بابتسامة مشجعة: “امم.. ما رأيك إذن أن ترافقني اليوم في رحلة صيد؟”.
أومأ نومريس برأسه موافقاً: “حسناً، لا مشكلة لدي.. يمكننا الذهاب”.
في تلك الأثناء، تقدم نومريس بخطوات وئيدة نحو حافة قاربهم، مشهراً نظراته القانية داخل جوف المركب الغريب؛ لمح كيبال الأمر ذاته في الوقت نفسه. كان هناك صبي ممدد في قاع القارب، يمتلك شعراً أبيض ناصعاً كالثلج، وبشرة شاحبة بلغت حداً شديداً من البياض، وكان مستلقياً بسكون تام يبدو معه وكأنه غارق في نوم عميق، أو فاقد للوعي تماماً.
لم يجبه نومريس، بل التفت برأسه حاداً بنظراته نحو نقطة مبهمة في الأفق بعد أن استشعر حركة غريبة تقترب عبر المدى، واكتفى بالصمت المخيم. لاحظ كيبال تيبّس ملامح الفتى، فنقل بصره تلقائياً نحو الاتجاه ذاته الذي شاخت فيه نظرات نومريس؛ وفجأة، انشق ثوب الضباب الرمادي ليبرز من ثناياه قارب صغير كان يتقدم نحوهما ببطء شديد ورتابة مريبة، متخذاً مساراً مباشراً يهدد بالارتطام بهيكل قاربهم.
نهاية الفصل
