Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

احمل خاتم إلدن 104

فيا،رفيقة الموت
PDF

فيا،رفيقة الموت

 

 

 

 

انفتح الباب الرئيسي المزخرف بإتقان ببطء، واندفعت نسيم دافئ ترك دفئه فوق وجهي الأمير نويل وخادم. وعند سماع الضجيج عند الباب، توقف الأشخاص موجودين بداخل القاعة فوراً عما كانوا يفعلونه والتفتوا نحو المدخل الرئيسي. وانطلقت نبرة ساخرة من تحت الخوذة المزدوجة لي دي: “انظروا، انظروا، لقد عاد رجل الإمبراطورية المشغول أخيراً”.

ابتسم نويل وقال: “على أية حال، اللورد رولاند يضع ثقته الكاملة فيكم، وإلا لما أرسلكِ بداخل هذه المهمة الاستثنائية”. هزت فيا رأسها وقالت: “دعنا نتحدث أولاً عن أشواك الموت؛ سمو الأمير، ماذا تعرف عن الشجرة الذهبية الخاصة بسلالتنا الذهبية؟”.

 

وحتى لو أراد الموتى الأحياء تحويل تلك الجثث لمسخ، فإن الشجرة الذهبية الموجودة فوق المدينة لم تكن لتسمح بذلك أبداً. وعند سماع كلمات نويل، تثاءب ليونيل بقلة حيلة وضيق. وغير نويل مسار الحديث وتطلعت عيناه نحو فيا ذات العينين الجادتين: “غير أنني أمتلك ترتيبات وتواريخ مختلفة لنقل جثامين الجنود؛ فهل تستطيع السلالة الذهبية الاستجابة لهذا التعديل؟”.

ولم تكن نبرة دي الجافة والغاضبة بداخل هذه اللحظة مستغربة على الإطلاق؛ فبجانبه تماماً كانت تقف القاتلة التي أزهقت روحه لمرات لا تحصى بداخل ذكرياته فيا.

 

وقد فكر رولاند بخصوص ذلك: بما أن استدعاء بيرنال ومورغوت صعب بالوقت الحالي، فمن الأفضل استدعاء فيا التي فُتِح استدعاؤها بالفعل لتجربة حظه. وبالفعل، بعد استدعاء فيا، رفيقة الموت جرى استدعاء أبطال فيا الذين يحرسونها بداخل اللعبة أيضاً. وبالطبع، لم يكن الساحر روجر من بينهم، على الأرجح لأن رولاند كان قد استدعاه سابقاً بصفة منفصلة.

 

 

وقالت فيا بنبرة ملؤها التعاطف: “لا داعي للوم خادم يا سمو الأمير نويل؛ فقد قام بعمل ممتاز بتهدئتنا. وأنا أرى أنه خادم ممتاز، فلا تعاقبه عقب مغادرتنا”. أومأ نويل فوراً: “حسناً، طالما قالت الآنسة فيا ذلك، فلن ألاحقه بمسؤوليته لاحقاً”. ثم التفت ونظر للأرجاء قائلاً: “هذا ليس المكان المناسب للحديث؛ أود دعوة مبعوثي السلالة الذهبية لمكتبي الخاص لنخوض نقاشاً ملائماً”.

ولو لم يكن دي قد امر من رولاند ورغبته في حماية روجر من الاختطاف على يد فيا، قائدة الذين يحيون في الموت، لما اكتفى بحدة طباعه هذه، بل كان لسحب سيفه وخاض معركة طاحنة ضد فيا فوراً.

 

فقد تشتت تركيزه سابقاً بسلاح شقيقه الأصغر الذي كان يستخدمه فارس الموت، وبوغت عندما هاجمته تلك المرأة.

غير أن هذا العالم لم يشهد ظهور أمير الموت المظلم، ولذا لم يكن هناك وجود لـ الذين يحيون في الموت بداخل هذه القارة. وبناءً عليه، فإن غاية فيا القديمة بضمان حياة طبيعية لهم قد تلاشت كلياً. وعند استدعاء فيا لأول مرة، شعرت بضياع وحيرة بعد تحريرها من غايتها القديمة بداخل المنطقة الحدودية؛ إذ إن جسدها صيغ في الأصل لـ الموت بداخل أحضان الموتى وتساءلت عن مهمتها الجديدة بعد زوال تلك المسؤولية.

ونطق نويل بملامح معتذرة وهو ينحني بخفة نحو دي: “أنا آسف للغاية يا سيد دي، لقد التقيت بشقيقتي الصغرى في الطريق وتجاذبنا أطراف الحديث لبعض الوقت، مما استهلك الكثير من وقتي… أنا آسف حقاً”.

 

 

وبعد أن أنهت فيا حديثها واستغرقت في التفكير، نطق دي بسخرية وازدراء: “إنها مجرد لعنة تلوث الشجرة الذهبية، أهناك حاجة كل هذه التعللات والتغطية يا آنسة فيا؟”. وانتبه نويل فوراً لحديث دي وتطلع نحو فيا بانتظار إجابتها. فقد كان وجود الشجرة الذهبية فوق أراضي السلالة الذهبية معروفا لكافة الدول، وجعلهم يفترضون وجود صلة بين السلالة الذهبية وعرق الجن، غير أن جن مملكة أغنية القمر نفوا ذلك. ورغم جهلهم بخصائص الشجرة الذهبية، إلا أن معرفة ثغرة أو طريقة لإيذائها ستكون بمثابة خطة احترازية استثنائية لو تحولوا لأعداء بداخل المستقبل.

وقال ليونيل، البطل ذو الشعر واللحية الرمادية والهيئة الهرمة، غير أن عينيه كانت تفيضان بالذكاء والحدة: “أقول إنه وجب عليك كبح حدتك والسيطرة على غضبك يا سيد دي التابع لنظام الذهبية”.

أومأت فيا برأسها ورمقت روجر بنظرة جعلت الأخير يلتفت بعيداً بحرج: “أنا أستوعب ذلك تماماً؛ فسحرتي الصغار يتركون كتبهم مبعثرة دائماً، وعندما أحاول تنظيفها يشكون بضيق”.

رد دي ببرود وشرس: “بدلاً من محاولة تقويم غضبي، عليك الاعتناء بصحتك الهشة؛ فمع تقدمك في العمر، حذرَ أن تؤذي ظهرك عند قيامك ببعض الأمور”. وضحك ريانير بخفة وقال: “لا داعي لقلقك؛ بمقدورك سؤال صديقك الساحر عما إذا كان تؤذي ظهره أثناء ممارسة تلك الأمور”.

 

 

 

وكما توقع ريانير، التفت دي لينظر نحو أحد السحرة الحاضرين، ليخفض الساحر روجر حافة قبعة سحره ويتظاهر بعدم سماع ذلك الحوار بين دي وريانير. وفي هذه اللحظة، نهضت امرأة ذات شعر أشقر ورداء أسود طويل وأوقفت حوارهم؛ ولم تكن سوى فيا. وابتسمت برفق وقالت: “لقد وصل سمو الأمير نويل، فلنناقش الأمور الرسمية أولاً”. وابتسم نويل ظاهرياً، غير أنه شعر بالعلاقة الخفية والدقيقة بين هؤلاء الأشخاص.

 

 

 

فذاك الفارس ذو الدرع المزدوج الغريب والساحر ذو القبعة العريضة كانا صديقين مقربين للغاية، بينما كانت حسناء الشعر الأشقر فيا، التي أرسلتها السلالة الذهبية كقائدة لوفدها، أكثر اقرب الى ذلك الرجل الهرم ذي الدرع الضخم. وبناءً على خبرة نويل، فإن النظرات الخاطفة التي كان يرمق بها ليونيل السيدة فيا كانت تحمل نفس نظرات الاشتهاء الشائعة بين النبلاء الفاسدين وأبنائهم. وفي الوقت نفسه، بدت هناك علاقة غامضة ومبهمة تجمع بين الساحر روجر وفيا، مما جعل نويل يتفكر بذهول بداخل تلك العلاقات المعقدة بين أربعة أشخاص فقط.

وأمسك نويل بأطراف أصابع فيا، مما جعل ليونيل يطق بلسانه بذهول من هذا المشهد. وقاد نويل الوفد المشكل من فيا، ودي وروجر، ليونيل نحو المكتب.

 

 

“كل هذا بسبب تأخري عن الموعد مما جعل السيد دي غير مسرور”، أخذ نويل اللوم على نفسه، ثم تظاهر بالضيق ونظر نحو خادمه قائلاً: “لماذا لا تسارع بإحضار بعض الشاي الساخن والمعجنات؟ لو علم الخارجيون أن عائلة لاتور تقدم الشاي البارد لضيوفها الأعزة، أفلن يضحكوا على افتقارنا للنبالة واللباقة الملكية؟”.

“كل هذا بسبب تأخري عن الموعد مما جعل السيد دي غير مسرور”، أخذ نويل اللوم على نفسه، ثم تظاهر بالضيق ونظر نحو خادمه قائلاً: “لماذا لا تسارع بإحضار بعض الشاي الساخن والمعجنات؟ لو علم الخارجيون أن عائلة لاتور تقدم الشاي البارد لضيوفها الأعزة، أفلن يضحكوا على افتقارنا للنبالة واللباقة الملكية؟”.

وانحنى خادم فوراً ليتجاوب مع أداء سيده، وسارع بالاعتذار لـ فيا والبقية، ورفع الشاي والمعجنات الدافئة التي لم تمس من الطاولة ونقلها للخارج.

وقالت فيا بنبرة ملؤها التعاطف: “لا داعي للوم خادم يا سمو الأمير نويل؛ فقد قام بعمل ممتاز بتهدئتنا. وأنا أرى أنه خادم ممتاز، فلا تعاقبه عقب مغادرتنا”. أومأ نويل فوراً: “حسناً، طالما قالت الآنسة فيا ذلك، فلن ألاحقه بمسؤوليته لاحقاً”. ثم التفت ونظر للأرجاء قائلاً: “هذا ليس المكان المناسب للحديث؛ أود دعوة مبعوثي السلالة الذهبية لمكتبي الخاص لنخوض نقاشاً ملائماً”.

 

 

وقالت فيا بنبرة ملؤها التعاطف: “لا داعي للوم خادم يا سمو الأمير نويل؛ فقد قام بعمل ممتاز بتهدئتنا. وأنا أرى أنه خادم ممتاز، فلا تعاقبه عقب مغادرتنا”. أومأ نويل فوراً: “حسناً، طالما قالت الآنسة فيا ذلك، فلن ألاحقه بمسؤوليته لاحقاً”. ثم التفت ونظر للأرجاء قائلاً: “هذا ليس المكان المناسب للحديث؛ أود دعوة مبعوثي السلالة الذهبية لمكتبي الخاص لنخوض نقاشاً ملائماً”.

 

 

 

وعقب التلفظ بذلك، مد يده اليسرى نحو فيا وأشار بيده اليمنى نحو المكتب. وضحكت فيا بخفة، ورفعت رداءها الأسود الطويل، ووضعت يدها البيضاء الناعمة بداخل كف نويل، وقالت برفق: “تفضل إذن بالتقدم”.

ردت فيا: “ملكنا رولاند يعتقد بدوره أن الإمبراطورية المقدسة يستحيل أن تخون حلفاءها، ولذا أرسل أتباعه للتحقق من الأمر. غير أنه من المؤسف رؤية أولئك الجنود وقد جرى استغلالهم كأدوات مجردة؛ فقد كان قتالهم شديد للغاية، ولولا وجود فيلق الأجنحة الملائكية، لما صمد جيش إمبراطورية تشارلز لطويل”. وكانت هذه كذبة وتضليلاً منها؛ إذ كان جنود فيلق الأجنحة الملائكية ذوو الإرادة الفولاذية يُعتبرون بداخل واقع الحال مجرد قوات احتياطية قادرة على الصمود مؤقتاً مقابل جيش رولاند. وصاغت فيا حديثها بتلك الطريقة لكتم وإخفاء القوة الحقيقية لجيش رولاند، ونسب الفضل الأول في دحر مخطط إمبراطورية تشارلز لكارثة الموتى الأحياء بقيادة فولكنر، بينما حصدت السلالة الذهبية النصر بفضل امتلاكها لسحر تطهير الموتى بداخل تلك المعركة.

وأمسك نويل بأطراف أصابع فيا، مما جعل ليونيل يطق بلسانه بذهول من هذا المشهد. وقاد نويل الوفد المشكل من فيا، ودي وروجر، ليونيل نحو المكتب.

وبدا أن حديث “دي” مشبع بقدر غير ضئيل من الضغائن الشخصية القديمة. وتحول نويل لوضعية الملاحظ الصامت؛ إذ أدرك أن تدخله لتهدئة النزاع سيجعل الطرف الآخر يفترض شغفه الزائد بمعرفة نقاط ضعف الشجرة الذهبية. ورغم رغبته بداخل معرفة السر، إلا أنه حرص فوق عدم إظهار ذلك بوضوح.

 

ونظر نويل لفيا بملامح تجمع بين الذهول والسخرية، ثم التفت نحو دي وروجر ليجد أن كلاهما لم يمد يده نحو الأطباق المغرية، بل وضعا أيديهما الخفية فوق مقابض أسلحتهما. وهز الأمير الثاني رأسه دون أن يتلفظ بشيء لطمأنتهم؛ إذ أدرك أن الشكوك بداخل هذه المواقف تصعب المحو بكلمات بسيطة. وبعد تناول ليونيل لقطعة الكعك، نطق بأربع كلمات فقط: “إنها لذيذة للغاية”، ولم يزد فوقها حرفاً.

وكان مكتب الأمير الثاني ضخماً للغاية ومكتظاً بكتل المخطوطات المنسوخة من الكتب الثمينة. وعلاوة على ذلك، يُظهر التآكل بداخل أغطية وصفحات الكتب وأشرطة العلامات المرجعية أن مكتب نويل لم يكن لمجرد استعراض الشغف بالقراءة، بل كان مكاناً يبقى فيه بجدية وتعمق على البحث والتحصيل. وكان هناك طاولة رملية بداخل المكتب، غير أنها كانت فارغة ومكدسة بالكتب العتيقة التي يستعد نويل على دراستها طوال الأيام الماضية.

 

 

“كل هذا بسبب تأخري عن الموعد مما جعل السيد دي غير مسرور”، أخذ نويل اللوم على نفسه، ثم تظاهر بالضيق ونظر نحو خادمه قائلاً: “لماذا لا تسارع بإحضار بعض الشاي الساخن والمعجنات؟ لو علم الخارجيون أن عائلة لاتور تقدم الشاي البارد لضيوفها الأعزة، أفلن يضحكوا على افتقارنا للنبالة واللباقة الملكية؟”.

وقال نويل وهو ينزل يد فيا برفق ويفتح باب المكتب وضوء البلورات السحرية معتذراً لضيوفه: “أنا آسف، هذا مكاني الخاص، ولذا لا أسمح بداخل العادة للخدم بتنظيفه، مما يجعله يبدو فوضوياً بعض الشيء”.

تنهد نويل وقال: “أنا أستوعب ذلك، وأنتِ على حق… غير أنني أخشى أن شقيقي الأكبر لن يكون مسروراً بهذا التوقيت”. رفعت فيا عينيها الخضراوين المشرقتين ونظرت نحو نويل بحيرة متسائلة.

وقال: “رغم هذه الفوضى الظاهرة، إلا أنني اعتادت عيناي على استخراج الكتب التي أريدها من هذه التلال المبعثرة، ولو دخل الخدم لتنظيمها لبات من الصعب عليّ العثور عليها”.

ونطق دي ببرود وشرس: “هذه شؤون تخص إمبراطوريتكم  المقدسة، ولا تمت بأدنى صلة لسلالتنا الذهبية”. أومأ نويل بقلة حيلة: “أنت على حق يا سيد دي؛ ولذا سأرسل رجالي لتنفيذ الاستلام الطبيعي للجثامين، وسوف أتوجه بنفسي إلى مدينة موين لأقدم اعتذاري الصريح للورد رولاند”.

أومأت فيا برأسها ورمقت روجر بنظرة جعلت الأخير يلتفت بعيداً بحرج: “أنا أستوعب ذلك تماماً؛ فسحرتي الصغار يتركون كتبهم مبعثرة دائماً، وعندما أحاول تنظيفها يشكون بضيق”.

ولم يكن بمقدور نويل تصديق كل ما تتفوه به فيا؛ فقد كان يعلم القدرات القتالية لفيلق الأجنحة الملائكية، وأن هؤلاء الجنود ذوي الدروع الثقيلة يستحيل إبادتهم بسهولة على يد كارثة للموتى الأحياء حتى لو قادهم سيد من الموتى. غير أنه وفقاً لوصف فيا، يبدو أن قائد الموتى الأحياء كان ضعيفاً، لدرجة أن لوسيان الأسطوري كان يجد صعوبة في مجابهته. وقال نويل لفيا: “آنسة فيا، اطمئني تماماً؛ فسوف أقدم لرولاند، ملك السلالة الذهبية، تعويضاً يرضيه بالكامل. وفي الوقت نفسه، أنا ممتن للغاية لسلالتكم الذهبية فوق رحفتها بهؤلاء الجنود، وعدم السماح للظلام بتدنيس أجسادهم وتحويلها لمسخ جائعة تؤذي العالم”.

 

وقالت فيا باعتذار: “بناءً فوق ملامحك، أخشى أن بعض سحرتكم قد لقوا حتفهم بالفعل جراء تفحصها، وأنا أسفة للغاية لما حدث… غير أنني بحاجة لتنبيهك بأن مجرد التعاويذ الختك تعجز عن إيقاف تلك اللعنة؛ إذ إن اللعنة تمتلك القدرة على التآكل التدريجي للختم السحري”.

ولاحظ نويل طبيعة تلك الحركة، وظل يفكر في سر العلاقة التي تجمع بين روجر وفيا. وقاطعت فيا أفكار نويل متسائلة: “سمو الأمير نويل، هل وافقت فوق المقترح السابق؟”. وتظاهر نويل بالاستيعاب المفاجئ: “أتقصدين فيلق الأجنحة الملائكية؟ بالتأكيد، لا مشكلة على الإطلاق. وفي الحقيقة، يجب عليّ تقديم الشكر لسلالتكم الذهبية فوق كرمها وجودها؛ وإلا لو علم العالم الخارجي بفعلة شقيقتي المخزية، لتفتت استقرار الدولة مجدداً”.

فرك نويل جبينه كمن يعاني من صداع مريب وقال: “هنا تكمن المعضلة؛ فكما تعلمون جميعاً، فإن فيلق الأجنحة الملائكية يخضع في الأصل لسلطة شقيقتي سيسيليا. وبما أن شقيقي ألبرت يطمح لاستغلال جثامينهم للارتقاء بهيبته في البلاد، فإن سيسيليا لن تسمح له بذلك مطلقاً، وأخشى أن تتحول هذه الاحتفالات لمهزلة فوضوية بائسة”.

 

 

ردت فيا: “ملكنا رولاند يعتقد بدوره أن الإمبراطورية المقدسة يستحيل أن تخون حلفاءها، ولذا أرسل أتباعه للتحقق من الأمر. غير أنه من المؤسف رؤية أولئك الجنود وقد جرى استغلالهم كأدوات مجردة؛ فقد كان قتالهم شديد للغاية، ولولا وجود فيلق الأجنحة الملائكية، لما صمد جيش إمبراطورية تشارلز لطويل”. وكانت هذه كذبة وتضليلاً منها؛ إذ كان جنود فيلق الأجنحة الملائكية ذوو الإرادة الفولاذية يُعتبرون بداخل واقع الحال مجرد قوات احتياطية قادرة على الصمود مؤقتاً مقابل جيش رولاند. وصاغت فيا حديثها بتلك الطريقة لكتم وإخفاء القوة الحقيقية لجيش رولاند، ونسب الفضل الأول في دحر مخطط إمبراطورية تشارلز لكارثة الموتى الأحياء بقيادة فولكنر، بينما حصدت السلالة الذهبية النصر بفضل امتلاكها لسحر تطهير الموتى بداخل تلك المعركة.

ورفع نويل حاجبيه بندهشة: أهذا كل شيء؟ ألا توجد مقارنات؟. وقالت فيا بملامح معتذرة وهي تغير مجرى الحديث: “يرجى التغاضي عن اسلوب الفظ ليونيل يا سمو الأمير نويل؛ فهو محارب فظ يصعب عليه وصف المعجنات بلباقة. وعلى ذكر ذلك، أود الاستفسار عن الأسلحة الخاصة بأربعة من فرساننا والتي استولى عليها جنودكم أثناء المعارك السابقة بداخل الخطوط الأمامية؛ تلك الأسلحة ملوثة بلعنة خبيثة للغاية، ونرجو منك إعادتها لنا فوراً، وإلا فإن تفشي اللعنة سيجر عواقب يصعب حلها”.

 

 

ولم يكن بمقدور نويل تصديق كل ما تتفوه به فيا؛ فقد كان يعلم القدرات القتالية لفيلق الأجنحة الملائكية، وأن هؤلاء الجنود ذوي الدروع الثقيلة يستحيل إبادتهم بسهولة على يد كارثة للموتى الأحياء حتى لو قادهم سيد من الموتى. غير أنه وفقاً لوصف فيا، يبدو أن قائد الموتى الأحياء كان ضعيفاً، لدرجة أن لوسيان الأسطوري كان يجد صعوبة في مجابهته. وقال نويل لفيا: “آنسة فيا، اطمئني تماماً؛ فسوف أقدم لرولاند، ملك السلالة الذهبية، تعويضاً يرضيه بالكامل. وفي الوقت نفسه، أنا ممتن للغاية لسلالتكم الذهبية فوق رحفتها بهؤلاء الجنود، وعدم السماح للظلام بتدنيس أجسادهم وتحويلها لمسخ جائعة تؤذي العالم”.

واندهش نويل؛ إذ لم يتوقع إثارة فيا لموضوع الأسلحة المصادرة. وكان قد تلقى تقارير من أتباعه بخصوص اللعنات المربوطة بتلك الأسلحة المأخوذة من ساحة القتال؛ حيث تجري حراستها بداخل غرفة السحر المعزولة بالإمبراطورية، وقد أقدم بعض السحرة على دراستها ليلقوا حتفهم ببطء حتى أضحت دراستها محظورة ومحرمة.

 

 

وحتى لو أراد الموتى الأحياء تحويل تلك الجثث لمسخ، فإن الشجرة الذهبية الموجودة فوق المدينة لم تكن لتسمح بذلك أبداً. وعند سماع كلمات نويل، تثاءب ليونيل بقلة حيلة وضيق. وغير نويل مسار الحديث وتطلعت عيناه نحو فيا ذات العينين الجادتين: “غير أنني أمتلك ترتيبات وتواريخ مختلفة لنقل جثامين الجنود؛ فهل تستطيع السلالة الذهبية الاستجابة لهذا التعديل؟”.

 

هزت فيا رأسها نفياً: “أنا آسفة للغاية يا سمو الأمير نويل؛ فالجثامين التي جمعناها مكدسة كالتلال، ورغم اقتراب الشتاء واتخاذ اللورد رولاند لتدابير الوقاية، إلا أن إبقاءها لفترة أطول سيؤدي لاندلاع الطاعون والأمراض في أرجاء مدينة لايتون، ولذا نرجو منك الإسراع باستلام هؤلاء الأبطال بدون تأخير”.

 

 

 

تنهد نويل وقال: “أنا أستوعب ذلك، وأنتِ على حق… غير أنني أخشى أن شقيقي الأكبر لن يكون مسروراً بهذا التوقيت”. رفعت فيا عينيها الخضراوين المشرقتين ونظرت نحو نويل بحيرة متسائلة.

وأمسك نويل بأطراف أصابع فيا، مما جعل ليونيل يطق بلسانه بذهول من هذا المشهد. وقاد نويل الوفد المشكل من فيا، ودي وروجر، ليونيل نحو المكتب.

أوضح نويل: “الأمر يتعلق بالاحتفال الممتد لشهر كامل والذي سيبدأ الأسبوع القادم بمناسبة عيد ميلاد شقيقي الأكبر والانتصارات العسكرية الأخيرة للإمبراطورية؛ فإذا أعدنا جثامين فيلق الأجنحة الملائكية بداخل هذه الفترة الاحتفالية، فسيُعتبر ذلك بمثابة صفعة خاطفة فوق وجهه أمام الجميع”.

 

 

وبعد أن أنهت فيا حديثها واستغرقت في التفكير، نطق دي بسخرية وازدراء: “إنها مجرد لعنة تلوث الشجرة الذهبية، أهناك حاجة كل هذه التعللات والتغطية يا آنسة فيا؟”. وانتبه نويل فوراً لحديث دي وتطلع نحو فيا بانتظار إجابتها. فقد كان وجود الشجرة الذهبية فوق أراضي السلالة الذهبية معروفا لكافة الدول، وجعلهم يفترضون وجود صلة بين السلالة الذهبية وعرق الجن، غير أن جن مملكة أغنية القمر نفوا ذلك. ورغم جهلهم بخصائص الشجرة الذهبية، إلا أن معرفة ثغرة أو طريقة لإيذائها ستكون بمثابة خطة احترازية استثنائية لو تحولوا لأعداء بداخل المستقبل.

وقالت فيا بدهشة: “غير أن بمقدور شقيقك استغلال جثامين هؤلاء الأبطال لرفع مكانته؛ إذ يكفيه إلقاء خطبة تكريمية صادقة وحث الشعب فوق عدم نسيان تضحياتهم ليحصد مجداً وهيمنة استثنائية”.

 

فرك نويل جبينه كمن يعاني من صداع مريب وقال: “هنا تكمن المعضلة؛ فكما تعلمون جميعاً، فإن فيلق الأجنحة الملائكية يخضع في الأصل لسلطة شقيقتي سيسيليا. وبما أن شقيقي ألبرت يطمح لاستغلال جثامينهم للارتقاء بهيبته في البلاد، فإن سيسيليا لن تسمح له بذلك مطلقاً، وأخشى أن تتحول هذه الاحتفالات لمهزلة فوضوية بائسة”.

 

 

واندهش نويل؛ إذ لم يتوقع إثارة فيا لموضوع الأسلحة المصادرة. وكان قد تلقى تقارير من أتباعه بخصوص اللعنات المربوطة بتلك الأسلحة المأخوذة من ساحة القتال؛ حيث تجري حراستها بداخل غرفة السحر المعزولة بالإمبراطورية، وقد أقدم بعض السحرة على دراستها ليلقوا حتفهم ببطء حتى أضحت دراستها محظورة ومحرمة.

ونطق دي ببرود وشرس: “هذه شؤون تخص إمبراطوريتكم  المقدسة، ولا تمت بأدنى صلة لسلالتنا الذهبية”. أومأ نويل بقلة حيلة: “أنت على حق يا سيد دي؛ ولذا سأرسل رجالي لتنفيذ الاستلام الطبيعي للجثامين، وسوف أتوجه بنفسي إلى مدينة موين لأقدم اعتذاري الصريح للورد رولاند”.

 

وابتسمت فيا بخفة وقالت: “الاعتذار ليس سوى جزء من غايتك، أليس كذلك؟ أخشى أن سمو الأمير نويل يطمح للفرار إلى مدينة موين طلباً للراحة والهدوء، تجنباً لانجراره بداخل المشاحنات بين شقيقك وشقيقتك”.

 

 

ولو لم يكن دي قد امر من رولاند ورغبته في حماية روجر من الاختطاف على يد فيا، قائدة الذين يحيون في الموت، لما اكتفى بحدة طباعه هذه، بل كان لسحب سيفه وخاض معركة طاحنة ضد فيا فوراً.

ضحك نويل بسعادة وقال: “هاهاها، هذا صحيح تماماً! أمتلك هذه الرغبة بحق؛ فقد سمعت أن الأطعمة بداخل مدينة موين شهية للغاية ونبيذها عطر ونقي، وأرجو أن يتكرم اللورد رولاند بالصفح عني والسماح لي بالإقامة لبضعة أيام”. ابتسمت فيا وأومأت: “سأنقل كلماتك هذه للورد رولاند”. وساد صمت قصير أرجاء الغرفة. وقبل أن تنهي فيا ونويل حوارهما، كان الساحر روجر قد وجه نظرته بداخل أرجاء المكتب نحو مجموعة كتب نويل النادرة، ولاحظ نويل نظرات روجر المحبة للكتب فقال: “سيد روجر، إن نالت إعجابك أي كتب هنا فخذ منها ما تشاء؛ فمعظمها نسخ منسوخة، فلا تخشَ أخذها”.

هزت فيا رأسها نفياً: “أنا آسفة للغاية يا سمو الأمير نويل؛ فالجثامين التي جمعناها مكدسة كالتلال، ورغم اقتراب الشتاء واتخاذ اللورد رولاند لتدابير الوقاية، إلا أن إبقاءها لفترة أطول سيؤدي لاندلاع الطاعون والأمراض في أرجاء مدينة لايتون، ولذا نرجو منك الإسراع باستلام هؤلاء الأبطال بدون تأخير”.

 

 

وارتسمت ابتسامة ساحرة فوق وجه روجر تحت قبعته وقال بنبرة ناصعة: “أشكرك للغاية فوق جودك وكرمك يا سمو الأمير نويل، وسوف أقبل هديتك ببهجة”. وفي هذه اللحظة، طرق خادم القائم بالخارج الباب ونادى بوقار: “سمو الأمير نويل، الشاي والمعجنات الدافئة جاهزة”.

 

 

ابتسمت فيا وقالت: “هذا السؤال يمس الخصوصية الداخلية لـ السلالة الذهبية يا سمو الأمير نويل”. وغير أنها أكملت بغير تردد: “وعلى أية حال، ستعرفون هذه الأمور لاحقاً، فلا بأس بالإفصاح عنها؛ فعلى سبيل المثال، السحرة الذين يستخدمون السحر المشع والتابعين لعائلة كاليا الملكية يتنازعون دائماً مع المحاربين الذين يقدسون الشجرة الذهبية كدي، بينما بعض الفرسان المنفيين ذوي الدروع الفضية يقدسون التنانين الجبارة بدلاً من الشجرة الذهبية نفسها”.

أجاب نويل: “تفضل بالدخول”. وفتح خادم الباب وادخل عربة محملة بأشهى الأطباق والحلويات، وتلته خادمة تحمل إبريق الشاي والأكواب. وعقب انسحاب الخدم، قال نويل: “تفضلوا بالتذوق؛ أود سماع آرائكم الصريحة بخصوص الفروق بين معجنات إمبراطوريتنا المقدسة ومعجنات سلالتكم الذهبية، فلا تخفوا عني شيئاً”.

فذاك الفارس ذو الدرع المزدوج الغريب والساحر ذو القبعة العريضة كانا صديقين مقربين للغاية، بينما كانت حسناء الشعر الأشقر فيا، التي أرسلتها السلالة الذهبية كقائدة لوفدها، أكثر اقرب الى ذلك الرجل الهرم ذي الدرع الضخم. وبناءً على خبرة نويل، فإن النظرات الخاطفة التي كان يرمق بها ليونيل السيدة فيا كانت تحمل نفس نظرات الاشتهاء الشائعة بين النبلاء الفاسدين وأبنائهم. وفي الوقت نفسه، بدت هناك علاقة غامضة ومبهمة تجمع بين الساحر روجر وفيا، مما جعل نويل يتفكر بذهول بداخل تلك العلاقات المعقدة بين أربعة أشخاص فقط.

 

ابتسم نويل وقال: “على أية حال، اللورد رولاند يضع ثقته الكاملة فيكم، وإلا لما أرسلكِ بداخل هذه المهمة الاستثنائية”. هزت فيا رأسها وقالت: “دعنا نتحدث أولاً عن أشواك الموت؛ سمو الأمير، ماذا تعرف عن الشجرة الذهبية الخاصة بسلالتنا الذهبية؟”.

وحتى الفروق البسيطة بداخل الشاي والمعجنات، كان نويل يطمح لاستخلاص معلومات وتفاصيل عن أوضاع السلالة الذهبية من خلالها. وأخذت فيا قطعة كعك هشة ومزينة بقطع التوت الطازج والقشدة البيضاء. غير أن ليونيل تقدم فوراً وأخذ قطعة الكعك من يد فيا، وقال بملامح جادة وصارمة: “فيا، دعيني أختبرها أولاً”. أومأت فيا برأسها؛ فهم يستقرون بداخل أراضي إمبراطورية أجنبية، ولو أقدم الأمير الثاني فوق وضع سموم بداخل الطعام لتكبدوا خساره تعيق إنجاز مهمة رولاند.

 

 

 

ونظر نويل لفيا بملامح تجمع بين الذهول والسخرية، ثم التفت نحو دي وروجر ليجد أن كلاهما لم يمد يده نحو الأطباق المغرية، بل وضعا أيديهما الخفية فوق مقابض أسلحتهما. وهز الأمير الثاني رأسه دون أن يتلفظ بشيء لطمأنتهم؛ إذ أدرك أن الشكوك بداخل هذه المواقف تصعب المحو بكلمات بسيطة. وبعد تناول ليونيل لقطعة الكعك، نطق بأربع كلمات فقط: “إنها لذيذة للغاية”، ولم يزد فوقها حرفاً.

 

 

 

ورفع نويل حاجبيه بندهشة: أهذا كل شيء؟ ألا توجد مقارنات؟. وقالت فيا بملامح معتذرة وهي تغير مجرى الحديث: “يرجى التغاضي عن اسلوب الفظ ليونيل يا سمو الأمير نويل؛ فهو محارب فظ يصعب عليه وصف المعجنات بلباقة. وعلى ذكر ذلك، أود الاستفسار عن الأسلحة الخاصة بأربعة من فرساننا والتي استولى عليها جنودكم أثناء المعارك السابقة بداخل الخطوط الأمامية؛ تلك الأسلحة ملوثة بلعنة خبيثة للغاية، ونرجو منك إعادتها لنا فوراً، وإلا فإن تفشي اللعنة سيجر عواقب يصعب حلها”.

ولم تكن نبرة دي الجافة والغاضبة بداخل هذه اللحظة مستغربة على الإطلاق؛ فبجانبه تماماً كانت تقف القاتلة التي أزهقت روحه لمرات لا تحصى بداخل ذكرياته فيا.

 

وقد فكر رولاند بخصوص ذلك: بما أن استدعاء بيرنال ومورغوت صعب بالوقت الحالي، فمن الأفضل استدعاء فيا التي فُتِح استدعاؤها بالفعل لتجربة حظه. وبالفعل، بعد استدعاء فيا، رفيقة الموت جرى استدعاء أبطال فيا الذين يحرسونها بداخل اللعبة أيضاً. وبالطبع، لم يكن الساحر روجر من بينهم، على الأرجح لأن رولاند كان قد استدعاه سابقاً بصفة منفصلة.

واندهش نويل؛ إذ لم يتوقع إثارة فيا لموضوع الأسلحة المصادرة. وكان قد تلقى تقارير من أتباعه بخصوص اللعنات المربوطة بتلك الأسلحة المأخوذة من ساحة القتال؛ حيث تجري حراستها بداخل غرفة السحر المعزولة بالإمبراطورية، وقد أقدم بعض السحرة على دراستها ليلقوا حتفهم ببطء حتى أضحت دراستها محظورة ومحرمة.

 

وقالت فيا باعتذار: “بناءً فوق ملامحك، أخشى أن بعض سحرتكم قد لقوا حتفهم بالفعل جراء تفحصها، وأنا أسفة للغاية لما حدث… غير أنني بحاجة لتنبيهك بأن مجرد التعاويذ الختك تعجز عن إيقاف تلك اللعنة؛ إذ إن اللعنة تمتلك القدرة على التآكل التدريجي للختم السحري”.

 

 

ابتسمت فيا وقالت: “هذا السؤال يمس الخصوصية الداخلية لـ السلالة الذهبية يا سمو الأمير نويل”. وغير أنها أكملت بغير تردد: “وعلى أية حال، ستعرفون هذه الأمور لاحقاً، فلا بأس بالإفصاح عنها؛ فعلى سبيل المثال، السحرة الذين يستخدمون السحر المشع والتابعين لعائلة كاليا الملكية يتنازعون دائماً مع المحاربين الذين يقدسون الشجرة الذهبية كدي، بينما بعض الفرسان المنفيين ذوي الدروع الفضية يقدسون التنانين الجبارة بدلاً من الشجرة الذهبية نفسها”.

وجعد نويل حاجبيه وقال: “نعم، لقد لقي بضعة سحرة حتفهم بالفعل. غير أنني أود الاستفسار منكِ يا آنسة فيا: ما طبيعة تلك الأشواك السوداء الخبيثة التي تخترق الأجساد؟ وكيف تستطيع اللعنة تآكل الأختام السحرية؟”.

أومأت فيا برأسها ورمقت روجر بنظرة جعلت الأخير يلتفت بعيداً بحرج: “أنا أستوعب ذلك تماماً؛ فسحرتي الصغار يتركون كتبهم مبعثرة دائماً، وعندما أحاول تنظيفها يشكون بضيق”.

ثم اضاف كمن استوعب الأمر: “بالتأكيد، إن كان الأمر يتعلق بأسرار سلالتكم الذهبية فلا داعي للإفصاح عنه، وبما أن إبقاء تلك الأسلحة بداخل غرفة الأختام يمثل خطراً، فسأرافقكِ بنفسي لغرفة الأختام لاستلامها، وبطبيعة الحال، سينتظر بقية الضيوف بالخارج”. أجابت فيا: “ليست بسر خفي، وسأشرح لك الأمر بأسلوب بسيط ومستوعب”.

فهؤلاء الخالدون الذين عاشوا لآلاف السنين بداخل المنطقة الحدودية دون هرم، سوف يفنون بسلام بداخل يوم من الأيام، ولن تكون هذه النهاية بائسة، بل سيتولى أحفادهم ونسلهم مواصلة المسيرة لضمان ارتقاء وتطور نظام الذهبية. وكان هذا المبدأ ينطبق بصفة قاطعة فوق نسل رولاند نفسه. فلو أضحى عمر الجميع أبدياً بفعل البركة الذهبية، لركدت السلالة الذهبية وتدهورت بداخل مستنقع الفساد، ولتكررت ذات المأساة التي شهدتها المنطقة الحدودية.

 

 

وبعد أن أنهت فيا حديثها واستغرقت في التفكير، نطق دي بسخرية وازدراء: “إنها مجرد لعنة تلوث الشجرة الذهبية، أهناك حاجة كل هذه التعللات والتغطية يا آنسة فيا؟”. وانتبه نويل فوراً لحديث دي وتطلع نحو فيا بانتظار إجابتها. فقد كان وجود الشجرة الذهبية فوق أراضي السلالة الذهبية معروفا لكافة الدول، وجعلهم يفترضون وجود صلة بين السلالة الذهبية وعرق الجن، غير أن جن مملكة أغنية القمر نفوا ذلك. ورغم جهلهم بخصائص الشجرة الذهبية، إلا أن معرفة ثغرة أو طريقة لإيذائها ستكون بمثابة خطة احترازية استثنائية لو تحولوا لأعداء بداخل المستقبل.

وجعد نويل حاجبيه وقال: “نعم، لقد لقي بضعة سحرة حتفهم بالفعل. غير أنني أود الاستفسار منكِ يا آنسة فيا: ما طبيعة تلك الأشواك السوداء الخبيثة التي تخترق الأجساد؟ وكيف تستطيع اللعنة تآكل الأختام السحرية؟”.

 

وابتسمت فيا بخفة وقالت: “الاعتذار ليس سوى جزء من غايتك، أليس كذلك؟ أخشى أن سمو الأمير نويل يطمح للفرار إلى مدينة موين طلباً للراحة والهدوء، تجنباً لانجراره بداخل المشاحنات بين شقيقك وشقيقتك”.

ونظرت فيا بعينيها الخضراوين المشرقتين بضيق خفيف نحو دي؛ ورغم علمهما مسبقاً بأن هذا الحوار مسرحي ومتفق عليه مع رولاند، إلا أن سخرية دي أثارت انزعاجها. وقالت فيا برفق: “ليونيل، وروجر، ودي، هل لكم أن تنتظروا بالخارج لبرهة؟ أود الحديث مع سمو الأمير الثاني بمفردنا”. أومأ روجر ليونيل ونهضا فوراً، غير أن دي رفض: “كلا، سأبقى هنا لمراقبتكِ يا فيا؛ فإذا أفضيتِ بأي شيء يضر بالسلالة الذهبية، فسوف أعدمكِ فوراً يا خائنة”.

 

واندهش نويل؛ إذ لم يتوقع إثارة فيا لموضوع الأسلحة المصادرة. وكان قد تلقى تقارير من أتباعه بخصوص اللعنات المربوطة بتلك الأسلحة المأخوذة من ساحة القتال؛ حيث تجري حراستها بداخل غرفة السحر المعزولة بالإمبراطورية، وقد أقدم بعض السحرة على دراستها ليلقوا حتفهم ببطء حتى أضحت دراستها محظورة ومحرمة.

وبدا أن حديث “دي” مشبع بقدر غير ضئيل من الضغائن الشخصية القديمة. وتحول نويل لوضعية الملاحظ الصامت؛ إذ أدرك أن تدخله لتهدئة النزاع سيجعل الطرف الآخر يفترض شغفه الزائد بمعرفة نقاط ضعف الشجرة الذهبية. ورغم رغبته بداخل معرفة السر، إلا أنه حرص فوق عدم إظهار ذلك بوضوح.

فذاك الفارس ذو الدرع المزدوج الغريب والساحر ذو القبعة العريضة كانا صديقين مقربين للغاية، بينما كانت حسناء الشعر الأشقر فيا، التي أرسلتها السلالة الذهبية كقائدة لوفدها، أكثر اقرب الى ذلك الرجل الهرم ذي الدرع الضخم. وبناءً على خبرة نويل، فإن النظرات الخاطفة التي كان يرمق بها ليونيل السيدة فيا كانت تحمل نفس نظرات الاشتهاء الشائعة بين النبلاء الفاسدين وأبنائهم. وفي الوقت نفسه، بدت هناك علاقة غامضة ومبهمة تجمع بين الساحر روجر وفيا، مما جعل نويل يتفكر بذهول بداخل تلك العلاقات المعقدة بين أربعة أشخاص فقط.

 

 

ونطق روجر مستعطفاً صديقه: “دي، لا تجعل الأمور تزداد سوءاً؛ فأنا أثق بأن الآنسة فيا لن تخون السلالة الذهبية واللورد رولاند، وبصفتي صديقك، أرجو منك الوثوق برأيي”. ونظر دي بقلة حيلة نحو روجر، وأومأ برأسه، ثم التفت ونظر لـ فيا وأطلق تهديداً حاداً قبل خروجه: “أقسم بـ النظام الذهبية، إن أقدمتِ على خيانتنا، فسوف أطاردكِ لأقاصي الأرض”. وقال ريانيرليونيل بصرامة وهو يتجاوز الباب: “إن أردتَ قتل فيا، فعليك اجتياز جسدي أولاً”.

ونظرت فيا بعينيها الخضراوين المشرقتين بضيق خفيف نحو دي؛ ورغم علمهما مسبقاً بأن هذا الحوار مسرحي ومتفق عليه مع رولاند، إلا أن سخرية دي أثارت انزعاجها. وقالت فيا برفق: “ليونيل، وروجر، ودي، هل لكم أن تنتظروا بالخارج لبرهة؟ أود الحديث مع سمو الأمير الثاني بمفردنا”. أومأ روجر ليونيل ونهضا فوراً، غير أن دي رفض: “كلا، سأبقى هنا لمراقبتكِ يا فيا؛ فإذا أفضيتِ بأي شيء يضر بالسلالة الذهبية، فسوف أعدمكِ فوراً يا خائنة”.

 

 

ولم يتبقَ بداخل الغرفة سوى فيا ونويل. وأظهرت فيا ملامح استرخاء متظاهرة، وقالت لنويل: “يبدو أنك استوعبت المعاناة التي أواجهها بداخل السلالة الذهبية”.

 

ابتسم نويل وقال: “على أية حال، اللورد رولاند يضع ثقته الكاملة فيكم، وإلا لما أرسلكِ بداخل هذه المهمة الاستثنائية”. هزت فيا رأسها وقالت: “دعنا نتحدث أولاً عن أشواك الموت؛ سمو الأمير، ماذا تعرف عن الشجرة الذهبية الخاصة بسلالتنا الذهبية؟”.

وقالت فيا باهتمام: “كلماتك هذه تؤثر بي حقاً؛ فلو كانت السلالة الذهبية تنظر للقوى بمثل هذا التسامح، لكانت نهضتها أسرع بكثير”. ووضعت يدها بداخل كف نويل لتنهض عن الكرسي. وتطلع نويل لنحوها وسألها باقتضاب: “بناءً فوق نبرتكِ يا آنسة فيا، يبدو أن هناك رفاقاً آخرين يتعرضون للتمييز بداخل سلالتكم لاستخدامهم قوى مختلفة؟”.

 

وتناول نويل كوب الشاي المليء بـ طاقة السحر المشرقة وتجرعه بالكامل. وابتسمت فيا وأومأت بموافقتها: “كل ما ذكرته صحيح تماماً”. واستمر نويل: “غير أنني أجهل الصلة بين تلك الأسئلة وبين أشواك الموت… انتظري، أظنني استوعبت المقصد!”.

تفكر نويل للحظة وقال: “حسناً، لن أخفي عليكِ شيئاً؛ لقد أرسلتُ أحد تجاري سابقاً لـ مدينة موين، وعلمتُ أن سلالتكم الذهبية تمتلك عقيدتها الخاصة والمتمثلة بـ الشجرة الذهبية، وأن الشجرة تمنح قطرات ندى استثنائية تشفي كافة الأمراض، وتوزعها الكنيسة فوق المحتاجين كل يوم أحد. وعلاوة على ذلك، أشار التجار لإنتاجية الزراعة الفائقة بداخل أراضيكم، ورغم عدم وجود بيانات كاملة لديّ، غير أن شجرة الحياة التي يقدسها الجن تمتلك نفس التأثير البيئي الفائق، وأفترض أن شجرتكم الذهبية تمتلك ذات البركات الإلهية”.

وكان مكتب الأمير الثاني ضخماً للغاية ومكتظاً بكتل المخطوطات المنسوخة من الكتب الثمينة. وعلاوة على ذلك، يُظهر التآكل بداخل أغطية وصفحات الكتب وأشرطة العلامات المرجعية أن مكتب نويل لم يكن لمجرد استعراض الشغف بالقراءة، بل كان مكاناً يبقى فيه بجدية وتعمق على البحث والتحصيل. وكان هناك طاولة رملية بداخل المكتب، غير أنها كانت فارغة ومكدسة بالكتب العتيقة التي يستعد نويل على دراستها طوال الأيام الماضية.

 

 

وتناول نويل كوب الشاي المليء بـ طاقة السحر المشرقة وتجرعه بالكامل. وابتسمت فيا وأومأت بموافقتها: “كل ما ذكرته صحيح تماماً”. واستمر نويل: “غير أنني أجهل الصلة بين تلك الأسئلة وبين أشواك الموت… انتظري، أظنني استوعبت المقصد!”.

أومأت فيا: “نعم، الموت هو أكثر ما يكره أبناء السلالة الذهبية؛ فقد طمحوا للتخلص من ظلال الموت، غير أنهم لم يتوقعوا جذب اللعنات جراء ذلك، ومن هنا تولدت اللعنة المربوطة بتلك الأسلحة. وأنا كاهنة متمرسة بسحر الموت ومكلفة بكبح وتسكين تلك اللعنات، ويمكنك القول إنني أجسد الجانب المظلم الخفي لـ الشجرة الذهبية، وهو ما يفسر العداء الذي يبديه دي تجاهي لقربي من الموت”. وكان هذا الشرح بأسره زائفاً ومعداً مسبقاً بالتنسيق مع رولاند.

 

 

وقال نويل عقب تفكر خاطف: “إنها الحَيَاةُ!”. أومأت فيا بابتسامة: “بالتأكيد؛ فجوهر الشجرة الذهبية يكمن في ملء البركة فوق الحياة الممتلئة بالنشاط والارتقاء بها لجمال أسمى بداخل هذا العالم”. وتابع نويل وهو يتطلع لفيا: “والموت هو الخصم الأبدي لـ الحياة؛ وبناءً هيئتكِ وثيابكِ يا آنسة فيا، يبدو أن قدرتكِ لا تمت بصلة لـ الحياة، بل تخضع لـ المَوْتِ”.

 

 

ردت فيا: “ملكنا رولاند يعتقد بدوره أن الإمبراطورية المقدسة يستحيل أن تخون حلفاءها، ولذا أرسل أتباعه للتحقق من الأمر. غير أنه من المؤسف رؤية أولئك الجنود وقد جرى استغلالهم كأدوات مجردة؛ فقد كان قتالهم شديد للغاية، ولولا وجود فيلق الأجنحة الملائكية، لما صمد جيش إمبراطورية تشارلز لطويل”. وكانت هذه كذبة وتضليلاً منها؛ إذ كان جنود فيلق الأجنحة الملائكية ذوو الإرادة الفولاذية يُعتبرون بداخل واقع الحال مجرد قوات احتياطية قادرة على الصمود مؤقتاً مقابل جيش رولاند. وصاغت فيا حديثها بتلك الطريقة لكتم وإخفاء القوة الحقيقية لجيش رولاند، ونسب الفضل الأول في دحر مخطط إمبراطورية تشارلز لكارثة الموتى الأحياء بقيادة فولكنر، بينما حصدت السلالة الذهبية النصر بفضل امتلاكها لسحر تطهير الموتى بداخل تلك المعركة.

أومأت فيا: “نعم، الموت هو أكثر ما يكره أبناء السلالة الذهبية؛ فقد طمحوا للتخلص من ظلال الموت، غير أنهم لم يتوقعوا جذب اللعنات جراء ذلك، ومن هنا تولدت اللعنة المربوطة بتلك الأسلحة. وأنا كاهنة متمرسة بسحر الموت ومكلفة بكبح وتسكين تلك اللعنات، ويمكنك القول إنني أجسد الجانب المظلم الخفي لـ الشجرة الذهبية، وهو ما يفسر العداء الذي يبديه دي تجاهي لقربي من الموت”. وكان هذا الشرح بأسره زائفاً ومعداً مسبقاً بالتنسيق مع رولاند.

ونطق نويل بملامح معتذرة وهو ينحني بخفة نحو دي: “أنا آسف للغاية يا سيد دي، لقد التقيت بشقيقتي الصغرى في الطريق وتجاذبنا أطراف الحديث لبعض الوقت، مما استهلك الكثير من وقتي… أنا آسف حقاً”.

 

 

أما الحقيقة الحرفية لظهور الذين يحيون في الموت، فتكمن في الخل الذي أصاب غودوين الذهبي وعجزه عن الموت الطبيعي. فبداخل دورة التجسد الخاصة بالشجرة الذهبية، وبعد حظر الموت المحتوم وختمه بواسطة الملكة ماريكا الأبدية، اصبحت الآلهة بداخل نظام الذهبية خالدة واستثنائية عن الموت. غير أن فقدان رون الموت أدى لفناء روح غودوين، بينما واصل جسده النمو والارتقاء بفعل طاقة الحياة المنبعثة من الشجرة الذهبية، ليتحول لـ أمير الموت المظلم.

 

 

ثم اضاف كمن استوعب الأمر: “بالتأكيد، إن كان الأمر يتعلق بأسرار سلالتكم الذهبية فلا داعي للإفصاح عنه، وبما أن إبقاء تلك الأسلحة بداخل غرفة الأختام يمثل خطراً، فسأرافقكِ بنفسي لغرفة الأختام لاستلامها، وبطبيعة الحال، سينتظر بقية الضيوف بالخارج”. أجابت فيا: “ليست بسر خفي، وسأشرح لك الأمر بأسلوب بسيط ومستوعب”.

وبعد تحطيم ماريكا لـ خاتم الدن، اختل نظام التجسد بداخل المنطقة الحدودية، وأضحى الأشخاص الذين انتهت أعمارهم عاجزين عن العودة للشجرة الذهبية، وبدلاً من الموت الطبيعي، تحولوا لـ الذين يحيون في الموت بفعل طاقة أمير الموت. وهناك فئات أخرى أوسع عجزت عن التحول لموتى أحياء أو العودة للشجرة، فظلت أجسادها تتعفن وهي حية بداخل اللعبة.

 

 

وتحت سطوة البركة الذهبية، حظوا بأزمنة هائلة للاستمتاع بالحياة، غير أن تحطيم خاتم الدن حول تلك البركة لرعب مطلق مستحيل الهرب منه؛ حيث واجه الخالدون تعفن أجسادهم وتساقط أنسجتهم وتآكل عظامهم بواسطة الديدان، ليتحول البقاء لعذاب دائم. وبناءً فوق ذلك، فقدوا صوابهم وطمحوا للموت، وألقوا بأجسادهم بداخل المستنقعات الحارقة أو النيران بحثاً عن الفناء.

 

 

غير أن هذا العالم لم يشهد ظهور أمير الموت المظلم، ولذا لم يكن هناك وجود لـ الذين يحيون في الموت بداخل هذه القارة. وبناءً عليه، فإن غاية فيا القديمة بضمان حياة طبيعية لهم قد تلاشت كلياً. وعند استدعاء فيا لأول مرة، شعرت بضياع وحيرة بعد تحريرها من غايتها القديمة بداخل المنطقة الحدودية؛ إذ إن جسدها صيغ في الأصل لـ الموت بداخل أحضان الموتى وتساءلت عن مهمتها الجديدة بعد زوال تلك المسؤولية.

غير أن هذا العالم لم يشهد ظهور أمير الموت المظلم، ولذا لم يكن هناك وجود لـ الذين يحيون في الموت بداخل هذه القارة. وبناءً عليه، فإن غاية فيا القديمة بضمان حياة طبيعية لهم قد تلاشت كلياً. وعند استدعاء فيا لأول مرة، شعرت بضياع وحيرة بعد تحريرها من غايتها القديمة بداخل المنطقة الحدودية؛ إذ إن جسدها صيغ في الأصل لـ الموت بداخل أحضان الموتى وتساءلت عن مهمتها الجديدة بعد زوال تلك المسؤولية.

وكما توقع ريانير، التفت دي لينظر نحو أحد السحرة الحاضرين، ليخفض الساحر روجر حافة قبعة سحره ويتظاهر بعدم سماع ذلك الحوار بين دي وريانير. وفي هذه اللحظة، نهضت امرأة ذات شعر أشقر ورداء أسود طويل وأوقفت حوارهم؛ ولم تكن سوى فيا. وابتسمت برفق وقالت: “لقد وصل سمو الأمير نويل، فلنناقش الأمور الرسمية أولاً”. وابتسم نويل ظاهرياً، غير أنه شعر بالعلاقة الخفية والدقيقة بين هؤلاء الأشخاص.

 

 

وهنا منحها رولاند غاية وساماً جديداً: أن تغدو مبعوثة الموت الخاصة به، لتذكر سكان السلالة الذهبية بأن الموت الطبيعي هو النهاية الحتمي لكافة الكائنات الحية. وكان هذا المبدأ مطابقاً تماماً لـ فيا التي أنجبت رون التعديل والارتقاء بداخل الماضي. فبداخل نظام الذهبية الذي يطمح رولاند لتأسيسه، سيسري الموت الطبيعي بالتساوي فوق الجميع، حتى لو استدعى لاحقاً أنصاف الآلهة كمالينيا، ورادان، ومورغوت.

ونهض ومد يده بود: “وإن تعرضتِ بداخل أي يوم للتمييز بداخل السلالة الذهبية، فإن بوابات الإمبراطورية المقدسة ستظل مفتوحة لكِ دائماً”. ضحكت فيا بخفة وقالت: “إن حل ذلك اليوم، فأرجو ألا يبتعد سمو الأمير نويل عني لاستخدامي لسحر الموت”. هز نويل رأسه: “بالتأكيد لا؛ فإمبراطوريتنا تتسم بالتسامح، ونحن نؤمن بأن الشخص الذي يستخدم القوة، وليس بالقوة ذاتها”.

 

وجعد نويل حاجبيه وقال: “نعم، لقد لقي بضعة سحرة حتفهم بالفعل. غير أنني أود الاستفسار منكِ يا آنسة فيا: ما طبيعة تلك الأشواك السوداء الخبيثة التي تخترق الأجساد؟ وكيف تستطيع اللعنة تآكل الأختام السحرية؟”.

فهؤلاء الخالدون الذين عاشوا لآلاف السنين بداخل المنطقة الحدودية دون هرم، سوف يفنون بسلام بداخل يوم من الأيام، ولن تكون هذه النهاية بائسة، بل سيتولى أحفادهم ونسلهم مواصلة المسيرة لضمان ارتقاء وتطور نظام الذهبية. وكان هذا المبدأ ينطبق بصفة قاطعة فوق نسل رولاند نفسه. فلو أضحى عمر الجميع أبدياً بفعل البركة الذهبية، لركدت السلالة الذهبية وتدهورت بداخل مستنقع الفساد، ولتكررت ذات المأساة التي شهدتها المنطقة الحدودية.

 

 

وتحت سطوة البركة الذهبية، حظوا بأزمنة هائلة للاستمتاع بالحياة، غير أن تحطيم خاتم الدن حول تلك البركة لرعب مطلق مستحيل الهرب منه؛ حيث واجه الخالدون تعفن أجسادهم وتساقط أنسجتهم وتآكل عظامهم بواسطة الديدان، ليتحول البقاء لعذاب دائم. وبناءً فوق ذلك، فقدوا صوابهم وطمحوا للموت، وألقوا بأجسادهم بداخل المستنقعات الحارقة أو النيران بحثاً عن الفناء.

وفكر رولاند في أن تحطيم الملكة ماريكا الأبدية لخاتم الدن كان يهدف بالأساس للتمرد على الإرادة العظمى وتفادي ركود المستقبل. وبالفعل، فقد مرت ألف عام بداخل المنطقة الحدودية بدون تفاصيل جديد، وعجز أنصاف الآلهة عن حسم النصر حتى وصول الشخصية المحورية. وعندما سمعت فيا أهداف رولاند الصادقة بخصوص الشريعة والنظام الذي يطمح لتأسيسه، انجذبت لغايته فوراً.

وبعد أن أنهت فيا حديثها واستغرقت في التفكير، نطق دي بسخرية وازدراء: “إنها مجرد لعنة تلوث الشجرة الذهبية، أهناك حاجة كل هذه التعللات والتغطية يا آنسة فيا؟”. وانتبه نويل فوراً لحديث دي وتطلع نحو فيا بانتظار إجابتها. فقد كان وجود الشجرة الذهبية فوق أراضي السلالة الذهبية معروفا لكافة الدول، وجعلهم يفترضون وجود صلة بين السلالة الذهبية وعرق الجن، غير أن جن مملكة أغنية القمر نفوا ذلك. ورغم جهلهم بخصائص الشجرة الذهبية، إلا أن معرفة ثغرة أو طريقة لإيذائها ستكون بمثابة خطة احترازية استثنائية لو تحولوا لأعداء بداخل المستقبل.

 

 

وكان إرسال رولاند لـ فيا بداخل هذه المهمة للإمبراطورية د المقدسة يهدف لإظهار أن السلالة الذهبية ليست بكتلة موحدة، بل تحوي تباينات داخلية. ففي ظل انتصارات رولاند المتتالية، كان من الطبيعي تزايد حذر وخوف الدول الأخرى منه. ولذا تعمد كشف بعض النقاط الداعمة للسيطرة بداخل تنظيمه، ليدفع الممالك الأخرى لتوجيه جهودها بداخل دراسة تلك الثغرات بدلاً من تصادم المباشر معه.

تنهد نويل وقال: “أنا أستوعب ذلك، وأنتِ على حق… غير أنني أخشى أن شقيقي الأكبر لن يكون مسروراً بهذا التوقيت”. رفعت فيا عينيها الخضراوين المشرقتين ونظرت نحو نويل بحيرة متسائلة.

 

فقد تشتت تركيزه سابقاً بسلاح شقيقه الأصغر الذي كان يستخدمه فارس الموت، وبوغت عندما هاجمته تلك المرأة.

والآن، كانت فيا تنفذ خطة رولاند بدقة متناهية. وقال نويل بتفهم واستيعاب: “أرى ذلك الآن… فلا عجب أن تشريح جثامين الجنود الذين اخترقتهم الأشواك أظهر امتصاص طاقة حياتهم كلياً بواسطة قوة غامضة”. واسترخت حواجب الأمير الثاني، وابتسم بارتياح بعد كشف هذا السر الداخلي لـ السلالة الذهبية.

 

 

وقالت فيا باعتذار: “بناءً فوق ملامحك، أخشى أن بعض سحرتكم قد لقوا حتفهم بالفعل جراء تفحصها، وأنا أسفة للغاية لما حدث… غير أنني بحاجة لتنبيهك بأن مجرد التعاويذ الختك تعجز عن إيقاف تلك اللعنة؛ إذ إن اللعنة تمتلك القدرة على التآكل التدريجي للختم السحري”.

وقال نويل: “آنسة فيا، أنا ممتن لشرحكِ الصريح، وبما أن تلك الأسلحة تمتلك هذا الخطر، فسأرافقكِ لغرفة الأختام فوراً لنقلها”.

ونهض ومد يده بود: “وإن تعرضتِ بداخل أي يوم للتمييز بداخل السلالة الذهبية، فإن بوابات الإمبراطورية المقدسة ستظل مفتوحة لكِ دائماً”. ضحكت فيا بخفة وقالت: “إن حل ذلك اليوم، فأرجو ألا يبتعد سمو الأمير نويل عني لاستخدامي لسحر الموت”. هز نويل رأسه: “بالتأكيد لا؛ فإمبراطوريتنا تتسم بالتسامح، ونحن نؤمن بأن الشخص الذي يستخدم القوة، وليس بالقوة ذاتها”.

 

 

 

وقالت فيا باهتمام: “كلماتك هذه تؤثر بي حقاً؛ فلو كانت السلالة الذهبية تنظر للقوى بمثل هذا التسامح، لكانت نهضتها أسرع بكثير”. ووضعت يدها بداخل كف نويل لتنهض عن الكرسي. وتطلع نويل لنحوها وسألها باقتضاب: “بناءً فوق نبرتكِ يا آنسة فيا، يبدو أن هناك رفاقاً آخرين يتعرضون للتمييز بداخل سلالتكم لاستخدامهم قوى مختلفة؟”.

 

 

“كل هذا بسبب تأخري عن الموعد مما جعل السيد دي غير مسرور”، أخذ نويل اللوم على نفسه، ثم تظاهر بالضيق ونظر نحو خادمه قائلاً: “لماذا لا تسارع بإحضار بعض الشاي الساخن والمعجنات؟ لو علم الخارجيون أن عائلة لاتور تقدم الشاي البارد لضيوفها الأعزة، أفلن يضحكوا على افتقارنا للنبالة واللباقة الملكية؟”.

ابتسمت فيا وقالت: “هذا السؤال يمس الخصوصية الداخلية لـ السلالة الذهبية يا سمو الأمير نويل”. وغير أنها أكملت بغير تردد: “وعلى أية حال، ستعرفون هذه الأمور لاحقاً، فلا بأس بالإفصاح عنها؛ فعلى سبيل المثال، السحرة الذين يستخدمون السحر المشع والتابعين لعائلة كاليا الملكية يتنازعون دائماً مع المحاربين الذين يقدسون الشجرة الذهبية كدي، بينما بعض الفرسان المنفيين ذوي الدروع الفضية يقدسون التنانين الجبارة بدلاً من الشجرة الذهبية نفسها”.

ابتسمت فيا وقالت: “هذا السؤال يمس الخصوصية الداخلية لـ السلالة الذهبية يا سمو الأمير نويل”. وغير أنها أكملت بغير تردد: “وعلى أية حال، ستعرفون هذه الأمور لاحقاً، فلا بأس بالإفصاح عنها؛ فعلى سبيل المثال، السحرة الذين يستخدمون السحر المشع والتابعين لعائلة كاليا الملكية يتنازعون دائماً مع المحاربين الذين يقدسون الشجرة الذهبية كدي، بينما بعض الفرسان المنفيين ذوي الدروع الفضية يقدسون التنانين الجبارة بدلاً من الشجرة الذهبية نفسها”.

 

تنهد نويل وقال: “أنا أستوعب ذلك، وأنتِ على حق… غير أنني أخشى أن شقيقي الأكبر لن يكون مسروراً بهذا التوقيت”. رفعت فيا عينيها الخضراوين المشرقتين ونظرت نحو نويل بحيرة متسائلة.

وحفظ نويل كل كلمة تنقيلها فيا في عقله، ليتولى نقل تلك التقارير لوالده وجواسيسه لاحقاً. وكان هذا بالذات ما يطمح إليه رولاند؛ فإذا افترض الأعداء قدرتهم فوق تفكيك السلالة الذهبية باستغلال تلك خلافات الزائفة، فسوف يلقنهم رولاند درساً قاسياً ومؤلماً للغاية.

ونظر نويل لفيا بملامح تجمع بين الذهول والسخرية، ثم التفت نحو دي وروجر ليجد أن كلاهما لم يمد يده نحو الأطباق المغرية، بل وضعا أيديهما الخفية فوق مقابض أسلحتهما. وهز الأمير الثاني رأسه دون أن يتلفظ بشيء لطمأنتهم؛ إذ أدرك أن الشكوك بداخل هذه المواقف تصعب المحو بكلمات بسيطة. وبعد تناول ليونيل لقطعة الكعك، نطق بأربع كلمات فقط: “إنها لذيذة للغاية”، ولم يزد فوقها حرفاً.

 

وأمسك نويل بأطراف أصابع فيا، مما جعل ليونيل يطق بلسانه بذهول من هذا المشهد. وقاد نويل الوفد المشكل من فيا، ودي وروجر، ليونيل نحو المكتب.

 

 

وقال ليونيل، البطل ذو الشعر واللحية الرمادية والهيئة الهرمة، غير أن عينيه كانت تفيضان بالذكاء والحدة: “أقول إنه وجب عليك كبح حدتك والسيطرة على غضبك يا سيد دي التابع لنظام الذهبية”.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط