قرد سوروغا — الفصل الخامس
005 كان منزل كانبارو سوروغا يقع على بعد ثلاثين دقيقة تقريبًا بالدراجة من بوابة المدرسة، وهي المسافة ذاتها التي تقطعها ركضًا. فكرت في البداية أن تركب خلفي على الدراجة، لكنها رفضت بلباقة، مشيرةً إلى أن ركوب شخصين على دراجة واحدة أمر خطير ومخالف للقانون أصلًا. حسنًا، لا غبار على منطقها، وربما خشيت ببساطة أن تضطر للتشبث بي طوال الطريق. حينها اقترحت أن أمشي بجانبها وأنا أدفع الدراجة، أو أن أتركها في المدرسة، غير أن كانبارو طلبت مني ألا ألقي بالًا لها وأن أركب أنا. تساءلت عما تخطط لفعله، فأجابت ببساطة وبداهة تامة: «إذن، سأرشدك»، وانطلقت جارية على قدميها. وكما لاحظت حين كانت تلاحقني، بدا أن «الركض» بالنسبة لسوروغا كانبارو ليس سوى خيار تنقل عادي يتكافأ تمامًا مع «المشي» أو «الدراجة» أو «السيارة» أو «القطار»، وهو أمر نادر الوجود حتى بين الرياضيين المخضرمين. طَق، طَق، طَق، طَق، طَق، طَق… كانت ترشد دراجتي بإيقاع حيوي ومرن، بينما تزين يدها اليسرى ضمادة بيضاء ناصعة. وحين بلغنا وجهتنا، كانت تتعرق عرقًا خفيفًا فحسب، دون أن يضطرب لها نفس واحد. كان منزلًا يابانيًا تقليديًا مهيبًا، تفوح منه رائحة التاريخ بوضوح. وعلى الرغم من أن اللوحة عند البوابة حملت اسم «كانبارو»، مؤكدة لنا العنوان، إلا أن المكان تمتع بهالة ثقيلة جعلتني أتردد في الخطو نحوه. مع ذلك، لم يكن أمامي سوى الدخول. عبرت البوابة بشعور ملبس بالغرابة يشبه ذلك الذي ينتابني في الرحلات المدرسية للمقامات والمعابد، وسرت في ممر يطل على حديقة داخلية تقليدية، حتى أرشدتني إلى غرفتها وراء باب شوجي منزلق. … وما إن تجولت بنظري حتى تساءلت كيف لفتاة أن تسمح لطالب في السنة النهائية لا تربطها به معرفة عميقة بأن يطأ غرفتها بهذه الهيئة. الفراش ملقى دون طي، الملابس مبعثرة في كل مكان (بما فيها الملابس الداخلية)، الكتب بمختلف تصنيفاتها من مقررات وروايات ومانغا مفروشة على وجهها فوق الأرض، صندوق كرتوني ضخم يلائم المستودعات مكدس في إحدى الزوايا، والأنكى من ذلك كله أن القمامة لم تستقر في سلة مهملات قط، بل نثرت بعشوائية تامة على حصائر التاتامي، محشوة في أكياس بلاستيكية مستعارة من السوبرماركت أو متروكة على حالها. بل بدا أن مفهوم «سلة المهملات» كوعاء مخصص للقمامة مفقود كليًا من القاموس المكاني لهذه الغرفة، رغم مساحتها الشاسعة التي تتجاوز مائتي قدم مربعة، إذ لم يكن هناك موضع لقدم واحدة. «أعتذر عن هذه الفوضى.» قالتها سوروغا كانبارو بلهجة حاسمة وابتسامة بريئة، واضعة يدها اليمنى على صدرها. ربما كانت الكلمات ملائمة للموقف نظريًا، لكنني اعتدت أن تُقال على سبيل التواضع حين يدعو المرء أحدهم لغرفة مرتبة ولو بدرجة مقبولة. أعالي الغرق ودرك الحريق! يا له من وصف دقيق. يا إلهي… حتى المستلزمات النسائية الخاصة كانت ملقاة هناك… خفضت بصري آليًا. لو واصلت التحديق، لظهرت خبايا أخرى يُفضل ألا تُرى أبدًا. الثقة بالنفس صفة محمودة، لكن قلة الحياء شيء آخر يا سوروغا كانبارو… آه. أليس هذا الشبه ينطبق تمامًا على سينجوغاهارا أيضًا… صحيح أن غرفة سينجوغاهارا لم تكن تضم ذرة غبار واحدة… لكن يبدو أن التأثير الهائل الذي تركته سينجوغاهارا على كانبارو في المرحلة المتوسطة لم يقتصر على الشخصية فحسب، بل امتد ليفسد طباع كانبارو برمتها. «لا داعي للتواضع المصطنع»، حثتني مضيفتي قائلة: «أعلم أن ترددك في دخول غرفة فتاة لا تعرفها جيدًا ينم عن رهافة حس محببة، لكن الظرف الحالي لا يحتمل هذه المجاملات». «…كانبارو.» «نعم؟» «أدرك تمامًا أن الوقت ليس مناسبًا، لكن… أرجوكِ، لدي طلب.» «تفضل. اطلب ما تشاء. فلستُ في موقع يتيح لي رفض أي طلب منك.» «أريد ساعة واحدة فحسب، لا بل ثلاثين دقيقة… امنحيني بعض الوقت لترتيب هذه الغرفة. وأحضري لي كيس قمامة كبيرًا.» لم أكن مهووسًا بالنظافة… ولم تكن غرفتي نموذجًا للترتيب، لكن هذا المشهد كان مروعًا بل وقاسيًا. بدت كانبارو مذهولة وكأنها لا تستوعب كنه ما أتحدث عنه، لكن ذلك تعنى بوضوح أنها لا تملك سببًا مقنعًا للرفض. وافقت قائلة «حسنًا إذن»، وذهبت لجلب كيس القمامة. لم يكن الدمار الذي حل بغرفة كانبارو شيئًا يمكن إصلاحه في غضون ثلاثين دقيقة قصيرة،ناهيك عن أن هذه في النهاية غرفة فتاة لا تربطني بها معرفة قوية، مما يعني وجود حدود أخلاقية صارمة تحتم عليّ الابتعاد عن لمس بعض الأغراض. لذا اقتصر جهدي على جمع القمامة المبعثرة وترتيب الكتب والمجلات (أو هكذا ادعيت، ففي غياب أرفف الكتب، اكتفيت بتكديسها فوق بعضها حسب الحجم). كان جهدًا منقوصًا يشبه كنس رقعة صغيرة في غرفة واسعة، لكن ما إن طويت الفراش وأودعته الخزانة، وجمعت الملابس المبعثرة في زاوية الغرفة (إذ خلت تمامًا من الشماعات فضلًا عن خزانات الملابس)، حتى أصبح المنظر محتملًا ومقبولًا، ووفرت مساحة تكفي لنجلس أنا وکانبارو وجها لوجه لنتحدث. «هذا مذهل يا أراراغي سينباي! إذن هكذا يبدو لون حصائر التاتامي في غرفتي. أتساءل كم من السنين مرت منذ آخر مرة رأيت فيها الأرضية.» «أحقًا تحسبين الأمر بالسنوات…؟» «أنا ممتنة لك حقًا.» «…حين ينتهي كل هذا، دعينا نقضِ يومًا كاملًا… بل سأبيت هنا لعدة أيام، لننظف هذه الغرفة تنظيفًا يليق بها. المرة القادمة سأحضر معي ترسانة من أدوات التنظيف الفعالة، كالمحاليل ومزيلات البقع، اتفقنا؟» «آسفة لأنني أزعجتك بكل هذه التفاصيل. فكرة الترتيب، والتنظيم، واللمسات الأخيرة وما شابه، كلها أمور أعجز عن إتقانها، وما كرة السلة إلا المهارة الوحيدة التي أُحسنها.» «……» كانت ترمقني بابتسامة واسعة مفعمة بالثقة لدرجة أفقدتني الكلام… طوال تلك الدقائق الثلاثين، وقفت في الممر شاردة ومكتوفة الأيدي دون أن تبدي أدنى نية للمساعدة. لم أظنها كفلة أو كسولة، بل كانت ببساطة عاجزة تمامًا عن ترتيب محيطها. ومع ذلك، رغم أنه أمر لا يعنيني، إلا أن هذا المشهد كان من المفترض أن يُحجب عن أعين طلاب المدرسة الذين يعدونها نجمة لامعة. هل عسى أن تكون قد استضافت أحدًا من زملائها هنا؟ الأصدقاء أهون، أما إن دعت أحد صغار النادي الرياضي، فقد تصيبهم بصدمة نفسية لا تُنسى. من بين الأغراض التي حشوتها في أكياس القمامة كانت علب المشروبات الفارغة، وأغلفة الحلوى، وأكواب النودلز السريعة… ما الذي تفعله رياضية بمستوى وطني وهي تقتات على هذه الأشياء؟ أدرك تمامًا أن الغرابة قد تضفي على المشاهير جاذبية إضافية، لكن الأمر تجاوز كل الحدود هنا. مهما حاول المرء، يصعب عليه إيجاد أي ذرة من «اللطف» في شخصية كهذه… «إذن──» كنا على موعد مع الغد. اليوم التالي للجمعة، بعبارة أخرى. يوم السبت. بينما اعتاد المجتمع بأسره على عطلة نهاية الأسبوع المؤلفة من يومين، تصر مدرستنا، ثانوية ناوئيتسو الخاصة العريقة، على عقد الدروس حتى أيام السبت. وحين أقبل اليوم الجديد دون أن أتوصل إلى أي استنتاج حاسم، استغليت فترة الاستراحة بين الحصة الأولى والثانية لأتوجه نحو مبنى طلاب السنة الثانية. ولم تكن هناك حاجة للاستفسار عن صفها، فهي نجمة لامعة. الصف الثاني، الشعبة الثانية. وما إن ظهر طالب من السنة الثالثة في رواقهم حتى تعالت الهمسات بفضول (وهو شعور مألوف ومنعش في آنٍ لمن تجاوز تلك المرحلة)، لكن كانبارو وكما هو عهدها، تقدمت بخطى واسعة وواثقة نحوي وأنا أترقبها في الرواق. «أهلاً بك يا أراراغي سينباي.» «أهلاً يا كانبارو. هناك أمر أود مناقشته معك.» «حسنا. إذن»، أجابت دون تردد وكأن كل شيء كان مرتبًا سلفًا، «تعال إلى منزلي بعد المدرسة.» وهناك… وجدتُ نفسي في منزلها، ذلك القصر الياباني المهيب. لم تكن هناك حاجة لتكبد عناء الذهاب إلى هناك إن كان حديثنا مقتصرًا على الكلام. فقد كان بوسعنا التحدث في صف فارغ، أو على السطح، أو في الملاعب، أو حتى في مطعم وجبات سريعة قريب إن أردنا مكاناً خارج أسوار المدرسة، وهذا ما أخبرتها به بالفعل، لكن كانبارو أصرت على أن يكون اللقاء في منزلها لسبب ما. وإن وُجد سبب، فليس علي سوى الامتثال. دون أن أتكلف عناء السؤال. «إذن»، بدأت قائلة: «من أين أبدأ حديثي؟ كما ترى، أنا لسْتُ ماهرة في التعبير بالكلمات، ولا أجيد الأساليب المتبعة في مواقف كهذه، ولكن…» أعادت كانبارو تقاطع ساقيها بسرعة، ثم انحنت برأسها باحترام: «أود الاعتذار عما بدر مني ليلة أمس.» «آه…» مررت يدي على بطني التي استعادت عافيتها خلال يوم كامل، رغم أن ألمًا خفيفًا ظل ينبض في الأعماق، ثم أومأت برأسي: «إذن، كنتِ أنتِ بالفعل.» معطف المطر. القفازات المطاطية، والجزمة. كلها كانت… مستقرة مع بقية الملابس التي رتبتها قبل قليل. ولا داعي لقول المزيد. «”أنتِ بالفعل”، هكذا إذن»، رددت كانبارو خلفي قائلة: «لا أعرف كيف أتعامل مع أسلوبك أحيانًا. أنت متواضع للغاية. لقد اكتشفت الحقيقة كاملة، أليس كذلك؟ وإلا لما عكست اتجاهك نحوي.» «ليس تمامًا… مجرد تخمينات مبنية على بنيتك الجسدية وهيئة قوامك. أضفت بعض المعطيات، كحقيقة علمك بأنني بصدد زيارة سينجوغاهارا لجلسة دراسية، وربطت الخيوط ببعضها… وإن كنت قد أخطأت، فلن يترتب على ذلك كارثة.» «حسناً، فهمت. يا لك من فطن!» بدت متأثرة بصدق. «يقال إن بعض الفتيان يمتلكون قدرة على تمييز الفتيات من شكل خصورهن، هل كانت تلك إحداهن؟» «أبعد ما يكون عن ذلك!» كيف لي أن أميز شيئًا وهي ترتدي معطف مطر فضفاض؟! «أعتذر بشدة. لم أكن أقصد التمادي.» انحنت كانبارو مجددًا. بدت صادقة ومخلصة تمامًا في عيني. ولكن إن لم تكن تقصد التمادي… فما الذي كانت تطمح إليه إذًا؟ لقد كان هجومًا سافرًا عليّ… أم أن ذلك لم يكن متعمدًا بدوره؟ «حسنًا»، قلت متهكمًا، «الاعتذار مقبول، لكن ما كنت أرغب بسماعه حقًا هو مبررك. في الواقع… يمكننا تخطي المبرر.» مبررها. لم أكن جاهلاً به تمامًا. ولم أسع لتكراره عبثًا، لكنه كان الخيط الرفيع الذي قادني للتيقن من أن صاحبة معطف المطر لم تكن سوى كانبارو. بيد أن… «مهما يكن، تلك القوة، تلك القوة الخارقة الشاذة…» قوة شاذة. شذوذ بمعناه المطلق. قوة سحقت دراجتي كأنها ورقة. وهدمت جدارًا خرسانيًا بضربة واحدة. وأوشكت أن تودي بحياة إنسان وتمزّق أحشاءه… «هذا ما أود الاستفسار عنه»، تابعت حديثي: «ما الذي… كنتِ تفعلينه بحق…» «آه. تساءلت من أين أبدء، ويبدو أن نقطة البداية هنا هي الأنسب. حسنًا… لكن قبل كل شيء، يا أراراغي سينباي، أود أن أطرح عليك سؤالاً: هل أنت من طينة البشر القادرين على تقبل الغريب واللامعقول؟» «اللامعقول؟» إذن… آه، فهمت. كانبارو لم تكن على علم بطبيعة جسدي الحالية. ذلك الجسد الذي كان خالدًا في يوم ما، ورغم الضرر البالغ الذي لحق بي ليلة أمس، إلا أن جروحي لم تلتئم بسرعة خارقة مرئية للعين المجردة، لذا استحال عليها معرفة الحقيقة. من هنا جاءت مقدمتها الاستباقية… لا، ليس هذا فحسب. وحتى إن جهلت أمري، فهي على دراية بسينجوغاهارا، إذ أدركت سرها الغريب قبل أن أعرفه أنا. وبما أنني حبيب سينجوغاهارا، فقد افترضت حتمًا أنني مطلع على ذلك السر الخارق للطبيعة… ولهذا ربما كانت تختبر مدى تقبلي في هذه اللحظة بالذات. «ألا تسعفك بصيرتك؟» سألتني قائلة: «سؤالي بكل ببساطة هو: هل تمتلك القدرة على تصديق ما تطؤه عيناك حقًا؟» «أنا أؤمن بما تراه عيناي فحسب. ولهذا صدقت كل ما شهدته، وينطبق ذلك بالطبع على سينجوغاهارا.» «…أهكذا إذن، لقد بلغت بك الإحاطة هذا الحد؟» وبدلا من أن تبدو مرتبكة أو مذنبة، تابعت قائلة: «ولكن، أرجو ألا تسئ فهم مقصدي. لم أكن أتعقب خطاك في الأيام الأخيرة رغبة في سبر أغوار علاقتك بها.» «هاه؟ ألم تكوني تفعلين؟» كنتُ جازماً في استنتاجي. ألم تكن تحاول التحقق من حقيقة الشائعات التي تربط بين كويومي أرارغي وهيتاغي سينجوغاهارا؟ وعندما تنامى إلى علمها أنني سأتوجه إلى منزل سينجوغاهارا لجلسة دراسية فردية، ألم يكن ذلك هو الدافع الذي حسم شكوكها؟ ربما كنت محقًا في قراءتي للموقف، ولكن… هل وراء هذا التتبع سبب آخر مستقل؟ «أنت وسينجوغاهارا كنتما تلقبان بـ “ثنائي فالهالا”؛ أنت كنجوم لكرة السلة وهي كنجمة لألعاب القوى، وقد وصلني صدى ذلك.» «أجل، تمامًا. مذهل أنك تملك كل هذه التفاصيل يا أراراغي سينباي! لقد أدهشتني حقًا. ظننت أنني رفعت سقف تقديري لك إلى أقصى مداه، لكن يبدو أنني استخففت بك مجددًا. يستحيل على معاييري المحدودة أن تقيس حجمك الحقيقي. وكلما اقتربت منك، كلما شعرت بأنك تبتعد أكثر في آفاق أرحب.» «…هذا ما أخبرني به أحدهم، لا أكثر.» رغم كل هذه المديح المنمق، لم تكن تبدو كالمتزلفين، بل بدت وكأنها عمل فني متقن بذاته. «وطريقة صياغة اللقب أيضًا»، أضفت، «إنها تسمية ذكية ومحبوكة للغاية.» «أليس كذلك؟ أنا من اخترعته بنفسي.» أشاحت بصدرها بافتخار. … هي من اخترعته بنفسها. لم أشعر بمثل هذا الانقباض العاطفي منذ مدة طويلة… «أمعنت التفكير مطولاً قبل الوصول إليه. وبالمناسبة، اقترحت لقبًا شخصيًا لنفسي وهو “سوروغا السريعة ليلًا”، لكنه للأسف لم يلق أي رواج.» «وأنا أشعر بخيبة أمل بالغة بدوري.» «حقًا؟ أتتعاطف معي؟» بالتأكيد. شفقة على ذوقك الفني المنعدم. «يا لك من سينباي رحيم القلب. بالطبع، الآن بعد أن نطقت به، أدركت أنه كان أطول من أن يصلح كلقب متداول، فلا عجب أنه لم ينتشر.» «لا أظن أن مشكلته الكبرى كانت في الطول وحده…» أظن أن كانبارو حظيت بصحبة رائعة للغاية خلال أيام المرحلة المتوسطة. بمن فيهن سينجوغاهارا في ذلك الزمان… «إذن، دعنا من ثنائي فالهالا جانبًا»، واصلت حديثها، «وبصرف النظر عن فطنتك الحادة التي قد تجعل شرحي مجرد إزعاج لك، فقد كانت سينجوغاهارا وأنا في المرحلة المتوسطة… لا، قبل أن أخوض في ذلك، هناك ما أود منك أن تراه أولاً. لهذا السبب بالذات طلبت منك اقتطاع وقتك الثمين والتجشم للمجيء إلى هنا.» «تريدين إطلاعي على شيء ما؟ آه، فهمت. ألهذا السبب تعذر الحديث في المدرسة واقتضى الأمر حضورنا إلى هنا؟» «لا، ليس لهذا السبب فحسب، بل لأن الأمر يلفت الأنظار في المدرسة، أو بالأحرى… كنت أرغب في تفادي أعين البشر قدر الإمكان. لم أكن أود أن يرى ذلك شخص آخر.» وقالت هذا── ثم شرعت كانبارو في فك الضمادة البيضاء الناصعة التي تلف يدها اليسرى. حلت المشبك وبدأت بفك اللفات الكثيفة تدريجيًا من جهة الأصابع… وتدفق شريط الذاكرة. أحداث الليلة الفائتة. سحق الدراجة، تهشيم الجدار الخرساني، وتمزيق أحشائي الداخلية… كل ذلك صدر عن قبضة يدها اليسرى تلك. «بصراحة، لست مسرورة بإشراك أحد في رؤية هذا. فأنا فتاة في النهاية، بطريقة ما.» انحلت الضمادة تمامًا، وشمرت عن كم زيها المدرسي. وما انكشف أمامي، ممتدًا من عضد كانبارو النحيف والناعم كأي فتاة عادية، ومن أسفل مرفقها صعودًا… كان يدًا يسرى عظمية الشكل، تكسوها خصلات شعر أسود كثيف تليق بالوحوش المفترسة. تلك التي سبق وأن لمعت من خلال الثقوب المهترئة في قفازها المطاطي. رذاذ رائحة الوحش. «هكذا هي الحالة إذًا.» «……» لم تكن مجرد قفاز تنكري أو دمية متحركة من دمى “مابيت”، بل كانت يدًا حقيقية تمامًا. طولها ونحافتها كانا خارجين عن المألوف البشري، وحتى لو تجاهلت مظهرها، فقد شهدت خلال عطلة الأسبوع الذهبي كيانًا يشبهها إلى حد بعيد ويختلف عنها في الآن ذاته… ولهذا أدركت كنهها الفعلي. أدركت أنها لم تكن سوى كائن شاذ. شذوذ. وحش بري… وإن طُلِب مني تحديد فصيلته، لما استطعت إسقاطه على أي حيوان معروف بعينه. بدت وكأنها تجمع ملامح شتى الكائنات دون أن تنتمي لأي منها. لكن إن أجبرت على التخمين بناءً على أصابعها الخمسة المتناسقة ببراعة وأظافرها الحادة… رغم أنني أستبعد تمامًا صلاحية هذا الوصف لجزئية من جسد فتاة. «يد قرد.» تلفظت بها. «تشبه… يد قرد.» القرد؛ التسمية العامة لكل الرئيسيات من الثدييات باستثناء البشر. «آه.» لسبب ما── أشرق وجه كانبارو بإعجاب وانبهار واضح. ثم صفقت بيديها على ركبتيها المتقاطعتين بخفة. «يمتلك أراراغي سينباي بصيرة نافذة لا تُقاس حقًا! أذهلتني تمامًا، فعينك لا تشبه عيون الآخرين. أن تدرك حقيقة هذا الكيان بنظرة واحدة أمر يغمرني بالذهول. يبدو أن ذخيرتك العلمية تفوق بمراحل إمكانيات شخص عادي مثلي── ما يعني على ما أظن أن الشرح الإضافي قد غدا نافلة من القول؟» «إياك أن تستنتجي من تلقاء نفسك!» لو توقفتِ عن الشرح هنا، فستميتينني بنيران الفضول! «كل ما في الأمر أنني عبرت عن انطباعي الفوري مما تراه عيناي، ولم أكتشف أي سر دفين.» «أحقًا؟ إنها عنوان قصة قصيرة لـ ويليام ويمارك جاكوبس── “يد القرد” (The Monkey’s Paw)، لذا فهي ترجمة حرفية دقيقة. ومفهوم اليد بحد ذاته استُهلك في شتى أنواع الفنون والإعلام وتفرع لسيناريوهات لا حصر لها، لكن…» «لم أسمع بها قط.» قلت بصدق. «حقًا؟» ردت كانبارو: «أن تصل إلى الحقيقة المطلقة هكذا بحدس خالص دون مقدمات، يجعلني أظن أن أراراغي سينباي محظوظ برعاية سماوية ما. لقد التقطت الجوهر بلا منطق يذكر!» «…حسنًا، حظي دائمًا بسمعة طيبة فيما يتعلق بالحدس.» «كنت واثقة من ذلك! وأنا فخورة بنفسي حقًا. صحيح أنني لا أبلغ مستواك، لكن ثقتي بك وحدسي الذي دفعني لاحترامك لم يخيلا ظني.» «جيد حقًا…» أظن بوصلتك موجهة في الاتجاه الخاطئ تمامًا، لكن لا بأس. أمعنت النظر مجددًا نحو يد كانبارو اليسرى. يد الوحش… يد القرد. «أ… أيمكنني لمسها؟» «تفضل. لا مانع في ذلك الآن.» «أ… فهمت…» بإذن منها، مددت يدي بحذر نحو معصمها── ولمسته ببطء. بحذر وخشية. الملمس، كثافة اللحم… حرارة الجسد، والنبض الحقيقي. إنها حية. هذا الشذوذ… كائن حي ينبض بالحياة بالفعل. …إذن، حتى سوروغا كانبارو التي لم تكترث برؤيتي لغرفتها الكارثية، كانت تتحفظ بشدة على إظهار ذراعها اليسرى هذه… بالطبع، تذرعها بالإصابة العضلية أثناء التدريب الفردي لم يكن سوى كذبة محبوكة للتغطية. لم تكن الضمادة للوقاية بل للإخفاء… وقد بدا لي مريبًا من الأساس كيف أنها لم تبد أي رغبة في حماية جانبها الأيسر رغم ادعائها الإصابة… لكن تبني دور العارف بعد فوات الأوان لا قيمة له. ومع ذلك. باستخدام تلك اليد اليسرى، يستحيل عليها بالتأكيد ممارسة كرة السلة مجددًا. ودون أن أعي. قبضت على معصمها بضغط محكم── «آه، نـ… آيا!» «إياك أن تطلقي أصواتًا مريبة!» أفلت يدها مفزوعًا. «لأن أراراغي سينباي لمسني بطريقة غريبة.» «لم ألمسك بأي طريقة غريبة على الإطلاق!» «أنا حساسة جدًا تجاه الدغدغة.» «حتى لو كان الأمر كذلك، فلا تطلقي أصواتًا تنسف كل ما بنيته من هيبة لشخصيتك فجأة هكذا…» وحين أسترجع الذاكرة، فإن سينجوغاهارا قد مارست معي الحيلة ذاتها في مناسبات عدة. بالطبع، اختلف الغرض والأسلوب تمامًا عن سينجوغاهارا الحالية، لكن حقيقة اقتباس كانبارو لتلك الحركة تعني أن أساليب سينجوغاهارا المعهودة قد ترسخت في نفسها منذ أيام المرحلة المتوسطة… «قد تكونين نسيت يا كانبارو، لكن هذا منزلك وغرفتك أليس كذلك؟ لو سمعك والداك تطلقين صوتًا كهذا، فما الذي سيفعلانه بي؟» «آه، لا تقلق بشأن ذلك»، قالت كانبارو بمرح: «لا داعي للقلق بخصوص والديّ أبدًا.» «…إن كان الأمر كذلك، فلا بأس.» هاه؟ ما هذه الصراحة المطلقة وكأنها تقفل الباب أمام أي تساؤلات أخرى؟ إنها تتلفظ بما ينسف هيبتها المعتادة بذات النبرة المرحة. حسنًا، سارعت كانبارو إلى إعادة ضبط محور الحديث، وهي تفتح وتغلق كف يدها اليسرى: «كما ترى، إنها تتحرك وفق إرادتي الآن… لكن، توجد أوقات تعصاني فيها. لا، ليس ذلك فحسب، بل تبدأ بالتحرك على غير رغبتي، أيمكن قول ذلك؟» «على غير رغبتك؟» «لا، ليس الرغبة فحسب، بل الأفكار والمشاعر أيضًا… أمم، يصعب شرح الأمر. ربما لأنني أحاول توصيل ما أجهله بنفسي، فيخرج الكلام مبهمًا… باختصار يا أراراغي سينباي: الكائن الذي هاجمك ليلة أمس كنت أنا بلا شك، لكن ذاكرتي عن تلك اللحظات شحيحة للغاية.» تابعت كانبارو قائلة: «بين اليقظة والحلم، كأنني أعيش في غشاوة… لا أنكر أنني أتذكر شيئًا ما، ولكنه يبدو كعرض مرئي على شاشة تلفزيون أقف أمامه عاجزة عن التدخل…» «غيبوبة الاستحواذ (Trance).» قاطعت استرسالها قائلاً: «هذه الحالة… أعرفها تمامًا. الكيانات الشاذة التي تتلبس الأجساد البشرية تنتهك العقل والروح بصلافة.» لم يكن الأمر هكذا في حالتي… لكنه كان عين ما حدث مع هانيكاوا وتصرفاتها تحت تأثير قطة تسوباسا هانيكاوا. لهذا السبب لم تتذكر شيئًا تقريبًا عما دار خلال الأسبوع الذهبي حين احتكت بذلك الشذوذ. وتبدو هذه الحالة قريبة الشبه بذلك تمامًا… فقد رافقها تغير بنيوي في جسدها أيضًا… «ما أوسع معارفك يا سينباي أراراغي! إذن فلتلك الظواهر مسمى محدد وهو الكيانات الشاذة…» «لست خبيرًا بالمعنى المفهوم، لكن لسبب ما تكررت اصطداماتي بتلك الأمور مؤخرًا، وهناك شخص ملم تمامًا بهذه الخبايا…» أوشينو. هذا بالكامل… ميدان أوشينو الخالص. «──موجود بالفعل.» «نعم. فمن حسن حظي أنك شخص منفتح ومتفهم. لو أنك فررت هاربًا فور رؤيتك لهذه الذراع، لما أمكننا إجراء هذا الحوار، وربما جرح ذلك مشاعري عميقًا.» «لحسن حظي أنني اعتدت التعامل مع اللامعقول، فلا تقلقي. واللامعقول… يشمل سينجوغاهارا بالطبع.» بهذا المعدل، ربما كان لزامًا علي أن أقص عليها لاحقًا كيف تحولت لفترة وجيزة إلى مصاص دماء… ورغم أن الواجب الإنساني يفرض علي توضيح ذلك أولاً، إلا أن الغموض ما زال يكتنف الكيان الشاذ القابع في يد كانبارو اليسرى. «رغم ذلك، اعترف بأنني تفاجأت قليلًا. ولو استخدمت مصطلح صديقتي في الصف الخامس لقلت إنني صُدمتُ تمامًا. لكنك قدمت لي الصدمة الكبرى في مستهل الحديث، لذا فأنا واثق من أن أي قصة أخرى لن تفاجئني بعد الآن.» «أهكذا إذن؟ بالطبع، لهذا السبب حرصت على أن ترى ذراعي أولاً؛ لقد تخلصت من العقبة الأكبر في البداية. إذن، اسمح لي أن أنتقل إلى صلب الموضوع.» وابتسمت كانبارو وهي تتابع: «أنا مثلية.» «……» تعثرت في وقفتي. وسقطت على وجهي تمامًا كشخصيات مانغا فوجيكو فوجيو. «آه، نعم.» وحين رصدت ردة فعلي، أمالت رأسها وقالت: «بما أنك رجل، ربما بدا اللفظ فجًا بعض الشيء. إمـ…» «دعني أصوغها بشكل أدق: أنا يوري (مُحِبّة للفتيات).» «إنه المعنى ذاته تمامًا!» صرخت بأعلى صوتي محاولًا استعادة توازني العقلي. ما هذا؟ ما الذي يجري هنا؟ ماذا تعني هذه الخاتمة؟ إذن، سينجوغاهارا التي كانت معها في ثنائي فالهالا أيام المتوسطة؟ هل كانت علاقتها بها على هذا النحو؟ وسينجوغاهارا التي كانت تناديها بـ «تلك الفتاة»؟ هاه؟ أتكون تلميحاتها بالأمس عن أنها لم تنفصل عن أي فتى من قبل تعني هذا بالتحديد؟! «آه، لا، ليس الأمر كما تتخيل. مشاعري تجاه سينجوغاهارا كانت حبًا من طرف واحد فحسب. بالنسبة لي، كانت سينجوغاهارا نموذجًا للكمال وقدوة تحتذى، وكان مجرد وجودي بجانبها يكفيني ويغمرني بالسعادة.» «مجرد الوجود بجانبها يكفي…» تعبير جميل. حقًا إنه تعبير جميل للغاية. لكنها سبقت ذلك بالاعتراف بـ «حب من طرف واحد»، يا فتاة… هاتشيكوجي، أظن أن الجانب الأنثوي المتاخم لكيانك قد استخلص استنتاجًا خاطئًا تمامًا… لا، تمهل، لا ينبغي أن أرفض الأمور بعصبية عمياء. صحيح… قد تكون فتيات هذا الجيل هكذا على غير المعتاد. ربما تكون عقليتي هي البالية وحدها. لعل علي تبني نظرة أكثر مرونة وتحررًا. «فهمت، يوري إذًا…» «أجل، يوري تمامًا.» قالتها كانبارو وهي تبدو مغتبطة لسبب ما. ومع ذلك، ما هذا العالم… مصاص دماء، قطة، سلطعون، حلزون، رئيسة مجلس طلبة، فتاة مريضة، طفلة ابتدائية، آذان قطة، تسوندري، تائهة، وأخيراً يوري… ماذا يمكنني أن أطلق على هذا العالم؛ أهو مفعم بالتحديات، أم إنه نهم للغاية في تنوع قوالبه…؟ يفعل ما يشاء دون قيود. أتعلم سينجوغاهارا شيئًا عن حقيقة سوروغا كانبارو هذه…؟ بناءً على سياق كلام كانبارو، يبدو أنها تجهل ذلك تمامًا. حسنًا، سواء علمت أم جهلت، أظن أن أمرًا كهذا لم يكن يهم سينجوغاهارا في المرحلة المتوسطة في شيئ. نجمة ألعاب القوى، ونجمة كرة السلة. ثنائي فالهالا. «كانت سينجوغاهارا معشوقة الجميع، لكن مشاعري تجاهها كانت مختلفة جذريًا عن بقية العالم. ولي مطلق الفخر في ذلك. كنت مستعدة للتضحية بحياتي في سبيلها. نعم، إن جاز التعبير، كان الأمر أشبه بـ (Dead or I love) (إما الموت أو العشق).» «……» هاه… أمم؟ أهذه الدعابة تقع على الحد الفاصل بين الذكاء والسخافة؟ «همم، أعتقد أنني تفوهت للتو بعبارة عبقرية للغاية! الجناس المتقارب بين (I love) و(Alive) ينم عن ذكاء حاد، ألا ترى ذلك يا أراراغي سينباي؟» «بلى. في البداية بدت لي سخيفة، لكن بفضل شرحك التطوعي اللاحق، تأكد حكمي النهائي.» ليست موفقة بالمرة. مهما يكن. حثثت كانبارو على مواصلة سردها. «أما عن التتمة… لا أظن أننا نتحدث عن ماضٍ غابر فحسب، بل هي قصة متصلة بالحاضر بمدد لا ينقطع. وللحق، فإن اختياري لثانوية ناوئيتسو لم يكن سوى سعي وراء أثرها.» «يبدو منطقيًا… بعد سماع كل هذا، لم يعد الأمر مفاجئًا بل صار مفهومًا تمامًا.» خشيت أن أنطق بما يعرض زميلاتها في الفريق للإهانة فابتلعت كلماتي، لكن نجمة بحجمها في كرة السلة كان بإمكانها حصد توصية رياضية تنقلها لبيئة أكثر تنافسية وثراءً. ومع ذلك، لماذا اختارت ناوئيتسو، تلك المدرسة التي لا تعير النشاطات الرياضية أي اهتمام يذكر؟ ما الذي دفعها حقًا؟ إخلاص عارم. بل مبالغ في استقامته. «كنت منجذبة إليها لدرجة أنني لو عثرت على قطعة حلوى لعقتها هي، لكنت فعلت المثل بلا تردد.» «……» أهذا مثال سليم يُضرب على الملأ أصلاً؟ «ولكن يا أراراغي سينباي، تلك السنة التي تلت تخرجها من المرحلة المتوسطة… كانت سنة رمادية بحتة.» «رمادية حقًا.» «أجل. حياة يوري رمادية باهتة.» «……» أعجبك مصطلح «يوري» هذا حقًا، أليس كذلك؟ افعلي ما يروق لك. «لا أعني خلايا الدم الرمادية، بل حياة يوري رمادية.» «هذه بالتأكيد ليست صياغة ذكية بالمرة.» لا تحاولي حقن الدعابات عنوة في مجرى الحوار. فهي تفتر من حدة التوتر القائم بشكل ملحوظ. «كم أنت صارم يا أراراغي سينباي! هذه المعايير المتعسفة تمثل عائقًا منيعًا أمام طموحاتي. ولكن، حين أدرك أنك تفعل ذلك مصلحتي، أتقبل الأمر برحابة صدر، وهو أمر يدعو للدهشة حقًا.» «و… ماذا استجد في تلك الحياة اليوري الرمادية بعد ذلك؟» «أجل. طوال تلك السنة، تيقنت متأخرة بحجم الحضور الهائل الذي كانت تمثله في حياتي. وربما فاقت سنة الفراق تلك ثقل السنتين اللتين قضيناهما معًا. لهذا السبب، عقدت العزم على الاعتراف لها بمشاعري إن قُبلت في ناوئيتسو والتقيت بها مجددًا. وضعت ذلك نصب عيني وانهمكت في المذاكرة للامتحانات.» قالت كانبارو ذلك. وبدت كعادتها واثقة بنفسها، لكن وجنتيها كانتا مغلفتين بحمرة خفيفة؛ يبدو أنها كانت خجولة حقًا… يا له من أمر، إنها لطيفة بعض الشيء! حين كانت تتعقب خطاي لم أكن أرى سوى الإزعاج والارتباك، لكنني لأول مرة شعرت بأن سوروغا كانبارو هي بالفعل كوهاي لطيفة للغاية. آه، أخشى أن فرعًا جديدًا من «الموي» يسمى اليوري يبدأ يتبرعم داخل كياني الآن… هذه المشاعر كادت تنسيني أمر يد الوحش اليسرى تمامًا… لا، بل إن محور القصة الأساسي يكمن هناك… «لم تقتصر على الحلوى، بل العلكة! لدرجة أنني لو علمت أن سينجوغاهارا قد مضغت علكة ما، لابتلعتها بعدها مباشرة، إلى هذا الحد بلغ بي الهيام.» «مقاييسك معضلة حقيقية…» استخدمي تشبيهًا يستقيم مع المعنى. «لكن…» وهنا، انخفض صوت كانبارو بوضوح شديد: «لقد تغيرت سينجوغاهارا تمامًا.» «آه…» «تغيرت كليًا.» السلطعون. التقت بسلطعون── هيتاغي سينجوغاهارا. فقدت الكثير، تخلت عن الكثير، وأضاعت الكثير── ورفضت كل شيء. تمامًا مثل هانيكاوا، فإن من عرفها في المتوسطة سيصاب بالذهول لرؤية هذا التحول الجذري لدرجة تكذيب الحواس. فما بالك بمن كانت تقدسها كـ كانبارو… لا بد أن الانقلاب كان أسرع من أن يصدق. لدرجة التشكيك فيما تراه العينان. «سمعت أنها أصيبت بمرض عضال عقب التحاقها بالمرحلة الثانوية── وأنها غادرت فريق ألعاب القوى بسبب استمرار علاجها. إلى ذلك الحد كنت على علم بالقصة. لكنني لم أتخيل أبدًا أن يطال التغيير جوهرها بهذا الشكل المرعب… اعتقدت أنها مجرد شائعات مغرضة.» مرض عضال، هاه… حسنًا، التفسير ليس خاطئًا تمامًا… ففي نهاية المطاف، تعاني سينجوغاهارا من علة مزمنة لم تبرأ منها بعد. «ولكن── كانت الحقيقة أبشع. الشائعات نفسها كانت قاصرة عن ملامسة الواقع، وما جرى لجسدها كان أدهى وأمّر. حين تنبهت للأمر── شعرت بأنه يتعين علي فعل شي. أردت إنقاذ سينجوغاهارا. أليس هذا بديهيًا؟ لقد غمرتني بلطفها طوال أيام المتوسطة، ولم أنس فضلها قط. ورغم اختلاف صفوفنا ونشاطاتنا، إلا أنها كانت بالغة اللطف معي.» «ذلك اللطف…» ما عساه كان يعنيه بالنسبة لسينجوغاهارا── هل هو موضوع يجدر بي فتحه أو السؤال عنه في هذا الظرف؟ «ولهذا سعيت لإنقاذها── أردت تخليصها مما تقاسيه. لكنني قوبلت برفض قاطع لا يترك بابًا للنقاش.» «فهمت…» طبعًا، لن تفصح لي عن تفاصيل ذلك الرفض، وربما كان ذلك حماية لسينجوغاهارا على الأرجح… فكانبارو لن تنطق بكلمة واحدة تنتقص من قدرها مهما بلغ بها الأمر، ولو انتُزع لسانها من فمها. رغم أنني أستطيع استنتاج تعرضها لموقف يضاهي ما اختبرته أنا بل يفوقه قسوة… وبصراحة، لا شأن لي بسماعه. من أجلي، ومن أجل كانبارو. ومن أجل سينجوغاهارا. الدباسة المكتبية. «ظننت أن بإمكاني تقديم العون.» بصوت يقطر ندمًا عميقًا ويعاتب نفسها من صميم الوجدان، ورغم تظاهرها بالجلد والتماسك، تابعت كانبارو قائلة: «ظننت أنني قادرة على تحمل ما تثقل به سينجوغاهارا كاهلها. فحتى إن عجزت عن إزالة السبب، وحتى إن تعذر علاج الأعراض، آمنت أن مجرد وجودي بقربها── كفيل بتبديد الألم عن قلبها.» «……» «يا لها من مزحة سمجة! كم كنت فتاة حمقاء! حين أتأمل الموقف الآن، أجده مضحكًا إلى حد البكاء.» لأن سينجوغاهارا لم تكن تبتغي شيئًا من ذلك على الإطلاق── أرخت كانبارو بصرها نحو الأسفل. «(أنا لا أعتبرك صديقة ولا حتى كوهاي── لا في الماضي ولا في الحاضر). هذا ما أسمعتني إياه بوضوح جارح.» «أعتقد ذلك…» تشبه إلى حد كبير ما اعتادت قوله في ذلك الوقت. فكسلاح أشد فتكًا من أدواتها المكتبية، كانت هيتاغي سينجوغاهارا تمتلك تلك الحصافة المسمومة والكلمات القاتلة. «ظننت في البداية أنها تعني أنني بمثابة حبيبة لها، لكن الحقيقة لم تكن كذلك.» «يا لتفاؤلك المطلق!» «أجل. لتتابع قائلة بفظاظة أشد: (مصادقة تلميذة متفوقة مثلك يعزز مكانتي، ولهذا السبب وحده كنت أجاملك وأتقمص دور الأخت الكبرى المهتمة).» «…تلك كلمات بالغة القسوة.» استهدفت جرح الطرف المقابل بالمباشر── بهدف دفعه للابتعاد── لكن سينجوغاهارا بالأمس نادت كانبارو بـ «تلك الفتاة»، وأقرت بأنها كانت كوهاي لها في المتوسطة، ورغم تأكيدها أن الأوضاع تغيرت، إلا أنها اعترفت بصداقتهما السابقة. قد يكون ذلك تفسيرًا مريحًا لقلبي، لكن── ومع ذلك. «رغم كل شيء، سرني أنها وصفتني بالتلميذة المتفوقة.» متفائلة. من البداية وحتى النهاية. «بيد أنني── أدركت مدى عجزي. فتوهمي بأن قربي سيخفف آلامها لم يكن سوى غرور أعمى. بل إن سينجوغاهارا── لم تكن ترغب في وجود أي إنسان بجانبها قط.» البشر الذين لا ينتابهم الشعور بالوحدة وهم منفردون── موجودون بالفعل. إن تفكرت في الأمر بتمعن، فسينجوغاهارا تنتمي حتما إلى هذا الصنف… على الأقل، لم تكن قط ممن يستهويهم التواجد ضمن حشود بلا طائل. وحتى في أيام المتوسطة حيث بدت اجتماعية ولطيفة، أظن أنها احتفظت بهذا الجانب في سريرتها── لكن. ألّا تشعر بالوحدة وأنت وحيد. يختلف جذريًا عن رغبتك العارمة في البقاء وحيدًا. تمامًا كما يختلف استثقال العلاقات الاجتماعية عن بغض البشر بحد ذاتهم. «ولهذا السبب، لم أعد أقترب من سينجوغاهارا قط منذ ذلك اليوم. لأنه الطلب الوحيد الذي فرضته عليّ. بالطبع، لم أكن قادرة على نسيانها أبدًا── ولكن إن كان ابتعادي، وعدم تدخلي، وعدم وجودي بجانبها سيمنحها ولو قدرًا يسيرًا من الخلاص── فأنا أرتضي ذلك.» «…أنتِ.» عجزت عن الرد. لم يكن الأمر مقصورًا على إعجابي بنبل موقفها، بل لتخترق روحي تلك الكلمة التي اختارتها؛ فلم تصف القرار بالرضوخ العبثي للظروف، بل قالت «أرتضي ذلك». زعمت سينجوغاهارا أن كانبارو لم تعد إليها، لكن الحقيقة العكس تمامًا؛ كانبارو هي من انسحبت بإرادة صلبة ومحض اختيارها. يا لها من فتاة جادة… صادقة إلى أبعد حدود الصدق. تجاه سينجوغاهارا. مشاعر تولدت منذ المرحلة المتوسطة وتنامت حتى قبل عام مضى── وصولاً. حتى هذه اللحظة بالذات. «حرصت على تفادي التقاطع معها. عكست مسارات تحركاتي لكي لا أصادفها صدفة في الممرات، أو أراها في طابور الصباح، أو أتقاطع معها في الكافتيريا. ولم أكتف بمراقبة نفسي، بل صممت خطوتي بعناية لكي لا تضطر سينجوغاهارا للإحساس بوجودي إطلاقًا. وطبعًا، حين أتألق في مباريات النادي كانت الشائعات تلاحقني مهما حاولت، فلجأت إلى العبث بنشر شائعات متضاربة عن شخصيتي لتمويه الحقيقة.» «…لا عجب في انتشار تلك الأقاويل المتناقضة التي تصورك كشخصية مضطربة.» فهمت الأمر برمته الآن. أن تبلغ هذا المبلغ من التضحية… مطاردة عكسية، إن صحت التسمية؟ «قضيت سنة كاملة على تلك النحو. لم تكن مجرد حياة رمادية، بل كانت حياة يوري حالكة السواد. انغمست في كرة السلة بجنون وجهد مضاعف، ولا يدري أحد إن كان ذلك خيرًا أم شرًا… لكن── مع انقضاء تلك السنة، وصلني نبأ أراراغي سينباي.» «……» كنت أتساءل لم تأخر علمها بأمري مع سينجوغاهارا رغم شدة تعلقها بها، والسبب لم يكن تباين المراحل الدراسية فحسب، بل لأن كانبارو كانت تتجنب عمدًا أي خبر يخص سينجوغاهارا── أهكذا كان الحال؟ ورغم كل ذلك. وصلها أمر كويومي أراراغي. «فشلت في كبح جماح نفسي── وبعد مرور عام كامل، قصدت… سينجوغاهارا شخصيًا. حاولت زيارتها. بالطبع ارتكبت بعض الهفوات البسيطة على مدار السنة، لكنها كانت المرة الأولى التي أتوجه فيها بقصد واع ورغبة صريحة لرؤية محياها. وكانت سينجوغاهارا── تتبادل أطراف الحديث الضاحك معك في الصف صباحًا، مبتسمة ببهجة متألقة لم أر لها مثيلًا طوال أيامهما في المتوسطة.» «……» يا ترى أي ابتسامة تلك التي خصتني بها وهي تمطرني بالشتائم والسخرية… لكن تلك المرأة الصلبة لا تبتسم إلا في مثل تلك المواقف الشاذة على أي حال. «أتدرك ما أعنيه؟» التفتت كانبارو نحوي بجدية. «كان سينباي أراراغي يفعل، وبشكل عفوي تمامًا… كل ما تمنيت تحقيقه وحلمت بفعله حتى الموت، ثم آثرت التراجع دونه.» «كانبارو… لا، هذا…» «راودتني الغيرة والحسد في البداية.» نطقت كانبارو بها وكأنها تفصل كل حرف عن سابقه. «وحاولت الارتداد في المنتصف.» بصوت يغالب غصة المشاعر الجياشة. «ولكنها غلبتني تمامًا حتى الرمق الأخير.» بهذه العبارة اختتمت حديثها. «……» «تساءلت لم لم أكن أنا تلك الشريكة المناسبة. غرت من أراراغي سينباي، وخبت آمالي في سينجوغاهارا. فكرت إن كان الخلل يكمن في كوني أنثى. وتساءلت إن كانت ترفض الأصدقاء والرفاق بينما تقبل بوجود حبيب لجانبها. فإن كان الأمر كذلك…» وإن صح ذلك── حدقت في بنظرة ثاقبة. وللمرة الأولى، ألقت علي تلك النظرة المشبعة بالعتاب والملام. «إن كان الأمر كذلك، ألم يكن أجدر بها أن تقبل بي أنا بالذات منذ البداية؟» رغم أنها كوهاي تصغرني سنًا، ورغم يقيني بأن طبيعتها النفسية تمنعها من الانقضاض عليّ برعونة── إلا أن تلك النظرة الحادة وهالتها الطاغية جعلتني أتراجع هلعًا وحرجًا. «غرت من أراراغي سينباي، وخبت آمالي في سينجوغاهارا. ومن ثم── تملكتني الدهشة والتقزز من نفسي. أي حديث هذا عن التخفيف عن آلامها؟ وأي هراء هذا عن الانسحاب النبيل؟ ألم يكن كل ذلك خداعًا نفسيًا؟ ألم تكن محض أنانية مقيتة؟ ألم يكن دافعي الوحيد هو إرضاء غروري الشخصي؟ هل ظننت حقًا أن تصرفي هذا سيحظى باستحسان سينجوغاهارا؟ يا لها من مهزلة مثيرة للضحك! نفاق مغلف بالفضيلة لا حدود له. ولكن، رغم كل ما سلف── رغبت بشدة في أن تعاملني سينجوغاهارا بلطف… كما كانت تفعل في الماضي. سواء أكان ذلك أنانية أم غيرها، أردت فقط أن أكون إلى جوارها── ولهذا السبب…» و… رفعت كانبارو يدها اليمنى── لتلامس بها يدها اليسرى. تلك اليد الشاذة للوحش. «ولهذا السبب، تمنيت ذلك… بهذه اليد.»
