عقاب صغير
وانقبضت حدقتاها برعب مكتوم؛ فالبستانيون والمربيات الذين كانوا يعملون بجد قبل دقائق قد اختفوا جميعاً دون أن تترك أجسادهم أي أثر للصراع أو قطرة دم واحدة! والتفتت نظراتها نحو البوابة الخارجية، لتجد أن الحارسين الفضيين ذوي الدروع الإمبراطورية اللذين أرسلهما الإمبراطور يهوذا لحمايتها قد اختفيا بغير أثر بدورهما.
توقفت عربة فاخرة ذات تصميم بديع ببطء أمام بوابات حديدية مزينة بأشرطة ذهبية قبالة مقر إقامة لويز ستاسي بفينا، عاصمة إمبراطورية تشارلز. وانحنى حارسان ينتميان للفرسان الإمبراطوريين ذوي الدروع الفضية تحية للعربة، بينما تقدم شاب بدت عليه سيماء النبلاء وكبار الخدم، يرتدي نظارة أحادية وثوباً رمادياً داكناً يزينه شعار طائر القبرة الخاص بعائلة ستاسي، وفتح باب العربة برفق.
قالت إليزابيث بسخرية دافئة: “كما هو متوقع من زوجة المؤسس الأول لغرفة زهرة الأوركيد؛ فعقلكِ ما زال حاداً كالسيف”. وانزعجت لويز بليغاً من تذكيرها بـ رولاند، وقالت بضيق: “لا تستخدمي أسماءً تثير اشمئزازي لمناداتي! لقد انتهى انتقامكِ الصغير، وإطالة البقاء ستكون بلاء عليكِ وعلى جلالة الإمبراطور يهوذا”.
وقال كبير الخدم بنبرة ملؤها الاحترام: “سيدتي لويز، لقد وصلنا إلى مقر إقامتكِ”. ثم جثا كبير الخدم الشاب فوراً فوق الأرضية، وانحنى بجسده ليعمل كدرجة سلم. ولم تتردد لويز في غرس كعب حذائها الأسود العالي فوق ظهره، لتتخذه موطئاً لقدمها أثناء نزولها من العربة. وفور أن استقرت قدمها فوق الأرضية الرخامية النظيفة، نهض كبير الخدم، ونفض غبار ثيابه، ثم أمسك بأطراف أصابع لويز الثلاثة بيده المكسوة بقفاز أبيض ناصع، ليقودها نحو داخل القصر.
وسألت لويز بنبرة هادئة غير أن عينين باردتين كشفت عن طباعها: “أثناء غيابي عن المنزل، هل أتى أي ضيوف لزيارتي؟”.
وأومأ الساقي الشاب برأسه بخفة: “نعم يا سيدتي، وصلت رسائل من قصر موريس وقصر سويفت، وقد وضعتها فوق مكتبكِ في غرفة المكتب كالمعتاد لكي تتطلعي عليها”.
وتفجرت الأداة السحرية بداخل الهواء الخارجي، لترسل موجة صدمة حطمت زجاج النافذة بداخل الممر وتركت الرخام ممتلئاً بالشظايا. وانطلق صيحة عذاب أليمة من حنجرة لويز؛ إذ أطاح بها ألم قطع يدها اليسرى أرضاً، وجثت نزفت دمائها بغزارة فوق الأرضية الرخامية لتصبغ ثيابها الفاخرة باللون الأحمر.
ونهضت إليزابيث مجدداً وهي ترقب المعصم الأيسر المقطوع لـ لويز وهو يتوقف عن النزيف ويبدأ بدمج نسيجه ذاتياً. وقالت إليزابيث وهي تبتسم بسخرية: “لقد قال جلالة الإمبراطور يهوذا إنكِ يا الجدة لويز قد تجاوزتِ حدودكِ مؤخراً، ولذا أراد إهداءكِ هذا التحذير الصارم! وبناءً على ذلك، سآخذ يدكِ اليسرى نيابة عن جلالته”.
أومأت لويز برأسها بينما كانت تجتاز الممرات الخضراء للحديقة. وسارع البستانيون والمربيات اللائي يغسلن الثياب بالانحناء والترحيب بسيدة القصر فور رؤيتها: “أهلاً بكِ ومرحباً يا سيدتي لويز ستاسي، ليتوقف الزمن لأجلكِ!”.
وعندما رأت لويز أن المهاجم ليس سوى إليزابيث، اختلط ألم قطع يدها بالغضب المكتوم بداخل صدرها، ليتلاشى هالتها النبيلة وتصيح بحدة: “أجُنِنْتِ بالكامل يا إليزابيث؟!”.
وابتسمت لويز وأومأت برأسها بود ظاهر، غير أن عينيها ظلتا مشبعتين بالبرود والازدراء؛ فقد كانت تحرص في العلن على تقديم هيئة النبيلة الرؤوفة الكريمة للحفاظ على قناعها الساحر أمام العامة.
قالت إليزابيث بسخرية دافئة: “كما هو متوقع من زوجة المؤسس الأول لغرفة زهرة الأوركيد؛ فعقلكِ ما زال حاداً كالسيف”. وانزعجت لويز بليغاً من تذكيرها بـ رولاند، وقالت بضيق: “لا تستخدمي أسماءً تثير اشمئزازي لمناداتي! لقد انتهى انتقامكِ الصغير، وإطالة البقاء ستكون بلاء عليكِ وعلى جلالة الإمبراطور يهوذا”.
فبدءاً من موقفها القديم الذي أفصحت به لرولاند قبل أكثر من ثلاثين عاماً حين قالت: “الماشية يجب أن تعرف قدرها”، لم تتغير نظرتها تجاه عامة الناس قط. غير أنها اكتشفت مع مرور السنين أنه بمجرد إظهار قدر ضئيل من اللطف الزائف، فإن هؤلاء الرعاع سيقدمون لها الولاء المطلق ويتغنون بمحاسنها، ولذا واصلت ارتداء ذلك القناع أمام خدمها.
ثم تنفست لويز بعمق وأكملت بثبات: “أنا لم أخطئ؛ فجلالة الإمبراطور يهوذا كان يطمح لهذا بالذات، أليس كذلك؟ فالتقارير القادمة من الجبهة ليست بسارة، وقد سمعت عن نقص المؤن. وعلاوة على ذلك، فإن تواصلاتي الأخيرة مع بعض العائلات العسكرية جعلت الإمبراطور يرى فيّ ثغرة تجب تأديبها واستغلالها لتوريد الإمدادات مجاناً”.
ودخلت لويز قصرها وهي تتجاذب أطراف الحديث مع الساقي. وكانت بلورات السحر ذات الخاصية النارية المدمجة بداخل الجدران قد جرى تفعيلها مسبقاً لتبعث دفئاً بداخل أرجاء القاعة. ونزعت رداءها الفاخر والثقيل لتبدو بقوامها الرشيقة، وسلم كبير الخدم الشاب الرداء بحرص لرفعه إلى غرفة الملابس.
فأجاب كبير الخدم وهو ينحني بخفة: “سيدي القائد بداخل غرفته ينقب بداخل بعض المقتنيات التي اشتراها مؤخراً، ويبدو أنه لا يتوقف عن كتابة أوبرا جديدة… هل أذهب لإبلاغه بمقدمكِ؟”.
وسألت لويز وهي ترتب خصلات شعرها الذهبي: “أين زوجي الكسول؟”.
فأجاب كبير الخدم وهو ينحني بخفة: “سيدي القائد بداخل غرفته ينقب بداخل بعض المقتنيات التي اشتراها مؤخراً، ويبدو أنه لا يتوقف عن كتابة أوبرا جديدة… هل أذهب لإبلاغه بمقدمكِ؟”.
وسألت لويز وهي ترتب خصلات شعرها الذهبي: “أين زوجي الكسول؟”.
فأعطته لويز نظرة تعبر عن توقعها المسبق لتصرفات زوجها، وهزت رأسها نفياً: “لا داعي، سأذهب لتحيته بنفسي. أعد لي بعض الشاي الأسود وأحضره إلى مكتبي لاحقاً”. وامتثل كبير الخدم الشاب وانسحب بضع خطوات للخلف قبل أن يتجه نحو غرفة الملابس.
وتقدمت لويز بخطوات واثقة نحو مكتب كارول. وفوق المكتب، كانت مسودة أوبرا جديدة غير مكتملة ملقاة، وإلى جوارها ريشة كتابة قطرت حبراً أسود أفسد الصفحة النظيفة. ومنذ أن أبدت لويز اهتماماً طفيفاً بالمسرح، بات كارول مهووساً بالكتابة والتلحين، وكان يحافظ على أدواته ونصوصه بنظافة بالغة، ومن غير المألوف إطلاقاً أن يترك ريشته تسقط بالخطأ لتلوث النص بتلك الطريقة الفوضوية.
وقالت لويز بصوت متهدج ونزيفها يزداد: “أهو أمر من… الأعلى؟”. فردت إليزابيث بثبات: “بالتأكيد، إنه أمر صدر مباشرة من جلالة الإمبراطور يهوذا! أوه يا إلهي، عندما سلمني القائد هذه المهمة، ظننت أنه يمزح معي! فهذه فرصة استثنائية لنتقام منكِ، فكيف لي أن أضيعها؟”.
وتنهدت لويز بضعف واستياء؛ ففي حقيقة الأمر، لم يكن زوجها الحالي كارول سوى نبيل قديم شغوف بالشعر والأوبرا والتمثيل، ولا يمد لها بأدنى مساعدة في إدارة أعمالها الإمبراطورية الضخمة. أما بالنسبة لزوجها السابق فولكنر، فقد كان فاشل بائساً في إدارة التجارة والمفاوضات. أما رولاند، الذي أسس معها غرفة زهرة الأوركيد بداخل ماضيهما، فقد كان يتحمل العبء الأكبر من العمل والدقة التخطيطية.
وأخرجت إليزابيث حبة دواء خضراء تفيض بطاقة الحياة الاستثنائية من ثيابها، ووضعتها بدون رحمة بداخل فم لويز. وتحولت الحبة الخضراء لسائل فور دخولها فم لويز وسرت في مريئها، وامتص جسدها طاقة الحياة، ليعود لون الوردي لوجهها الشاحب فوراً.
وعندما خطر اسم رولاند ببالها، جعدت لويز حاجبها فوراً، وطردت اسمه من ذهنها بضيق؛ إذ أدركت أنها مجهدة للغاية مؤخراً حتى باتت تفكر في ذلك الرجل. وابتسمت بسخرية من نفسها وهي تصعد الدرجات الخشبية الحمراء نحو الطابق الثاني. واتجهت نحو باب غرفة زوجها الشغوف باللعب، وطرقت الباب برفق. غير أنه بعد الانتظار لبرهة، لم يأتِ أي رد من الداخل. وظهرت ملامح الانزعاج فوق وجه لويز، وظنت أن زوجها يتعمد تجاهلها، فنادت بنبرة مرتفعة: “كارول؟”.
ودخلت لويز قصرها وهي تتجاذب أطراف الحديث مع الساقي. وكانت بلورات السحر ذات الخاصية النارية المدمجة بداخل الجدران قد جرى تفعيلها مسبقاً لتبعث دفئاً بداخل أرجاء القاعة. ونزعت رداءها الفاخر والثقيل لتبدو بقوامها الرشيقة، وسلم كبير الخدم الشاب الرداء بحرص لرفعه إلى غرفة الملابس.
وكان زوجها كارول هو آخر من أُلقي به من عالم الظلال. ولم يصَب كارول بأي أذى مادي، غير أن رؤيته لهذا المكان المريع بين جثث خدمه جعلته يضع يديه فوق أذنيه بذهول ويردد صلواته بذعر مطلق! وقالت إليزابيث بنبرة ودودة ومستفزة: “لقد أعدتهم جميعاً يا الجدة لويز!”، ثم اختفت خطوتها بداخل الظلال وتلاشت كأنها لم تكن. وظلت لويز ترقب اختفاء أثر إليزابيث بإنصات، والتفتت لتتطلع نحو جثث القصر الممتدة ونحو زوجها المذعور، لترتسم بداخل عينيها نظرة مظلمة وشرسة.
وظل الصمت يخيم فوق المكان. وعندئذ، جعدت لويز حاجبها بغضب، وأدارت مقبض الباب لتكتشف أن كارول لم يغلق الباب بالمفتاح على الإطلاق. وفتحت لويز الباب بحدة، لتظهر قاعة زوجها الفوضوية المليئة بمسودات النصوص المسرحية والديكورات والأزياء المبعثرة، غير أن زوجها لم يكن موجوداً بينها. فنادت بحدة وهي تظن أنه يمارس معها لعبة الاختباء: “كارول، أين تختبئ؟ هل تريد أن أقطع عنك ميزانية فرقتك المسرحية؟”. وعندما لم يأتِ أي صوت، ازدادت شكوكها وبدأت تتفحص الغرفة بدقة؛ إذ يستحيل لكبير الخدم أن يكذب عليها، وزوجها لن يغادر القصر دون سبب.
وقالت لويز بثقة وثبات وهي تتطلع نحو الممر المظلم، مقتنعة بأن المهاجم يستمع لها: “حسناً، لن أقاوم… تفضل بالخروج. من أي عائلة نبيلة تنتمون؟ أهي عائلة ميلين أم عائلة كاتشين؟ أرجو أنكم لم توذو زوجي المسكين؛ فهو لا يعلم شيئاً عما أديره بداخل غرفة زهرة الأوركيد. ولو لقي حتفه، فسوف أواجه مشاكل؛ فوفقاً لقواعد النبلاء، هو حامي عائلة ستاسي، وبما أننا لم ننجب أطفالاً، فإن العرش العائلي لن ينقل لي بصفة زوجة غريبة، بل لنسب بعيد لا أعرفه، ولا أود تسليم عائلة ستاسي لغريب”.
وتقدمت لويز بخطوات واثقة نحو مكتب كارول. وفوق المكتب، كانت مسودة أوبرا جديدة غير مكتملة ملقاة، وإلى جوارها ريشة كتابة قطرت حبراً أسود أفسد الصفحة النظيفة. ومنذ أن أبدت لويز اهتماماً طفيفاً بالمسرح، بات كارول مهووساً بالكتابة والتلحين، وكان يحافظ على أدواته ونصوصه بنظافة بالغة، ومن غير المألوف إطلاقاً أن يترك ريشته تسقط بالخطأ لتلوث النص بتلك الطريقة الفوضوية.
وتنهدت لويز بضعف واستياء؛ ففي حقيقة الأمر، لم يكن زوجها الحالي كارول سوى نبيل قديم شغوف بالشعر والأوبرا والتمثيل، ولا يمد لها بأدنى مساعدة في إدارة أعمالها الإمبراطورية الضخمة. أما بالنسبة لزوجها السابق فولكنر، فقد كان فاشل بائساً في إدارة التجارة والمفاوضات. أما رولاند، الذي أسس معها غرفة زهرة الأوركيد بداخل ماضيهما، فقد كان يتحمل العبء الأكبر من العمل والدقة التخطيطية.
وغادرت لويز غرفة زوجها فوراً، ونادت بحدة بداخل الممر العريض: “غروت؟”. ونادت مراراً وتكراراً، غير أن كبير خدم لم يظهر قط، وظل صدى صوتها يتردد ببرود في الممر الفارغ. ورغم أن الحرارة بداخل القصر كانت دافئة، إلا أن قشعريرة باردة سرت في جسدها. وأدركت لويز فوراً أن أعداءً قد اخترقوا قصرها، غير أنها لم تصَب بالهلع؛ بل تقدمت بثبات نحو النافذة المطلة على الحديقة الخارجية للتحقق من الوضع.
وقالت لويز بصوت متهدج ونزيفها يزداد: “أهو أمر من… الأعلى؟”. فردت إليزابيث بثبات: “بالتأكيد، إنه أمر صدر مباشرة من جلالة الإمبراطور يهوذا! أوه يا إلهي، عندما سلمني القائد هذه المهمة، ظننت أنه يمزح معي! فهذه فرصة استثنائية لنتقام منكِ، فكيف لي أن أضيعها؟”.
وانقبضت حدقتاها برعب مكتوم؛ فالبستانيون والمربيات الذين كانوا يعملون بجد قبل دقائق قد اختفوا جميعاً دون أن تترك أجسادهم أي أثر للصراع أو قطرة دم واحدة! والتفتت نظراتها نحو البوابة الخارجية، لتجد أن الحارسين الفضيين ذوي الدروع الإمبراطورية اللذين أرسلهما الإمبراطور يهوذا لحمايتها قد اختفيا بغير أثر بدورهما.
وقالت لويز بثقة وثبات وهي تتطلع نحو الممر المظلم، مقتنعة بأن المهاجم يستمع لها: “حسناً، لن أقاوم… تفضل بالخروج. من أي عائلة نبيلة تنتمون؟ أهي عائلة ميلين أم عائلة كاتشين؟ أرجو أنكم لم توذو زوجي المسكين؛ فهو لا يعلم شيئاً عما أديره بداخل غرفة زهرة الأوركيد. ولو لقي حتفه، فسوف أواجه مشاكل؛ فوفقاً لقواعد النبلاء، هو حامي عائلة ستاسي، وبما أننا لم ننجب أطفالاً، فإن العرش العائلي لن ينقل لي بصفة زوجة غريبة، بل لنسب بعيد لا أعرفه، ولا أود تسليم عائلة ستاسي لغريب”.
وعندما رأت لويز أن المهاجم ليس سوى إليزابيث، اختلط ألم قطع يدها بالغضب المكتوم بداخل صدرها، ليتلاشى هالتها النبيلة وتصيح بحدة: “أجُنِنْتِ بالكامل يا إليزابيث؟!”.
وجثت إليزابيث فوق ركبتيها، وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة نشوانة وهي تتطلع لملامح لويز الجريحة: “رغم أنني أود بحق رؤيتكِ تنزفين حتى الموت، إلا أن المهمة التي كُلِفتُ بها تقضي بضمان حياتكِ يا الجدة لويز”.
وبعد أن أنهت لويز حديثها، ظل الممر ساكناً بجمود كأنه مقبرة. وجعدت لويز حاجبها وهي تقلب خياراتها السريعة؛ فبصفتها مالكة لأعظم غرقة تجارية بداخل إمبراطورية تشارلز، كانت تحتفظ بداخل ثيابها بقطع وأدوات سحرية استثنائية تتيح لها الهروب والنجاة. وعلاوة على ذلك، شعرت أن الخصم لا يرغب في سلب حياتها، بل يهدف لتوجيه تحذير أو ابتزاز مالي.
ولوحت إليزابيث بيدها في الهواء، لتنبعث جثث الخدم المكدسة من قاع الظلال وتلقى فوق الأرضية الممتلئة بالشظايا الزجاجية! ورأت لويز أن قلوب خدمها ومربياتها وكبير خدمها الشاب قد مُزِقت بضربة واحدة حاسمة!
وواصلت لويز حديثها بابتسامة ساحرة وواثقة كشفت عن جمالها ونضجها الاستثنائي: “أعتقد أنكم لا ترغبون في قتلي، بل في تقديم تحذير صارم، أليس كذلك؟ ربما تخشون أن يتسبب مقتلي في تفتت غرفة زهرة الأوركيد، واهتزاز اقتصاد إمبراطورية تشارلز بالكامل… أو ربما أنتم مجرد خاطفين جشعين تطلبون فدية… وإلا لكنتم هاجمتموني منذ اللحظة الأولى، أليس كذلك؟”.
وأومأ الساقي الشاب برأسه بخفة: “نعم يا سيدتي، وصلت رسائل من قصر موريس وقصر سويفت، وقد وضعتها فوق مكتبكِ في غرفة المكتب كالمعتاد لكي تتطلعي عليها”.
وانتظرت لويز بصامت بعد أن أدلت بحديثها المفصل. ولم تسعر كم من الوقت مضى، غير أنه عندما بدأت تشعر بجهد الوقوف، انبعثت تنهيدة خافتة من خلفها. وانقبضت عينا لويز بحدة، وسارعت بمد يدها اليسرى بداخل ثيابها لسحب أداة سحرية هرب استثنائية.
غير أن المهاجم المظلم كان أسرع منها بكثير! ومع انبعاث التنهيدة، تمدد ظلام ملتوٍ من الأسفل وشق الأرضية الرخامية الناعمة! وتحولت يد ممتدة من الظلال إلى شفرة حادة، وقطعت يد لويز اليسرى من عند المعصم بضربة خاطفة ونظيفة! والتقطت اليد الظلية اليد المقطوعة ببراعة قبل أن تسقط أرضاً، بينما ألقيت الأداة السحرية التي كانت بداخل اليد المقطوعة عبر النافذة المكسورة!
وأخرجت إليزابيث حبة دواء خضراء تفيض بطاقة الحياة الاستثنائية من ثيابها، ووضعتها بدون رحمة بداخل فم لويز. وتحولت الحبة الخضراء لسائل فور دخولها فم لويز وسرت في مريئها، وامتص جسدها طاقة الحياة، ليعود لون الوردي لوجهها الشاحب فوراً.
وتفجرت الأداة السحرية بداخل الهواء الخارجي، لترسل موجة صدمة حطمت زجاج النافذة بداخل الممر وتركت الرخام ممتلئاً بالشظايا. وانطلق صيحة عذاب أليمة من حنجرة لويز؛ إذ أطاح بها ألم قطع يدها اليسرى أرضاً، وجثت نزفت دمائها بغزارة فوق الأرضية الرخامية لتصبغ ثيابها الفاخرة باللون الأحمر.
وبعد أن أنهت لويز حديثها، ظل الممر ساكناً بجمود كأنه مقبرة. وجعدت لويز حاجبها وهي تقلب خياراتها السريعة؛ فبصفتها مالكة لأعظم غرقة تجارية بداخل إمبراطورية تشارلز، كانت تحتفظ بداخل ثيابها بقطع وأدوات سحرية استثنائية تتيح لها الهروب والنجاة. وعلاوة على ذلك، شعرت أن الخصم لا يرغب في سلب حياتها، بل يهدف لتوجيه تحذير أو ابتزاز مالي.
وشحب وجه لويز بسبب النزيف والألم، ونطقت بصوت مرتعش وهي تتنفس بعنف: “قتالة الظلال… أهذه أنتِ يا إليزابيث؟ هل قررتِ أخيراً الانقلاب على عائلتكِ؟”. وانبثق ظل امرأة فاتنة من الظلال الملتوية، وتراجع الظلام ليكشف عن فتاة ذات شعر أشقر جذاب إليزابيث! وابتسمت إليزابيث وهي تنظر نحو لويز الساقط على أرضاً: “مساء الخير يا جارتي العزيزة والجدة لويز”.
وعندما رأت لويز أن المهاجم ليس سوى إليزابيث، اختلط ألم قطع يدها بالغضب المكتوم بداخل صدرها، ليتلاشى هالتها النبيلة وتصيح بحدة: “أجُنِنْتِ بالكامل يا إليزابيث؟!”.
ولم تعِد إليزابيث اليد المقطوعة لـ لويز، بل ظلت تقلبها في الهواء وتتلقفها بمرح بشرس. ثم رفعت يد لويز اليسرى الناعمة المعنّى بها، وقالت بنبرة حالمة وشيطانية: “في الحقيقة، لا عجب أنكِ تنفقين أموالاً طائلة يومياً للعناية بجسدكِ؛ فرغم أنكِ عجوز بداخل عقدكِ السابع أو الثامن، إلا أن يدكِ تمتلك فتنتاً مميتة! أظن أنه لو جرى عرضها بداخل السوق السوداء، لسارع العديد من النبلاء المرضى لشرائها بأثمن الأسعار، أليس كذلك يا الجدة لويز؟”.
وجثت إليزابيث فوق ركبتيها، وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة نشوانة وهي تتطلع لملامح لويز الجريحة: “رغم أنني أود بحق رؤيتكِ تنزفين حتى الموت، إلا أن المهمة التي كُلِفتُ بها تقضي بضمان حياتكِ يا الجدة لويز”.
ثم تنفست لويز بعمق وأكملت بثبات: “أنا لم أخطئ؛ فجلالة الإمبراطور يهوذا كان يطمح لهذا بالذات، أليس كذلك؟ فالتقارير القادمة من الجبهة ليست بسارة، وقد سمعت عن نقص المؤن. وعلاوة على ذلك، فإن تواصلاتي الأخيرة مع بعض العائلات العسكرية جعلت الإمبراطور يرى فيّ ثغرة تجب تأديبها واستغلالها لتوريد الإمدادات مجاناً”.
وقالت لويز بصوت متهدج ونزيفها يزداد: “أهو أمر من… الأعلى؟”. فردت إليزابيث بثبات: “بالتأكيد، إنه أمر صدر مباشرة من جلالة الإمبراطور يهوذا! أوه يا إلهي، عندما سلمني القائد هذه المهمة، ظننت أنه يمزح معي! فهذه فرصة استثنائية لنتقام منكِ، فكيف لي أن أضيعها؟”.
ولوحت إليزابيث بيدها في الهواء، لتنبعث جثث الخدم المكدسة من قاع الظلال وتلقى فوق الأرضية الممتلئة بالشظايا الزجاجية! ورأت لويز أن قلوب خدمها ومربياتها وكبير خدمها الشاب قد مُزِقت بضربة واحدة حاسمة!
وابتسمت لويز وأومأت برأسها بود ظاهر، غير أن عينيها ظلتا مشبعتين بالبرود والازدراء؛ فقد كانت تحرص في العلن على تقديم هيئة النبيلة الرؤوفة الكريمة للحفاظ على قناعها الساحر أمام العامة.
وأخرجت إليزابيث حبة دواء خضراء تفيض بطاقة الحياة الاستثنائية من ثيابها، ووضعتها بدون رحمة بداخل فم لويز. وتحولت الحبة الخضراء لسائل فور دخولها فم لويز وسرت في مريئها، وامتص جسدها طاقة الحياة، ليعود لون الوردي لوجهها الشاحب فوراً.
وعندما خطر اسم رولاند ببالها، جعدت لويز حاجبها فوراً، وطردت اسمه من ذهنها بضيق؛ إذ أدركت أنها مجهدة للغاية مؤخراً حتى باتت تفكر في ذلك الرجل. وابتسمت بسخرية من نفسها وهي تصعد الدرجات الخشبية الحمراء نحو الطابق الثاني. واتجهت نحو باب غرفة زوجها الشغوف باللعب، وطرقت الباب برفق. غير أنه بعد الانتظار لبرهة، لم يأتِ أي رد من الداخل. وظهرت ملامح الانزعاج فوق وجه لويز، وظنت أن زوجها يتعمد تجاهلها، فنادت بنبرة مرتفعة: “كارول؟”.
ونهضت إليزابيث مجدداً وهي ترقب المعصم الأيسر المقطوع لـ لويز وهو يتوقف عن النزيف ويبدأ بدمج نسيجه ذاتياً. وقالت إليزابيث وهي تبتسم بسخرية: “لقد قال جلالة الإمبراطور يهوذا إنكِ يا الجدة لويز قد تجاوزتِ حدودكِ مؤخراً، ولذا أراد إهداءكِ هذا التحذير الصارم! وبناءً على ذلك، سآخذ يدكِ اليسرى نيابة عن جلالته”.
ودخلت لويز قصرها وهي تتجاذب أطراف الحديث مع الساقي. وكانت بلورات السحر ذات الخاصية النارية المدمجة بداخل الجدران قد جرى تفعيلها مسبقاً لتبعث دفئاً بداخل أرجاء القاعة. ونزعت رداءها الفاخر والثقيل لتبدو بقوامها الرشيقة، وسلم كبير الخدم الشاب الرداء بحرص لرفعه إلى غرفة الملابس.
وغادرت لويز غرفة زوجها فوراً، ونادت بحدة بداخل الممر العريض: “غروت؟”. ونادت مراراً وتكراراً، غير أن كبير خدم لم يظهر قط، وظل صدى صوتها يتردد ببرود في الممر الفارغ. ورغم أن الحرارة بداخل القصر كانت دافئة، إلا أن قشعريرة باردة سرت في جسدها. وأدركت لويز فوراً أن أعداءً قد اخترقوا قصرها، غير أنها لم تصَب بالهلع؛ بل تقدمت بثبات نحو النافذة المطلة على الحديقة الخارجية للتحقق من الوضع.
ولم تعِد إليزابيث اليد المقطوعة لـ لويز، بل ظلت تقلبها في الهواء وتتلقفها بمرح بشرس. ثم رفعت يد لويز اليسرى الناعمة المعنّى بها، وقالت بنبرة حالمة وشيطانية: “في الحقيقة، لا عجب أنكِ تنفقين أموالاً طائلة يومياً للعناية بجسدكِ؛ فرغم أنكِ عجوز بداخل عقدكِ السابع أو الثامن، إلا أن يدكِ تمتلك فتنتاً مميتة! أظن أنه لو جرى عرضها بداخل السوق السوداء، لسارع العديد من النبلاء المرضى لشرائها بأثمن الأسعار، أليس كذلك يا الجدة لويز؟”.
وتقدمت لويز بخطوات واثقة نحو مكتب كارول. وفوق المكتب، كانت مسودة أوبرا جديدة غير مكتملة ملقاة، وإلى جوارها ريشة كتابة قطرت حبراً أسود أفسد الصفحة النظيفة. ومنذ أن أبدت لويز اهتماماً طفيفاً بالمسرح، بات كارول مهووساً بالكتابة والتلحين، وكان يحافظ على أدواته ونصوصه بنظافة بالغة، ومن غير المألوف إطلاقاً أن يترك ريشته تسقط بالخطأ لتلوث النص بتلك الطريقة الفوضوية.
وظلت لويز تحدق بحدة صامتة نحو إليزابيث دون أن تتلفظ بكلمة؛ إذ علمت أن أي حديث منها سينقل البهجة لقلب إليزابيث الشرسة. وقالت إليزابيث بنبرة ملؤها التذمر عقب أن رأت صمت لويز: “يا لكِ من امرأة مملة!”، وألقت باليد المقطوعة بغير مبالاة نحو حجر لويز.
وقالت لويز بصوت متهدج ونزيفها يزداد: “أهو أمر من… الأعلى؟”. فردت إليزابيث بثبات: “بالتأكيد، إنه أمر صدر مباشرة من جلالة الإمبراطور يهوذا! أوه يا إلهي، عندما سلمني القائد هذه المهمة، ظننت أنه يمزح معي! فهذه فرصة استثنائية لنتقام منكِ، فكيف لي أن أضيعها؟”.
وبصعوبة بالغة، استخدمت لويز يدها اليمنى السليمة لالتقاط يدها اليسرى المقطوعة من فوق صدرها، ورفعتها نحو معصمها وضغطتها بصلابة، لتجري استعادة التحام المعصم واليد فوراً بفضل طاقة الحياة الخضراء القوية بداخل أوردتها. وظلت لويز ساقطة فوق الأرضية حتى تعافى جسدها بالكامل، ثم نهضت بضعف وارتعاد وهي تتطلع نحو إليزابيث، وقالت بصوت بحاح ومجهد: “ارجعي وبلّغي جلالة الإمبراطور يهوذا أنني أدركت خطئي بالكامل وتفكرت بذنبي… وإن غرفة زهرة الأوركيد على أتم الاستعداد لتزويد خطوطه الأمامية بمؤن تكفي ثلاثة فيالق كاملة لمدة أسبوعين، دعماً لعملياته العسكرية الممتدة ضد الإمبراطورية المقدسة بداخل الحدود”.
وقال كبير الخدم بنبرة ملؤها الاحترام: “سيدتي لويز، لقد وصلنا إلى مقر إقامتكِ”. ثم جثا كبير الخدم الشاب فوراً فوق الأرضية، وانحنى بجسده ليعمل كدرجة سلم. ولم تتردد لويز في غرس كعب حذائها الأسود العالي فوق ظهره، لتتخذه موطئاً لقدمها أثناء نزولها من العربة. وفور أن استقرت قدمها فوق الأرضية الرخامية النظيفة، نهض كبير الخدم، ونفض غبار ثيابه، ثم أمسك بأطراف أصابع لويز الثلاثة بيده المكسوة بقفاز أبيض ناصع، ليقودها نحو داخل القصر.
وسألت لويز وهي ترتب خصلات شعرها الذهبي: “أين زوجي الكسول؟”.
ثم تنفست لويز بعمق وأكملت بثبات: “أنا لم أخطئ؛ فجلالة الإمبراطور يهوذا كان يطمح لهذا بالذات، أليس كذلك؟ فالتقارير القادمة من الجبهة ليست بسارة، وقد سمعت عن نقص المؤن. وعلاوة على ذلك، فإن تواصلاتي الأخيرة مع بعض العائلات العسكرية جعلت الإمبراطور يرى فيّ ثغرة تجب تأديبها واستغلالها لتوريد الإمدادات مجاناً”.
وواصلت لويز حديثها بابتسامة ساحرة وواثقة كشفت عن جمالها ونضجها الاستثنائي: “أعتقد أنكم لا ترغبون في قتلي، بل في تقديم تحذير صارم، أليس كذلك؟ ربما تخشون أن يتسبب مقتلي في تفتت غرفة زهرة الأوركيد، واهتزاز اقتصاد إمبراطورية تشارلز بالكامل… أو ربما أنتم مجرد خاطفين جشعين تطلبون فدية… وإلا لكنتم هاجمتموني منذ اللحظة الأولى، أليس كذلك؟”.
قالت إليزابيث بسخرية دافئة: “كما هو متوقع من زوجة المؤسس الأول لغرفة زهرة الأوركيد؛ فعقلكِ ما زال حاداً كالسيف”. وانزعجت لويز بليغاً من تذكيرها بـ رولاند، وقالت بضيق: “لا تستخدمي أسماءً تثير اشمئزازي لمناداتي! لقد انتهى انتقامكِ الصغير، وإطالة البقاء ستكون بلاء عليكِ وعلى جلالة الإمبراطور يهوذا”.
ثم التفتت لويز ونظرت نحو النافذة؛ حيث بدأ بعض الجواسيس التابعين للنبلاء بداخل العاصمة يجمهرون في الخارج عقب انبعاث صوت الانفجار. غير أن الحارسين الإمبراطوريين ذوي الدروع الفضية القائمين عند البوابة منعاهم فوراً من الدخول. أومأت إليزابيث براحة: “أنتِ محقة، ولذا سأنسحب الآن يا الجدة لويز”.
وظلت لويز تحدق بحدة صامتة نحو إليزابيث دون أن تتلفظ بكلمة؛ إذ علمت أن أي حديث منها سينقل البهجة لقلب إليزابيث الشرسة. وقالت إليزابيث بنبرة ملؤها التذمر عقب أن رأت صمت لويز: “يا لكِ من امرأة مملة!”، وألقت باليد المقطوعة بغير مبالاة نحو حجر لويز.
وتقدمت لويز بخطوات واثقة نحو مكتب كارول. وفوق المكتب، كانت مسودة أوبرا جديدة غير مكتملة ملقاة، وإلى جوارها ريشة كتابة قطرت حبراً أسود أفسد الصفحة النظيفة. ومنذ أن أبدت لويز اهتماماً طفيفاً بالمسرح، بات كارول مهووساً بالكتابة والتلحين، وكان يحافظ على أدواته ونصوصه بنظافة بالغة، ومن غير المألوف إطلاقاً أن يترك ريشته تسقط بالخطأ لتلوث النص بتلك الطريقة الفوضوية.
وسألت لويز بضيق: “أين زوجي كارول؟ وأين بقية خدم القصر؟”. فتظاهرت إليزابيث بالتذكر، ثم انحنت لـ لويز بدلال: “أوه يا إلهي، لقد نسيت أمرهم تماماً! إنهم يستقرون بداخل عالم الظلال، وسأخرجهم فوراً”.
أومأت لويز برأسها بينما كانت تجتاز الممرات الخضراء للحديقة. وسارع البستانيون والمربيات اللائي يغسلن الثياب بالانحناء والترحيب بسيدة القصر فور رؤيتها: “أهلاً بكِ ومرحباً يا سيدتي لويز ستاسي، ليتوقف الزمن لأجلكِ!”.
وواصلت لويز حديثها بابتسامة ساحرة وواثقة كشفت عن جمالها ونضجها الاستثنائي: “أعتقد أنكم لا ترغبون في قتلي، بل في تقديم تحذير صارم، أليس كذلك؟ ربما تخشون أن يتسبب مقتلي في تفتت غرفة زهرة الأوركيد، واهتزاز اقتصاد إمبراطورية تشارلز بالكامل… أو ربما أنتم مجرد خاطفين جشعين تطلبون فدية… وإلا لكنتم هاجمتموني منذ اللحظة الأولى، أليس كذلك؟”.
ولوحت إليزابيث بيدها في الهواء، لتنبعث جثث الخدم المكدسة من قاع الظلال وتلقى فوق الأرضية الممتلئة بالشظايا الزجاجية! ورأت لويز أن قلوب خدمها ومربياتها وكبير خدمها الشاب قد مُزِقت بضربة واحدة حاسمة!
وجثت إليزابيث فوق ركبتيها، وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة نشوانة وهي تتطلع لملامح لويز الجريحة: “رغم أنني أود بحق رؤيتكِ تنزفين حتى الموت، إلا أن المهمة التي كُلِفتُ بها تقضي بضمان حياتكِ يا الجدة لويز”.
وكان زوجها كارول هو آخر من أُلقي به من عالم الظلال. ولم يصَب كارول بأي أذى مادي، غير أن رؤيته لهذا المكان المريع بين جثث خدمه جعلته يضع يديه فوق أذنيه بذهول ويردد صلواته بذعر مطلق! وقالت إليزابيث بنبرة ودودة ومستفزة: “لقد أعدتهم جميعاً يا الجدة لويز!”، ثم اختفت خطوتها بداخل الظلال وتلاشت كأنها لم تكن. وظلت لويز ترقب اختفاء أثر إليزابيث بإنصات، والتفتت لتتطلع نحو جثث القصر الممتدة ونحو زوجها المذعور، لترتسم بداخل عينيها نظرة مظلمة وشرسة.
وعندما خطر اسم رولاند ببالها، جعدت لويز حاجبها فوراً، وطردت اسمه من ذهنها بضيق؛ إذ أدركت أنها مجهدة للغاية مؤخراً حتى باتت تفكر في ذلك الرجل. وابتسمت بسخرية من نفسها وهي تصعد الدرجات الخشبية الحمراء نحو الطابق الثاني. واتجهت نحو باب غرفة زوجها الشغوف باللعب، وطرقت الباب برفق. غير أنه بعد الانتظار لبرهة، لم يأتِ أي رد من الداخل. وظهرت ملامح الانزعاج فوق وجه لويز، وظنت أن زوجها يتعمد تجاهلها، فنادت بنبرة مرتفعة: “كارول؟”.
وشحب وجه لويز بسبب النزيف والألم، ونطقت بصوت مرتعش وهي تتنفس بعنف: “قتالة الظلال… أهذه أنتِ يا إليزابيث؟ هل قررتِ أخيراً الانقلاب على عائلتكِ؟”. وانبثق ظل امرأة فاتنة من الظلال الملتوية، وتراجع الظلام ليكشف عن فتاة ذات شعر أشقر جذاب إليزابيث! وابتسمت إليزابيث وهي تنظر نحو لويز الساقط على أرضاً: “مساء الخير يا جارتي العزيزة والجدة لويز”.
وغادرت لويز غرفة زوجها فوراً، ونادت بحدة بداخل الممر العريض: “غروت؟”. ونادت مراراً وتكراراً، غير أن كبير خدم لم يظهر قط، وظل صدى صوتها يتردد ببرود في الممر الفارغ. ورغم أن الحرارة بداخل القصر كانت دافئة، إلا أن قشعريرة باردة سرت في جسدها. وأدركت لويز فوراً أن أعداءً قد اخترقوا قصرها، غير أنها لم تصَب بالهلع؛ بل تقدمت بثبات نحو النافذة المطلة على الحديقة الخارجية للتحقق من الوضع.
