Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

باكيمونوغاتاري – حلزون مايوي — الفصل الثالث

حلزون مايوي — الفصل الثالث
PDF

حلزون مايوي — الفصل الثالث

 

الفتاة التي تبدو في صفوف المرحلة الابتدائية العليا كانت تقف أمام لافتة معدنية عند حافة الحديقة… خريطة سكنية للمنطقة. كان ظهرها مواجهًا لي، فلم تكن لدي أي فكرة عن ملامح وجهها، لكن حقيبة الظهر الكبيرة التي تحملها كانت لافتة للغاية… مما جعلني أتعرف عليها فورًا. صحيح، لقد كانت تقف أمام الخريطة السكنية بالطريقة نفسها قبل لحظات فقط، قبل أن تظهر سينجوغاهارا. في ذلك الوقت، لم يمضِ وقت طويل قبل أن تهرب… لكن يبدو أنها عادت. ومن مظهرها، كانت تقارن مذكرة بيدها بما هو مطبوع على اللافتة. همم. بمعنى آخر، إنها طفلة تائهة. لا بد أن المذكرة تحتوي على خريطة مرسومة يدويًا أو عنوان مكتوب. ركّزت نظري عليها. وعندما فعلت، لاحظت بطاقة اسم مخيطة على حقيبة ظهرها… «الصف الخامس، الفصل الثالث»، واسمها مكتوب بقلم تحديد سميك. لم أكن متأكدًا تمامًا من كيفية قراءة أحرف اسمها الأول… لكنه على الأرجح «مايوي». أما لقبها… فكيف يُقرأ؟ لم أره من قبل. «ياكوديرا»… ربما؟ لم تكن اللغة موضع قوتي قط. في هذه الحالة، فكرت: لنجرب سؤال شخص يجيدها. «…اسمعي يا سينجوغاهارا، أترين تلميذة الابتدائية تلك أمام اللافتة؟ كيف يُقرأ اللقب المكتوب على حقيبة ظهرها؟» «هاه؟» بدت سينجوغاهارا محتارة. «هل تمزح معي؟ لا أستطيع حتى رؤيتها». «أوه…» صحيح، لقد نسيت. لم يعد جسدي طبيعيًا… وقد أطعمتُ شينوبو دمي في اليوم السابق، السبت. في هذه اللحظة، كانت قدراتي الجسدية أكبر بكثير من المستوى الطبيعي، وإن لم تبلغ الدرجة التي كانت عليها في عطلة الربيع. وهذا بالطبع شمل حدة بصري أيضًا؛ فإذا لم أكن حذرًا… أرى الأشياء البعيدة وكأنها أمامي مباشرة. ليس لأن رؤيتها تشكل مشكلة، لكن رؤية أشياء لا يراها الآخرون… لا تُشعِر بالارتياح. إنها تخلق تنافرًا مع الآخرين. وكانت سينجوغاهارا تعاني المشكلة ذاتها. «همم…» قلت لها: «إنه مكتوب بأحرف الرقمين ثمانية وتسعة، متبوعة بحرف “معبد”…» «…؟ حسنًا، يُقرأ “هاتشيكوجي”». «”هاتشيكوجي”؟» «نعم. هل أنت أمّيٌّ لهذه الدرجة يا أراراغي؟ بمستواك الدراسي هذا، أنا مندهشة أنك تمكنت من التخرج في الروضة». «أستطيع التخرج في الروضة وأنا مغمض العينين!» «هذا تقدير مبالغ فيه لقدراتك». «حتى تعليقاتي المباشرة تنتقدينها الآن؟!» «لن تثير إعجاب أحد بتلك الملاحظات المقتضبة». «أنا معجب بكِ أنتِ، لمعلوماتكِ…» «لكن بجدية، أي شخص لديه أدنى اهتمام بالتاريخ الياباني أو الأدب الكلاسيكي، أو يملك ذرة فضول معرفي، سيعرف كيف يقرؤها. هناك أسئلة غبية يا أراراغي، وأنت غبي سواء سألتها أم لا». «نعم، حسنًا، أَيًّا كان. أنا طالب فاشل». «أنت مخطئ تمامًا إن ظننت أن إدراك هذه الحقيقة يجعل الأمر أفضل». «…………» هل بدر مني شيءٌ أزعجها؟ كنت متأكدًا أننا كنا نتحدث للتو عن طريقة شكرها لي… «تبًّا… حسنًا، على أي حال». قلتُ لها. «إذن أظن أن اسمها يُقرأ “مايوي هاتشيكوجي”». يا له من اسم غريب. وإن كان، ربما، أكثر طبيعية من “هيتاغي سينجوغاهارا” أو “كويومي أراراغي”. على أي حال، ليس من اللباقة التندر بأسماء الآخرين. «همم…» بدأتُ حديثي، ناظرًا نحو سينجوغاهارا. همف. لم أستطع تخيلها أبدًا من النوع الذي يحب الأطفال الصغار… بل بدت من ذلك النوع الذي يركل الكرة في الاتجاه المعاكس إذا تدحرجت نحوه. أستطيع رؤيتها تركل طفلًا يبكي لمجرد أنه مزعج. مما يعني أن الخيار الأكثر أمانًا هو الذهاب بمفردي. لو كان برفقتي أي شخص غير سينجوغاهارا، لفضّلت اصطحاب فتاة معي كي يقلل الطفل من حذره. لكن هذا الخيار غير مطروح. «اسمعي، هل يمكنك الانتظار هنا دقيقة؟» «لا مانع لدي، لكن إلى أين أنت ذاهب؟» «سأذهب لأتحدث إلى تلك التلميذة الصغيرة.» «لا أنصحك. سينتهي بك الأمر مجروحًا فحسب». «…………» إنها حقًا لا تتردد في قول أفظع الأشياء، أليس كذلك؟ أَيًّا كان، سنناقش هذا لاحقًا. في الوقت الحالي، أصل إلى تلك الطفلة. مايوي هاتشيكوجي. نهضت من المقعد وهرولت عبر الحديقة… نحو اللافتة المعدنية حيث تقف الفتاة ذات الحقيبة. بدت منهمكة في مقارنة الخريطة بمذكرتها، ولم تلاحظ اقترابي من الخلف. ناديتها عندما لم يتبقَّ بيننا سوى خطوة واحدة. حاولت أن أبدو ودودًا ولطيفًا قدر الإمكان: «مرحبًا. ما الأمر؟ هل أنتِ ضائعة؟» استدارت الفتاة. كانت تسرح شعرها في ضفيرتين، مع غُرّة قصيرة جدًا تكشف عن حاجبيها. أعطاني وجهها انطباعًا بأنها فتاة ذكية. الفتاة… مايوي هاتشيكوجي… تفحّصتني أولًا قبل أن تفتح فمها: «من فضلك لا تتحدث إليّ. أنا لا أحبك». «…………» ………… عدتُ إلى المقعد بمشية تماثل مشية الموتى الأحياء. نظرت إليّ سينجوغاهارا باستغراب: «ما الأمر؟ هل حدث شيء؟» «أشعر بالجرح… انتهى بي الأمر مجروحًا فحسب…» كانت الصدمة العاطفية أشد مما توقعت. واستغرق مني الأمر نحو عشر ثوانٍ لأستعيد وعيي. «…سأذهب مجددًا». «وإلى أين أنت ذاهب؟ ولماذا؟» «ألا تستطيعين معرفة ذلك بمجرد المشاهدة؟» وبهذا، حاولتُ من جديد. كانت الفتاة، هاتشيكوجي، قد عادت للحدق في اللافتة وكأن لقاءنا لم يحدث قط. كانت تطابق البيانات في المذكرة. ألقيتُ نظرة خاطفة من فوق كتفها… ورأيتُ عنوانًا مدونًا، لا خريطة. لم أكن متأكدًا لجهلي بالمنطقة، لكن لا بد أنه قريب من هنا. «اسمعي، أنتِ». «…………» «أنتِ ضائعة، أليس كذلك؟ إلى أين تريدين الذهاب؟» «…………» «هيا، دعيني ألقِ نظرة على هذه المذكرة». «…………» «…………» ………… عدتُ إلى المقعد بمشية الموتى الأحياء. نظرت إليّ سينجوغاهارا باستغراب: «ما الأمر؟ هل حدث شيء؟» «لقد تُجاهِلت… تجاهلتني تلميذة ابتدائية…» كان الضرر أشد مما توقعت. واستغرق مني الأمر عشرات الثواني لأتعافى. «هذه المرة ستكون مختلفة… سأذهب». «أتعرف يا أراراغي، لا أفهم حقًا ما الذي تحاول فعله، ولا سبب قيامك به…» «فقط اتركي الأمر لي…» وبهذا، حاولتُ للمرة الثالثة. كانت الفتاة، هاتشيكوجي، تقف مواجهةً للافتة. واستنادًا إلى مبدأ أن المبادرة تمنحك الأفضلية، ضربتُها على مؤخرة رأسها. كانت هاتشيكوجي غافلة تمامًا، فارتطمت جبهتها المكشوفة باللافتة المعدنية. «مـ-ماذا تفعل؟!» لقد استدارت أخيراً. الحمد لله. «أي شخص سيستدير لو ضُرِبَ من الخلف!» اتهمتني بغضب. «آه… آسف لأنني ضربتكِ». تسببت التراكمات النفسية المتكررة في فقدان صوابي. «الحياة مليئة بالألم، أتعرفين؟» «لا أرى مغزى لكلامك هذا!» «إنها تتألق أكثر عندما… أتعرفين؟» «كنتُ أرى نجومًا تتألق أمام عيني للتو!» «نعم…» لم أكن أخدعها. للأسف. «حسنًا، تبدين وكأنكِ تواجهين مشكلة، ففكرتُ أنني قد أستطيع تقديم المساعدة». «لا توجد مساعدة في هذا العالم يمكن أن يقدمها شخص يتسلل خلف تلميذات الابتدائية ويضربهن على رؤوسهن! لا شيء على الإطلاق!» كان حذرها شديدًا… شديدًا جدًا. بالطبع. «كما قلتُ لكِ، أنا آسف. حقًا، أعتذر. همم، اسمي كويومي أراراغي». «كويومي؟ إنه اسم فتيات!» «…………» إنها لا تتردد في إلقاء الكلمات بوجهي، أليس كذلك؟ نادرًا ما أسمع هذا التعليق من شخص ألتقيه للمرة الأولى. «رائحتك تفوح بالأنوثة!» صرخت، «من فضلك لا تقترب مني!» «لن أتحمل سماع هذا من أنثى، حتى لو كانت تلميذة ابتدائية…» أوه، انتظر. اهدأ، اهدأ. عليك بالبدء… من بناء الثقة. لن نصل إلى أي نتيجة ما لم أحاول تحسين هذا الموقف. «إذن، ما اسمكِ؟» سألتها. «أنا مايوي هاتشيكوجي. اسمي مايوي هاتشيكوجي. اسمي هدية ثمينة من والديّ». «هاه…» يبدو أننا كنا محقين في قراءة الاسم. «على أي حال، من فضلك لا تتحدث إليّ! أنا لا أحبك!» «لماذا؟» «لأنك ضربتني فجأة من الخلف». «لكنكِ قلتِ إنكِ لا تحبينني حتى قبل أن أضربكِ». «إذن إنها كارما من حياة سابقة!» «هذه أول مرة أُكرَه فيها لهذا السبب». «لقد كنا أعداء لدودين في حياتنا السابقة! كنتُ أنا أميرة حسناء، وكنتَ أنت ملك الشياطين الشرير!» «أنتِ تضعين نفسكِ في موضع الضحية هنا، لنكن واضحين». لا تتبع الغرباء. إذا تحدث إليك غريب، فتجاهله. تلاميذ الابتدائية في هذا العصر لقنوا هذا الدرس بقوة على الأرجح… أم أن مظهري ينفّر الأطفال؟ أَيًّا كان، فإن كُرْه طفل لكَ أمرٌ محبطٌ بحق. «فقط اهدئي قليلاً». قلتُ لها: «لن أؤذيكِ أو ألحق بكِ الضرر. أنا معروف في هذه المدينة بأني “صديق للإنسان والحيوان على حد سواء”، اتفقنا؟» كانت تلك مبالغة بلاشك، لكنها بدت القدر المناسب من التهويل نظرًا لمن أتعامل معها. طفلة أم لا، من الذكاء أن تظهر بمظهر غير مؤذٍ قدر الإمكان في وضع كهذا. وسواء اقتنعت أم لا، أومأت برأسها إيماءة مهيبة وقالت: «فهمت. سأخفض حذري إذن». «أقدّر ذلك». «حسنًا إذن، يا سيد الشبيه بالحيوان». «سيد الشبيه بالحيوان؟! هل تتحدثين عني؟!» آخ… إنها تعبير شائع، لكن يمكنك تحويله إلى إهانة استعلاء بمجرد تحويره. يا لها من عبارة تفوهت بها دون تفكير. في الواقع، لم أكتفِ بها فحسب، بل قدمتُ نفسي باستخدامها… ………… «أنت تصرخ في وجهي! أنت مخيف!» قالت. «حسنًا، اعتذاري عن الصراخ، لكن لا يجوز لكِ مناداة الناس بـ “سيد الشبيه بالحيوان”! هذا سيجعل أي شخص يصرخ!» «حقًا…؟ لكنك أنت من قال إنك معروف بكونك صديقًا للحيوان. كل ما فعلته هو الرد بعفوية وصراحة». «لا يمكنكِ الافتراض بأن بإمكانكِ قول أي شيء لمجرد أنكِ صادقة. فالعالم لا يسير بهذه الطريقة…» صحيح، في هذه الحالة كانت الكلمات ذاتها قد صدرت مني، وربما لم تكن تقصد توجيه إهانة. لكن ورغم ذلك… «باختصار، “صديق للإنسان والحيوان على حد سواء” ليست عبارة يُفضَّل تحويرها بهذه الطريقة». قلتُ. «أوه. أهذا صحيح؟ فهمت. بمعنى آخر، الأمر أشبَه بـ “قفزًا يا يهوشافاط!”؛ قد يتقبل الناس شخصية تصرخ “قفزًا يا يهوشافاط!” كلما تحمست، لكنهم لن يتقبلوا أبدًا شخصية “تميل إلى استدعاء ملك توراتيّ قافز عند الانفعال”. أهذا هو المقصد؟» سألت. «لستُ متأكدًا من ذلك… فلا أرى نفسي أتقبل شخصية تصرخ “قفزًا يا يهوشافاط!” كلما تحمست…» «إذن كيف أناديك؟» «بطريقة طبيعية». «حسنًا. سيد أراراغي إذن». «يعجبني هذا. طبيعي. لا شيء يتفوق على البساطة الطبيعية». «أنا لا أحبك يا سيد أراراغي». «…………» لم يتحسن موقفي قيد أنملة. «رائحتك كريهة! من فضلك لا تقترب مني!» «أليس هذا أسوأ من قولك إن رائحتي تفوح بالأنوثة؟! » «همف… معك حق، وصف “كريهة” وحده قد يكون مجحفًا بحقك. اسمح لي بتصحيح عباراتي». «إن كان تصحيحًا حقيقيًا، فتفضلي». «رائحتك تفوح بالكرَاهية! من فضلك لا تقترب مني!» «الجزء الأول كاد يصيب المعنى، لكنكِ أفسدته بالكامل!» «لا أكترث! من فضلك اذهب إلى مكان آخر بسرعة!» «لا، انتظري… أنتِ ضائعة، أليس كذلك؟» «أنا قادرة تمامًا على التعامل مع هذه المواقف! اعتدت على هذه العقبات! هذا أمر اعتيادي جدًا بالنسبة لي! أنا متمرسة في الترحال والضياع!» «تعملين في هذا المجال في هذا العمر؟!» لو كان الأمر كذلك، لما تاهت من الأساس، أليس كذلك؟ «فقط… كفي عن العناد». قلتُ لها. «لستُ عنيدة!» «بلى، أنتِ كذلك». «خذ هذه!» بمجرد أن تفوّهت هاتشيكوجي بهذه الكلمات، وجهت إليّ ركلة عالية ألقَت فيها بوزن جسدها كليًا. لم تكن حركة تليق بتلميذة ابتدائية، إذ جاءت ركلتها في هيئة مثالية وكأن قضيبًا صلبًا يمر عبر عمودها الفقري ليبقيه مستقيمًا تمامًا. للأسف الشديد، يقف فارق القامة حاجزًا بين تلاميذ الابتدائية وطلاب الثانوية، وهي فجوة أثبتت عدم إمكانية تجاوزها. ربما تباينت النتيجة لو أنها أصابت وجهي مباشرة، لكن ركلتها العالية لم تتجاوز منطقة إبطي. ولا يعني ذلك أن طرف حذائها الذي ارتطم بي لم يسبب ألمًا، لكنه كان ألمًا يمكن تحمله. وفور أن لامستني قدمها، أسرعت باستعمال ذراعيّ للإمساك بكاحلها وساقها. «يا لخطئي!» صرخت هاتشيكوجي، لكن الأوان كان قد فات. …قررت أن أسأل سينجوغاهارا لاحقًا عن السلامة النحوية لقولها “يا لخطئي”، أما في هذه اللحظة، وبينما تمايلت هاتشيكوجي على ساق واحدة، جذبتها إلى الأعلى كما ينتزع مزارعٌ ثمرة فجل ضخمة من أرضها. لو كنا في مباراة جودو لسميتها رمية كتف، وإن كان الإمساك بساق الخصم بهذه الطريقة يخالف قواعد الجودو، لكن سوء الحظ أن هذا قتال حقيقي لا مباراة رياضية. وبمجرد أن ارتفع جسدها عن الأرض، حظيت بلمحة من أسفل تنورتها بزاوية جريئة للغاية، غير أنني لست ممن ينجذبون للأطفال فلم يتشتت ذهني قيد أنملة؛ وببساطة ألقيت بها فوق كتفي. لكن هنا بالتحديد، انقلب فارق القامة ضدي. فبفضل جسدها الضئيل، قضت هاتشيكوجي وقتًا أطول قليلاً في الهواء قبل أن تسقط نحو الأرض بفعل شخص في مثل حجمي… كان الوقت أطول بقليل فحسب، لكنه كان كل ما احتاجته هاتشيكوجي لتعديل وضعيتها والإمساك بشعري بيدها الحرة. كنت أطيل شعري لسببٍ ما… مما يعني أن أصابع هاتشيكوجي القصيرة لم تجد أي صعوبة في التشبث به. انطلق الألم في فروة رأسي مجبرًا يديّ على إفلات ساقها. لم تكن هاتشيكوجي من الرقة بحيث تفوت فرصة كهذه؛ فبدلًا من الانتظار لحين الهبوط، تعلقت بظهري ودارت حولي مستندة إلى لوحي كتفي، ثم أخذت تمطر رأسي بضربات متتالية… ضرباتٍ بالمرفق. أصابت ضرباتها هدفها… لكنها كانت طفيفة؛ إذ لم تتمكن من نقل قوتها الكاملة لأن قدميها كانتا معلقتين في الهواء. وهنا تجلّى فارق السن والخبرة بيننا؛ فلو أنها وجهت ضربة حاسمة واحدة بدلاً من التسرع للوصول إلى نتيجة، لكانت تلك نهايتي، ولحسمت الأمر لصالحها. أما الآن، فقد جاء دوري للهجوم المضاد، وكان أمامي مسارٌ مضمون للظفر بالنصر. أمسكتُ بالذراع التي تسدد الضربات بمرفقها نحو رأسي… شعرتُ أنها اليسرى… لا، كانت الوضعية معكوسة، إذن فهي ذراعها اليمنى… أمسكتُ ذراعها اليمنى، ومن تلك الوضعية أعدتُ تنفيذ الرمية! هذه المرة… نجحتُ. ارتطم ظهر هاتشيكوجي بالأرض. تراجعتُ لأضع مسافة بيننا، حذرًا من هجوم مضاد محتمل… لكنها لم تبدِ أي علامة على النهوض. لقد فزتُ. «أيتها الحمقاء… هل ظننتِ أن تلميذة ابتدائية تستطيع هزيمة طالب في الثانوية؟! هاهاهاهاهاها!» هناك وقف طالب ثانوية يتباهى بكامل الجدية بهزيمته لتلميذة ابتدائية، بعد أن خاض معها قتالًا حقيقيًا وأطاح بها برمية كتف متقنة. ذلك الطالب كان أنا. أنا، كويومي أراراغي، شخصٌ يتنمر على طفلة في الابتدائية وينفجر بالضحك… حتى أنني استطعت إثارة اشمئزاز نفسي. «…أراراغي». انطلق صوتٌ بارد. التفتُّ لأجد سينجوغاهارا واقفة هناك. يبدو أنها اقتربت لأنها لم تطق استمرار هذا المشهد. وكانت نظراتها الموجهة إليّ مفعمة بالشك والريب. «أعلم أنني قلت إنني سأتبعك حتى الجحيم، لكننا كنا نتحدث حينها عن ضآلة شأنك. أما أن تكون شخصًا مثيرًا للاشمئزاز فهذا أمر مختلف تمامًا، وأرجو أن تعي ذلك». «…اسمحي لي بالدفاع عن نفسي». «تفضل، أسمعك». «…………» أفعالي كانت تجردني من أي حق في الدفاع. بحثتُ عن حجّة دون جدوى. لذا أعدتُ ترتيب أفكاري وموقفي. «حسنًا، لننسَ ما مضى الآن. هذه الفتاة هنا…» أشرتُ إلى هاتشيكوجي التي ما تزال عاجزة عن النهوض من الأرض. افترضتُ أنها ستكون بخير، فقد ارتطمت بالأرض بظهرها أولاً، مما يعني أن حقيبة ظهرها امتصت قدرًا كبيرًا من الصدمة. «يبدو أنها تائهة. وبقدر ما أرى، لا يبدو أنها برفقة أحد والديها أو صديق أو أي شخص آخر. لقد… همم، كنتُ هنا في الحديقة منذ الصباح، وكانت هي تقف هنا بالفعل تنظر إلى هذه اللافتة قبل وصولكِ. لم يخطر ببالي شيء وقتها، لكنها عادت الآن، فلا بد أنها ضائعة بحق، أليس كذلك؟ لا أريد أن يدب القلق في قلب أحد عليها، فتساءلتُ إن كان بمقدوري تقديم المساعدة». «…همم». رغم أن سينجوغاهارا أومأت بصلابة، إلا أن ملامحها ظلت تشي بالنظرة ذاتها. بالطبع، يمكنني أن أتفهم كيف ترغب في الاستفسار عن كيفية تحول الأمر من مساعدة إلى شجار عنيف، ولكن ماذا عساي أقول؟ لقد كانت ببساطة استجابة روح محارب لروح محارب آخر. «فهمت». «هاه؟» «لا، الأمر منطقي… الآن استوعبتُ ما يجري». هل استوعبتْ حقًا؟ هيه، أغلب الظن أنها تتظاهر بذلك فقط. «أوه، صحيح يا سينجوغاهارا! كنتِ تسكنين في هذا الحي سابقًا، أليس كذلك؟ إذن ربما تعرفين الموقع التقريبي لعنوانٍ فيه إن سمعتهِ؟» «همم، بالتأكيد… بالقدر الذي يعرفه أي شخص عادي». ردٌّ جافٌ وفاتِر. هل يُعقل أنها باتت تراني معتديًا على الأطفال؟ يبدو هذا الوصف أشنع من منجذب للأطفال، إن كان في الوصف أشنعُ منه. «اسمعي يا هاتشيكوجي». قلتُ. «أعلم أنكِ تتظاهرين فقط بالغيبوبة. أري الآنسة اللطيفة هنا مذكرتكِ». انحنيتُ ونظرتُ إلى وجه هاتشيكوجي. كانت حدقتا عينيها مائلتين إلى الأعلى. …لقد كانت غائبة عن الوعي بحق… رؤية بياض عيني فتاة صغيرة كان مظهرًا يبعث على الشدة والقلق الشديدين… «ما الأمر يا أراراغي؟» «أوه، لا شيء…» استدرتُ بحركة عفوية لأحجب وجه هاتشيكوجي بظهري حتى لا تلاحظ سينجوغاهارا، ثم ربتُّ على خدي الفتاة برفق عدة مرات. لم يكن هذا بالطبع دليلاً على ممارسة اعتداء آخر، بل محاولة حثيثة لإيقاظها. واستعادت وعيها على إثر ذلك. «همم… أظنني رأيتُ حلمًا للتو». «أوه، أبالفعل؟ وأي حلمٍ كان؟» قلتُ محاولاً تقليد أفضل نبرة لمذيع برامج الأطفال: «أخبريني يا هاتشيكوجي! أي نوعٍ من الأحلام رأيتِ؟» «حلمًا تعرضتُ فيه للإيذاء الجسدي على يد طالب ثانوي همجي». «…يبدو لي كأحد تلك الأحلام التي ينعكس فيها الواقع». «فهمت. إذن هذا هو السر». كان ذلك بلا أضأل شك التوصيف الدقيق لما حدث لها قبل أن تفقد وعيها. كان يعتصر صدري شعورٌ أليم بالندم. أخذتُ مذكرة هاتشيكوجي منها وحاولتُ تسليمها لسينجوغاهارا… لكنها لم تبدِ أي رغبة في التقاطها؛ بل اكتفت بالحدق في يدي الممدودة بعينين أبرد من الجليد. «ما الأمر؟ خذيها». «…لسبب ما، لا رغبة لدي في لمسك». آه. خِلتُ أنني اعتدتُ لسانها اللاذع، غير أن هذا التعبير نال مني بحق… «أنا فقط أناولكِ مذكرة». «ولا أريد لمس أي شيءٍ لامَسْتَه». «…………» إنها تمقتني الآن… سينجوغاهارا باتت تكرهني بكل بساطة… ولكن ما أغرب هذا… فقد خُيِّلَ إليَّ أننا كنا على وفاق تام قبل لحظات معدودة فحسب. «حسنًا، فهمتُ… إذن سأقرأ العنوان عليكِ، اتفقنا؟ لنرَ…» قرأتُ العنوان كما كُتِبَ في المذكرة تمامًا. ولحسن الحظ، تمكنتُ من قراءته بطلاقة لخلُوّه من الأحرف المعقدة. «آه»، قالت سينجوغاهارا معقبة: «أعرف أين يقع هذا المكان». «رائع!» «أظنه يقع بعد منزلي القديم بقليل. لا أعرف المنطقة بدقة متناهية، لكن يفترض أن نستدل عليها بمجرد اقترابنا. حسنًا، لننطلق». استدارت سينجوغاهارا ومضت بخطى حثيثة نحو مدخل الحديقة بمجرد أن أنهت حديثها. توقعتُ منها قدرًا أكبر من التذمر، أو أن تبدي امتناعًا عن إرشاد طفلة، بيد أنها وافقت بسرعة غير متوقعة… ثم إنها لم تُعرّف بنفسها لهاتشيكوجي، ولا حتى التقت نظراتهما، مما جعلني أرجّح صحة حدسي السابق بأنها تكره الأطفال. هذا، أو أنها تعتبر هذه الخدمة بمثابة استجابة لـ “أمنيتي الوحيدة”. آه… سأشعر حقًا بالخسران إن كنتُ قد أهدرتُ أمنيتي في أمرٍ كهذا… «حسنًا، أَيًّا كان… لننطلق يا هاتشيكوجي». «ماذا؟ إلى أين ننطلق؟» سألت هاتشيكوجي، والحيرة جليّة على محياها بصدق. ألا تملك القدرة على استيعاب مجريات الحديث أم ماذا؟ «إلى العنوان المدون في هذه المذكرة، بالطبع. الآنسة التي تسير هناك تعرف موقع المكان، لذا وافقت على مرافقتنا إلى هناك. أليس هذا أمرًا رائعًا؟» «…أوه. أتريد ذلك؟» «هاه؟ انتظري، أَلَسْتِ تائهة؟» «بلى، أنا تائهة»، أكدت هاتشيكوجي. «أنا حلزونة ضائعة». «هاه؟ حلزونة ضائعة؟» «لا، أنا…» هزت رأسها: «لا شيء». «…حسنًا إذن. همم، في هذه الحالة، أظن أن علينا اللحاق بتلك الآنسة. اسمها سينجوغاهارا. وإن خِلْتِ أن اسمها يبدو جافًا، فانتظري حتى تتحدثي إليها. ولكن، بمجرد أن تعتادي على قسوة أسلوبها، قد تستسيغين طبعها، فهي في أعماقها شخصية صادقة وطيبة… بل ربما صادقة أكثر مما ينبغي». «…………» «هيا، أسرعي واتبعيني فحسب». كانت هاتشيكوجي لا تزال ثابتة في مكانها، فأمسكتُ بيدها وسحبتها، وكدتُ أجرها جَرًّا لمطاردة سينجوغاهارا. «آه، آه، أوه، أورك أورك»، أصدرت هاتشيكوجي تلك الأصوات الغريبة التي تتوقع سماعها من أسد البحر، ولكن على الرغم من بعض اللحظات الحرجة، تبعتني طول الطريق دون أن تتعثر ولو لمرة واحدة. سأعود لاحقًا لأخذ دراجتي الجبلية. أما في الوقت الحالي، فقد غادرنا الحديقة… أَيًّا كان اسمها، إذ لم تتح لي الفرصة لتقصّيه.

003

 

الفتاة التي تبدو في صفوف المرحلة الابتدائية العليا كانت تقف أمام لافتة معدنية عند حافة الحديقة… خريطة سكنية للمنطقة. كان ظهرها مواجهًا لي، فلم تكن لدي أي فكرة عن ملامح وجهها، لكن حقيبة الظهر الكبيرة التي تحملها كانت لافتة للغاية… مما جعلني أتعرف عليها فورًا. صحيح، لقد كانت تقف أمام الخريطة السكنية بالطريقة نفسها قبل لحظات فقط، قبل أن تظهر سينجوغاهارا. في ذلك الوقت، لم يمضِ وقت طويل قبل أن تهرب… لكن يبدو أنها عادت. ومن مظهرها، كانت تقارن مذكرة بيدها بما هو مطبوع على اللافتة. همم. بمعنى آخر، إنها طفلة تائهة. لا بد أن المذكرة تحتوي على خريطة مرسومة يدويًا أو عنوان مكتوب. ركّزت نظري عليها. وعندما فعلت، لاحظت بطاقة اسم مخيطة على حقيبة ظهرها… «الصف الخامس، الفصل الثالث»، واسمها مكتوب بقلم تحديد سميك. لم أكن متأكدًا تمامًا من كيفية قراءة أحرف اسمها الأول… لكنه على الأرجح «مايوي». أما لقبها… فكيف يُقرأ؟ لم أره من قبل. «ياكوديرا»… ربما؟ لم تكن اللغة موضع قوتي قط. في هذه الحالة، فكرت: لنجرب سؤال شخص يجيدها. «…اسمعي يا سينجوغاهارا، أترين تلميذة الابتدائية تلك أمام اللافتة؟ كيف يُقرأ اللقب المكتوب على حقيبة ظهرها؟» «هاه؟» بدت سينجوغاهارا محتارة. «هل تمزح معي؟ لا أستطيع حتى رؤيتها». «أوه…» صحيح، لقد نسيت. لم يعد جسدي طبيعيًا… وقد أطعمتُ شينوبو دمي في اليوم السابق، السبت. في هذه اللحظة، كانت قدراتي الجسدية أكبر بكثير من المستوى الطبيعي، وإن لم تبلغ الدرجة التي كانت عليها في عطلة الربيع. وهذا بالطبع شمل حدة بصري أيضًا؛ فإذا لم أكن حذرًا… أرى الأشياء البعيدة وكأنها أمامي مباشرة. ليس لأن رؤيتها تشكل مشكلة، لكن رؤية أشياء لا يراها الآخرون… لا تُشعِر بالارتياح. إنها تخلق تنافرًا مع الآخرين. وكانت سينجوغاهارا تعاني المشكلة ذاتها. «همم…» قلت لها: «إنه مكتوب بأحرف الرقمين ثمانية وتسعة، متبوعة بحرف “معبد”…» «…؟ حسنًا، يُقرأ “هاتشيكوجي”». «”هاتشيكوجي”؟» «نعم. هل أنت أمّيٌّ لهذه الدرجة يا أراراغي؟ بمستواك الدراسي هذا، أنا مندهشة أنك تمكنت من التخرج في الروضة». «أستطيع التخرج في الروضة وأنا مغمض العينين!» «هذا تقدير مبالغ فيه لقدراتك». «حتى تعليقاتي المباشرة تنتقدينها الآن؟!» «لن تثير إعجاب أحد بتلك الملاحظات المقتضبة». «أنا معجب بكِ أنتِ، لمعلوماتكِ…» «لكن بجدية، أي شخص لديه أدنى اهتمام بالتاريخ الياباني أو الأدب الكلاسيكي، أو يملك ذرة فضول معرفي، سيعرف كيف يقرؤها. هناك أسئلة غبية يا أراراغي، وأنت غبي سواء سألتها أم لا». «نعم، حسنًا، أَيًّا كان. أنا طالب فاشل». «أنت مخطئ تمامًا إن ظننت أن إدراك هذه الحقيقة يجعل الأمر أفضل». «…………» هل بدر مني شيءٌ أزعجها؟ كنت متأكدًا أننا كنا نتحدث للتو عن طريقة شكرها لي… «تبًّا… حسنًا، على أي حال». قلتُ لها. «إذن أظن أن اسمها يُقرأ “مايوي هاتشيكوجي”». يا له من اسم غريب. وإن كان، ربما، أكثر طبيعية من “هيتاغي سينجوغاهارا” أو “كويومي أراراغي”. على أي حال، ليس من اللباقة التندر بأسماء الآخرين. «همم…» بدأتُ حديثي، ناظرًا نحو سينجوغاهارا. همف. لم أستطع تخيلها أبدًا من النوع الذي يحب الأطفال الصغار… بل بدت من ذلك النوع الذي يركل الكرة في الاتجاه المعاكس إذا تدحرجت نحوه. أستطيع رؤيتها تركل طفلًا يبكي لمجرد أنه مزعج. مما يعني أن الخيار الأكثر أمانًا هو الذهاب بمفردي. لو كان برفقتي أي شخص غير سينجوغاهارا، لفضّلت اصطحاب فتاة معي كي يقلل الطفل من حذره. لكن هذا الخيار غير مطروح. «اسمعي، هل يمكنك الانتظار هنا دقيقة؟» «لا مانع لدي، لكن إلى أين أنت ذاهب؟» «سأذهب لأتحدث إلى تلك التلميذة الصغيرة.» «لا أنصحك. سينتهي بك الأمر مجروحًا فحسب». «…………» إنها حقًا لا تتردد في قول أفظع الأشياء، أليس كذلك؟ أَيًّا كان، سنناقش هذا لاحقًا. في الوقت الحالي، أصل إلى تلك الطفلة. مايوي هاتشيكوجي. نهضت من المقعد وهرولت عبر الحديقة… نحو اللافتة المعدنية حيث تقف الفتاة ذات الحقيبة. بدت منهمكة في مقارنة الخريطة بمذكرتها، ولم تلاحظ اقترابي من الخلف. ناديتها عندما لم يتبقَّ بيننا سوى خطوة واحدة. حاولت أن أبدو ودودًا ولطيفًا قدر الإمكان: «مرحبًا. ما الأمر؟ هل أنتِ ضائعة؟» استدارت الفتاة. كانت تسرح شعرها في ضفيرتين، مع غُرّة قصيرة جدًا تكشف عن حاجبيها. أعطاني وجهها انطباعًا بأنها فتاة ذكية. الفتاة… مايوي هاتشيكوجي… تفحّصتني أولًا قبل أن تفتح فمها: «من فضلك لا تتحدث إليّ. أنا لا أحبك». «…………» ………… عدتُ إلى المقعد بمشية تماثل مشية الموتى الأحياء. نظرت إليّ سينجوغاهارا باستغراب: «ما الأمر؟ هل حدث شيء؟» «أشعر بالجرح… انتهى بي الأمر مجروحًا فحسب…» كانت الصدمة العاطفية أشد مما توقعت. واستغرق مني الأمر نحو عشر ثوانٍ لأستعيد وعيي. «…سأذهب مجددًا». «وإلى أين أنت ذاهب؟ ولماذا؟» «ألا تستطيعين معرفة ذلك بمجرد المشاهدة؟» وبهذا، حاولتُ من جديد. كانت الفتاة، هاتشيكوجي، قد عادت للحدق في اللافتة وكأن لقاءنا لم يحدث قط. كانت تطابق البيانات في المذكرة. ألقيتُ نظرة خاطفة من فوق كتفها… ورأيتُ عنوانًا مدونًا، لا خريطة. لم أكن متأكدًا لجهلي بالمنطقة، لكن لا بد أنه قريب من هنا. «اسمعي، أنتِ». «…………» «أنتِ ضائعة، أليس كذلك؟ إلى أين تريدين الذهاب؟» «…………» «هيا، دعيني ألقِ نظرة على هذه المذكرة». «…………» «…………» ………… عدتُ إلى المقعد بمشية الموتى الأحياء. نظرت إليّ سينجوغاهارا باستغراب: «ما الأمر؟ هل حدث شيء؟» «لقد تُجاهِلت… تجاهلتني تلميذة ابتدائية…» كان الضرر أشد مما توقعت. واستغرق مني الأمر عشرات الثواني لأتعافى. «هذه المرة ستكون مختلفة… سأذهب». «أتعرف يا أراراغي، لا أفهم حقًا ما الذي تحاول فعله، ولا سبب قيامك به…» «فقط اتركي الأمر لي…» وبهذا، حاولتُ للمرة الثالثة. كانت الفتاة، هاتشيكوجي، تقف مواجهةً للافتة. واستنادًا إلى مبدأ أن المبادرة تمنحك الأفضلية، ضربتُها على مؤخرة رأسها. كانت هاتشيكوجي غافلة تمامًا، فارتطمت جبهتها المكشوفة باللافتة المعدنية. «مـ-ماذا تفعل؟!» لقد استدارت أخيراً. الحمد لله. «أي شخص سيستدير لو ضُرِبَ من الخلف!» اتهمتني بغضب. «آه… آسف لأنني ضربتكِ». تسببت التراكمات النفسية المتكررة في فقدان صوابي. «الحياة مليئة بالألم، أتعرفين؟» «لا أرى مغزى لكلامك هذا!» «إنها تتألق أكثر عندما… أتعرفين؟» «كنتُ أرى نجومًا تتألق أمام عيني للتو!» «نعم…» لم أكن أخدعها. للأسف. «حسنًا، تبدين وكأنكِ تواجهين مشكلة، ففكرتُ أنني قد أستطيع تقديم المساعدة». «لا توجد مساعدة في هذا العالم يمكن أن يقدمها شخص يتسلل خلف تلميذات الابتدائية ويضربهن على رؤوسهن! لا شيء على الإطلاق!» كان حذرها شديدًا… شديدًا جدًا. بالطبع. «كما قلتُ لكِ، أنا آسف. حقًا، أعتذر. همم، اسمي كويومي أراراغي». «كويومي؟ إنه اسم فتيات!» «…………» إنها لا تتردد في إلقاء الكلمات بوجهي، أليس كذلك؟ نادرًا ما أسمع هذا التعليق من شخص ألتقيه للمرة الأولى. «رائحتك تفوح بالأنوثة!» صرخت، «من فضلك لا تقترب مني!» «لن أتحمل سماع هذا من أنثى، حتى لو كانت تلميذة ابتدائية…» أوه، انتظر. اهدأ، اهدأ. عليك بالبدء… من بناء الثقة. لن نصل إلى أي نتيجة ما لم أحاول تحسين هذا الموقف. «إذن، ما اسمكِ؟» سألتها. «أنا مايوي هاتشيكوجي. اسمي مايوي هاتشيكوجي. اسمي هدية ثمينة من والديّ». «هاه…» يبدو أننا كنا محقين في قراءة الاسم. «على أي حال، من فضلك لا تتحدث إليّ! أنا لا أحبك!» «لماذا؟» «لأنك ضربتني فجأة من الخلف». «لكنكِ قلتِ إنكِ لا تحبينني حتى قبل أن أضربكِ». «إذن إنها كارما من حياة سابقة!» «هذه أول مرة أُكرَه فيها لهذا السبب». «لقد كنا أعداء لدودين في حياتنا السابقة! كنتُ أنا أميرة حسناء، وكنتَ أنت ملك الشياطين الشرير!» «أنتِ تضعين نفسكِ في موضع الضحية هنا، لنكن واضحين». لا تتبع الغرباء. إذا تحدث إليك غريب، فتجاهله. تلاميذ الابتدائية في هذا العصر لقنوا هذا الدرس بقوة على الأرجح… أم أن مظهري ينفّر الأطفال؟ أَيًّا كان، فإن كُرْه طفل لكَ أمرٌ محبطٌ بحق. «فقط اهدئي قليلاً». قلتُ لها: «لن أؤذيكِ أو ألحق بكِ الضرر. أنا معروف في هذه المدينة بأني “صديق للإنسان والحيوان على حد سواء”، اتفقنا؟» كانت تلك مبالغة بلاشك، لكنها بدت القدر المناسب من التهويل نظرًا لمن أتعامل معها. طفلة أم لا، من الذكاء أن تظهر بمظهر غير مؤذٍ قدر الإمكان في وضع كهذا. وسواء اقتنعت أم لا، أومأت برأسها إيماءة مهيبة وقالت: «فهمت. سأخفض حذري إذن». «أقدّر ذلك». «حسنًا إذن، يا سيد الشبيه بالحيوان». «سيد الشبيه بالحيوان؟! هل تتحدثين عني؟!» آخ… إنها تعبير شائع، لكن يمكنك تحويله إلى إهانة استعلاء بمجرد تحويره. يا لها من عبارة تفوهت بها دون تفكير. في الواقع، لم أكتفِ بها فحسب، بل قدمتُ نفسي باستخدامها… ………… «أنت تصرخ في وجهي! أنت مخيف!» قالت. «حسنًا، اعتذاري عن الصراخ، لكن لا يجوز لكِ مناداة الناس بـ “سيد الشبيه بالحيوان”! هذا سيجعل أي شخص يصرخ!» «حقًا…؟ لكنك أنت من قال إنك معروف بكونك صديقًا للحيوان. كل ما فعلته هو الرد بعفوية وصراحة». «لا يمكنكِ الافتراض بأن بإمكانكِ قول أي شيء لمجرد أنكِ صادقة. فالعالم لا يسير بهذه الطريقة…» صحيح، في هذه الحالة كانت الكلمات ذاتها قد صدرت مني، وربما لم تكن تقصد توجيه إهانة. لكن ورغم ذلك… «باختصار، “صديق للإنسان والحيوان على حد سواء” ليست عبارة يُفضَّل تحويرها بهذه الطريقة». قلتُ. «أوه. أهذا صحيح؟ فهمت. بمعنى آخر، الأمر أشبَه بـ “قفزًا يا يهوشافاط!”؛ قد يتقبل الناس شخصية تصرخ “قفزًا يا يهوشافاط!” كلما تحمست، لكنهم لن يتقبلوا أبدًا شخصية “تميل إلى استدعاء ملك توراتيّ قافز عند الانفعال”. أهذا هو المقصد؟» سألت. «لستُ متأكدًا من ذلك… فلا أرى نفسي أتقبل شخصية تصرخ “قفزًا يا يهوشافاط!” كلما تحمست…» «إذن كيف أناديك؟» «بطريقة طبيعية». «حسنًا. سيد أراراغي إذن». «يعجبني هذا. طبيعي. لا شيء يتفوق على البساطة الطبيعية». «أنا لا أحبك يا سيد أراراغي». «…………» لم يتحسن موقفي قيد أنملة. «رائحتك كريهة! من فضلك لا تقترب مني!» «أليس هذا أسوأ من قولك إن رائحتي تفوح بالأنوثة؟! » «همف… معك حق، وصف “كريهة” وحده قد يكون مجحفًا بحقك. اسمح لي بتصحيح عباراتي». «إن كان تصحيحًا حقيقيًا، فتفضلي». «رائحتك تفوح بالكرَاهية! من فضلك لا تقترب مني!» «الجزء الأول كاد يصيب المعنى، لكنكِ أفسدته بالكامل!» «لا أكترث! من فضلك اذهب إلى مكان آخر بسرعة!» «لا، انتظري… أنتِ ضائعة، أليس كذلك؟» «أنا قادرة تمامًا على التعامل مع هذه المواقف! اعتدت على هذه العقبات! هذا أمر اعتيادي جدًا بالنسبة لي! أنا متمرسة في الترحال والضياع!» «تعملين في هذا المجال في هذا العمر؟!» لو كان الأمر كذلك، لما تاهت من الأساس، أليس كذلك؟ «فقط… كفي عن العناد». قلتُ لها. «لستُ عنيدة!» «بلى، أنتِ كذلك». «خذ هذه!» بمجرد أن تفوّهت هاتشيكوجي بهذه الكلمات، وجهت إليّ ركلة عالية ألقَت فيها بوزن جسدها كليًا. لم تكن حركة تليق بتلميذة ابتدائية، إذ جاءت ركلتها في هيئة مثالية وكأن قضيبًا صلبًا يمر عبر عمودها الفقري ليبقيه مستقيمًا تمامًا. للأسف الشديد، يقف فارق القامة حاجزًا بين تلاميذ الابتدائية وطلاب الثانوية، وهي فجوة أثبتت عدم إمكانية تجاوزها. ربما تباينت النتيجة لو أنها أصابت وجهي مباشرة، لكن ركلتها العالية لم تتجاوز منطقة إبطي. ولا يعني ذلك أن طرف حذائها الذي ارتطم بي لم يسبب ألمًا، لكنه كان ألمًا يمكن تحمله. وفور أن لامستني قدمها، أسرعت باستعمال ذراعيّ للإمساك بكاحلها وساقها. «يا لخطئي!» صرخت هاتشيكوجي، لكن الأوان كان قد فات. …قررت أن أسأل سينجوغاهارا لاحقًا عن السلامة النحوية لقولها “يا لخطئي”، أما في هذه اللحظة، وبينما تمايلت هاتشيكوجي على ساق واحدة، جذبتها إلى الأعلى كما ينتزع مزارعٌ ثمرة فجل ضخمة من أرضها. لو كنا في مباراة جودو لسميتها رمية كتف، وإن كان الإمساك بساق الخصم بهذه الطريقة يخالف قواعد الجودو، لكن سوء الحظ أن هذا قتال حقيقي لا مباراة رياضية. وبمجرد أن ارتفع جسدها عن الأرض، حظيت بلمحة من أسفل تنورتها بزاوية جريئة للغاية، غير أنني لست ممن ينجذبون للأطفال فلم يتشتت ذهني قيد أنملة؛ وببساطة ألقيت بها فوق كتفي. لكن هنا بالتحديد، انقلب فارق القامة ضدي. فبفضل جسدها الضئيل، قضت هاتشيكوجي وقتًا أطول قليلاً في الهواء قبل أن تسقط نحو الأرض بفعل شخص في مثل حجمي… كان الوقت أطول بقليل فحسب، لكنه كان كل ما احتاجته هاتشيكوجي لتعديل وضعيتها والإمساك بشعري بيدها الحرة. كنت أطيل شعري لسببٍ ما… مما يعني أن أصابع هاتشيكوجي القصيرة لم تجد أي صعوبة في التشبث به. انطلق الألم في فروة رأسي مجبرًا يديّ على إفلات ساقها. لم تكن هاتشيكوجي من الرقة بحيث تفوت فرصة كهذه؛ فبدلًا من الانتظار لحين الهبوط، تعلقت بظهري ودارت حولي مستندة إلى لوحي كتفي، ثم أخذت تمطر رأسي بضربات متتالية… ضرباتٍ بالمرفق. أصابت ضرباتها هدفها… لكنها كانت طفيفة؛ إذ لم تتمكن من نقل قوتها الكاملة لأن قدميها كانتا معلقتين في الهواء. وهنا تجلّى فارق السن والخبرة بيننا؛ فلو أنها وجهت ضربة حاسمة واحدة بدلاً من التسرع للوصول إلى نتيجة، لكانت تلك نهايتي، ولحسمت الأمر لصالحها. أما الآن، فقد جاء دوري للهجوم المضاد، وكان أمامي مسارٌ مضمون للظفر بالنصر. أمسكتُ بالذراع التي تسدد الضربات بمرفقها نحو رأسي… شعرتُ أنها اليسرى… لا، كانت الوضعية معكوسة، إذن فهي ذراعها اليمنى… أمسكتُ ذراعها اليمنى، ومن تلك الوضعية أعدتُ تنفيذ الرمية! هذه المرة… نجحتُ. ارتطم ظهر هاتشيكوجي بالأرض. تراجعتُ لأضع مسافة بيننا، حذرًا من هجوم مضاد محتمل… لكنها لم تبدِ أي علامة على النهوض. لقد فزتُ. «أيتها الحمقاء… هل ظننتِ أن تلميذة ابتدائية تستطيع هزيمة طالب في الثانوية؟! هاهاهاهاهاها!» هناك وقف طالب ثانوية يتباهى بكامل الجدية بهزيمته لتلميذة ابتدائية، بعد أن خاض معها قتالًا حقيقيًا وأطاح بها برمية كتف متقنة. ذلك الطالب كان أنا. أنا، كويومي أراراغي، شخصٌ يتنمر على طفلة في الابتدائية وينفجر بالضحك… حتى أنني استطعت إثارة اشمئزاز نفسي. «…أراراغي». انطلق صوتٌ بارد. التفتُّ لأجد سينجوغاهارا واقفة هناك. يبدو أنها اقتربت لأنها لم تطق استمرار هذا المشهد. وكانت نظراتها الموجهة إليّ مفعمة بالشك والريب. «أعلم أنني قلت إنني سأتبعك حتى الجحيم، لكننا كنا نتحدث حينها عن ضآلة شأنك. أما أن تكون شخصًا مثيرًا للاشمئزاز فهذا أمر مختلف تمامًا، وأرجو أن تعي ذلك». «…اسمحي لي بالدفاع عن نفسي». «تفضل، أسمعك». «…………» أفعالي كانت تجردني من أي حق في الدفاع. بحثتُ عن حجّة دون جدوى. لذا أعدتُ ترتيب أفكاري وموقفي. «حسنًا، لننسَ ما مضى الآن. هذه الفتاة هنا…» أشرتُ إلى هاتشيكوجي التي ما تزال عاجزة عن النهوض من الأرض. افترضتُ أنها ستكون بخير، فقد ارتطمت بالأرض بظهرها أولاً، مما يعني أن حقيبة ظهرها امتصت قدرًا كبيرًا من الصدمة. «يبدو أنها تائهة. وبقدر ما أرى، لا يبدو أنها برفقة أحد والديها أو صديق أو أي شخص آخر. لقد… همم، كنتُ هنا في الحديقة منذ الصباح، وكانت هي تقف هنا بالفعل تنظر إلى هذه اللافتة قبل وصولكِ. لم يخطر ببالي شيء وقتها، لكنها عادت الآن، فلا بد أنها ضائعة بحق، أليس كذلك؟ لا أريد أن يدب القلق في قلب أحد عليها، فتساءلتُ إن كان بمقدوري تقديم المساعدة». «…همم». رغم أن سينجوغاهارا أومأت بصلابة، إلا أن ملامحها ظلت تشي بالنظرة ذاتها. بالطبع، يمكنني أن أتفهم كيف ترغب في الاستفسار عن كيفية تحول الأمر من مساعدة إلى شجار عنيف، ولكن ماذا عساي أقول؟ لقد كانت ببساطة استجابة روح محارب لروح محارب آخر. «فهمت». «هاه؟» «لا، الأمر منطقي… الآن استوعبتُ ما يجري». هل استوعبتْ حقًا؟ هيه، أغلب الظن أنها تتظاهر بذلك فقط. «أوه، صحيح يا سينجوغاهارا! كنتِ تسكنين في هذا الحي سابقًا، أليس كذلك؟ إذن ربما تعرفين الموقع التقريبي لعنوانٍ فيه إن سمعتهِ؟» «همم، بالتأكيد… بالقدر الذي يعرفه أي شخص عادي». ردٌّ جافٌ وفاتِر. هل يُعقل أنها باتت تراني معتديًا على الأطفال؟ يبدو هذا الوصف أشنع من منجذب للأطفال، إن كان في الوصف أشنعُ منه. «اسمعي يا هاتشيكوجي». قلتُ. «أعلم أنكِ تتظاهرين فقط بالغيبوبة. أري الآنسة اللطيفة هنا مذكرتكِ». انحنيتُ ونظرتُ إلى وجه هاتشيكوجي. كانت حدقتا عينيها مائلتين إلى الأعلى. …لقد كانت غائبة عن الوعي بحق… رؤية بياض عيني فتاة صغيرة كان مظهرًا يبعث على الشدة والقلق الشديدين… «ما الأمر يا أراراغي؟» «أوه، لا شيء…» استدرتُ بحركة عفوية لأحجب وجه هاتشيكوجي بظهري حتى لا تلاحظ سينجوغاهارا، ثم ربتُّ على خدي الفتاة برفق عدة مرات. لم يكن هذا بالطبع دليلاً على ممارسة اعتداء آخر، بل محاولة حثيثة لإيقاظها. واستعادت وعيها على إثر ذلك. «همم… أظنني رأيتُ حلمًا للتو». «أوه، أبالفعل؟ وأي حلمٍ كان؟» قلتُ محاولاً تقليد أفضل نبرة لمذيع برامج الأطفال: «أخبريني يا هاتشيكوجي! أي نوعٍ من الأحلام رأيتِ؟» «حلمًا تعرضتُ فيه للإيذاء الجسدي على يد طالب ثانوي همجي». «…يبدو لي كأحد تلك الأحلام التي ينعكس فيها الواقع». «فهمت. إذن هذا هو السر». كان ذلك بلا أضأل شك التوصيف الدقيق لما حدث لها قبل أن تفقد وعيها. كان يعتصر صدري شعورٌ أليم بالندم. أخذتُ مذكرة هاتشيكوجي منها وحاولتُ تسليمها لسينجوغاهارا… لكنها لم تبدِ أي رغبة في التقاطها؛ بل اكتفت بالحدق في يدي الممدودة بعينين أبرد من الجليد. «ما الأمر؟ خذيها». «…لسبب ما، لا رغبة لدي في لمسك». آه. خِلتُ أنني اعتدتُ لسانها اللاذع، غير أن هذا التعبير نال مني بحق… «أنا فقط أناولكِ مذكرة». «ولا أريد لمس أي شيءٍ لامَسْتَه». «…………» إنها تمقتني الآن… سينجوغاهارا باتت تكرهني بكل بساطة… ولكن ما أغرب هذا… فقد خُيِّلَ إليَّ أننا كنا على وفاق تام قبل لحظات معدودة فحسب. «حسنًا، فهمتُ… إذن سأقرأ العنوان عليكِ، اتفقنا؟ لنرَ…» قرأتُ العنوان كما كُتِبَ في المذكرة تمامًا. ولحسن الحظ، تمكنتُ من قراءته بطلاقة لخلُوّه من الأحرف المعقدة. «آه»، قالت سينجوغاهارا معقبة: «أعرف أين يقع هذا المكان». «رائع!» «أظنه يقع بعد منزلي القديم بقليل. لا أعرف المنطقة بدقة متناهية، لكن يفترض أن نستدل عليها بمجرد اقترابنا. حسنًا، لننطلق». استدارت سينجوغاهارا ومضت بخطى حثيثة نحو مدخل الحديقة بمجرد أن أنهت حديثها. توقعتُ منها قدرًا أكبر من التذمر، أو أن تبدي امتناعًا عن إرشاد طفلة، بيد أنها وافقت بسرعة غير متوقعة… ثم إنها لم تُعرّف بنفسها لهاتشيكوجي، ولا حتى التقت نظراتهما، مما جعلني أرجّح صحة حدسي السابق بأنها تكره الأطفال. هذا، أو أنها تعتبر هذه الخدمة بمثابة استجابة لـ “أمنيتي الوحيدة”. آه… سأشعر حقًا بالخسران إن كنتُ قد أهدرتُ أمنيتي في أمرٍ كهذا… «حسنًا، أَيًّا كان… لننطلق يا هاتشيكوجي». «ماذا؟ إلى أين ننطلق؟» سألت هاتشيكوجي، والحيرة جليّة على محياها بصدق. ألا تملك القدرة على استيعاب مجريات الحديث أم ماذا؟ «إلى العنوان المدون في هذه المذكرة، بالطبع. الآنسة التي تسير هناك تعرف موقع المكان، لذا وافقت على مرافقتنا إلى هناك. أليس هذا أمرًا رائعًا؟» «…أوه. أتريد ذلك؟» «هاه؟ انتظري، أَلَسْتِ تائهة؟» «بلى، أنا تائهة»، أكدت هاتشيكوجي. «أنا حلزونة ضائعة». «هاه؟ حلزونة ضائعة؟» «لا، أنا…» هزت رأسها: «لا شيء». «…حسنًا إذن. همم، في هذه الحالة، أظن أن علينا اللحاق بتلك الآنسة. اسمها سينجوغاهارا. وإن خِلْتِ أن اسمها يبدو جافًا، فانتظري حتى تتحدثي إليها. ولكن، بمجرد أن تعتادي على قسوة أسلوبها، قد تستسيغين طبعها، فهي في أعماقها شخصية صادقة وطيبة… بل ربما صادقة أكثر مما ينبغي». «…………» «هيا، أسرعي واتبعيني فحسب». كانت هاتشيكوجي لا تزال ثابتة في مكانها، فأمسكتُ بيدها وسحبتها، وكدتُ أجرها جَرًّا لمطاردة سينجوغاهارا. «آه، آه، أوه، أورك أورك»، أصدرت هاتشيكوجي تلك الأصوات الغريبة التي تتوقع سماعها من أسد البحر، ولكن على الرغم من بعض اللحظات الحرجة، تبعتني طول الطريق دون أن تتعثر ولو لمرة واحدة. سأعود لاحقًا لأخذ دراجتي الجبلية. أما في الوقت الحالي، فقد غادرنا الحديقة… أَيًّا كان اسمها، إذ لم تتح لي الفرصة لتقصّيه.

الفتاة التي تبدو في صفوف المرحلة الابتدائية العليا كانت تقف أمام لافتة معدنية عند حافة الحديقة… خريطة سكنية للمنطقة. كان ظهرها مواجهًا لي، فلم تكن لدي أي فكرة عن ملامح وجهها، لكن حقيبة الظهر الكبيرة التي تحملها كانت لافتة للغاية… مما جعلني أتعرف عليها فورًا. صحيح، لقد كانت تقف أمام الخريطة السكنية بالطريقة نفسها قبل لحظات فقط، قبل أن تظهر سينجوغاهارا. في ذلك الوقت، لم يمضِ وقت طويل قبل أن تهرب… لكن يبدو أنها عادت. ومن مظهرها، كانت تقارن مذكرة بيدها بما هو مطبوع على اللافتة.
همم.
بمعنى آخر، إنها طفلة تائهة. لا بد أن المذكرة تحتوي على خريطة مرسومة يدويًا أو عنوان مكتوب.
ركّزت نظري عليها.
وعندما فعلت، لاحظت بطاقة اسم مخيطة على حقيبة ظهرها… «الصف الخامس، الفصل الثالث»، واسمها مكتوب بقلم تحديد سميك.
لم أكن متأكدًا تمامًا من كيفية قراءة أحرف اسمها الأول… لكنه على الأرجح «مايوي».
أما لقبها… فكيف يُقرأ؟ لم أره من قبل. «ياكوديرا»… ربما؟
لم تكن اللغة موضع قوتي قط.
في هذه الحالة، فكرت: لنجرب سؤال شخص يجيدها.
«…اسمعي يا سينجوغاهارا، أترين تلميذة الابتدائية تلك أمام اللافتة؟ كيف يُقرأ اللقب المكتوب على حقيبة ظهرها؟»
«هاه؟»
بدت سينجوغاهارا محتارة.
«هل تمزح معي؟ لا أستطيع حتى رؤيتها».
«أوه…»
صحيح، لقد نسيت.
لم يعد جسدي طبيعيًا… وقد أطعمتُ شينوبو دمي في اليوم السابق، السبت. في هذه اللحظة، كانت قدراتي الجسدية أكبر بكثير من المستوى الطبيعي، وإن لم تبلغ الدرجة التي كانت عليها في عطلة الربيع. وهذا بالطبع شمل حدة بصري أيضًا؛ فإذا لم أكن حذرًا… أرى الأشياء البعيدة وكأنها أمامي مباشرة. ليس لأن رؤيتها تشكل مشكلة، لكن رؤية أشياء لا يراها الآخرون… لا تُشعِر بالارتياح.
إنها تخلق تنافرًا مع الآخرين.
وكانت سينجوغاهارا تعاني المشكلة ذاتها.
«همم…» قلت لها: «إنه مكتوب بأحرف الرقمين ثمانية وتسعة، متبوعة بحرف “معبد”…»
«…؟ حسنًا، يُقرأ “هاتشيكوجي”».
«”هاتشيكوجي”؟»
«نعم. هل أنت أمّيٌّ لهذه الدرجة يا أراراغي؟ بمستواك الدراسي هذا، أنا مندهشة أنك تمكنت من التخرج في الروضة».
«أستطيع التخرج في الروضة وأنا مغمض العينين!»
«هذا تقدير مبالغ فيه لقدراتك».
«حتى تعليقاتي المباشرة تنتقدينها الآن؟!»
«لن تثير إعجاب أحد بتلك الملاحظات المقتضبة».
«أنا معجب بكِ أنتِ، لمعلوماتكِ…»
«لكن بجدية، أي شخص لديه أدنى اهتمام بالتاريخ الياباني أو الأدب الكلاسيكي، أو يملك ذرة فضول معرفي، سيعرف كيف يقرؤها. هناك أسئلة غبية يا أراراغي، وأنت غبي سواء سألتها أم لا».
«نعم، حسنًا، أَيًّا كان. أنا طالب فاشل».
«أنت مخطئ تمامًا إن ظننت أن إدراك هذه الحقيقة يجعل الأمر أفضل».
«…………»
هل بدر مني شيءٌ أزعجها؟
كنت متأكدًا أننا كنا نتحدث للتو عن طريقة شكرها لي…
«تبًّا… حسنًا، على أي حال».
قلتُ لها.
«إذن أظن أن اسمها يُقرأ “مايوي هاتشيكوجي”».
يا له من اسم غريب.
وإن كان، ربما، أكثر طبيعية من “هيتاغي سينجوغاهارا” أو “كويومي أراراغي”. على أي حال، ليس من اللباقة التندر بأسماء الآخرين.
«همم…» بدأتُ حديثي، ناظرًا نحو سينجوغاهارا.
همف.
لم أستطع تخيلها أبدًا من النوع الذي يحب الأطفال الصغار… بل بدت من ذلك النوع الذي يركل الكرة في الاتجاه المعاكس إذا تدحرجت نحوه. أستطيع رؤيتها تركل طفلًا يبكي لمجرد أنه مزعج.
مما يعني أن الخيار الأكثر أمانًا هو الذهاب بمفردي.
لو كان برفقتي أي شخص غير سينجوغاهارا، لفضّلت اصطحاب فتاة معي كي يقلل الطفل من حذره.
لكن هذا الخيار غير مطروح.
«اسمعي، هل يمكنك الانتظار هنا دقيقة؟»
«لا مانع لدي، لكن إلى أين أنت ذاهب؟»
«سأذهب لأتحدث إلى تلك التلميذة الصغيرة.»
«لا أنصحك. سينتهي بك الأمر مجروحًا فحسب».
«…………»
إنها حقًا لا تتردد في قول أفظع الأشياء، أليس كذلك؟
أَيًّا كان، سنناقش هذا لاحقًا.
في الوقت الحالي، أصل إلى تلك الطفلة.
مايوي هاتشيكوجي.
نهضت من المقعد وهرولت عبر الحديقة… نحو اللافتة المعدنية حيث تقف الفتاة ذات الحقيبة. بدت منهمكة في مقارنة الخريطة بمذكرتها، ولم تلاحظ اقترابي من الخلف.
ناديتها عندما لم يتبقَّ بيننا سوى خطوة واحدة.
حاولت أن أبدو ودودًا ولطيفًا قدر الإمكان:
«مرحبًا. ما الأمر؟ هل أنتِ ضائعة؟»
استدارت الفتاة.
كانت تسرح شعرها في ضفيرتين، مع غُرّة قصيرة جدًا تكشف عن حاجبيها.
أعطاني وجهها انطباعًا بأنها فتاة ذكية.
الفتاة… مايوي هاتشيكوجي… تفحّصتني أولًا قبل أن تفتح فمها:
«من فضلك لا تتحدث إليّ. أنا لا أحبك».
«…………»
…………
عدتُ إلى المقعد بمشية تماثل مشية الموتى الأحياء.
نظرت إليّ سينجوغاهارا باستغراب:
«ما الأمر؟ هل حدث شيء؟»
«أشعر بالجرح… انتهى بي الأمر مجروحًا فحسب…»
كانت الصدمة العاطفية أشد مما توقعت.
واستغرق مني الأمر نحو عشر ثوانٍ لأستعيد وعيي.
«…سأذهب مجددًا».
«وإلى أين أنت ذاهب؟ ولماذا؟»
«ألا تستطيعين معرفة ذلك بمجرد المشاهدة؟»
وبهذا، حاولتُ من جديد.
كانت الفتاة، هاتشيكوجي، قد عادت للحدق في اللافتة وكأن لقاءنا لم يحدث قط. كانت تطابق البيانات في المذكرة. ألقيتُ نظرة خاطفة من فوق كتفها… ورأيتُ عنوانًا مدونًا، لا خريطة. لم أكن متأكدًا لجهلي بالمنطقة، لكن لا بد أنه قريب من هنا.
«اسمعي، أنتِ».
«…………»
«أنتِ ضائعة، أليس كذلك؟ إلى أين تريدين الذهاب؟»
«…………»
«هيا، دعيني ألقِ نظرة على هذه المذكرة».
«…………»
«…………»
…………
عدتُ إلى المقعد بمشية الموتى الأحياء.
نظرت إليّ سينجوغاهارا باستغراب:
«ما الأمر؟ هل حدث شيء؟»
«لقد تُجاهِلت… تجاهلتني تلميذة ابتدائية…»
كان الضرر أشد مما توقعت.
واستغرق مني الأمر عشرات الثواني لأتعافى.
«هذه المرة ستكون مختلفة… سأذهب».
«أتعرف يا أراراغي، لا أفهم حقًا ما الذي تحاول فعله، ولا سبب قيامك به…»
«فقط اتركي الأمر لي…»
وبهذا، حاولتُ للمرة الثالثة.
كانت الفتاة، هاتشيكوجي، تقف مواجهةً للافتة.
واستنادًا إلى مبدأ أن المبادرة تمنحك الأفضلية، ضربتُها على مؤخرة رأسها. كانت هاتشيكوجي غافلة تمامًا، فارتطمت جبهتها المكشوفة باللافتة المعدنية.
«مـ-ماذا تفعل؟!»
لقد استدارت أخيراً.
الحمد لله.
«أي شخص سيستدير لو ضُرِبَ من الخلف!» اتهمتني بغضب.
«آه… آسف لأنني ضربتكِ».
تسببت التراكمات النفسية المتكررة في فقدان صوابي.
«الحياة مليئة بالألم، أتعرفين؟»
«لا أرى مغزى لكلامك هذا!»
«إنها تتألق أكثر عندما… أتعرفين؟»
«كنتُ أرى نجومًا تتألق أمام عيني للتو!»
«نعم…»
لم أكن أخدعها.
للأسف.
«حسنًا، تبدين وكأنكِ تواجهين مشكلة، ففكرتُ أنني قد أستطيع تقديم المساعدة».
«لا توجد مساعدة في هذا العالم يمكن أن يقدمها شخص يتسلل خلف تلميذات الابتدائية ويضربهن على رؤوسهن! لا شيء على الإطلاق!»
كان حذرها شديدًا… شديدًا جدًا.
بالطبع.
«كما قلتُ لكِ، أنا آسف. حقًا، أعتذر. همم، اسمي كويومي أراراغي».
«كويومي؟ إنه اسم فتيات!»
«…………»
إنها لا تتردد في إلقاء الكلمات بوجهي، أليس كذلك؟
نادرًا ما أسمع هذا التعليق من شخص ألتقيه للمرة الأولى.
«رائحتك تفوح بالأنوثة!» صرخت، «من فضلك لا تقترب مني!»
«لن أتحمل سماع هذا من أنثى، حتى لو كانت تلميذة ابتدائية…»
أوه، انتظر.
اهدأ، اهدأ.
عليك بالبدء… من بناء الثقة.
لن نصل إلى أي نتيجة ما لم أحاول تحسين هذا الموقف.
«إذن، ما اسمكِ؟» سألتها.
«أنا مايوي هاتشيكوجي. اسمي مايوي هاتشيكوجي. اسمي هدية ثمينة من والديّ».
«هاه…»
يبدو أننا كنا محقين في قراءة الاسم.
«على أي حال، من فضلك لا تتحدث إليّ! أنا لا أحبك!»
«لماذا؟»
«لأنك ضربتني فجأة من الخلف».
«لكنكِ قلتِ إنكِ لا تحبينني حتى قبل أن أضربكِ».
«إذن إنها كارما من حياة سابقة!»
«هذه أول مرة أُكرَه فيها لهذا السبب».
«لقد كنا أعداء لدودين في حياتنا السابقة! كنتُ أنا أميرة حسناء، وكنتَ أنت ملك الشياطين الشرير!»
«أنتِ تضعين نفسكِ في موضع الضحية هنا، لنكن واضحين».
لا تتبع الغرباء.
إذا تحدث إليك غريب، فتجاهله.
تلاميذ الابتدائية في هذا العصر لقنوا هذا الدرس بقوة على الأرجح… أم أن مظهري ينفّر الأطفال؟
أَيًّا كان، فإن كُرْه طفل لكَ أمرٌ محبطٌ بحق.
«فقط اهدئي قليلاً».
قلتُ لها:
«لن أؤذيكِ أو ألحق بكِ الضرر. أنا معروف في هذه المدينة بأني “صديق للإنسان والحيوان على حد سواء”، اتفقنا؟»
كانت تلك مبالغة بلاشك، لكنها بدت القدر المناسب من التهويل نظرًا لمن أتعامل معها. طفلة أم لا، من الذكاء أن تظهر بمظهر غير مؤذٍ قدر الإمكان في وضع كهذا.
وسواء اقتنعت أم لا، أومأت برأسها إيماءة مهيبة وقالت:
«فهمت. سأخفض حذري إذن».
«أقدّر ذلك».
«حسنًا إذن، يا سيد الشبيه بالحيوان».
«سيد الشبيه بالحيوان؟! هل تتحدثين عني؟!»
آخ…
إنها تعبير شائع، لكن يمكنك تحويله إلى إهانة استعلاء بمجرد تحويره. يا لها من عبارة تفوهت بها دون تفكير. في الواقع، لم أكتفِ بها فحسب، بل قدمتُ نفسي باستخدامها…
…………
«أنت تصرخ في وجهي! أنت مخيف!» قالت.
«حسنًا، اعتذاري عن الصراخ، لكن لا يجوز لكِ مناداة الناس بـ “سيد الشبيه بالحيوان”! هذا سيجعل أي شخص يصرخ!»
«حقًا…؟ لكنك أنت من قال إنك معروف بكونك صديقًا للحيوان. كل ما فعلته هو الرد بعفوية وصراحة».
«لا يمكنكِ الافتراض بأن بإمكانكِ قول أي شيء لمجرد أنكِ صادقة. فالعالم لا يسير بهذه الطريقة…»
صحيح، في هذه الحالة كانت الكلمات ذاتها قد صدرت مني، وربما لم تكن تقصد توجيه إهانة. لكن ورغم ذلك…
«باختصار، “صديق للإنسان والحيوان على حد سواء” ليست عبارة يُفضَّل تحويرها بهذه الطريقة».
قلتُ.
«أوه. أهذا صحيح؟ فهمت. بمعنى آخر، الأمر أشبَه بـ “قفزًا يا يهوشافاط!”؛ قد يتقبل الناس شخصية تصرخ “قفزًا يا يهوشافاط!” كلما تحمست، لكنهم لن يتقبلوا أبدًا شخصية “تميل إلى استدعاء ملك توراتيّ قافز عند الانفعال”. أهذا هو المقصد؟» سألت.
«لستُ متأكدًا من ذلك… فلا أرى نفسي أتقبل شخصية تصرخ “قفزًا يا يهوشافاط!” كلما تحمست…»
«إذن كيف أناديك؟»
«بطريقة طبيعية».
«حسنًا. سيد أراراغي إذن».
«يعجبني هذا. طبيعي. لا شيء يتفوق على البساطة الطبيعية».
«أنا لا أحبك يا سيد أراراغي».
«…………»
لم يتحسن موقفي قيد أنملة.
«رائحتك كريهة! من فضلك لا تقترب مني!»
«أليس هذا أسوأ من قولك إن رائحتي تفوح بالأنوثة؟! »
«همف… معك حق، وصف “كريهة” وحده قد يكون مجحفًا بحقك. اسمح لي بتصحيح عباراتي».
«إن كان تصحيحًا حقيقيًا، فتفضلي».
«رائحتك تفوح بالكرَاهية! من فضلك لا تقترب مني!»
«الجزء الأول كاد يصيب المعنى، لكنكِ أفسدته بالكامل!»
«لا أكترث! من فضلك اذهب إلى مكان آخر بسرعة!»
«لا، انتظري… أنتِ ضائعة، أليس كذلك؟»
«أنا قادرة تمامًا على التعامل مع هذه المواقف! اعتدت على هذه العقبات! هذا أمر اعتيادي جدًا بالنسبة لي! أنا متمرسة في الترحال والضياع!»
«تعملين في هذا المجال في هذا العمر؟!»
لو كان الأمر كذلك، لما تاهت من الأساس، أليس كذلك؟
«فقط… كفي عن العناد».
قلتُ لها.
«لستُ عنيدة!»
«بلى، أنتِ كذلك».
«خذ هذه!»
بمجرد أن تفوّهت هاتشيكوجي بهذه الكلمات، وجهت إليّ ركلة عالية ألقَت فيها بوزن جسدها كليًا. لم تكن حركة تليق بتلميذة ابتدائية، إذ جاءت ركلتها في هيئة مثالية وكأن قضيبًا صلبًا يمر عبر عمودها الفقري ليبقيه مستقيمًا تمامًا. للأسف الشديد، يقف فارق القامة حاجزًا بين تلاميذ الابتدائية وطلاب الثانوية، وهي فجوة أثبتت عدم إمكانية تجاوزها. ربما تباينت النتيجة لو أنها أصابت وجهي مباشرة، لكن ركلتها العالية لم تتجاوز منطقة إبطي. ولا يعني ذلك أن طرف حذائها الذي ارتطم بي لم يسبب ألمًا، لكنه كان ألمًا يمكن تحمله. وفور أن لامستني قدمها، أسرعت باستعمال ذراعيّ للإمساك بكاحلها وساقها.
«يا لخطئي!» صرخت هاتشيكوجي، لكن الأوان كان قد فات.
…قررت أن أسأل سينجوغاهارا لاحقًا عن السلامة النحوية لقولها “يا لخطئي”، أما في هذه اللحظة، وبينما تمايلت هاتشيكوجي على ساق واحدة، جذبتها إلى الأعلى كما ينتزع مزارعٌ ثمرة فجل ضخمة من أرضها. لو كنا في مباراة جودو لسميتها رمية كتف، وإن كان الإمساك بساق الخصم بهذه الطريقة يخالف قواعد الجودو، لكن سوء الحظ أن هذا قتال حقيقي لا مباراة رياضية. وبمجرد أن ارتفع جسدها عن الأرض، حظيت بلمحة من أسفل تنورتها بزاوية جريئة للغاية، غير أنني لست ممن ينجذبون للأطفال فلم يتشتت ذهني قيد أنملة؛ وببساطة ألقيت بها فوق كتفي.
لكن هنا بالتحديد، انقلب فارق القامة ضدي. فبفضل جسدها الضئيل، قضت هاتشيكوجي وقتًا أطول قليلاً في الهواء قبل أن تسقط نحو الأرض بفعل شخص في مثل حجمي… كان الوقت أطول بقليل فحسب، لكنه كان كل ما احتاجته هاتشيكوجي لتعديل وضعيتها والإمساك بشعري بيدها الحرة. كنت أطيل شعري لسببٍ ما… مما يعني أن أصابع هاتشيكوجي القصيرة لم تجد أي صعوبة في التشبث به. انطلق الألم في فروة رأسي مجبرًا يديّ على إفلات ساقها.
لم تكن هاتشيكوجي من الرقة بحيث تفوت فرصة كهذه؛ فبدلًا من الانتظار لحين الهبوط، تعلقت بظهري ودارت حولي مستندة إلى لوحي كتفي، ثم أخذت تمطر رأسي بضربات متتالية… ضرباتٍ بالمرفق. أصابت ضرباتها هدفها… لكنها كانت طفيفة؛ إذ لم تتمكن من نقل قوتها الكاملة لأن قدميها كانتا معلقتين في الهواء. وهنا تجلّى فارق السن والخبرة بيننا؛ فلو أنها وجهت ضربة حاسمة واحدة بدلاً من التسرع للوصول إلى نتيجة، لكانت تلك نهايتي، ولحسمت الأمر لصالحها. أما الآن، فقد جاء دوري للهجوم المضاد، وكان أمامي مسارٌ مضمون للظفر بالنصر.
أمسكتُ بالذراع التي تسدد الضربات بمرفقها نحو رأسي… شعرتُ أنها اليسرى… لا، كانت الوضعية معكوسة، إذن فهي ذراعها اليمنى… أمسكتُ ذراعها اليمنى، ومن تلك الوضعية أعدتُ تنفيذ الرمية!
هذه المرة… نجحتُ.
ارتطم ظهر هاتشيكوجي بالأرض.
تراجعتُ لأضع مسافة بيننا، حذرًا من هجوم مضاد محتمل…
لكنها لم تبدِ أي علامة على النهوض.
لقد فزتُ.
«أيتها الحمقاء… هل ظننتِ أن تلميذة ابتدائية تستطيع هزيمة طالب في الثانوية؟! هاهاهاهاهاها!»
هناك وقف طالب ثانوية يتباهى بكامل الجدية بهزيمته لتلميذة ابتدائية، بعد أن خاض معها قتالًا حقيقيًا وأطاح بها برمية كتف متقنة.
ذلك الطالب كان أنا.
أنا، كويومي أراراغي، شخصٌ يتنمر على طفلة في الابتدائية وينفجر بالضحك… حتى أنني استطعت إثارة اشمئزاز نفسي.
«…أراراغي».
انطلق صوتٌ بارد.
التفتُّ لأجد سينجوغاهارا واقفة هناك.
يبدو أنها اقتربت لأنها لم تطق استمرار هذا المشهد.
وكانت نظراتها الموجهة إليّ مفعمة بالشك والريب.
«أعلم أنني قلت إنني سأتبعك حتى الجحيم، لكننا كنا نتحدث حينها عن ضآلة شأنك. أما أن تكون شخصًا مثيرًا للاشمئزاز فهذا أمر مختلف تمامًا، وأرجو أن تعي ذلك».
«…اسمحي لي بالدفاع عن نفسي».
«تفضل، أسمعك».
«…………»
أفعالي كانت تجردني من أي حق في الدفاع.
بحثتُ عن حجّة دون جدوى.
لذا أعدتُ ترتيب أفكاري وموقفي.
«حسنًا، لننسَ ما مضى الآن. هذه الفتاة هنا…» أشرتُ إلى هاتشيكوجي التي ما تزال عاجزة عن النهوض من الأرض. افترضتُ أنها ستكون بخير، فقد ارتطمت بالأرض بظهرها أولاً، مما يعني أن حقيبة ظهرها امتصت قدرًا كبيرًا من الصدمة. «يبدو أنها تائهة. وبقدر ما أرى، لا يبدو أنها برفقة أحد والديها أو صديق أو أي شخص آخر. لقد… همم، كنتُ هنا في الحديقة منذ الصباح، وكانت هي تقف هنا بالفعل تنظر إلى هذه اللافتة قبل وصولكِ. لم يخطر ببالي شيء وقتها، لكنها عادت الآن، فلا بد أنها ضائعة بحق، أليس كذلك؟ لا أريد أن يدب القلق في قلب أحد عليها، فتساءلتُ إن كان بمقدوري تقديم المساعدة».
«…همم».
رغم أن سينجوغاهارا أومأت بصلابة، إلا أن ملامحها ظلت تشي بالنظرة ذاتها. بالطبع، يمكنني أن أتفهم كيف ترغب في الاستفسار عن كيفية تحول الأمر من مساعدة إلى شجار عنيف، ولكن ماذا عساي أقول؟ لقد كانت ببساطة استجابة روح محارب لروح محارب آخر.
«فهمت».
«هاه؟»
«لا، الأمر منطقي… الآن استوعبتُ ما يجري».
هل استوعبتْ حقًا؟
هيه، أغلب الظن أنها تتظاهر بذلك فقط.
«أوه، صحيح يا سينجوغاهارا! كنتِ تسكنين في هذا الحي سابقًا، أليس كذلك؟ إذن ربما تعرفين الموقع التقريبي لعنوانٍ فيه إن سمعتهِ؟»
«همم، بالتأكيد… بالقدر الذي يعرفه أي شخص عادي».
ردٌّ جافٌ وفاتِر.
هل يُعقل أنها باتت تراني معتديًا على الأطفال؟ يبدو هذا الوصف أشنع من منجذب للأطفال، إن كان في الوصف أشنعُ منه.
«اسمعي يا هاتشيكوجي».
قلتُ.
«أعلم أنكِ تتظاهرين فقط بالغيبوبة. أري الآنسة اللطيفة هنا مذكرتكِ».
انحنيتُ ونظرتُ إلى وجه هاتشيكوجي.
كانت حدقتا عينيها مائلتين إلى الأعلى.
…لقد كانت غائبة عن الوعي بحق…
رؤية بياض عيني فتاة صغيرة كان مظهرًا يبعث على الشدة والقلق الشديدين…
«ما الأمر يا أراراغي؟»
«أوه، لا شيء…»
استدرتُ بحركة عفوية لأحجب وجه هاتشيكوجي بظهري حتى لا تلاحظ سينجوغاهارا، ثم ربتُّ على خدي الفتاة برفق عدة مرات. لم يكن هذا بالطبع دليلاً على ممارسة اعتداء آخر، بل محاولة حثيثة لإيقاظها.
واستعادت وعيها على إثر ذلك.
«همم… أظنني رأيتُ حلمًا للتو».
«أوه، أبالفعل؟ وأي حلمٍ كان؟» قلتُ محاولاً تقليد أفضل نبرة لمذيع برامج الأطفال:
«أخبريني يا هاتشيكوجي! أي نوعٍ من الأحلام رأيتِ؟»
«حلمًا تعرضتُ فيه للإيذاء الجسدي على يد طالب ثانوي همجي».
«…يبدو لي كأحد تلك الأحلام التي ينعكس فيها الواقع».
«فهمت. إذن هذا هو السر».
كان ذلك بلا أضأل شك التوصيف الدقيق لما حدث لها قبل أن تفقد وعيها.
كان يعتصر صدري شعورٌ أليم بالندم.
أخذتُ مذكرة هاتشيكوجي منها وحاولتُ تسليمها لسينجوغاهارا… لكنها لم تبدِ أي رغبة في التقاطها؛ بل اكتفت بالحدق في يدي الممدودة بعينين أبرد من الجليد.
«ما الأمر؟ خذيها».
«…لسبب ما، لا رغبة لدي في لمسك».
آه.
خِلتُ أنني اعتدتُ لسانها اللاذع، غير أن هذا التعبير نال مني بحق…
«أنا فقط أناولكِ مذكرة».
«ولا أريد لمس أي شيءٍ لامَسْتَه».
«…………»
إنها تمقتني الآن…
سينجوغاهارا باتت تكرهني بكل بساطة…
ولكن ما أغرب هذا… فقد خُيِّلَ إليَّ أننا كنا على وفاق تام قبل لحظات معدودة فحسب.
«حسنًا، فهمتُ… إذن سأقرأ العنوان عليكِ، اتفقنا؟ لنرَ…»
قرأتُ العنوان كما كُتِبَ في المذكرة تمامًا. ولحسن الحظ، تمكنتُ من قراءته بطلاقة لخلُوّه من الأحرف المعقدة.
«آه»، قالت سينجوغاهارا معقبة:
«أعرف أين يقع هذا المكان».
«رائع!»
«أظنه يقع بعد منزلي القديم بقليل. لا أعرف المنطقة بدقة متناهية، لكن يفترض أن نستدل عليها بمجرد اقترابنا. حسنًا، لننطلق».
استدارت سينجوغاهارا ومضت بخطى حثيثة نحو مدخل الحديقة بمجرد أن أنهت حديثها. توقعتُ منها قدرًا أكبر من التذمر، أو أن تبدي امتناعًا عن إرشاد طفلة، بيد أنها وافقت بسرعة غير متوقعة… ثم إنها لم تُعرّف بنفسها لهاتشيكوجي، ولا حتى التقت نظراتهما، مما جعلني أرجّح صحة حدسي السابق بأنها تكره الأطفال. هذا، أو أنها تعتبر هذه الخدمة بمثابة استجابة لـ “أمنيتي الوحيدة”.
آه…
سأشعر حقًا بالخسران إن كنتُ قد أهدرتُ أمنيتي في أمرٍ كهذا…
«حسنًا، أَيًّا كان… لننطلق يا هاتشيكوجي».
«ماذا؟ إلى أين ننطلق؟» سألت هاتشيكوجي، والحيرة جليّة على محياها بصدق.
ألا تملك القدرة على استيعاب مجريات الحديث أم ماذا؟
«إلى العنوان المدون في هذه المذكرة، بالطبع. الآنسة التي تسير هناك تعرف موقع المكان، لذا وافقت على مرافقتنا إلى هناك. أليس هذا أمرًا رائعًا؟»
«…أوه. أتريد ذلك؟»
«هاه؟ انتظري، أَلَسْتِ تائهة؟»
«بلى، أنا تائهة»، أكدت هاتشيكوجي.
«أنا حلزونة ضائعة».
«هاه؟ حلزونة ضائعة؟»
«لا، أنا…» هزت رأسها: «لا شيء».
«…حسنًا إذن. همم، في هذه الحالة، أظن أن علينا اللحاق بتلك الآنسة. اسمها سينجوغاهارا. وإن خِلْتِ أن اسمها يبدو جافًا، فانتظري حتى تتحدثي إليها. ولكن، بمجرد أن تعتادي على قسوة أسلوبها، قد تستسيغين طبعها، فهي في أعماقها شخصية صادقة وطيبة… بل ربما صادقة أكثر مما ينبغي».
«…………»
«هيا، أسرعي واتبعيني فحسب».
كانت هاتشيكوجي لا تزال ثابتة في مكانها، فأمسكتُ بيدها وسحبتها، وكدتُ أجرها جَرًّا لمطاردة سينجوغاهارا. «آه، آه، أوه، أورك أورك»، أصدرت هاتشيكوجي تلك الأصوات الغريبة التي تتوقع سماعها من أسد البحر، ولكن على الرغم من بعض اللحظات الحرجة، تبعتني طول الطريق دون أن تتعثر ولو لمرة واحدة.
سأعود لاحقًا لأخذ دراجتي الجبلية.
أما في الوقت الحالي، فقد غادرنا الحديقة… أَيًّا كان اسمها، إذ لم تتح لي الفرصة لتقصّيه.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط