حلزون مايوي — الفصل الرابع
004
أظن أنه حان الوقت أخيرًا للحديث عن عطلة الربيع. حدث ذلك خلال عطلة الربيع. هاجمني مصاص دماء. لم يكن هجومًا بالمعنى الدقيق، بل كان أقرب إلى أنني مددت عنقي بنفسي… حرفيًا، مددت عنقي بنفسي نحو زوج من الأنياب الحادة. على أي حال، أنا كويومي أراراغي، في هذا العصر الذي أصبح فيه العلم قاهرًا، ولم يعد هناك ظلام لا يمكن إنارته، هاجمني مصاص دماء في ضاحية ريفية منعزلة في اليابان. شيطانة جميلة. شيطانة فائقة الجمال، جمالها كفيل بتجميد الدم في العروق… هاجمتني. استُنزِف دمي. ونتيجة لذلك، أصبحتُ مصاص دماء. أعلم أنها تبدو كمزحة، لكنها ليست مزحة مضحكة. جسد يحترق من الشمس، يكره الصليب، يضعف بالثوم، ويذوب بالماء المقدس… وفي المقابل، حصلت على قدرات جسدية لا تُصدق. ثم ما كان ينتظرني في نهاية ملحمتي… واقع جحيمي. أنقذني من ذلك الواقع رجل عابر، بل ميمي أوشينو. قدوة لا يحتذي بها أحد، بلا عنوان ثابت، يتنقل من رحلة إلى رحلة، ميمي أوشينو. لقد تمكن بطريقة ما من القضاء على مصاص الدماء… وأنجز مجموعة من الأشياء الأخرى. وهكذا… عُدت إنسانًا. بقيت آثار قليلة من قدراتي الجسدية السابقة… تعافٍ خفيف، وتمثيل غذائي متزايد، لا شيء مميز… لكنني عُدت لا أتأثر بأشعة الشمس والصلبان والثوم والماء المقدس. القصة لا تستحق أن تُروى. ليست لها نهاية سعيدة، كالعادة. إنها حالة منتهية، موضوع مغلق. الأشياء القليلة المتبقية التي يمكن اعتبارها مشاكل، مثل أن يُشرب دمي مرة في الشهر، وأن يتسبب ذلك في تجاوز بصري وما شابه للمستويات البشرية في كل مرة… هذه مسألة شخصية الآن، مشاكل أحتاج فقط إلى مواجهتها لبقية حياتي. على أي حال… خرجتُ من ذلك وأنا على الجانب المحظوظ. فقد كان ذلك خلال عطلة الربيع فحسب. جحيمي استمر أسبوعين فحسب. على عكس جحيم سينجوغاهارا. في حالتها… حالة الفتاة التي قابلت سلطعونًا. كان عليها أن تتعامل، لأكثر من عامين، مع خلل جسدي. خلل انتهك حريتها. عامان من الجحيم… كيف كان ذلك الشعور؟ لذا فربما لم يكن غريبًا أن تشعر سينجوغاهارا، على غير عادتها، بامتنان صادق تجاهي، أكثر مما ينبغي حتى… فبصرف النظر عن الخلل الجسدي، فإن حل المشكلة التي عذبت عقلها لا بد أنه كان إنجازًا لا يُعوض ولا يُقدر بثمن. عقلها. نفسيتها. نعم، في النهاية، المشاكل من هذا النوع، ذلك النوع الذي لا يمكنك مناقشته مع أحد لأنه لن يفهمه أحد، تُكبّل نفسيتك، أو تدق فيها أسافين، أكثر مما تفعل بجسدك… في كثير من الأحيان. تمامًا كما أن ضوء الشمس المتسلل من ستائري في الصباح ما يزال يخيفني… رغم أنني بخير الآن. في حدود معرفتي، هناك شخص آخر ساعده أوشينو بالطريقة نفسها، وهي رئيسة صفنا، أنا وسينجوغاهارا: تسوباسا هانيكاوا… لكن الأمر استمر بضعة أيام فقط في حالتها، أقصر حتى مما حدث معي، وعلاوة على ذلك، فقد نسيت ما حدث. بهذا المعنى، يمكن القول إن حالتها هي الأوفر حظًا. صحيح أن حالة هانيكاوا ميؤوس منها تمامًا ما لم ننظر إليها من هذه الزاوية… «في هذه المنطقة». «ماذا؟» «المنزل الذي كنت أسكن فيه. كان هنا». «منزلك…» نظرت في الاتجاه الذي أشارت إليه سينجوغاهارا بالضبط، لكن كل ما كان هناك… شارع. «شارع». كان نموذجًا ممتازًا للطريق. لون الإسفلت ما يزال جديدًا… وكأنه رُصف للتو. مما يعني… «هل هذا ما تسمينه إعادة تطوير سكني؟» سألت. «المصطلح الأدق هنا هو تخطيط عمراني». «هل كنتِ تعرفين؟» «لم أكن أعرف». «إذن كان عليكِ أن تتصرفي بدهشة أكبر». «لستُ ممثلة بارعة». بالفعل، لم تُحرّك حتى حاجبًا واحدًا. لكن… عيناها كانتا مثبتتين في ذلك الاتجاه، على ذلك المكان. من تصرفات سينجوغاهارا، يمكنك، إن أردت، أن تُفسّر أنها كانت تشعر في داخلها بالعجز، كمن لا يملك مكانًا يذهب إليه. «لقد تغير فعلًا… تمامًا. لا أصدق أنه لم يمر سوى عام واحد». «…………» «كم هذا ممل». تمتمت: «يا للخسارة بعد أن تكبدنا عناء المجيء». بدت مشمئزة حقًا. على أي حال، لا بد أن هذا يعني أن أحد أهداف سينجوغاهارا الرئيسية من خروجها إلى هذه المنطقة اليوم، إلى جانب تجربة ملابسها الجديدة أو أيًا كان ما قالته، قد تحقق. التفتُّ. كانت مايوي هاتشيكوجي مختبئة خلف ساقي وتتفحص سينجوغاهارا. كانت الفتاة صامتة، وكأنها في حالة تأهب قصوى. رغم كونها طفلة، أو ربما لأنها طفلة، بدا أنها تستطيع أن تستشعر حدسيًا مدى خطورة سينجوغاهارا، وكانت تستخدمني كدرع منذ مدة لتتجنبها. بالطبع، من المستحيل أن يتوارى شخص خلف آخر بالكامل كجدار، لذا كان وجودها واضحًا، وكان واضحًا أيضًا أنها تحاول تجنب سينجوغاهارا، لدرجة أن الموقف بدأ يشعرني بعدم الارتياح كطرف ثالث. لكن سينجوغاهارا، من جهتها، لم تبذل أي محاولة للتعامل مع مجرد طفلة (كانت تتحدث إليّ أنا فقط بعبارات مثل «من هنا» أو «سنعبر من هذا الشارع»)، لذا كانتا متعادلتين، إذا جاز التعبير. لم يكن شعورًا رائعًا أن أكون عالقًا في المنتصف. لكن استنادًا إلى رد فعلها، لم تكن سينجوغاهارا تكره الأطفال أو تجد صعوبة في التواجد حولهم بقدر ما كانت… ببساطة لا تفهمهم. «لم أتوقع أن المنزل ما يزال موجودًا بعد أن بعناه، لكن… لم أتوقع أن يتحول إلى طريق. يجب أن أقول إن هذا يصيبني بالكآبة». «نعم… أظن ذلك». كل ما استطعتُ فعله هو إظهار التعاطف. كان من السهل أن أفهم سبب شعورها هذا. الطريق من الحديقة إلى موقعنا الحالي كان مزيجًا من الطرق القديمة والجديدة، والحي لا يشبه إطلاقًا الخريطة الإرشادية الموجودة على لافتة الحديقة… لذا بدا المشهد محبطًا نوعًا ما حتى بالنسبة لي، رغم عدم وجود أي رابط بيني وبين المكان. لكن ماذا يمكنك أن تفعل؟ المدن تتغير، تمامًا مثل البشر. «هف». أطلقت سينجوغاهارا تنهيدة عميقة. «لقد أضعتُ وقتك في شيء لا جدوى منه. هل أنت مستعد للذهاب يا أراراغي؟» «هاه… هل أنتِ متأكدة؟» «متأكدة». «فهمت. حسنًا إذن. لنذهب يا هاتشيكوجي». أومأت هاتشيكوجي بصمت. …ربما كانت تتوهم أن سينجوغاهارا ستكتشف مكانها إذا تكلمت. بدأت سينجوغاهارا تمشي وحدها بخطوات واسعة. تبعناها أنا وهاتشيكوجي. «في الواقع يا هاتشيكوجي، هل يمكنكِ ترك ساقي؟ يصعب عليّ المشي. أنتِ تتعلقين بي وكأنكِ دُبّ كوالا صغير. ماذا ستفعلين إذا سقطتُ؟» «…………» «قولي شيئًا». عندما أصررتُ، ردت هاتشيكوجي: «حسنًا، ليس وكأنني أريد التعلق بساقك المرعبة يا سيد أراراغي!» انتزعت نفسها عني. ولم يكن هناك أي صوت… مع أنني توقعتُ سماع صوت تمزيق. «لا أصدقك! سأخبر رابطة أولياء الأمور والمعلمين عن هذا!» اشتكت. «أوه حقًا؟ رابطة أولياء الأمور والمعلمين؟» «رابطة أولياء الأمور والمعلمين منظمة مذهلة! لن يحتاجوا حتى إلى تحريك أكثر من إصبع واحد ليدفعوا بمواطن ضعيف وحيد بلا قوة مثلك إلى الحضيض يا سيد أراراغي!» «بإصبع واحد فقط؟ يبدو الأمر مخيفًا. بالمناسبة، هل تعرفين ما معنى اختصار PTA بالإنجليزية، هاتشيكوجي؟» «هاه؟ حسنًا…» صمتت هاتشيكوجي. لا بد أنها لم تكن تعرف. بالطبع، أنا أيضًا لم أكن أعرف. كنت سعيدًا لأن الأمر لم يتحول إلى جدال طويل. «كلمة PTA اختصارٌ لـ Parent-Teacher Association، وتعني رابطة أولياء الأمور والمعلمين. وهو مصطلح إنجليزي لمنظمة مدرسية تتكون من أهالي الطلاب والمعلمين»، أجابت سينجوغاهارا من الأمام. «وهي أيضًا اختصار لمصطلح طبي يعني رأب الأوعية الدموية عبر الجلد، لكنني أشك في أن هذا ما تتحدث عنه يا أراراغي، لذا فالشرح الأول هو الصحيح». «همم. كنت أعرف بشكل مبهم أنها اجتماع للأهالي، لكنني لم أكن أعرف أن المعلمين يُحسبون أيضًا. أنتِ واسعة الاطلاع حقًا يا سينجوغاهارا». «لا يا أراراغي، بل أنت مجرد أُمّي صعلوك». «سأقبل “أُمّي” كعكس للكلمة، لكن “صعلوك”…» «لا يعجبك؟ إذن لنقل “حثالة” بدلًا منها». لم تلتفت حتى لمواجهتي. يبدو فعلًا أنها في مزاج سيئ… قد يتساءل شخص عادي كيف تتصرف سينجوغاهارا بشكل مختلف عن طبيعتها حادة اللسان المعتادة، لكن بمجرد أن تتعرض لنفس القدر من الإهانات اللفظية التي أتلقاها منها، تبدأ في التمييز. لم تكن حادة كعادتها. في العادة، حتى عندما تكون في مزاج جيد، لا تتراجع. همم. ما الأمر؟ هل لأن منزلها أصبح طريقًا… أم أنه خطئي؟ بدا الأمر وكأنه الاثنان معًا. على أي حال، بعيدًا عن موضوع إساءة معاملة الأطفال، كنتُ قد تركتُ سينجوغاهارا في منتصف الحديث لأهتم بهاتشيكوجي… بدا ذلك تصرفًا طبيعيًا، لكن سينجوغاهارا لم تكن راضية عن ذلك. في هذه الحالة، كان عليّ أن أوصل هذه الفتاة الصغيرة، مايوي هاتشيكوجي، مباشرة إلى وجهتها ثم أركز على تعديل مزاج سينجوغاهارا. سأشتري لها الغداء، ثم أذهب معها للتسوق… وإذا سمح الوقت، سآخذها إلى مكان ممتع. حسنًا، حُسم الأمر، هذه هي الخطة. لم أكن أريد العودة إلى المنزل على أي حال بسبب أختيّ الصغيرتين، لذا سأقضي اليوم في خدمة سينجوغاهارا. ومن حسن حظي أنني أحمل الكثير من المال… مهلاً، هل أنا عبدٌ لها؟! نجحتُ في مفاجأة نفسي. «بالمناسبة يا هاتشيكوجي». «ما الأمر يا سيد أراراغي؟» «هذا العنوان»، قلتُ وأنا أخرج مذكرتها من جيبي. لم أردها لها بعد. «ما هذا المكان بالضبط؟» وأيضًا… ماذا ستفعلين هناك؟ أردتُ أن أعرف ما دمتُ سأوصلها إلى هناك… خاصة أنها تلميذة في المرحلة الابتدائية تتنقل وحدها. «هاه، لن أخبرك! سأمارس حقي في الصمت!» «…………» يا لها من مغرورة صغيرة. من قال إن الأطفال أنقياء وأبرياء؟ «لا كلام، لا مساعدة». «لم أطلب مساعدتك أبدًا! أستطيع الوصول بنفسي!» «ألستِ ضائعة؟» «وماذا في ذلك؟!» «همم… نصيحة للمستقبل يا هاتشيكوجي: يجب أن تطلبي المساعدة من الناس عندما تضيعين». «أمثالك ممن لا يستطيعون الإيمان بأنفسهم يا سيد أراراغي، أحرار في فعل ذلك! اطلب المساعدة من الآخرين حتى يشبع قلبك! لكنني لست بحاجة إلى ذلك! هذا النوع من الأمور بمثابة تأمين يومي بالنسبة لي!» «أوه… إذن أظن أن تأمينكِ يغطي هذا.» رد غريب. لكن يمكنني أن أفهم لماذا تراني هاتشيكوجي مصدر إزعاج. عندما كنتُ في المدرسة الابتدائية، كنتُ أؤمن أنني أستطيع فعل أي شيء بمفردي أيضًا. كنتُ مقتنعًا ألا حاجة أبدًا لطلب المساعدة من أي شخص… وأنه لا يوجد شيء أحتاج فيه إلى مساعدة خارجية. أستطيع فعل أي شيء؟ نعم. بالطبع لم أكن أستطيع. «حسنًا إذن، أيتها الآنسة. أرجوكِ، هل تتكرّمين بمنحي سرّ ما يوجد بالضبط في هذا الموقع؟» «لا تبدو مخلصًا!» كانت صعبة المراس. كانت تلك الحركة كافية مع أي من أختَيّ في المرحلة الإعدادية… لكن وجه هاتشيكوجي تعلوه مسحة ذكاء، وربما لا أستطيع معاملتها كطفلة غبية. ماذا أفعل؟ «…حسنًا». جاءتني فكرة رائعة. مددتُ يدي إلى جيبي الخلفي وأخرجتُ محفظتي. كنتُ أحمل الكثير من المال. «سأعطيكِ مصروفًا أيتها الآنسة». «واو! سأخبرك بأي شيء تريده!» طفلة غبية. في الواقع، كانت غبية حقًا… كنتُ متأكدًا أنه لم يُختطف أي طفل حقيقي بهذه الطريقة من قبل… لكن يبدو أن هاتشيكوجي تملك المقومات لتكون الأولى في التاريخ. «شخص اسمه الآنسة تسونادي يسكن هناك». «تسونادي؟ هل هذا اسم عائلتها أم ماذا؟» «إنه اسم عائلة رائع!» قالت هاتشيكوجي بغضب لسبب ما. يمكنني تفهم الانزعاج من شخص يقلل من اسم شخص تعرفه، لكنني لا أرى نفسي أرفع صوتي لهذا السبب. هل هي غير مستقرة عاطفيًا أم ماذا؟ «حسنًا… كيف تعرفين هذه السيدة؟» «إنها قريبة لي». «قريبة، هاه؟» بمعنى آخر، كانت هاتشيكوجي في طريقها لقضاء يوم الأحد واللعب في منزل قريبة لها. إما أن والديها يتساهلان كثيرًا، أو أنها تسللت خارجًا دون علمهما. لا أعرف أيهما… لكن بغض النظر عن المقصد، فإن مغامرة عطلة نهاية الأسبوع لتلميذة الابتدائي هذه قد توقفت فجأة. «هل هي ابنة عم مقربة منكِ؟ لا بد أنكِ قطعتِ مسافة طويلة بالنظر إلى حجم حقيبة الظهر. هذا النوع من الأمور يفترض فعله في عطلة أطول، كالأسبوع الذهبي مثلاً. أم أن هناك سببًا محددًا لفعلكِ هذا اليوم؟» «نعم، شيء من هذا القبيل». «إنه عيد الأم، وكان يجب أن تكوني في المنزل كابنة صالحة». حسنًا. لم أكن في موقف يسمح لي بقول ذلك بالطبع. …أتعرف يا كويومي، لهذا السبب تحديدًا. لهذا السبب؟ وما المشكلة الكبيرة؟ «لا أريد سماع ذلك منك يا سيد أراراغي». «اسمعي، ماذا تعرفين عن وضعي؟!» «مجرد حدس». «…………» بدا أنها لا تملك أي منطق يدعم كلامها، بل كانت منزعجة ببساطة على مستوى غريزي لأنني كنتُ أعظها. كم هذا قاسٍ. «إذن ماذا كنت تفعل في مكان كهذا يا سيد أراراغي؟ الجلوس بتثاقل على مقعد حديقة في صباح يوم الأحد لا يبدو لي تصرف إنسان محترم». «لا شيء حقًا. فقط…» كدتُ أقول “أقتُل الوقت” وتوقفتُ في اللحظة الأخيرة. تذكرتُ أن أي رجل يجيب “أنا أقتل الوقت فقط” عندما يُسأل عما يفعله هو رجل بلا فائدة. كانت لحظة حرجة. «أقوم بجولة بالدراجة فقط». «جولة بالدراجة؟ كم هذا رائع!» مدحتني. توقعتُ أن يتبع ذلك تعليق لئيم، لكنه لم يأتِ. أوه، فكرتُ. إذن هاتشيكوجي قادرة على مدحي… «بدراجة هوائية، لا نارية». «أهكذا؟ عندما أسمع “جولة بالدراجة”، أفترض أنها دراجة نارية! هذا مؤسف جدًا! ألا تملك رخصة يا سيد أراراغي؟!» «للأسف، قوانين مدرستي تمنعني من الحصول على رخصة قيادة. لكنني أفضل الانتظار لقيادة سيارة على أي حال، فالدراجات النارية خطيرة». «أهكذا؟ لكن في هذه الحالة، ألن تصبح جولة رباعية؟!» «…………» يا إلهي. إنها تتلاعب بالكلمات بطريقة مضحكة جدًا. هل تصحيحها هو التصرف الألطف أم تركها؟… لم أكن متأكدًا. بالمناسبة، سينجوغاهارا لم تُظهر أي رد فعل بينما تواصل المشي في الأمام. لم تحاول حتى المشاركة في المحادثة. ربما لا تستمع إلى المحادثات منخفضة الذكاء. ومع ذلك… الابتسامة العفوية التي رأيتها للتو من مايوي هاتشيكوجي كانت ساحرة نوعًا ما. كانت ابتسامة صادقة. القول إنها كزهرة تفتحت قد يكون مبتذلًا، لكنها من نوع التعابير التي يفقد معظم الناس القدرة عليها عندما يكبرون. «هف… يا للهول». وضعتُ نفسي في موقف خطير مرة أخرى. لو كنتُ مولعًا بالفتيات الصغيرات، لكان قلبي قد سُحر. آه، كم أنا محظوظ لأنني لست كذلك… «على أي حال»، قلتُ، «الشوارع هنا معقدة حقًا. كيف هي ممتدة أصلًا؟ لا أصدق أنكِ حاولتِ المجيء إلى هنا بمفردكِ». «حسنًا، ليست هذه المرة الأولى». «أوه؟ إذن لماذا ضعتِ؟» «…لأنها المرة الأولى منذ زمن طويل»، أجابت هاتشيكوجي بصوت محرج. همف… يمكنني تفهم حدوث ذلك. ظنت أنها تستطيع، لكنها لم تستطع عندما حاولت. يمكنك أن تظن شيئًا، لكن هذا لا يعني أنه صحيح. وهذا ينطبق على تلاميذ المرحلة الابتدائية وطلاب الثانوية وأي شخص آخر. «بالمناسبة يا سيد أراراراغي…» «هناك “را” زائدة!» «آسفة. زلة لسان». «حسنًا، لا تفعليها مجددًا…» «لستُ متأكدة مما تتوقعه. الجميع يخطئون من وقت لآخر. أم تقصد أنك لم تخطئ أبدًا في حياتك يا سيد أراراغي؟» «لن أقول أبدًا، لكنني لا أخطئ في نطق اسم شخص». «حسنًا إذن. قل “تاجر البازلاء باع بازلاءه” ثلاث مرات متتالية». «هذا ليس اسمًا». «بلى، إنه كذلك. لدي ثلاثة أصدقاء بهذا الاسم، في الواقع. لذا أقول إنه اسم شائع جدًا». بدت واثقة جدًا. من السهل جدًا كشف أكاذيب الأطفال. بسهولة مذهلة. «تاجر البازلاء باع بازلاءه، تاجر البازلاء باع بازلاءه، تاجر البازلاء باع بازلاءه». فعلتُها. «ما الحيوان الذي يأكل الأحلام؟» قالت هاتشيكوجي دون أن تفوت فرصة. يبدو أنني أصبحتُ أتلقى الألغاز الآن. «…الباكو؟» «بزبز! خطأ!» قالت هاتشيكوجي بنظرة واثقة. «الإجابة هي…» وارتسمت على وجهها ابتسامة جريئة. «…الإنسان». «تظنين نفسكِ ذكية جدًا!» صرختُ بصوت عالٍ بلا داعٍ لأنني، رغم أنفي، وجدتها فعلاً ذكية. على أي حال. كنا فيما يمكن تسميته بمنطقة سكنية هادئة. مشينا دون أن نصادف أحدًا آخر. بدا الأمر وكأنه مكان يخرج فيه في الصباح كل من لديه وجهة… بينما يبقى الآخرون في الداخل طوال اليوم. بالطبع، لم يكن ذلك مختلفًا كثيرًا عن المنطقة التي أسكن فيها، لكن ما كان مختلفًا هو كل تلك المنازل الكبيرة المذهلة حولنا. لا بد أن كل من يعيش في هذا الحي غني. والآن بعد أن فكرتُ في الأمر، قيل لي إن والد سينجوغاهارا شخصية مهمة في شركة أجنبية. ربما كان هذا طبيعيًا لمن يعيش هنا. شركة أجنبية، هاه؟ ليست بالضبط الشيء الذي ترطه بمدينة في مكان ناءٍ مثل مدينتنا. «اسمع يا أراراغي»، قالت سينجوغاهارا متحدثة لأول مرة منذ فترة. «هل يمكنك إعطائي ذلك العنوان مجددًا؟» «هاه؟ بالتأكيد. هل وصلنا؟» «قد تقول ذلك، وقد لا تقوله»، أجابت سينجوغاهارا بغموض. غير متأكد مما يعنيه ذلك، قرأتُ المذكرة بصوت عالٍ مرة أخرى. أومأت سينجوغاهارا بفهم. «يبدو أننا تجاوزنا المكان». «ماذا؟ حقًا؟» «هكذا يبدو»، قالت سينجوغاهارا بصوت هادئ. «إذا أردت انتقادي، فتفضل وانتقدني حتى يشبع قلبك». «…آه، لن أفعل لأمر بسيط كهذا». يا لها من طريقة غريبة للتصرف بتحدٍ… كانت غير هينة وغير متقبلة للنقد إطلاقًا. «حسنًا». عادت سينجوغاهارا أدراجها بوجه لا تظهر عليه أي علامات اضطراب… بينما تحركت هاتشيكوجي بتناقض تام معها، متجنبة سينجوغاهارا بالدوران حولي. «…لماذا أنتِ مرعوبة من سينجوغاهارا إلى هذا الحد؟ ليس وكأنها فعلت لكِ شيئًا. في الواقع، رغم أنه قد لا يبدو كذلك للوهلة الأولى، إلا أن من يدلكِ على الطريق هي نفسها، لا أنا.». كنتُ أتبعها فحسب. لم أكن في موقف يسمح لي بالتصرف بتعالٍ. حتى لو كان حدس هاتشيكوجي الطفولي يدفعها لتجنب سينجوغاهارا، فهذا مبالغ فيه. يمكنك قول الكثير عن سينجوغاهارا، لكنها ليست مصنوعة من الفولاذ. كيف لا تتأذى من شخص يتجنبها بمثل هذا الوضوح؟ وبصرف النظر عن قلقي على سينجوغاهارا، لم تكن هاتشيكوجي تعاملها بطريقة لائقة أخلاقيًا. «لا يوجد ما يمكنني قوله رداً على ذلك…» اعترفت هاتشيكوجي، مفاجئةً إياي باستجابتها الخجولة والمتواضعة. ثم واصلت همسًا: «ألا تشعر بذلك يا سيد أراراغي؟» «بماذا؟» «بالحقد العنيف المنبعث من تلك المرأة…» «…………» بدت وكأنها تستند إلى ما هو أكثر من مجرد حدس. وأسوأ ما في الأمر أنني لم أستطع مخالفتها الرأي. «يبدو أنها لا تحبني… أشعر بإرادة قوية تنبعث منها، وهي تقول “أنتِ في طريقي، اختفي”…» «لا أعلم إن كنتُ سأذهب إلى هذا الحد، لكن… همم». حسنًا. سأسأل، رغم أنني خائف قليلًا. ورغم أن الإجابة كانت تبدو واضحة بالنسبة لي، بدا أنني بحاجة لسماعها رسميًا. «اسمعي يا سينجوغاهارا». «ما الأمر؟» مرة أخرى، أجابت دون أن تلتفت. ربما كانت تفكر فيّ بعبارة “أنت في طريقي، اختفِ”. كان الأمر غريبًا. كنا نعتبر بعضنا أصدقاء، لكننا نجد صعوبة في التواصل. «ألا تحبين الأطفال؟» «لا، لا أحبهم. أكرههم. أتمنى لو يموتون جميعًا، كل واحد منهم». بلا رحمة. انكمشت هاتشيكوجي إلى الخلف صائحةً «آخ!» «لا أملك أي فكرة عن كيفية التعامل معهم. أظن أن الأمر بدأ في المرحلة الإعدادية. كنتُ أتسوق في متجر كبير عندما اصطدمتُ بطفل في السابعة من عمره». «أوه، وهل جعلتِ الطفل يبكي؟» «لا، لم تكن تلك هي المشكلة. بل وجدتُ نفسي أقول له: “يا إلهي، سيدي، هل أنت بخير؟ هل أُصبت؟ أنا آسفة بصدق. أرجوك سامحني”». «…………» «كنتُ مرتبكة لأنني لا أعرف كيف أتحدث مع الأطفال الصغار. ومع ذلك، كان تصرفي بهذا الأدب والتواضع مع طفل بمثابة صدمة لي… حتى قررتُ ألا أظهر سوى الكراهية لأي شيء يمكن تسميته طفلًا، سواء كان بشريًا أو غير ذلك». كانت تفصّل ردود أفعالها بناءً على عقدتها تلك. فهمتُ المنطق، لكنني لم أفهم هذا الشعور. «بالمناسبة يا أراراغي». «ما الأمر؟» «يبدو أننا تجاوزنا المكان في الاتجاه المعاكس مرة أخرى». «هاه؟» تجاوزنا… العنوان؟ حقًا؟ هذه هي المرة الثانية على التوالي. قد تتوقع من شخص يأتي إلى مكان جديد أن يواجه صعوبة في مطابقة المواقع على الخريطة مع ما هو موجود فعليًا، لكن سينجوغاهارا عاشت هنا حتى وقت قريب. «إذا أردت انتقادي، فتفضل وانتقدني حتى يشبع قلبك». «لا، لن أفعل لأمر… مهلاً. هل قلتِها بصياغة مختلفة قليلًا عن المرة السابقة؟» «أتظن ذلك؟ لم ألاحظ». «هيا. أوه صحيح، ألم تتحدثي عن التخطيط العمراني أو شيء من هذا القبيل سابقًا؟ حتى منزلكِ أصبح طريقًا، لذا أظن أنه من المنطقي أن يبدو هذا المكان مختلفًا جدًا عما تتذكرينه». «لا. ليست هذه هي المشكلة». نظرت حول المنطقة مرة أخرى، ثم تابعت: «نعم، هناك طرق أكثر، وبعض المنازل اختفت، وأخرى بُنيت، لكن ليس وكأن كل الشوارع القديمة قد اختفت… لا يوجد سبب هيكلي يجعلني أضل الطريق». «آه هاه…» بما أنها كانت ضائعة فعلًا، بدا هذا هو الواقع. وكيف لي أن أستنتج غير ذلك؟ ربما لا تريد سينجوغاهارا الاعتراف بارتكاب خطأ ناتج عن الإهمال. يمكن أن تكون عنيدة جدًا بأسلوبها الخاص… لكن بينما كانت هذه الأفكار تدور في رأسي، سمعتُ منها تسائلًا: «ما الأمر؟» «أستطيع أن أرى من وجهك أنك تتلهف للشكوى. إذا كان هناك شيء تريد قوله، فلماذا لا تقوله كرجل؟ سأتجرد من ملابسي وأنبطح على أربع لأعتذر لك، إذا كان هذا سيسعدك». «هل تحاولين جعلي أبدو كأحقر رجل على وجه الأرض؟» وكأنني سأدعها تفعل ذلك في منتصف منطقة سكنية! ثم إنني لم أكن مهتمًا برؤيتها تنبطح في المقام الأول. «الانبطاح على أربع وأنا عارية»، قالت، «ثمنٌ زهيد لجعل كويومي أراراغي معروفًا حول العالم بأنه أحقر رجل على قيد الحياة». «الشيء الرخيص الوحيد هنا هو كبرياؤكِ». لم أعد قادرًا على معرفة ما إذا كانت متغطرسة أم مجرد وقحة. «لكنني سأبقي على جواربي فقط»، أضافت. «تقولين ذلك وكأنه حسمٌ للموضوع، لكنني لستُ مهتمًا بهذه الأمور الغريبة». «وحين أقول جوارب، أعني جوارب شبكية». «التمادي المفرط لن يغير شيئًا…» لكن بعد تفكير… حتى لو لم أكن مهتمًا بذلك، فإن جزءًا مني أراد فعلًا رؤية سينجوغاهارا تحديدًا بالجوارب الشبكية… بل لا داعي حتى لأن تكون عارية. أعني، إذا كانت تبدو بمثل هذا الجمال بالجوارب السوداء العادية… «هذا وجه شخص يفكر بأفكار منحرفة يا أراراغي». «من، أنا؟ هل ترينني حقًا بهذا المنظور المبتذل، وأنا شابٌ شعاره “الاستقامة”؟ لا أصدق أنكِ تقولين ذلك عني يا سينجوغاهارا». «أوه؟ أظن أنني كنتُ أقول هذه الأشياء عنك دائمًا، سواء كان لديّ دليل أم لا. ومن المريب جدًا أنك بدلاً من الرد بملاحظة ذكية، ترفض الاتهام رفضًا قاطعًا». «آه…» «إذن، إجباري على الانبطاح على أربع وأنا عارية لأعتذر لك ليس كافيًا، بل تريد كتابة عبارات بذيئة على كل شبر من جسدي بقلم حبر دائم؟» «لم أكن لأذهب إلى هذا الحد!» «إذن إلى أي مدى كنتَ ستذهب؟» «همم، على أي حال يا هاتشيكوجي»، غيرتُ الموضوع بفظاظة. يمكنني التعلم من سينجوغاهارا في هذا الجانب. «آسف، لكن قد يستغرق الأمر وقتًا أطول. لكننا نعرف أنه في هذه المنطقة على الأقل، لذا…» «لا»، قالت هاتشيكوجي بنبرة هادئة على نحو مفاجئ… من ذلك النوع الميكانيكي الخالي من المشاعر الذي يُستخدم في الفصل للإجابة عن معادلة بديهية. «من المستحيل ذلك، على الأرجح». «ماذا؟ “على الأرجح”؟» «إذا كانت “على الأرجح” لا تعجبك، فلتكن “بالتأكيد”». «…………» ليس الأمر أن “على الأرجح” لم تعجبني. ولم أكن راضيًا عن “بالتأكيد” أيضًا. لكن… وجدتُ نفسي عاجزًا عن الرد. ليس أمام تلك النبرة. «لأننا مهما حاولنا، لن أصل أبدًا». هاتشيكوجي. «لن أصل أبدًا». كررت هاتشيكوجي. «لن أصل أبدًا… إلى أمي». تمامًا مثل… أسطوانة مكسورة. مثل أسطوانة غير مكسورة. «لأنني… حلزونة تائهة».
أظن أنه حان الوقت أخيرًا للحديث عن عطلة الربيع.
حدث ذلك خلال عطلة الربيع.
هاجمني مصاص دماء.
لم يكن هجومًا بالمعنى الدقيق، بل كان أقرب إلى أنني مددت عنقي بنفسي… حرفيًا، مددت عنقي بنفسي نحو زوج من الأنياب الحادة. على أي حال، أنا كويومي أراراغي، في هذا العصر الذي أصبح فيه العلم قاهرًا، ولم يعد هناك ظلام لا يمكن إنارته، هاجمني مصاص دماء في ضاحية ريفية منعزلة في اليابان.
شيطانة جميلة.
شيطانة فائقة الجمال، جمالها كفيل بتجميد الدم في العروق… هاجمتني.
استُنزِف دمي.
ونتيجة لذلك، أصبحتُ مصاص دماء.
أعلم أنها تبدو كمزحة، لكنها ليست مزحة مضحكة.
جسد يحترق من الشمس، يكره الصليب، يضعف بالثوم، ويذوب بالماء المقدس… وفي المقابل، حصلت على قدرات جسدية لا تُصدق. ثم ما كان ينتظرني في نهاية ملحمتي… واقع جحيمي. أنقذني من ذلك الواقع رجل عابر، بل ميمي أوشينو. قدوة لا يحتذي بها أحد، بلا عنوان ثابت، يتنقل من رحلة إلى رحلة، ميمي أوشينو. لقد تمكن بطريقة ما من القضاء على مصاص الدماء… وأنجز مجموعة من الأشياء الأخرى.
وهكذا… عُدت إنسانًا.
بقيت آثار قليلة من قدراتي الجسدية السابقة… تعافٍ خفيف، وتمثيل غذائي متزايد، لا شيء مميز… لكنني عُدت لا أتأثر بأشعة الشمس والصلبان والثوم والماء المقدس.
القصة لا تستحق أن تُروى.
ليست لها نهاية سعيدة، كالعادة.
إنها حالة منتهية، موضوع مغلق. الأشياء القليلة المتبقية التي يمكن اعتبارها مشاكل، مثل أن يُشرب دمي مرة في الشهر، وأن يتسبب ذلك في تجاوز بصري وما شابه للمستويات البشرية في كل مرة… هذه مسألة شخصية الآن، مشاكل أحتاج فقط إلى مواجهتها لبقية حياتي.
على أي حال… خرجتُ من ذلك وأنا على الجانب المحظوظ.
فقد كان ذلك خلال عطلة الربيع فحسب.
جحيمي استمر أسبوعين فحسب.
على عكس جحيم سينجوغاهارا.
في حالتها… حالة الفتاة التي قابلت سلطعونًا.
كان عليها أن تتعامل، لأكثر من عامين، مع خلل جسدي.
خلل انتهك حريتها.
عامان من الجحيم… كيف كان ذلك الشعور؟
لذا فربما لم يكن غريبًا أن تشعر سينجوغاهارا، على غير عادتها، بامتنان صادق تجاهي، أكثر مما ينبغي حتى… فبصرف النظر عن الخلل الجسدي، فإن حل المشكلة التي عذبت عقلها لا بد أنه كان إنجازًا لا يُعوض ولا يُقدر بثمن.
عقلها.
نفسيتها.
نعم، في النهاية، المشاكل من هذا النوع، ذلك النوع الذي لا يمكنك مناقشته مع أحد لأنه لن يفهمه أحد، تُكبّل نفسيتك، أو تدق فيها أسافين، أكثر مما تفعل بجسدك… في كثير من الأحيان.
تمامًا كما أن ضوء الشمس المتسلل من ستائري في الصباح ما يزال يخيفني… رغم أنني بخير الآن.
في حدود معرفتي، هناك شخص آخر ساعده أوشينو بالطريقة نفسها، وهي رئيسة صفنا، أنا وسينجوغاهارا: تسوباسا هانيكاوا… لكن الأمر استمر بضعة أيام فقط في حالتها، أقصر حتى مما حدث معي، وعلاوة على ذلك، فقد نسيت ما حدث. بهذا المعنى، يمكن القول إن حالتها هي الأوفر حظًا. صحيح أن حالة هانيكاوا ميؤوس منها تمامًا ما لم ننظر إليها من هذه الزاوية…
«في هذه المنطقة».
«ماذا؟»
«المنزل الذي كنت أسكن فيه. كان هنا».
«منزلك…»
نظرت في الاتجاه الذي أشارت إليه سينجوغاهارا بالضبط، لكن كل ما كان هناك… شارع.
«شارع».
كان نموذجًا ممتازًا للطريق. لون الإسفلت ما يزال جديدًا… وكأنه رُصف للتو. مما يعني…
«هل هذا ما تسمينه إعادة تطوير سكني؟» سألت.
«المصطلح الأدق هنا هو تخطيط عمراني».
«هل كنتِ تعرفين؟»
«لم أكن أعرف».
«إذن كان عليكِ أن تتصرفي بدهشة أكبر».
«لستُ ممثلة بارعة».
بالفعل، لم تُحرّك حتى حاجبًا واحدًا.
لكن… عيناها كانتا مثبتتين في ذلك الاتجاه، على ذلك المكان. من تصرفات سينجوغاهارا، يمكنك، إن أردت، أن تُفسّر أنها كانت تشعر في داخلها بالعجز، كمن لا يملك مكانًا يذهب إليه.
«لقد تغير فعلًا… تمامًا. لا أصدق أنه لم يمر سوى عام واحد».
«…………»
«كم هذا ممل».
تمتمت: «يا للخسارة بعد أن تكبدنا عناء المجيء».
بدت مشمئزة حقًا.
على أي حال، لا بد أن هذا يعني أن أحد أهداف سينجوغاهارا الرئيسية من خروجها إلى هذه المنطقة اليوم، إلى جانب تجربة ملابسها الجديدة أو أيًا كان ما قالته، قد تحقق.
التفتُّ.
كانت مايوي هاتشيكوجي مختبئة خلف ساقي وتتفحص سينجوغاهارا. كانت الفتاة صامتة، وكأنها في حالة تأهب قصوى. رغم كونها طفلة، أو ربما لأنها طفلة، بدا أنها تستطيع أن تستشعر حدسيًا مدى خطورة سينجوغاهارا، وكانت تستخدمني كدرع منذ مدة لتتجنبها. بالطبع، من المستحيل أن يتوارى شخص خلف آخر بالكامل كجدار، لذا كان وجودها واضحًا، وكان واضحًا أيضًا أنها تحاول تجنب سينجوغاهارا، لدرجة أن الموقف بدأ يشعرني بعدم الارتياح كطرف ثالث. لكن سينجوغاهارا، من جهتها، لم تبذل أي محاولة للتعامل مع مجرد طفلة (كانت تتحدث إليّ أنا فقط بعبارات مثل «من هنا» أو «سنعبر من هذا الشارع»)، لذا كانتا متعادلتين، إذا جاز التعبير.
لم يكن شعورًا رائعًا أن أكون عالقًا في المنتصف.
لكن استنادًا إلى رد فعلها، لم تكن سينجوغاهارا تكره الأطفال أو تجد صعوبة في التواجد حولهم بقدر ما كانت… ببساطة لا تفهمهم.
«لم أتوقع أن المنزل ما يزال موجودًا بعد أن بعناه، لكن… لم أتوقع أن يتحول إلى طريق. يجب أن أقول إن هذا يصيبني بالكآبة».
«نعم… أظن ذلك».
كل ما استطعتُ فعله هو إظهار التعاطف.
كان من السهل أن أفهم سبب شعورها هذا.
الطريق من الحديقة إلى موقعنا الحالي كان مزيجًا من الطرق القديمة والجديدة، والحي لا يشبه إطلاقًا الخريطة الإرشادية الموجودة على لافتة الحديقة… لذا بدا المشهد محبطًا نوعًا ما حتى بالنسبة لي، رغم عدم وجود أي رابط بيني وبين المكان.
لكن ماذا يمكنك أن تفعل؟
المدن تتغير، تمامًا مثل البشر.
«هف».
أطلقت سينجوغاهارا تنهيدة عميقة.
«لقد أضعتُ وقتك في شيء لا جدوى منه. هل أنت مستعد للذهاب يا أراراغي؟»
«هاه… هل أنتِ متأكدة؟»
«متأكدة».
«فهمت. حسنًا إذن. لنذهب يا هاتشيكوجي».
أومأت هاتشيكوجي بصمت.
…ربما كانت تتوهم أن سينجوغاهارا ستكتشف مكانها إذا تكلمت.
بدأت سينجوغاهارا تمشي وحدها بخطوات واسعة.
تبعناها أنا وهاتشيكوجي.
«في الواقع يا هاتشيكوجي، هل يمكنكِ ترك ساقي؟ يصعب عليّ المشي. أنتِ تتعلقين بي وكأنكِ دُبّ كوالا صغير. ماذا ستفعلين إذا سقطتُ؟»
«…………»
«قولي شيئًا».
عندما أصررتُ، ردت هاتشيكوجي:
«حسنًا، ليس وكأنني أريد التعلق بساقك المرعبة يا سيد أراراغي!»
انتزعت نفسها عني.
ولم يكن هناك أي صوت… مع أنني توقعتُ سماع صوت تمزيق.
«لا أصدقك! سأخبر رابطة أولياء الأمور والمعلمين عن هذا!» اشتكت.
«أوه حقًا؟ رابطة أولياء الأمور والمعلمين؟»
«رابطة أولياء الأمور والمعلمين منظمة مذهلة! لن يحتاجوا حتى إلى تحريك أكثر من إصبع واحد ليدفعوا بمواطن ضعيف وحيد بلا قوة مثلك إلى الحضيض يا سيد أراراغي!»
«بإصبع واحد فقط؟ يبدو الأمر مخيفًا. بالمناسبة، هل تعرفين ما معنى اختصار PTA بالإنجليزية، هاتشيكوجي؟»
«هاه؟ حسنًا…»
صمتت هاتشيكوجي. لا بد أنها لم تكن تعرف.
بالطبع، أنا أيضًا لم أكن أعرف.
كنت سعيدًا لأن الأمر لم يتحول إلى جدال طويل.
«كلمة PTA اختصارٌ لـ Parent-Teacher Association، وتعني رابطة أولياء الأمور والمعلمين. وهو مصطلح إنجليزي لمنظمة مدرسية تتكون من أهالي الطلاب والمعلمين»، أجابت سينجوغاهارا من الأمام. «وهي أيضًا اختصار لمصطلح طبي يعني رأب الأوعية الدموية عبر الجلد، لكنني أشك في أن هذا ما تتحدث عنه يا أراراغي، لذا فالشرح الأول هو الصحيح».
«همم. كنت أعرف بشكل مبهم أنها اجتماع للأهالي، لكنني لم أكن أعرف أن المعلمين يُحسبون أيضًا. أنتِ واسعة الاطلاع حقًا يا سينجوغاهارا».
«لا يا أراراغي، بل أنت مجرد أُمّي صعلوك».
«سأقبل “أُمّي” كعكس للكلمة، لكن “صعلوك”…»
«لا يعجبك؟ إذن لنقل “حثالة” بدلًا منها».
لم تلتفت حتى لمواجهتي.
يبدو فعلًا أنها في مزاج سيئ…
قد يتساءل شخص عادي كيف تتصرف سينجوغاهارا بشكل مختلف عن طبيعتها حادة اللسان المعتادة، لكن بمجرد أن تتعرض لنفس القدر من الإهانات اللفظية التي أتلقاها منها، تبدأ في التمييز. لم تكن حادة كعادتها. في العادة، حتى عندما تكون في مزاج جيد، لا تتراجع.
همم.
ما الأمر؟
هل لأن منزلها أصبح طريقًا… أم أنه خطئي؟
بدا الأمر وكأنه الاثنان معًا.
على أي حال، بعيدًا عن موضوع إساءة معاملة الأطفال، كنتُ قد تركتُ سينجوغاهارا في منتصف الحديث لأهتم بهاتشيكوجي… بدا ذلك تصرفًا طبيعيًا، لكن سينجوغاهارا لم تكن راضية عن ذلك.
في هذه الحالة، كان عليّ أن أوصل هذه الفتاة الصغيرة، مايوي هاتشيكوجي، مباشرة إلى وجهتها ثم أركز على تعديل مزاج سينجوغاهارا. سأشتري لها الغداء، ثم أذهب معها للتسوق… وإذا سمح الوقت، سآخذها إلى مكان ممتع. حسنًا، حُسم الأمر، هذه هي الخطة. لم أكن أريد العودة إلى المنزل على أي حال بسبب أختيّ الصغيرتين، لذا سأقضي اليوم في خدمة سينجوغاهارا. ومن حسن حظي أنني أحمل الكثير من المال… مهلاً، هل أنا عبدٌ لها؟!
نجحتُ في مفاجأة نفسي.
«بالمناسبة يا هاتشيكوجي».
«ما الأمر يا سيد أراراغي؟»
«هذا العنوان»، قلتُ وأنا أخرج مذكرتها من جيبي. لم أردها لها بعد. «ما هذا المكان بالضبط؟»
وأيضًا…
ماذا ستفعلين هناك؟
أردتُ أن أعرف ما دمتُ سأوصلها إلى هناك… خاصة أنها تلميذة في المرحلة الابتدائية تتنقل وحدها.
«هاه، لن أخبرك! سأمارس حقي في الصمت!»
«…………»
يا لها من مغرورة صغيرة.
من قال إن الأطفال أنقياء وأبرياء؟
«لا كلام، لا مساعدة».
«لم أطلب مساعدتك أبدًا! أستطيع الوصول بنفسي!»
«ألستِ ضائعة؟»
«وماذا في ذلك؟!»
«همم… نصيحة للمستقبل يا هاتشيكوجي: يجب أن تطلبي المساعدة من الناس عندما تضيعين».
«أمثالك ممن لا يستطيعون الإيمان بأنفسهم يا سيد أراراغي، أحرار في فعل ذلك! اطلب المساعدة من الآخرين حتى يشبع قلبك! لكنني لست بحاجة إلى ذلك! هذا النوع من الأمور بمثابة تأمين يومي بالنسبة لي!»
«أوه… إذن أظن أن تأمينكِ يغطي هذا.»
رد غريب.
لكن يمكنني أن أفهم لماذا تراني هاتشيكوجي مصدر إزعاج. عندما كنتُ في المدرسة الابتدائية، كنتُ أؤمن أنني أستطيع فعل أي شيء بمفردي أيضًا. كنتُ مقتنعًا ألا حاجة أبدًا لطلب المساعدة من أي شخص… وأنه لا يوجد شيء أحتاج فيه إلى مساعدة خارجية.
أستطيع فعل أي شيء؟
نعم.
بالطبع لم أكن أستطيع.
«حسنًا إذن، أيتها الآنسة. أرجوكِ، هل تتكرّمين بمنحي سرّ ما يوجد بالضبط في هذا الموقع؟»
«لا تبدو مخلصًا!»
كانت صعبة المراس.
كانت تلك الحركة كافية مع أي من أختَيّ في المرحلة الإعدادية… لكن وجه هاتشيكوجي تعلوه مسحة ذكاء، وربما لا أستطيع معاملتها كطفلة غبية. ماذا أفعل؟
«…حسنًا».
جاءتني فكرة رائعة.
مددتُ يدي إلى جيبي الخلفي وأخرجتُ محفظتي.
كنتُ أحمل الكثير من المال.
«سأعطيكِ مصروفًا أيتها الآنسة».
«واو! سأخبرك بأي شيء تريده!»
طفلة غبية.
في الواقع، كانت غبية حقًا…
كنتُ متأكدًا أنه لم يُختطف أي طفل حقيقي بهذه الطريقة من قبل… لكن يبدو أن هاتشيكوجي تملك المقومات لتكون الأولى في التاريخ.
«شخص اسمه الآنسة تسونادي يسكن هناك».
«تسونادي؟ هل هذا اسم عائلتها أم ماذا؟»
«إنه اسم عائلة رائع!» قالت هاتشيكوجي بغضب لسبب ما.
يمكنني تفهم الانزعاج من شخص يقلل من اسم شخص تعرفه، لكنني لا أرى نفسي أرفع صوتي لهذا السبب. هل هي غير مستقرة عاطفيًا أم ماذا؟
«حسنًا… كيف تعرفين هذه السيدة؟»
«إنها قريبة لي».
«قريبة، هاه؟»
بمعنى آخر، كانت هاتشيكوجي في طريقها لقضاء يوم الأحد واللعب في منزل قريبة لها. إما أن والديها يتساهلان كثيرًا، أو أنها تسللت خارجًا دون علمهما. لا أعرف أيهما… لكن بغض النظر عن المقصد، فإن مغامرة عطلة نهاية الأسبوع لتلميذة الابتدائي هذه قد توقفت فجأة.
«هل هي ابنة عم مقربة منكِ؟ لا بد أنكِ قطعتِ مسافة طويلة بالنظر إلى حجم حقيبة الظهر. هذا النوع من الأمور يفترض فعله في عطلة أطول، كالأسبوع الذهبي مثلاً. أم أن هناك سببًا محددًا لفعلكِ هذا اليوم؟»
«نعم، شيء من هذا القبيل».
«إنه عيد الأم، وكان يجب أن تكوني في المنزل كابنة صالحة».
حسنًا.
لم أكن في موقف يسمح لي بقول ذلك بالطبع.
…أتعرف يا كويومي، لهذا السبب تحديدًا.
لهذا السبب؟ وما المشكلة الكبيرة؟
«لا أريد سماع ذلك منك يا سيد أراراغي».
«اسمعي، ماذا تعرفين عن وضعي؟!»
«مجرد حدس».
«…………»
بدا أنها لا تملك أي منطق يدعم كلامها، بل كانت منزعجة ببساطة على مستوى غريزي لأنني كنتُ أعظها.
كم هذا قاسٍ.
«إذن ماذا كنت تفعل في مكان كهذا يا سيد أراراغي؟ الجلوس بتثاقل على مقعد حديقة في صباح يوم الأحد لا يبدو لي تصرف إنسان محترم».
«لا شيء حقًا. فقط…»
كدتُ أقول “أقتُل الوقت” وتوقفتُ في اللحظة الأخيرة. تذكرتُ أن أي رجل يجيب “أنا أقتل الوقت فقط” عندما يُسأل عما يفعله هو رجل بلا فائدة. كانت لحظة حرجة.
«أقوم بجولة بالدراجة فقط».
«جولة بالدراجة؟ كم هذا رائع!»
مدحتني.
توقعتُ أن يتبع ذلك تعليق لئيم، لكنه لم يأتِ.
أوه، فكرتُ. إذن هاتشيكوجي قادرة على مدحي…
«بدراجة هوائية، لا نارية».
«أهكذا؟ عندما أسمع “جولة بالدراجة”، أفترض أنها دراجة نارية! هذا مؤسف جدًا! ألا تملك رخصة يا سيد أراراغي؟!»
«للأسف، قوانين مدرستي تمنعني من الحصول على رخصة قيادة. لكنني أفضل الانتظار لقيادة سيارة على أي حال، فالدراجات النارية خطيرة».
«أهكذا؟ لكن في هذه الحالة، ألن تصبح جولة رباعية؟!»
«…………»
يا إلهي. إنها تتلاعب بالكلمات بطريقة مضحكة جدًا. هل تصحيحها هو التصرف الألطف أم تركها؟… لم أكن متأكدًا.
بالمناسبة، سينجوغاهارا لم تُظهر أي رد فعل بينما تواصل المشي في الأمام.
لم تحاول حتى المشاركة في المحادثة.
ربما لا تستمع إلى المحادثات منخفضة الذكاء.
ومع ذلك…
الابتسامة العفوية التي رأيتها للتو من مايوي هاتشيكوجي كانت ساحرة نوعًا ما. كانت ابتسامة صادقة. القول إنها كزهرة تفتحت قد يكون مبتذلًا، لكنها من نوع التعابير التي يفقد معظم الناس القدرة عليها عندما يكبرون.
«هف… يا للهول».
وضعتُ نفسي في موقف خطير مرة أخرى. لو كنتُ مولعًا بالفتيات الصغيرات، لكان قلبي قد سُحر. آه، كم أنا محظوظ لأنني لست كذلك…
«على أي حال»، قلتُ، «الشوارع هنا معقدة حقًا. كيف هي ممتدة أصلًا؟ لا أصدق أنكِ حاولتِ المجيء إلى هنا بمفردكِ».
«حسنًا، ليست هذه المرة الأولى».
«أوه؟ إذن لماذا ضعتِ؟»
«…لأنها المرة الأولى منذ زمن طويل»، أجابت هاتشيكوجي بصوت محرج.
همف… يمكنني تفهم حدوث ذلك. ظنت أنها تستطيع، لكنها لم تستطع عندما حاولت. يمكنك أن تظن شيئًا، لكن هذا لا يعني أنه صحيح. وهذا ينطبق على تلاميذ المرحلة الابتدائية وطلاب الثانوية وأي شخص آخر.
«بالمناسبة يا سيد أراراراغي…»
«هناك “را” زائدة!»
«آسفة. زلة لسان».
«حسنًا، لا تفعليها مجددًا…»
«لستُ متأكدة مما تتوقعه. الجميع يخطئون من وقت لآخر. أم تقصد أنك لم تخطئ أبدًا في حياتك يا سيد أراراغي؟»
«لن أقول أبدًا، لكنني لا أخطئ في نطق اسم شخص».
«حسنًا إذن. قل “تاجر البازلاء باع بازلاءه” ثلاث مرات متتالية».
«هذا ليس اسمًا».
«بلى، إنه كذلك. لدي ثلاثة أصدقاء بهذا الاسم، في الواقع. لذا أقول إنه اسم شائع جدًا».
بدت واثقة جدًا.
من السهل جدًا كشف أكاذيب الأطفال.
بسهولة مذهلة.
«تاجر البازلاء باع بازلاءه، تاجر البازلاء باع بازلاءه، تاجر البازلاء باع بازلاءه».
فعلتُها.
«ما الحيوان الذي يأكل الأحلام؟» قالت هاتشيكوجي دون أن تفوت فرصة.
يبدو أنني أصبحتُ أتلقى الألغاز الآن. «…الباكو؟»
«بزبز! خطأ!» قالت هاتشيكوجي بنظرة واثقة. «الإجابة هي…» وارتسمت على وجهها ابتسامة جريئة. «…الإنسان».
«تظنين نفسكِ ذكية جدًا!»
صرختُ بصوت عالٍ بلا داعٍ لأنني، رغم أنفي، وجدتها فعلاً ذكية.
على أي حال.
كنا فيما يمكن تسميته بمنطقة سكنية هادئة.
مشينا دون أن نصادف أحدًا آخر. بدا الأمر وكأنه مكان يخرج فيه في الصباح كل من لديه وجهة… بينما يبقى الآخرون في الداخل طوال اليوم. بالطبع، لم يكن ذلك مختلفًا كثيرًا عن المنطقة التي أسكن فيها، لكن ما كان مختلفًا هو كل تلك المنازل الكبيرة المذهلة حولنا. لا بد أن كل من يعيش في هذا الحي غني. والآن بعد أن فكرتُ في الأمر، قيل لي إن والد سينجوغاهارا شخصية مهمة في شركة أجنبية. ربما كان هذا طبيعيًا لمن يعيش هنا.
شركة أجنبية، هاه؟
ليست بالضبط الشيء الذي ترطه بمدينة في مكان ناءٍ مثل مدينتنا.
«اسمع يا أراراغي»، قالت سينجوغاهارا متحدثة لأول مرة منذ فترة. «هل يمكنك إعطائي ذلك العنوان مجددًا؟»
«هاه؟ بالتأكيد. هل وصلنا؟»
«قد تقول ذلك، وقد لا تقوله»، أجابت سينجوغاهارا بغموض.
غير متأكد مما يعنيه ذلك، قرأتُ المذكرة بصوت عالٍ مرة أخرى.
أومأت سينجوغاهارا بفهم.
«يبدو أننا تجاوزنا المكان».
«ماذا؟ حقًا؟»
«هكذا يبدو»، قالت سينجوغاهارا بصوت هادئ. «إذا أردت انتقادي، فتفضل وانتقدني حتى يشبع قلبك».
«…آه، لن أفعل لأمر بسيط كهذا».
يا لها من طريقة غريبة للتصرف بتحدٍ…
كانت غير هينة وغير متقبلة للنقد إطلاقًا.
«حسنًا».
عادت سينجوغاهارا أدراجها بوجه لا تظهر عليه أي علامات اضطراب… بينما تحركت هاتشيكوجي بتناقض تام معها، متجنبة سينجوغاهارا بالدوران حولي.
«…لماذا أنتِ مرعوبة من سينجوغاهارا إلى هذا الحد؟ ليس وكأنها فعلت لكِ شيئًا. في الواقع، رغم أنه قد لا يبدو كذلك للوهلة الأولى، إلا أن من يدلكِ على الطريق هي نفسها، لا أنا.».
كنتُ أتبعها فحسب.
لم أكن في موقف يسمح لي بالتصرف بتعالٍ.
حتى لو كان حدس هاتشيكوجي الطفولي يدفعها لتجنب سينجوغاهارا، فهذا مبالغ فيه. يمكنك قول الكثير عن سينجوغاهارا، لكنها ليست مصنوعة من الفولاذ. كيف لا تتأذى من شخص يتجنبها بمثل هذا الوضوح؟ وبصرف النظر عن قلقي على سينجوغاهارا، لم تكن هاتشيكوجي تعاملها بطريقة لائقة أخلاقيًا.
«لا يوجد ما يمكنني قوله رداً على ذلك…» اعترفت هاتشيكوجي، مفاجئةً إياي باستجابتها الخجولة والمتواضعة.
ثم واصلت همسًا: «ألا تشعر بذلك يا سيد أراراغي؟»
«بماذا؟»
«بالحقد العنيف المنبعث من تلك المرأة…»
«…………»
بدت وكأنها تستند إلى ما هو أكثر من مجرد حدس.
وأسوأ ما في الأمر أنني لم أستطع مخالفتها الرأي.
«يبدو أنها لا تحبني… أشعر بإرادة قوية تنبعث منها، وهي تقول “أنتِ في طريقي، اختفي”…»
«لا أعلم إن كنتُ سأذهب إلى هذا الحد، لكن… همم».
حسنًا.
سأسأل، رغم أنني خائف قليلًا.
ورغم أن الإجابة كانت تبدو واضحة بالنسبة لي، بدا أنني بحاجة لسماعها رسميًا.
«اسمعي يا سينجوغاهارا».
«ما الأمر؟»
مرة أخرى، أجابت دون أن تلتفت.
ربما كانت تفكر فيّ بعبارة “أنت في طريقي، اختفِ”.
كان الأمر غريبًا. كنا نعتبر بعضنا أصدقاء، لكننا نجد صعوبة في التواصل.
«ألا تحبين الأطفال؟»
«لا، لا أحبهم. أكرههم. أتمنى لو يموتون جميعًا، كل واحد منهم».
بلا رحمة.
انكمشت هاتشيكوجي إلى الخلف صائحةً «آخ!»
«لا أملك أي فكرة عن كيفية التعامل معهم. أظن أن الأمر بدأ في المرحلة الإعدادية. كنتُ أتسوق في متجر كبير عندما اصطدمتُ بطفل في السابعة من عمره».
«أوه، وهل جعلتِ الطفل يبكي؟»
«لا، لم تكن تلك هي المشكلة. بل وجدتُ نفسي أقول له: “يا إلهي، سيدي، هل أنت بخير؟ هل أُصبت؟ أنا آسفة بصدق. أرجوك سامحني”».
«…………»
«كنتُ مرتبكة لأنني لا أعرف كيف أتحدث مع الأطفال الصغار. ومع ذلك، كان تصرفي بهذا الأدب والتواضع مع طفل بمثابة صدمة لي… حتى قررتُ ألا أظهر سوى الكراهية لأي شيء يمكن تسميته طفلًا، سواء كان بشريًا أو غير ذلك».
كانت تفصّل ردود أفعالها بناءً على عقدتها تلك.
فهمتُ المنطق، لكنني لم أفهم هذا الشعور.
«بالمناسبة يا أراراغي».
«ما الأمر؟»
«يبدو أننا تجاوزنا المكان في الاتجاه المعاكس مرة أخرى».
«هاه؟»
تجاوزنا… العنوان؟
حقًا؟ هذه هي المرة الثانية على التوالي.
قد تتوقع من شخص يأتي إلى مكان جديد أن يواجه صعوبة في مطابقة المواقع على الخريطة مع ما هو موجود فعليًا، لكن سينجوغاهارا عاشت هنا حتى وقت قريب.
«إذا أردت انتقادي، فتفضل وانتقدني حتى يشبع قلبك».
«لا، لن أفعل لأمر… مهلاً. هل قلتِها بصياغة مختلفة قليلًا عن المرة السابقة؟»
«أتظن ذلك؟ لم ألاحظ».
«هيا. أوه صحيح، ألم تتحدثي عن التخطيط العمراني أو شيء من هذا القبيل سابقًا؟ حتى منزلكِ أصبح طريقًا، لذا أظن أنه من المنطقي أن يبدو هذا المكان مختلفًا جدًا عما تتذكرينه».
«لا. ليست هذه هي المشكلة». نظرت حول المنطقة مرة أخرى، ثم تابعت: «نعم، هناك طرق أكثر، وبعض المنازل اختفت، وأخرى بُنيت، لكن ليس وكأن كل الشوارع القديمة قد اختفت… لا يوجد سبب هيكلي يجعلني أضل الطريق».
«آه هاه…»
بما أنها كانت ضائعة فعلًا، بدا هذا هو الواقع. وكيف لي أن أستنتج غير ذلك؟ ربما لا تريد سينجوغاهارا الاعتراف بارتكاب خطأ ناتج عن الإهمال. يمكن أن تكون عنيدة جدًا بأسلوبها الخاص… لكن بينما كانت هذه الأفكار تدور في رأسي، سمعتُ منها تسائلًا: «ما الأمر؟»
«أستطيع أن أرى من وجهك أنك تتلهف للشكوى. إذا كان هناك شيء تريد قوله، فلماذا لا تقوله كرجل؟ سأتجرد من ملابسي وأنبطح على أربع لأعتذر لك، إذا كان هذا سيسعدك».
«هل تحاولين جعلي أبدو كأحقر رجل على وجه الأرض؟»
وكأنني سأدعها تفعل ذلك في منتصف منطقة سكنية!
ثم إنني لم أكن مهتمًا برؤيتها تنبطح في المقام الأول.
«الانبطاح على أربع وأنا عارية»، قالت، «ثمنٌ زهيد لجعل كويومي أراراغي معروفًا حول العالم بأنه أحقر رجل على قيد الحياة».
«الشيء الرخيص الوحيد هنا هو كبرياؤكِ».
لم أعد قادرًا على معرفة ما إذا كانت متغطرسة أم مجرد وقحة.
«لكنني سأبقي على جواربي فقط»، أضافت.
«تقولين ذلك وكأنه حسمٌ للموضوع، لكنني لستُ مهتمًا بهذه الأمور الغريبة».
«وحين أقول جوارب، أعني جوارب شبكية».
«التمادي المفرط لن يغير شيئًا…»
لكن بعد تفكير…
حتى لو لم أكن مهتمًا بذلك، فإن جزءًا مني أراد فعلًا رؤية سينجوغاهارا تحديدًا بالجوارب الشبكية… بل لا داعي حتى لأن تكون عارية. أعني، إذا كانت تبدو بمثل هذا الجمال بالجوارب السوداء العادية…
«هذا وجه شخص يفكر بأفكار منحرفة يا أراراغي».
«من، أنا؟ هل ترينني حقًا بهذا المنظور المبتذل، وأنا شابٌ شعاره “الاستقامة”؟ لا أصدق أنكِ تقولين ذلك عني يا سينجوغاهارا».
«أوه؟ أظن أنني كنتُ أقول هذه الأشياء عنك دائمًا، سواء كان لديّ دليل أم لا. ومن المريب جدًا أنك بدلاً من الرد بملاحظة ذكية، ترفض الاتهام رفضًا قاطعًا».
«آه…»
«إذن، إجباري على الانبطاح على أربع وأنا عارية لأعتذر لك ليس كافيًا، بل تريد كتابة عبارات بذيئة على كل شبر من جسدي بقلم حبر دائم؟»
«لم أكن لأذهب إلى هذا الحد!»
«إذن إلى أي مدى كنتَ ستذهب؟»
«همم، على أي حال يا هاتشيكوجي»، غيرتُ الموضوع بفظاظة. يمكنني التعلم من سينجوغاهارا في هذا الجانب. «آسف، لكن قد يستغرق الأمر وقتًا أطول. لكننا نعرف أنه في هذه المنطقة على الأقل، لذا…»
«لا»، قالت هاتشيكوجي بنبرة هادئة على نحو مفاجئ… من ذلك النوع الميكانيكي الخالي من المشاعر الذي يُستخدم في الفصل للإجابة عن معادلة بديهية. «من المستحيل ذلك، على الأرجح».
«ماذا؟ “على الأرجح”؟»
«إذا كانت “على الأرجح” لا تعجبك، فلتكن “بالتأكيد”».
«…………»
ليس الأمر أن “على الأرجح” لم تعجبني.
ولم أكن راضيًا عن “بالتأكيد” أيضًا.
لكن… وجدتُ نفسي عاجزًا عن الرد.
ليس أمام تلك النبرة.
«لأننا مهما حاولنا، لن أصل أبدًا».
هاتشيكوجي.
«لن أصل أبدًا».
كررت هاتشيكوجي.
«لن أصل أبدًا… إلى أمي».
تمامًا مثل… أسطوانة مكسورة.
مثل أسطوانة غير مكسورة.
«لأنني… حلزونة تائهة».
004
