Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سلسلة مونوغاتاري 4

قرد سوروغا — الفصل الرابع
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

قرد سوروغا — الفصل الرابع

004
كانت سنتين بالنسبة لـ سينجوغاهارا—وأسبوعين بالنسبة لي.
من بداية “الأسبوع الذهبي” حتى نهايته بالنسبة لـ هانيكاوا.
أما بالنسبة لـ هاتشيكوجي… فلا أعلم، ولا أستطيع أن أُحدد بالضبط كم استمر الأمر.
أنا أتحدث عن الفترات التي تواصلنا فيها مع الخوارق—مقدار الوقت الذي استمرت فيه تجاربنا الشاذة. طوال تلك الفترات، وتلك الأحقاب الزمانية، امتدت تجاربنا المرعبة والغير محتملة، والتي لم تكن تمتّ للطبيعة بأي صلة.
خذ كويومي أراراجي كمثال.
حالي أنا.
في عصرنا هذا، وشغاف حضارة القرن الحادي والعشرين، إنه لأمرٌ محرج للغاية لدرجة تجعلني أتمنى لو أجد جُحراً في الأرض ليبتلعني وأختفي فيه؛ لكني وقعت ضحية لمصّاصة دماء قديمة ومبجلة—رعبٌ يخلع القلوب، مصاصة دماء تقليدية وأسطورية، امتصت آخر قطرة دم من جسدي.
جففتني تماماً.
وأصبحتُ أنا نفسي مصاص دماء.
صرتُ أخشى الشمس، وأمقتُ الصلبان، وأتجنبُ الثوم، وأبتعدُ عن الماء المقدس، وفي المقابل، اكتسبتُ قدرات جسدية تفوق قدرات البشر بعشرات، بل بمئات وآلاف المرات. لكن مجدداً في المقابل، شعرتُ بجوع مطلق لدماء البشر—تماماً كأولئك “السائرين في الليل” المشهورين حالياً في المانغا والأنمي والأفلام. بحق، بدا الأمر غير منصف أن أتحول إلى مصاص دماء كلاسيكي بحت. هذه الأيام تجدهم يتجولون في وضح النهار دون مشكلة، ويرتدون الصلبان كإكسسوارات، ويأكلون خبز الثوم ويرتشفون بعده الماء المقدس، ومع ذلك يمتلكون قدرات جسدية خرافية—ألم يصر هذا هو السائد المبتذل الآن؟
ومع ذلك.
يبدو أن حاجة مصاص الدماء لامتصاص دماء البشر هي المتغير الوحيد المتبقي ثابتًا.
إنهم شياطين ماصّة للدماء في نهاية المطاف.
في النهاية، كان مجرد وغدٍ عابر، ليس صياد مصاصي دماء، ولا فريق عمليات خاصة مسيحي، ولا مصاص دماء يصطاد بني جنسه، بل مجرد رجل عابر، وغدٍ لعوب يرتدي قميصاً بألوان صارخة يدعى ميمي أوشينو هو من أنقذني من ذلك الجحيم—لكن ذلك لم يمحُ حقيقة أنني عشتُ خلال تلك السلسلة الممتدة لـ أسبوعين.
شيطان.
قطة.
سلطعون.
حلزون.
ورغم ذلك، لم أستطع أن أسمح لنفسي بنسيان أن هناك فارقاً حاسماً بيني وبين الثلاث الآخريات. فارقاً كبيراً على وجه الخصوص بين حالة هيتاجي سينجوغاهارا وحالة كويومي أراراجي.
لا أعني بذلك طول الفترة الزمنية، بل عمق خسارتنا.
لقد قالت إنها لا تنوي العودة إلى ذلك الماضي.
ولكن رغم حديثها عن عدم وجود داعٍ أو ضرورة، ألم تكن تقصد أنها لا تستطيع العودة إلى تلك الحقبة من حياتها حتى لو أرادت؟
أقول هذا لأنها… طوال سنتين كاملتين، رفضت كل شيء وأي شيء يمكن أن يُطلق عليه تواصل اجتماعي. قضت هيتاجي سينجوغاهارا سنتين دون أن تخالط أحداً في فصلها—والآن بعد أن انقضت هاتان السنتان، لم يتغير أي شيء.
باستثنائي أنا، لم يتغير شيء.
كان كويومي أراراجي مجرد استثناء فريد بالنسبة لسينجوغاهارا، ولم تتغير هي على الإطلاق فيما عدا ذلك.
لم يكن هناك أدنى فارق بين حالها قبلاً وحالها بعداً.
كل ما في الأمر أنها توقفت عن الذهاب إلى عيادة المدرسة.
وبدأت في المشاركة في حصص التربية البدنية.
كانت تجلس في زاوية الفصل—وتقرأ في صمت. وكأن قراءة كتاب، داخل فصلنا الدراسي، كانت وسيلتها لبناء أسوار حصينة تشيدها ضد زملائها—
أصبحت تتحدث معي الآن، ولكن هذا كل ما في الأمر حقاً.
أصبحت تتناول الغداء معي الآن، وكان ذلك كل شيء.
طالبة نموذجية هادئة عرضة للمرض—كان هذا هو الموقع الذي ما زالت تحتله في فصلنا. كل ما ظنه زملاؤنا هو أن حالتها الصحية قد تحسنت قليلاً، إلى حد ما.
أما هانيكاوا، رئيسة فصلنا، فقد رحبت بالأمر بسبيلٍ من البراءة على أنه تغيير جذري—لكنني لم أستطع مشاركتها تفاؤلها البسيط أمام هذه الصورة الجديدة.
ربما لم تفقد سينجوغاهارا أي شيء.
ربما هي من ألقت به جانباً.
ولكنك في النهاية تنتهي إلى النتيجة ذاتها.
أنا حتماً لا أريد أن أبدو وكأنني أدعي المعرفة الكاملة، وأغلب الظن أنني لن أعرف الحقيقة مهما كانت طبيعة علاقتي بها مستقبلاً—وأجزم أنه لا ينبغي لي أن أسيء الظن بها أو أستنتج نواياها.
التدخل، والتطفل، وكل ما شابه لا يبدو أمراً صائباً.
ولكنني لا أستطيع منع نفسي من التساؤل.
ماذا لو؟
إذا كان توقف سينجوغاهارا عن حمل دَبّاسة معها يُعدّ تقدماً… إن كان ذلك تغييراً، ألا يمكن أن يكون هناك ما هو أبعد من ذلك؟
ليس فقط فيما يتعلق بي.
بل بشأن الأمور الأخرى أيضاً، لو—
“مرحباً؟”
“نعم، شكراً لإنتظارك. هانيكاوا تتحدث.”
“……”
بالتأكيد، كانت تلك طريقة رسمية ومهذبة للغاية للرد على المكالمة، ولكن أليست غريبة بعض الشيء عبر هاتف محمول؟
تسوباسا هانيكاوا.
رئيسة الفصل—الطالبة النموذجية رفيعة الطراز.
امرأة تبدو وكأنها ولدت لتكون رئيسة فصل.
رئيسة مجلس الطلبة التي انتخبها الآلهة بنفسها فوق كل رؤساء المجالس—كنتُ أقصدها كدعابة في البداية، ولكن بعد أن قضيت شهرين وأنا أعمل إلى جانبها كنائب لرئيس الفصل، أدركتُ كم هو وصفٌ ملائم بدقة متناهية. كل معرفة ينبغي أن يحافظ عليها البشر، لكنني تمنيتُ لو أنني أُعفيتُ من معرفة تفصيلةٍ مثل هذه.
“ما الأمر؟ ليس من عادتك أن تتصل بي يا أراراجي.”
“لا شيء حقاً—فقط، كان لدي سؤال أردتُ أن أطرحه عليكِ.”
“سؤال؟ لا بأس، لا مانع لدي. أوه، هل هذا يتعلق بما سيفعله فصلنا في المهرجان الثقافي؟ أعتقد أنه من الأفضل ألا تشغل بالك به حتى ننتهي من اختبار المهارات—أنت في موقف حرج تماماً، أليس كذلك؟ يمكنني تولّي جميع الأعمال الروتينية بالطبع. أم أنك تريد إعادة التفكير فيما سنفعله؟ سيكون ذلك صعباً كوننا أجرينا استبياناً بالفعل. أوه، أم أن هناك مشكلة ما ولا نملك خياراً آخر؟ في هذه الحالة نحتاج للتعامل معها على الفور.”
“… لم تمنحيني حتى فرصة للإيماء برأسي موافقاً.”
لقد دفعت هانيكاوا الحوار إلى الأمام بمفردها تماماً.
لم تكن سريعة القفز إلى الاستنتاجات فحسب، بل كانت أسرع في الحديث.
كان العثور على ثغرة للدخول في الحديث معها عملاً شاقاً.
الساعة الثامنة مساءً.
كنتُ في طريق عودتي من شقق تاميكورا، منزل سينجوغاهارا، وكنت أدفع دراجتي الهوائية على الطريق الأسفلتي بدلاً من امتطاء مقعدها. لم يكن السبب أن هاتشيكوجي كانت بجانبي، ولا أن كانبارو لمحتني وركضت نحوي، بل كنت أدفع دراجتي لمجرد أنني بحاجة إلى التفكير قليلاً.
انتهى بي المطاف بالاستذكار حتى الثامنة مساءً.
ورغم أوهامي الساذجة بأنني ربما سأحصل على فرصة لتناول طعام من طهي سينجوغاهارا للعشاء، لم تُلمّح هي إلى ذلك حتى. وعندما أثرتُ موضوع شعوري بالجوع بصورة عابرة بعد أن لم أعد أحتمل، ودّعتني دون أن تزيد عن قولها: “حسنا. إذاً لنكتفِ بهذا القدر اليوم. أنا متأكدة من أنك تتذكر، ولكن لا يوجد العديد من أعمدة الإضاءة في هذه المنطقة، لذا كن حذراً في طريقك للمنزل. أراك لاحقاً يا تمساح (See you later, alligator).” كانت هيتاجي سينجوغاهارا تعيش بمفردها أساساً لأن والدها غالباً ما يعمل حتى ساعات متاخرة من الليل، لذا لا بد أنها تعرف كيف تطهو، ولكن…
كان مستوى صعوبتها مرتفعاً للغاية.
بالطبع، لم أعد أشعر بالجوع الشديد بعد الآن، لذا كانت شكواي مجرد كذبة في أغلبها.
على أي حال.
كنتُ بحاجة للتفكير، ولكننا نتحدث عني هنا، شخصٌ لا تثق معلمته الخصوصية، سينجوغاهارا، في قدرته على تحصيل متوسط الدرجات، لذا لم يكن الأمر ليكون مثمراً بشكل خاص. كان غالبه لمجرد إرضاء ذاتي. والآن، ينفع إرضاء الذات في بعض أمور العالم، دون غيرها، وكان هذا من النوع الأخير.
لذا.
بينما أدفع دراجتي بيدي اليمنى وأسير، اتصلتُ بـ هانيكاوا على هاتفها المحمول. كانت الثامنة والنصف مساءً—ما إذا كانت تلك ساعة مناسبة للاتصال بفتاة لست مقرباً منها كثيراً، فهذا سؤال لا أستطيع الإجابة عنه، لكن رد فعل هانيكاوا أوحى بأنه يقع ضمن حدود السلوك المقبول. وهي، باعتبارها تجسيداً للجدية ونموذجاً للأخلاق، كانت ستخبرني لو أنني تصرفتُ خارج حدود الأدب.
“أمم، هانيكاوا. قد يستغرق هذا وقتاً طويلاً قليلاً، هل لديك دقيقة؟”
“همم؟ لا بأس. كنتُ أدرس دراسة خفيفة فحسب.”
“……”
قولها لذلك دون لمحة واحدة من السخرية هو ما جعلها رئيسة فصل بين رؤساء الفصول انتخبتها الآلهة بنفسها.
خفيفة… أي نوع من الدراسة يمكن أن تعنيه؟
“حسناً، طيّب،” قلتُ، “سأحاول أن أختصر قدر الإمكان… لقد ذهبتِ إلى نفس المدرسة المتوسطة التي ذهبت إليها سينجوغاهارا، أليس كذلك؟ ماذا كان اسمها مجدداً—أوه، مدرسة كييوكازي المتوسطة الحكومية؟”
“أجل، هي بعينها.”
“إذاً لا بد أنكِ تعرفين فتاة أصغر منكِ بعام تُدعى سوروغا كانبارو.”
“حسناً نعم، بالطبع؟ أعني، هل هناك من لا يعرفها؟ حتى أنت تعرف من تكون، أليس كذلك؟ إنها قائدة فريق كرة السلة، ونجمة على مستوى المدرسة بأكملها. لقد ذهبتُ مع صديقاتي للتشجيع من المدرجات في بعض مبارياتها.”
“لا، استمعي. أنا لا أتحدث عن الآن—أردتُ أن أسأل عن كانبارو في أيام المدرسة المتوسطة.”
“هممم؟ تريد ذلك؟ لماذا؟”
“ولِمَ لا؟”
“هاه… حسناً، كان الأمر شبيهاً بذلك تقريباً في المتوسطة. كانت نجمة فريق كرة السلة والجميع يعرفونها. يبدو أنها كانت قائدة الفريق هناك أيضاً، بدءاً من النصف الثاني من سنتها الثانية تقريباً. لماذا تسأل؟”
“أوه، أمم—”
لم أستطع إخبارها.
لم أستطع التفوه بتلك الكلمات.
لم يكن بمقدوري مطلقاً إقناعها.
بأن تلك النجمة بالذات كانت، بعبارة غير لطيفة، تطاردني وتتعقبني أنا بالذات، من بين كل الناس.
وبما أن الأمر كذلك، فإن الحجم الذي ينبغي لي التشدق به من هذه المشكلة كان مسألة شائكة، ولكن مجدداً، نحن نتحدث عن هانيكاوا، لذا ربما كان من البأس مشاركة قدر بسيط من مأزقي. وسأقوم بالطبع بتمويه جوانب معينة حسب الحاجة.
“سمعتُ أنها وسينجوغاهارا كانتا صديقتين في المرحلة المتوسطة—هل كانتا كذلك؟”
“هممم؟ لا، أعتقد أنني أخبرتك، لكن الأمر لم يكن وكأنني وسينجوغاهارا كان بيننا أي تواصل يُذكر لمجرد أننا ذهبنا إلى نفس المدرسة المتوسطة. كانت هي من المشاهير، لذا فإن ذات الرداء الرث القديمة مثلي كانت تعرفها من جانب واحد فحسب—”
“أنا متأثر كالعادة بتواضعك، ولكن لو استطعنا تنحية مبادلاتنا المعتادة جانباً لهذا اليوم—”
“ثنائي فالهالا.”
“ماذا؟”
“لقد ذكرتني للتو. هذا ما كان يُطلق عليهما، ثنائي فالهالا (Valhalla Duo). سينجوغاهارا من فريق ألعاب القوى وكانبارو من فريق كرة السلة.”
“ثنائي فالهالا؟ ماذا تعني هذه الكلمة مجدداً، أشعر وكأنني سمعتها في مكان ما. ولماذا يُطلق عليهما ذلك…”
“حرفا ‘بارو’ من ‘كانبارو’ و’هارا’ من ‘سينجوغاهارا’ يعطيك ‘باروهارا’. وفالهالا، من الأسطورة النوردية، هي قاعة السماء حيث يقيم أودين، الكائن الأسمى، ويستقبل أرواح الأبطال الذين قضوا في المعارك. إنها بمثابة أرض مقدسة لإله الحرب، لذا—”
“… آها، اسم كانبارو يبدأ بالحرف المعبر عن ‘الإله’ واسم سينجوغاهارا بالحرفين المعبرين عن ‘ساحة المعركة’.”
“ومن هنا جاء ‘ثنائي فالهالا’.”
“ياه…”
لا يمكنك أن تطمح لملائمة أكثر إحكاماً من هذه.
كيف يشغل بعض الناس عقولهم لابتكار مجرد لقب… لو أردتُ التدقيق، لقلت إنه بدا جميلاً أكثر من اللازم، بحيث لا يسعك سوى التنهد وتجد نفسك في موقف صعب، ولكن هذا مجرد امتعاضٍ مني بصفتي الشخص العقلاني المحترف المتمرس.
أشارت هانيكاوا: “بما أنهما كانتا تُدعَيان ثنائياً، أفترض أن علاقتهما على الأقل لم تكن سيئة أو عدائية. كانت سينجوغاهارا في فريق ألعاب القوى حتى ما قبل التخرج مباشرة، لذا لا بد أنهما التقيتا كزميلتين رياضيتين على أقل تقدير.”
“أنتِ حقاً تعرفين كل شيء.”
“أنا لا أعرف كل شيء. أنا فقط أعرف ما أعرفه.”
نفس الحوار المعتاد دائماً.
على أي حال… لقد تأكدتُ من خلفيتهما.
والآن بعد أن فعلت—ماذا بعد؟
كيف سأقترب من الصورة الأمامية؟
“أعلم أنني سألتكِ هذا من قبل،” قلتُ، “ولكن عندما كانت سينجوغاهارا في المرحلة المتوسطة… لم تكن تشبه بأي حال ما هي عليه الآن، أليس كذلك؟”
“صحيح، لم تكن كذلك. يبدو أن سينجوغاهارا تتغير قليلًا في الآونة الأخيرة، لكنها لا تزال ليست الشخص الذي كانت عليه.”
“أوه…”
كانت تتغير.
ولكن فقط عندما يتعلق الأمر بي.
إذاً—لم تكن الشخص الذي كانت عليه في الماضي.
“أفترض أنها لا بد وأنها كانت محبوبة جداً لدى صغار السن من طلاب السنوات الأدنى؟”
“نعم، من الفتيان والفتيات على حد سواء. وليس فقط من هم أصغر منها، أتعلم. كان طلاب السنوات الأعلى يحبونها عندما كانت لا تزال هناك سنوات أعلى منها، وكانت تحظى بتقدير كبير من طلاب جيلها—”
“محبوبة من الجميع—صغاراً وكباراً، ذكوراً وإناثاً.”
“المرحلة المتوسطة تستمر لثلاث سنوات فقط، لذا فإن عبارة ‘صغاراً وكباراً’ ستكون مبالغة. ولكن لو كان عليّ اختيار مجموعة محددة، فقد تكون الأكثر شعبية بين الفتيات اللاتي كن أصغر منها سناً. هذا ما كنت تحاول السؤال عنه، أليس كذلك؟”
“… أنا سعيد لأنك حادة الملاحظة للغاية.”
لكنها كانت حادة الملاحظة أكثر من اللازم.
لم تكن أوشينو، ولكن بدا وكأنها تخترقني ببصرها.
“ولكن، يا أراراجي، أنت تحب سينجوغاهارا كما هي عليه الآن، بغض النظر عمن كانت عليه في الماضي، أليس كذلك؟”
“………”
تمنيتُ لو أنها تعلم أنها تتصرف تماماً كطالبة في الصف الخامس.
بالمناسبة، مع أننا لم نصرح بذات الأمر لأي شخص على الإطلاق، إلا أن الجميع كان يعلم أنني وسينجوغاهارا نتواعد. لم نكن نُجابه بالسخرية العلنية أو المزاح المفرط. كانت سينجوغاهارا تُعتبر طالبة نموذجية وحسنةَ الخلق من قبل فصلنا، لذا بالطبع لم يتعرضوا لها، ومن جانبي لم أكن ببساطة من نوع الزملاء الذين يجذبون هذا النوع من التصرفات. ولكن حتى مع ذلك، كان الموقف برمته معرفة عامة، تفاهماً ضمنياً.
كانت الشائعات أشياء مخيفة.
لا بد أن الشائعة استغرقت بعض الوقت على الأقل لتقفز فوق السور الفاصل بين طلاب السنة الثالثة والسنة الثانية وتصل إلى كانبارو… حسناً، عندما تأخذ في الاعتبار أن سينجوغاهارا كانت شخصية مشهورة إلى جانب حقيقة أنها تشغل بال كانبارو، فقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً إلى حد ما، ولكن هذا هو الحال بين السنوات المختلفة.
“أراراجي، أعلم أنني قلتُ لك هذا مراراً وتكراراً، ولكن حافظ على علاقتك نزهة وأفلاطونية. احذر حتى لا تكون هناك أي شائعات بذيئة. رغم أن سينجوغاهارا تبدو فتاة جادة، وأشك في أن علاقتكما ستتحول إلى شيء مبتذل.”
“جادة، هاه…”
إذا فكرتُ في الأمر، فإن هانيكاوا كانت لا تزال لا تعرف سينجوغاهارا الحقيقية… كان زملاؤنا الآخرون شيئاً، ولكن خداع هانيكاوا المذهلة، رئيسة الفصل، التي عرفت أننا سنخرج معاً قبل أن نفعل ذلك في الواقع—سينجوغاهارا نفسها كانت لاعبة لا تُستهان بها. من هذا الجانب، يمكنك القول إنها كانت تظهر لي جانباً من نفسها لا تظهره لأي شخص آخر… هممم، لكن هذا لم يمتعني بسعادة خاصة. ليس هذا ما يفترض أن يعنيه كونك استثناءً فريداً.
ولكن حقاً، كانت تلك هي حالة علاقتنا تقريباً. لم تكن حتى تطهو لي، فكيف لعلاقتنا أن تنحدر إلى الابتذال والسوقية؟
……
أوه.
إذا جرى صدّها—فبغض النظر عما كان عليه الأمر في المتوسطة، كانت كانبارو تعرف طبيعة سينجوغاهارا الحقيقية جيدا. إذا كانت تقترب للتحدث معي على أي حال، فإنها إذن—
“سينجوغاهارا شخصية صعبة، حسناً؟” قالت هانيكاوا فجأة.
عندما فعلت—تذكرتُ أنها قالت لي شيئاً مشابهاً في الماضي أيضاً. كانت هذه هانيكاوا تتحدث بالطبع، لذا لا يمكن أن يكون الأمر متعلقاً بمستوى صعوبة التحدي مع هيتاجي سينجوغاهارا.
تابعت هانيكاوا: “لستُ خبيرة من أي نوع، لكنها أنشأت حشداً من القوة لا يُخترق حول نفسها كما في الألعاب.”
“………”
“وأنت شخص آخر يمتلك واحداً، يا أراراجي. كل شخص لديه واحد حوله، بغض النظر عن مدى قوته—دعنا نسميه إحساساً بالخصوصية—لكنك أنت وسينجوغاهارا بنيتما قلاعاً وتحصنتم داخلها. أمثال هؤلاء يجدون التفاعل البشري مزعجاً بشكل عام. هل يرن هذا جرس تذكر في عقلك؟”
“هل تتحدثين عني؟ أم عن سينجوغاهارا؟”
“كلاكما.”
“حسناً، أجل.”
بالطبع.
ولكن في هذه الحالة.
“مع ذلك، يا أراراجي، عدم محبة التعامل مع الناس وعدم محبة الناس هما أمران مختلفان.”
“ماذا؟ أليسا الشيء نفسه؟”
“‘المنغصات تأتي / في صور ليس أعظم منها / صورة الزائر’…” أنشدت هانيكاوا بصوت هادئ وخفيض، “‘ولكن بالطبع أنا لا أتحدث / عنك أنت، يا صديقي المحترم’… لا يهمني كم أنت سيئ في الأدب يا أراراجي، فلا بد أنك تفهم ما تقوله هذه القصيدة، أليس كذلك؟ وما أحاول قوله؟”
“… أفهم ذلك.”
لم أستطع الرد بأي طريقة أخرى.
رغم أنني استسأتُ معاملتي كطفل.
ومع ذلك—كل ما استطعتُ فعله هو شكرها.
“شكراً. أسف لإضاعة وقتك بهذا الهراء.”
“إنه ليس هراءً. من الطبيعي أن ترغب في معرفة المزيد عن شخصك المميز.”
قالت هانيكاوا ذلك حقاً.
لم تفكر مرتين قبل أن تقول شيئاً محرجاً للغاية.
رئيسة فصل من بين رؤساء الفصول حقاً.
وأضافت: “لكن، أعتقد أنه من الأفضل عدم نبش ماضي حبيبتك أكثر من اللازم. لا تدع الأمر يتحول إلى تسلية ولعب. ابقَ ضمن الحدود.”
وبعد أن وضعت نقطة عريضة أخيرة على حديثها، أرفقت عبارة “وداعاً إذاً”، وسكتت.
تحيرتُ في سبب قولها وداعاً دون أن تغلق الخط، حتى تذكرتُ كيف علمتني خلال عطلة الربيع أن إتيكيت المكالمات يقضي بأن يقوم المتصل بالإنهاء.
أوه، يا لها من فتاة مفرطة في الصواب بشكل يرعب…
وأنا أفكر في مثل هذه الأفكار، قلتُ لها: “وداعاً، أراكِ غداً في المدرسة”، وضغطتُ على الزر لإغلاق المكالمة. طويتُ هاتفي المحمول ووضعته في جيبي الخلفي.
إذاً، ماذا الآن؟
كبشر وقف في نفس الموقف يوماً ما ومر بنفس نوع التجربة التي مرت بها سينجوغاهارا، كنتُ بالطبع أفهم كلماتها وأفعالها إلى حد ما—لكنني وجدتُ تعاطفي يميل إلى جانب كانبارو.
إذا كان ذلك ممكناً—فكرتُ.
لو أن ذلك يحدث فحسب.
سيكون تدخلاً لا داعي له، وتجاوزاً للحدود، ومعروفاً غير مطلوب—لقد كشفت لي سينجوغاهارا عن فلسفتها الغريبة حيث يُعتبر الكرم نوعاً من العدوانية، وهذا لم تكن تشوب منه شائبة الكرم حتى.
بعد كل شيء، كان جزءٌ من الأمر يتعلق بحساباتي الخسيسة. دافع مغرور لدرجة أنني انكمشتُ من مجرد الفكرة، ناهيك عن التعبير عنها.
لكنني لم أستطع منع نفسي من التفكير—
أردتُ لسينجوغاهارا أن تستعيد ما فقدته.
أردتُ لسينجوغاهارا أن تلتقط ما ألقته جانباً.
لماذا؟
لأن تلك كانت أشياءً لا يمكنني فعلها أبداً—
“سؤال أوشينو عن هذا لن يجدي نفعاً… ذلك الأحمق المرح غالباً لا يلقي بالاً بالرعاية اللاحقة والمتابعة. ليس وكأنني الشخص الصالح للتحدث… انتظر، لحظة.”
غالباً ما تعود التفاصيل المهمة والمنسية في ومضة خاطفة دون أي سبب على الإطلاق، وهذا بالضبط ما حدث. فتحتُ سحاب الحقيبة الرياضية المتدلية من كتفي وتحققتُ من الداخل. لم أكن بحاجة إلى ذلك لأعرف، لكنني أملتُ خائباً عكس ذلك. وبطبيعة الحال—المظروف الذي استلمته من سينجوغاهارا لم يكن بالداخل.
المظروف الذي يحتوي على أتعاب أوشينو لقاء الخدمات التي قدمها.
“لقد تركته على تلك الوسادة بجانبي… ياه، ماذا الآن؟”
كان الأمر يتعلق بالمال، لذا كان من الأفضل التعامل معه في أقرب فرصة، ولكن لم يكن هناك داعٍ للشعور بالعجلة الشديدة، وكان بإمكاني أخذها من سينجوغاهارا عندما أراها في المدرسة في اليوم التالي، ولكن… ماذا أفعل؟ رغم أنني شككتُ في ذلك، لم أستطع استبعاد احتمال أنني وضعته في أحد جيوبي وأنه سقط مني دون أن ألاحظ بينما كنتُ أسير متحدثاً على الهاتف مع هانيكاوا، لذا ربما ينبغي لي الاتصال بسينجوغاهارا والتأكد، تحسباً فقط… لا.
كنتُ أدفع دراجتي إلى جانبي وأنا أسير، لذا لم أكن لأقطع كل تلك المسافة الطويلة. لو ركبتُ دراجتي وعدتُ إلى شقق تاميكورا، فسأكون هناك في لمح البصر. في هذه الحالة، كان التصرف الصحيح هو العودة فوراً لأخذه. كان هناك خطر أن ينتهي بي المطاف بمواجهة والد سينجوغاهارا بالنظر إلى مدى تأخر الوقت، لكن الاحتمال بدا ضئيلاً بالنظر إلى ما سمعته عن مدى كدحه في العمل.
بالتأكيد، المكالمة الهاتفية كانت ستؤدي الغرض نفسه، لكنني أردتُ رؤية سينجوغاهارا بقدر ما أستطيع.
ليس وكأنني أعرف كيف أمتلك المبادرة.
يمكن غفران تصرفي على الأقل بقليلٍ من سلوك الخِلاّن.
“حسناً إذاً.”
امتطيتُ مقعد دراجتي، واستدرتُ—
وتساءلتُ عما إذا كانت تمطر.
ليس لأن قطرة ماء أصابت خدي أو أي شيء من هذا القبيل، ولكن بسبب ما رأيته أمامي مباشرة بعد إدارة دراجتي—شخصية بشرية، أمامي مباشرة وكأنها كانت تطاردني طوال الوقت، دخلت في مجال رؤيتي.
شكلٌ بشري.
يرتدي معطف مطر من الرأس إلى القدمين.
وكان يضع قلنسوته عميقاً على رأسه.
أحذية مطاطية سوداء… وزوج من القفازات المطاطية.
لو كانت تمطر، لكان هذا الزي يوفر حماية مثالية من التغيرات الجوية… ولكن رغم أنني فتحتُ كفي، لم أشعر بقطرة واحدة في النهاية.
كانت النجوم تملأ السماء.
كنا في بلدة ريفية على بعد مسافة من مدينة إقليمية—لذا باستثناء بضع مزق من السحب، لم يكن هناك شيء في سماء الليل مجرداً ليتحدى ضوء النجوم.
“… أمم.”
أوه…
كنتُ أعلم… كنتُ أعلم ما الذي يجري هنا… كنتُ أعرف ذلك جيداً، جيداً جداً. كان هذا ما حدث خلال عطلة الربيع، ما خبرته بأكثر مما ينبغي…
ومع ذلك لم أستطع مسح ابتسامة ساخرة، تعبير غير ملائم بالمرة للمناسبة، عن وجهي. كان الشعور أشبه بأمرٍ ألفته لدرجة أنني شعرتُ تقريباً بوخزة حنين، على نحو غريب. وتذكرتُ تجربتي مع هانيكاوا خلال الأسبوع الذهبي أيضاً.
إذا كانت هناك مشكلة هنا… فهي أنه على عكس ما كان عليه الحال في عطلة الربيع، لم يعد جسدي خالداً ولم أعد مصاص دماء.
لم يكن هذا وقتاً لأحافظ فيه على هدوء أعصابي… ولكن الهدوء كان بالضبط ما احتجتُ إليه لأميزه وأعرف طبيعته. يمكنك القول إنه على مدار الأشهر القليلة الماضية، أصبحتُ معتاداً بعض الشيء، متأقلمة حواسي—
على التعامل مع الخوارق.
… أملتُ أن تكون ظاهرةً لا تسبب ضررًا جسديًا كالذي حدث في يوم الأم، حلزون هاتشيكوجي… لكن غرائزي أخبرتني أن عليّ الفرار. لا، ليست غرائزي، بل الغرائز المتبقية لمصاص دماء أسطوري كانت تعشش حتماً في مكان ما داخل جسدي—
حاولتُ إدارة دراجتي الهوائية للعودة—ولكن في حرارة اللحظة، قررتُ أن أنحرف بعيدًا عنها وأتدحرج على الأرض.
كان قراراً صائباً—في المقابل، خسرتُ دراجتي الجبلية الثمينة إلى الأبد. قفز “ذو الرداء المطري” في اتجاهي بسرعة أكبر من أن تتبعها عيناي وضرب، بلقمة يده اليسرى، منتصف مقود دراجتي الجبلية تماماً بينما أقفز مبتعداً عن الطريق—سحق الدراجة وجعلها هشيماً وأرسلها تطير كقطعة قماش خفيفة الوزن سقطت في إعصار عارم. بحلول الوقت الذي ارتطمت فيه بعمود الهاتف وسقطت على الأرض، كانت الهيئة المفترضة لدراجة جبلية قد فقدت كل أثر لشكلها الأصلي.
لو لم أتفادَها—لكنتُ أنا من حدث له ذلك.
أليس كذلك؟
كان ضغط الرياح الناجم عن تلك القَبضة كافياً لتمزيق ملابسي. وانقطعت حبال حقيبتي الرياضية أيضاً، وسقطت من كتفي لترتطم عند قدمي.
“… إ-إنه في مستوى مختلف تماماً.”
حتى ابتسامتي الساخرة—تلاشت من وجهي.
لقد كنتُ فقط في المحيط الخارجي لهجومه، ولم أستطع تصديق وجوده المروع… ربما لم يكن يضاهي مصاص دماء أسطورياً، ولكنه كان مهيباً بدرجة تكفي لعقد المقارنة… كائن خارق جلب الرعب الجسدي في أعقابه.
انسَ أمر يوم الأم.
كان هذا، دون أدنى شك، طراز عطلة الربيع.
لقد فقدتُ دراجتي.
هل لا يزال بإمكاني الهرب ركضاً على القدمين؟
على الأقل مما رأيته من تحركات “ذو الرداء المطري”… حسناً، لم أرها في الواقع، ولكن بالنظر إلى تحركاته السريعة بشكل لا يُرى، كان الابتعاد على القدمين أمراً مستحيلاً.
بالإضافة إلى ذلك.
حتى لو كان الأمر يتعلق بالهرب، لم أكن أريد أن أولي ظهري لهذا الكائن—لا شيء بدا أكثر إخافة من إعطاء ظهري لـ “ذو الرداء المطري”، وإبعاد عيني عنه. كان خوفي أمراً لا مفر منه.
لذا أنسحبُ عما قلته للتو.
أنت لا تعتاد أبداً على مثل هذا الشعور.
لا تتأقلم مهما كانت المرات التي تخوض فيها مثل هذه التجربة.
أنت لا تريد حتى أن تتذكر.
استدار “ذو الرداء المطري” نحوي. جعل وجهه المكتسي بالقلنسوة من الصعب قراءة تعابيره—في الواقع، بدلاً من التعبير، كان هناك ما يشبه الحفرة العميقة. كان مظلماً—مظلماً جداً لدرجة أنني لم أستطع رؤية أي شيء.
وكأنه اقتُطع من هذا العالم.
وكأنه أُهمل خارج هذا العالم.
ثم، خطا “ذو الرداء المطري” خطوة نحوي.
قبضته اليسرى.
جاءت أسرع من أن تتفاداها ردود أفعالي بمفردها—لكنها رسمت خطاً مستقيماً مثالياً مثل الضربة التي دمرت دراجتي الجبلية، لذا كنت مستعداً للرد عند أول إشارة للحركة واستطعتُ التملص منها مجدداً، بفارق بوصة واحدة—والقبضة اليسرى التي تفاديتها اخترقت الجدار المصنوع من الكتل الخرسانية خلفي وكأنه لا شيء. كان الأمر تقريباً مثل إطلاق منجنيق.
بينما كنت مذهولاً من إمكاناته التدميرية المضحكة، ظننتُ أنني سأكون قادرًا على استخدام الفارق الزمني لاستعادة موقفي بينما يسحب “ذو الرداء المطري” يده اليسرى من الجدار، بما أنه كان مثل قرد يده المغلقة محشورة داخل جرة، ولكن لا، بالطبع لا، لم تكن الأمور لتكون بهذه السلاسة، ولم يكن “ذو الرداء المطري” ليعطيني بضع ثوانٍ. وكأن سداً ينهار حول تسرب، انهارت أمتارٌ من الجدار الخرساني وسقطت بفرقعة هائلة.
أعادني ذلك إلى الوراء.
إذاً، لا وجود لفارق زمني.
بدا أن “ذو الرداء المطري” يلوي جسده بالكامل بينما جاءت قبضته اليسرى نحو رأسي مباشرة—هذه المرة لم تكن هناك إشارة، ولا حركة أولية، بل مجرد محاولة جازمة للكمي من موقعه الحالي.
منجنيق.
دعك من التفادي، لم أستطع حتى الدفاع.
لم أكن أعرف حتى أين أصابني.
بعد لحظة، بدأ عالمي بالدوران، ثم مجدداً، ثلاث مرات، أربعاً، وكأن العمليات العقلية الخاصة بي يجري خلطها، وهاجمتني قوى جاذبية هائلة من كل اتجاه، صعوداً وهبوطاً، يساراً ويميناً، وبدأ العالم يتشوه وينثني قبل أن أُرطم منبطحاً على وجهي فوق الأسفلت.
تعلمتُ كيف قد يكون الشعور عندما يُبشر جسدك بالكامل.
شعرتُ وكأنني قالب جُبن يُحول إلى شرائح ملتوية.
ومع ذلك—كان الأمر يؤلم.
وإذا كان يؤلم، فأنا ما زلت حياً.
كان جسدي يؤلمني من الرأس إلى القدمين، لكن بطني أكثر من أي شيء آخر—لا بد أنني تُلقيتُ لكمة في أحشائي. حاولت الوقوف في حالة من الهلع، لكن ساقي لُفتا وارتعشتا لدرجة أن كل ما استطعت فعله هو التحول من الوضع المنبطح إلى الاستلقاء على الظهر.
كان “ذو الرداء المطري” بعيداً بشكل مفزع. بدا الأمر على هذا النحو. ظننتُ أنه وهم بصر—لكن لا، لقد كان بعيداً حقاً. بدا أن تلك الضربة الواحدة قد أرسلتني أطير لمسافة غير معقولة. لقد كان حقاً منجنيقاً.
كانت أحشائي—تتقزز.
الألم الذي كنتُ أشعر به… قد شعرتُ به من قبل.
لم تكن عظامي.
كان هناك عدد من أعضائي قد تمزق.
وفي حين أنها قد تكون دُمّرت، إلا أن حال جسدي كان، إن صح التعبير، يُرثى له. صحيح، المفاصل والبشر صنعوا بشكل مختلف، لذا حتى لو تلقوا نفس اللكمة، فإن أحدهم لا يتحول إلى قطعة ورق مجعدة. أحسنتِ يا مفاصل. تحيا العضلات.
بعد أن قلت ذلك…
لم أستطع التحرك بفضل الضرر الذي تعرضت له.
وكان “ذو الرداء المطري” يقترب مني—هذه المرة بوتيرة هادئة، بطيئة بما يكفي لأراه بوضوح ولتنطبع هيئته في عقلي. ربما ضربة واحدة أخرى، وإن لم تكن، فاثنتان أو ثلاث وسينتهي كل شيء—بكلمات أخرى، لم يكن هناك داعٍ لشعوره بالعجلة أو نفاد الصبر الآن.
كان ذلك منطقياً. كان قراراً معقولاً.
ولكن… ماذا كان يحدث؟
كان هذا الكائن من الناحية العملية قاتلاً يبحث عن الإثارة… كان من الواضح الآن أنه، بغض النظر عن شكله الشبيه بالبشر، لم يكن “بشرياً” بالنظر إلى قدرته على سحق دراجة ودك جدار خرساني—ولكن لماذا كان يهاجمني؟
لكل ظاهرة خارقة، كان هناك سبب.
لم تكن مجرد أمور غامضة.
كانت عقلانية—قائمة على أسباب.
كان هذا أثمن شيء تعلمته من أوشينو، ومن وقتي مع مصاصة الدماء الحسناء—لذا، كان الاستنتاج المنطقي هو أن هناك سبباً لهذا الخارق أيضاً، ومع ذلك لم أستطع التفكير في أي شيء—
ما الذي كان السبب؟
عدتُ بذاكرتي إلى أحداث اليوم.
فكرتُ فيمن رأيتهم.
مايوي هاتشيكوجي.
هيتاجي سينجوغاهارا.
تسوباسا هانيكاوا—
شقيقتاي الصغيرتان، معلمة فصلي، زملاء فصلي الذين كانت وجوههم ضبابية، و…
وبينما كنتُ أستحضر الأسماء دون ترتيب معين—
تذكرتُ اسم سوروغا كانبارو في ذيل القائمة.
“………!”
في تلك اللحظة بالذات—استدار “ذو الرداء المطري”.
استدار جسده الشبيه بالبشر بزاوية 180 درجة كاملة.
وما إن فعل، حتى انطلق في ركضة سريعة—
واختفى.
كان الأمر مفاجئاً لدرجة أنني وجدتُ نفسي عاجزاً عن التعبير.
“مـ… ماذا؟”
لماذا يفعل ذلك فجأة؟
نظرتُ أعلى إلى السماء بينما تحول الألم الذي يسود جسدي من كليل إلى حاد—وما زال ضوء النجوم جميلاً. كان ذلك مشهداً غير متناسق بالمرة بالنظر إلى رائحة الدم الخفيفة الفائحة في الهواء من جميع أنحاء جسدي.
كان فمي مليئاً بالعمق بطعم الدم الكثيف.
نعم، كانت أعضائي مجروحة حتماً. لقد اختُضّت أحشائي بقوة. لكن لا ينبغي أن يكون هذا كافياً لقتلي… ولن أحتاج حتى للذهاب إلى المستشفى. ورغم أن جسدي قد لا يكون خالداً بعد الآن، إلا أنني لا أزال أحتفظ بقدر يسير من قدرات التجدد. ليلة من الراحة ستعيدني وقافاً على قدمي. إذاً لقد نجحتُ في الهرب بحياتي سليمة بصعوبة…
ولكن…
فجأة، وبدون أي سبب محدد، تذكرتُ اللحظة التي سبقت إصابتي. كانت القبضة اليسرى لـ “ذو الرداء المطري” موجهة في اتجاهي—حدثت لي استرجاعات شريطية مركزة على تلك القبضة، وتلك القبضة وحدها. ربما عندما ضرب دراجتي، أو ربما عندما اخترقت قبضته الجدار، ولكن الاحتكاك الناجم عن الضربة لا بد أنه دمر القفاز المطاطي، فاتحاً خطاً من أربعة ثقوب عند قاعدة أصابعه—وتماماً مثل الجزء الداخلي من قلنسوته، بدت بطريقة ما مقتطعة، مسبورة، مجوفة، ولكن.
محتويات تلك القبضة المكتسية بالقفاز.
كانت تعود لـ نوع ما من الوحوش—
“أراراجي،” سمعتُ صوتاً ينادي من فوقي.
صوتٌ مستوٍ، بارد جداً لدرجة أنه تحت الصفر.
عندما نظرتُ نحوه، التقيتُ بنظرة باردة خالية من المشاعر بالمثل—كانت هيتاجي سينجوغاهارا.
“… أهلاً، لم نلتقِ منذ فترة طويلة،” قلتُ.
“نعم، لقد مر وقتٌ طويل.”
لقد مرت أقل من ساعة.
“أنا هنا لأعطيك شيئاً نسيته.” وبحضور هذه الكلمات، دفعت المظروف في يدها اليمنى أمام عيني مباشرة. لم تكن بحاجة لتقريبه كل هذا القرب، كان بإمكاني رؤية أنه المظروف الذي يحتوي على مئة ألف ين كأتعاب دفعتها لأوشينو. “نسيان شيء سلمته لك بلا حياء يُعتبر جريمة كبرى يا أراراجي،” وبختني.
“أجل… أسف.”
“اعتذر كما تشاء، لن أسامحك. أتيتُ إلى هنا لكي أتنمر عليك حتى يطمئن قلبي، ولكن يبدو أنك عاقبت نفسك بالفعل. استعراضٌ مثير للإعجاب حقاً للولاء يا أراراجي.”
“اسمعي، أنا لستُ من أولئك الذين يهوون معاقبة أنفسهم…”
“لا داعي لإخفاء الأمر. في ضوء ولائك، سأسامحك على النصف.”
“……”
كانت تخفف عقوبتي دون أن تبسط براءتي.
محكمة سينجوغاهارا تبدو صارمة في القضايا الإجرامية.
“بعيداً عن المزاح،” قالت، “ماذا حدث، هل صدمتك سيارة؟ أرى ذلك الشيء الثمين الذي تسميه دراجتك هناك، ويبدو أنه تعرض لتلف شديد. أو بالأحرى، إنه بارز من عمود الهاتف. كان ليتحتم على قافلة أن تدهسك لكي ينتهي بها المطاف على هذا النحو.”
“أممم…”
“تتذكر رقم لوحتها المعدنية، أليس كذلك؟ سأذهب وأنتقم لك. سأبدأ بتحويل السيارة إلى خردة معدنية، ثم سأخضع السائق لقدر من الألم يجعله يتوسل إليّ لكي أُنهي أمره بدهسه مراراً وتكراراً بدراجة هوائية.”
لم تتردد هيتاجي سينجوغاهارا أبداً في قول أكثر الأمور المروعة.
شعرتُ بالارتياح لأنها لا تزال هي نفسها كالعادة. كان عليّ الاعتراف، رغم ذلك، أن الأمر بدا غريباً وممتعاً في الوقت نفسه لأن لسان سينجوغاهارا السام كان يجعلني أشعر بالحياة…
“… لا، لقد تعثرتُ وسقطتُ فحسب. أحتاج للانتباه إلى أين أسير… كنتُ أقود الدراجة وأنا في مكالمة… واصطدمتُ بعمود الهاتف…”
“فعلتَ ذلك، إذاً. حسناً في هذه الحالة، هل ترغب في أن أدمر ذلك العمود على أقل تقدير؟”
كانت فقط تريد تفريغ غضبها.
ولم تكن حتى ضغينة غير مبررة.
“أرجوكِ لا تفعلي. أنا متأكد من أن الجيران هنا سينزعجون لو فعلتِ…”
“حسناً، إذاً… ولكن تدري يا أراراجي، أنت تمتلك جسداً مرناً للغاية إذا كنتَ قادراً على الارتطام بذلك الجدار الخرساني بقوة كافية لكسره والخروج ببضع جروح وخدوش بسيطة فقط. أنا معجبة. ربما يوماً ما ستتمكن بالفعل من استغلال هذه المرونة بشكل جيد. أوه، يمكنني الاتصال بسيارة إسعاف، ولكن… أفترض أنك لا تحتاج إلى واحدة؟”
“لا…”
هل تكبدت سينجوغاهارا عناء إحضار ذلك المظروف لأنها، مثلي، أرادت منا أن نلتقي بقدر ما نستطيع؟ ربما كانت تنوي استقلال الحافلة لإحضار الرسالة إلى منزلي. إذا كان الأمر كذلك، فما زال هذا غير كافٍ لتصبح “تسونديري” (Tsundere) حقيقية، لكنني استطعتُ تقريباً الشعور بالابتهاج…
أيضاً، لقد أنقذتني.
مهما كان ذلك غير متوقع.
لأن “ذو الرداء المطري” لا بد أنه لاحظ سينجوغاهارا—وانتفى نتيجة لذلك.
“لو ارتحتُ قليلاً فقط،” قلتُ، “سأتمكن من الحركة.”
“أوه. حسناً، سأكافئك بشيء خاص جداً.”
خطوة—
خطت سينجوغاهارا بقدم واحدة فوق وتحت رأسي المستلقي وجهاً لأعلى. أود أن أكرر، زيها في ذلك اليوم كان يتألف من تنورة طويلة. كانت تملك ساقين حافيتين، ملساوين ونحيفتين بدون جوارب—والآن، من المكان الذي كنتُ أستلقي فيه، لم يكن طول تنورتها يهم كثيراً.
“استمتع به حتى تتمكن من الحركة مجدداً.”
“……”
لكي أكون صادقاً، كان بإمكاني النهوض بالفعل—لكنني قررتُ استغلال الفرصة للتفكير في بعض الأمور. ليس لأن التفكير كان نشاطاً مثمراً بالنسبة لي… ولكن في الوقت الحالي.
في الوقت الحالي، فكرتُ في سينجوغاهارا.
وعن الغد.

 

004 كانت سنتين بالنسبة لـ سينجوغاهارا—وأسبوعين بالنسبة لي. من بداية “الأسبوع الذهبي” حتى نهايته بالنسبة لـ هانيكاوا. أما بالنسبة لـ هاتشيكوجي… فلا أعلم، ولا أستطيع أن أُحدد بالضبط كم استمر الأمر. أنا أتحدث عن الفترات التي تواصلنا فيها مع الخوارق—مقدار الوقت الذي استمرت فيه تجاربنا الشاذة. طوال تلك الفترات، وتلك الأحقاب الزمانية، امتدت تجاربنا المرعبة والغير محتملة، والتي لم تكن تمتّ للطبيعة بأي صلة. خذ كويومي أراراجي كمثال. حالي أنا. في عصرنا هذا، وشغاف حضارة القرن الحادي والعشرين، إنه لأمرٌ محرج للغاية لدرجة تجعلني أتمنى لو أجد جُحراً في الأرض ليبتلعني وأختفي فيه؛ لكني وقعت ضحية لمصّاصة دماء قديمة ومبجلة—رعبٌ يخلع القلوب، مصاصة دماء تقليدية وأسطورية، امتصت آخر قطرة دم من جسدي. جففتني تماماً. وأصبحتُ أنا نفسي مصاص دماء. صرتُ أخشى الشمس، وأمقتُ الصلبان، وأتجنبُ الثوم، وأبتعدُ عن الماء المقدس، وفي المقابل، اكتسبتُ قدرات جسدية تفوق قدرات البشر بعشرات، بل بمئات وآلاف المرات. لكن مجدداً في المقابل، شعرتُ بجوع مطلق لدماء البشر—تماماً كأولئك “السائرين في الليل” المشهورين حالياً في المانغا والأنمي والأفلام. بحق، بدا الأمر غير منصف أن أتحول إلى مصاص دماء كلاسيكي بحت. هذه الأيام تجدهم يتجولون في وضح النهار دون مشكلة، ويرتدون الصلبان كإكسسوارات، ويأكلون خبز الثوم ويرتشفون بعده الماء المقدس، ومع ذلك يمتلكون قدرات جسدية خرافية—ألم يصر هذا هو السائد المبتذل الآن؟ ومع ذلك. يبدو أن حاجة مصاص الدماء لامتصاص دماء البشر هي المتغير الوحيد المتبقي ثابتًا. إنهم شياطين ماصّة للدماء في نهاية المطاف. في النهاية، كان مجرد وغدٍ عابر، ليس صياد مصاصي دماء، ولا فريق عمليات خاصة مسيحي، ولا مصاص دماء يصطاد بني جنسه، بل مجرد رجل عابر، وغدٍ لعوب يرتدي قميصاً بألوان صارخة يدعى ميمي أوشينو هو من أنقذني من ذلك الجحيم—لكن ذلك لم يمحُ حقيقة أنني عشتُ خلال تلك السلسلة الممتدة لـ أسبوعين. شيطان. قطة. سلطعون. حلزون. ورغم ذلك، لم أستطع أن أسمح لنفسي بنسيان أن هناك فارقاً حاسماً بيني وبين الثلاث الآخريات. فارقاً كبيراً على وجه الخصوص بين حالة هيتاجي سينجوغاهارا وحالة كويومي أراراجي. لا أعني بذلك طول الفترة الزمنية، بل عمق خسارتنا. لقد قالت إنها لا تنوي العودة إلى ذلك الماضي. ولكن رغم حديثها عن عدم وجود داعٍ أو ضرورة، ألم تكن تقصد أنها لا تستطيع العودة إلى تلك الحقبة من حياتها حتى لو أرادت؟ أقول هذا لأنها… طوال سنتين كاملتين، رفضت كل شيء وأي شيء يمكن أن يُطلق عليه تواصل اجتماعي. قضت هيتاجي سينجوغاهارا سنتين دون أن تخالط أحداً في فصلها—والآن بعد أن انقضت هاتان السنتان، لم يتغير أي شيء. باستثنائي أنا، لم يتغير شيء. كان كويومي أراراجي مجرد استثناء فريد بالنسبة لسينجوغاهارا، ولم تتغير هي على الإطلاق فيما عدا ذلك. لم يكن هناك أدنى فارق بين حالها قبلاً وحالها بعداً. كل ما في الأمر أنها توقفت عن الذهاب إلى عيادة المدرسة. وبدأت في المشاركة في حصص التربية البدنية. كانت تجلس في زاوية الفصل—وتقرأ في صمت. وكأن قراءة كتاب، داخل فصلنا الدراسي، كانت وسيلتها لبناء أسوار حصينة تشيدها ضد زملائها— أصبحت تتحدث معي الآن، ولكن هذا كل ما في الأمر حقاً. أصبحت تتناول الغداء معي الآن، وكان ذلك كل شيء. طالبة نموذجية هادئة عرضة للمرض—كان هذا هو الموقع الذي ما زالت تحتله في فصلنا. كل ما ظنه زملاؤنا هو أن حالتها الصحية قد تحسنت قليلاً، إلى حد ما. أما هانيكاوا، رئيسة فصلنا، فقد رحبت بالأمر بسبيلٍ من البراءة على أنه تغيير جذري—لكنني لم أستطع مشاركتها تفاؤلها البسيط أمام هذه الصورة الجديدة. ربما لم تفقد سينجوغاهارا أي شيء. ربما هي من ألقت به جانباً. ولكنك في النهاية تنتهي إلى النتيجة ذاتها. أنا حتماً لا أريد أن أبدو وكأنني أدعي المعرفة الكاملة، وأغلب الظن أنني لن أعرف الحقيقة مهما كانت طبيعة علاقتي بها مستقبلاً—وأجزم أنه لا ينبغي لي أن أسيء الظن بها أو أستنتج نواياها. التدخل، والتطفل، وكل ما شابه لا يبدو أمراً صائباً. ولكنني لا أستطيع منع نفسي من التساؤل. ماذا لو؟ إذا كان توقف سينجوغاهارا عن حمل دَبّاسة معها يُعدّ تقدماً… إن كان ذلك تغييراً، ألا يمكن أن يكون هناك ما هو أبعد من ذلك؟ ليس فقط فيما يتعلق بي. بل بشأن الأمور الأخرى أيضاً، لو— “مرحباً؟” “نعم، شكراً لإنتظارك. هانيكاوا تتحدث.” “……” بالتأكيد، كانت تلك طريقة رسمية ومهذبة للغاية للرد على المكالمة، ولكن أليست غريبة بعض الشيء عبر هاتف محمول؟ تسوباسا هانيكاوا. رئيسة الفصل—الطالبة النموذجية رفيعة الطراز. امرأة تبدو وكأنها ولدت لتكون رئيسة فصل. رئيسة مجلس الطلبة التي انتخبها الآلهة بنفسها فوق كل رؤساء المجالس—كنتُ أقصدها كدعابة في البداية، ولكن بعد أن قضيت شهرين وأنا أعمل إلى جانبها كنائب لرئيس الفصل، أدركتُ كم هو وصفٌ ملائم بدقة متناهية. كل معرفة ينبغي أن يحافظ عليها البشر، لكنني تمنيتُ لو أنني أُعفيتُ من معرفة تفصيلةٍ مثل هذه. “ما الأمر؟ ليس من عادتك أن تتصل بي يا أراراجي.” “لا شيء حقاً—فقط، كان لدي سؤال أردتُ أن أطرحه عليكِ.” “سؤال؟ لا بأس، لا مانع لدي. أوه، هل هذا يتعلق بما سيفعله فصلنا في المهرجان الثقافي؟ أعتقد أنه من الأفضل ألا تشغل بالك به حتى ننتهي من اختبار المهارات—أنت في موقف حرج تماماً، أليس كذلك؟ يمكنني تولّي جميع الأعمال الروتينية بالطبع. أم أنك تريد إعادة التفكير فيما سنفعله؟ سيكون ذلك صعباً كوننا أجرينا استبياناً بالفعل. أوه، أم أن هناك مشكلة ما ولا نملك خياراً آخر؟ في هذه الحالة نحتاج للتعامل معها على الفور.” “… لم تمنحيني حتى فرصة للإيماء برأسي موافقاً.” لقد دفعت هانيكاوا الحوار إلى الأمام بمفردها تماماً. لم تكن سريعة القفز إلى الاستنتاجات فحسب، بل كانت أسرع في الحديث. كان العثور على ثغرة للدخول في الحديث معها عملاً شاقاً. الساعة الثامنة مساءً. كنتُ في طريق عودتي من شقق تاميكورا، منزل سينجوغاهارا، وكنت أدفع دراجتي الهوائية على الطريق الأسفلتي بدلاً من امتطاء مقعدها. لم يكن السبب أن هاتشيكوجي كانت بجانبي، ولا أن كانبارو لمحتني وركضت نحوي، بل كنت أدفع دراجتي لمجرد أنني بحاجة إلى التفكير قليلاً. انتهى بي المطاف بالاستذكار حتى الثامنة مساءً. ورغم أوهامي الساذجة بأنني ربما سأحصل على فرصة لتناول طعام من طهي سينجوغاهارا للعشاء، لم تُلمّح هي إلى ذلك حتى. وعندما أثرتُ موضوع شعوري بالجوع بصورة عابرة بعد أن لم أعد أحتمل، ودّعتني دون أن تزيد عن قولها: “حسنا. إذاً لنكتفِ بهذا القدر اليوم. أنا متأكدة من أنك تتذكر، ولكن لا يوجد العديد من أعمدة الإضاءة في هذه المنطقة، لذا كن حذراً في طريقك للمنزل. أراك لاحقاً يا تمساح (See you later, alligator).” كانت هيتاجي سينجوغاهارا تعيش بمفردها أساساً لأن والدها غالباً ما يعمل حتى ساعات متاخرة من الليل، لذا لا بد أنها تعرف كيف تطهو، ولكن… كان مستوى صعوبتها مرتفعاً للغاية. بالطبع، لم أعد أشعر بالجوع الشديد بعد الآن، لذا كانت شكواي مجرد كذبة في أغلبها. على أي حال. كنتُ بحاجة للتفكير، ولكننا نتحدث عني هنا، شخصٌ لا تثق معلمته الخصوصية، سينجوغاهارا، في قدرته على تحصيل متوسط الدرجات، لذا لم يكن الأمر ليكون مثمراً بشكل خاص. كان غالبه لمجرد إرضاء ذاتي. والآن، ينفع إرضاء الذات في بعض أمور العالم، دون غيرها، وكان هذا من النوع الأخير. لذا. بينما أدفع دراجتي بيدي اليمنى وأسير، اتصلتُ بـ هانيكاوا على هاتفها المحمول. كانت الثامنة والنصف مساءً—ما إذا كانت تلك ساعة مناسبة للاتصال بفتاة لست مقرباً منها كثيراً، فهذا سؤال لا أستطيع الإجابة عنه، لكن رد فعل هانيكاوا أوحى بأنه يقع ضمن حدود السلوك المقبول. وهي، باعتبارها تجسيداً للجدية ونموذجاً للأخلاق، كانت ستخبرني لو أنني تصرفتُ خارج حدود الأدب. “أمم، هانيكاوا. قد يستغرق هذا وقتاً طويلاً قليلاً، هل لديك دقيقة؟” “همم؟ لا بأس. كنتُ أدرس دراسة خفيفة فحسب.” “……” قولها لذلك دون لمحة واحدة من السخرية هو ما جعلها رئيسة فصل بين رؤساء الفصول انتخبتها الآلهة بنفسها. خفيفة… أي نوع من الدراسة يمكن أن تعنيه؟ “حسناً، طيّب،” قلتُ، “سأحاول أن أختصر قدر الإمكان… لقد ذهبتِ إلى نفس المدرسة المتوسطة التي ذهبت إليها سينجوغاهارا، أليس كذلك؟ ماذا كان اسمها مجدداً—أوه، مدرسة كييوكازي المتوسطة الحكومية؟” “أجل، هي بعينها.” “إذاً لا بد أنكِ تعرفين فتاة أصغر منكِ بعام تُدعى سوروغا كانبارو.” “حسناً نعم، بالطبع؟ أعني، هل هناك من لا يعرفها؟ حتى أنت تعرف من تكون، أليس كذلك؟ إنها قائدة فريق كرة السلة، ونجمة على مستوى المدرسة بأكملها. لقد ذهبتُ مع صديقاتي للتشجيع من المدرجات في بعض مبارياتها.” “لا، استمعي. أنا لا أتحدث عن الآن—أردتُ أن أسأل عن كانبارو في أيام المدرسة المتوسطة.” “هممم؟ تريد ذلك؟ لماذا؟” “ولِمَ لا؟” “هاه… حسناً، كان الأمر شبيهاً بذلك تقريباً في المتوسطة. كانت نجمة فريق كرة السلة والجميع يعرفونها. يبدو أنها كانت قائدة الفريق هناك أيضاً، بدءاً من النصف الثاني من سنتها الثانية تقريباً. لماذا تسأل؟” “أوه، أمم—” لم أستطع إخبارها. لم أستطع التفوه بتلك الكلمات. لم يكن بمقدوري مطلقاً إقناعها. بأن تلك النجمة بالذات كانت، بعبارة غير لطيفة، تطاردني وتتعقبني أنا بالذات، من بين كل الناس. وبما أن الأمر كذلك، فإن الحجم الذي ينبغي لي التشدق به من هذه المشكلة كان مسألة شائكة، ولكن مجدداً، نحن نتحدث عن هانيكاوا، لذا ربما كان من البأس مشاركة قدر بسيط من مأزقي. وسأقوم بالطبع بتمويه جوانب معينة حسب الحاجة. “سمعتُ أنها وسينجوغاهارا كانتا صديقتين في المرحلة المتوسطة—هل كانتا كذلك؟” “هممم؟ لا، أعتقد أنني أخبرتك، لكن الأمر لم يكن وكأنني وسينجوغاهارا كان بيننا أي تواصل يُذكر لمجرد أننا ذهبنا إلى نفس المدرسة المتوسطة. كانت هي من المشاهير، لذا فإن ذات الرداء الرث القديمة مثلي كانت تعرفها من جانب واحد فحسب—” “أنا متأثر كالعادة بتواضعك، ولكن لو استطعنا تنحية مبادلاتنا المعتادة جانباً لهذا اليوم—” “ثنائي فالهالا.” “ماذا؟” “لقد ذكرتني للتو. هذا ما كان يُطلق عليهما، ثنائي فالهالا (Valhalla Duo). سينجوغاهارا من فريق ألعاب القوى وكانبارو من فريق كرة السلة.” “ثنائي فالهالا؟ ماذا تعني هذه الكلمة مجدداً، أشعر وكأنني سمعتها في مكان ما. ولماذا يُطلق عليهما ذلك…” “حرفا ‘بارو’ من ‘كانبارو’ و’هارا’ من ‘سينجوغاهارا’ يعطيك ‘باروهارا’. وفالهالا، من الأسطورة النوردية، هي قاعة السماء حيث يقيم أودين، الكائن الأسمى، ويستقبل أرواح الأبطال الذين قضوا في المعارك. إنها بمثابة أرض مقدسة لإله الحرب، لذا—” “… آها، اسم كانبارو يبدأ بالحرف المعبر عن ‘الإله’ واسم سينجوغاهارا بالحرفين المعبرين عن ‘ساحة المعركة’.” “ومن هنا جاء ‘ثنائي فالهالا’.” “ياه…” لا يمكنك أن تطمح لملائمة أكثر إحكاماً من هذه. كيف يشغل بعض الناس عقولهم لابتكار مجرد لقب… لو أردتُ التدقيق، لقلت إنه بدا جميلاً أكثر من اللازم، بحيث لا يسعك سوى التنهد وتجد نفسك في موقف صعب، ولكن هذا مجرد امتعاضٍ مني بصفتي الشخص العقلاني المحترف المتمرس. أشارت هانيكاوا: “بما أنهما كانتا تُدعَيان ثنائياً، أفترض أن علاقتهما على الأقل لم تكن سيئة أو عدائية. كانت سينجوغاهارا في فريق ألعاب القوى حتى ما قبل التخرج مباشرة، لذا لا بد أنهما التقيتا كزميلتين رياضيتين على أقل تقدير.” “أنتِ حقاً تعرفين كل شيء.” “أنا لا أعرف كل شيء. أنا فقط أعرف ما أعرفه.” نفس الحوار المعتاد دائماً. على أي حال… لقد تأكدتُ من خلفيتهما. والآن بعد أن فعلت—ماذا بعد؟ كيف سأقترب من الصورة الأمامية؟ “أعلم أنني سألتكِ هذا من قبل،” قلتُ، “ولكن عندما كانت سينجوغاهارا في المرحلة المتوسطة… لم تكن تشبه بأي حال ما هي عليه الآن، أليس كذلك؟” “صحيح، لم تكن كذلك. يبدو أن سينجوغاهارا تتغير قليلًا في الآونة الأخيرة، لكنها لا تزال ليست الشخص الذي كانت عليه.” “أوه…” كانت تتغير. ولكن فقط عندما يتعلق الأمر بي. إذاً—لم تكن الشخص الذي كانت عليه في الماضي. “أفترض أنها لا بد وأنها كانت محبوبة جداً لدى صغار السن من طلاب السنوات الأدنى؟” “نعم، من الفتيان والفتيات على حد سواء. وليس فقط من هم أصغر منها، أتعلم. كان طلاب السنوات الأعلى يحبونها عندما كانت لا تزال هناك سنوات أعلى منها، وكانت تحظى بتقدير كبير من طلاب جيلها—” “محبوبة من الجميع—صغاراً وكباراً، ذكوراً وإناثاً.” “المرحلة المتوسطة تستمر لثلاث سنوات فقط، لذا فإن عبارة ‘صغاراً وكباراً’ ستكون مبالغة. ولكن لو كان عليّ اختيار مجموعة محددة، فقد تكون الأكثر شعبية بين الفتيات اللاتي كن أصغر منها سناً. هذا ما كنت تحاول السؤال عنه، أليس كذلك؟” “… أنا سعيد لأنك حادة الملاحظة للغاية.” لكنها كانت حادة الملاحظة أكثر من اللازم. لم تكن أوشينو، ولكن بدا وكأنها تخترقني ببصرها. “ولكن، يا أراراجي، أنت تحب سينجوغاهارا كما هي عليه الآن، بغض النظر عمن كانت عليه في الماضي، أليس كذلك؟” “………” تمنيتُ لو أنها تعلم أنها تتصرف تماماً كطالبة في الصف الخامس. بالمناسبة، مع أننا لم نصرح بذات الأمر لأي شخص على الإطلاق، إلا أن الجميع كان يعلم أنني وسينجوغاهارا نتواعد. لم نكن نُجابه بالسخرية العلنية أو المزاح المفرط. كانت سينجوغاهارا تُعتبر طالبة نموذجية وحسنةَ الخلق من قبل فصلنا، لذا بالطبع لم يتعرضوا لها، ومن جانبي لم أكن ببساطة من نوع الزملاء الذين يجذبون هذا النوع من التصرفات. ولكن حتى مع ذلك، كان الموقف برمته معرفة عامة، تفاهماً ضمنياً. كانت الشائعات أشياء مخيفة. لا بد أن الشائعة استغرقت بعض الوقت على الأقل لتقفز فوق السور الفاصل بين طلاب السنة الثالثة والسنة الثانية وتصل إلى كانبارو… حسناً، عندما تأخذ في الاعتبار أن سينجوغاهارا كانت شخصية مشهورة إلى جانب حقيقة أنها تشغل بال كانبارو، فقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً إلى حد ما، ولكن هذا هو الحال بين السنوات المختلفة. “أراراجي، أعلم أنني قلتُ لك هذا مراراً وتكراراً، ولكن حافظ على علاقتك نزهة وأفلاطونية. احذر حتى لا تكون هناك أي شائعات بذيئة. رغم أن سينجوغاهارا تبدو فتاة جادة، وأشك في أن علاقتكما ستتحول إلى شيء مبتذل.” “جادة، هاه…” إذا فكرتُ في الأمر، فإن هانيكاوا كانت لا تزال لا تعرف سينجوغاهارا الحقيقية… كان زملاؤنا الآخرون شيئاً، ولكن خداع هانيكاوا المذهلة، رئيسة الفصل، التي عرفت أننا سنخرج معاً قبل أن نفعل ذلك في الواقع—سينجوغاهارا نفسها كانت لاعبة لا تُستهان بها. من هذا الجانب، يمكنك القول إنها كانت تظهر لي جانباً من نفسها لا تظهره لأي شخص آخر… هممم، لكن هذا لم يمتعني بسعادة خاصة. ليس هذا ما يفترض أن يعنيه كونك استثناءً فريداً. ولكن حقاً، كانت تلك هي حالة علاقتنا تقريباً. لم تكن حتى تطهو لي، فكيف لعلاقتنا أن تنحدر إلى الابتذال والسوقية؟ …… أوه. إذا جرى صدّها—فبغض النظر عما كان عليه الأمر في المتوسطة، كانت كانبارو تعرف طبيعة سينجوغاهارا الحقيقية جيدا. إذا كانت تقترب للتحدث معي على أي حال، فإنها إذن— “سينجوغاهارا شخصية صعبة، حسناً؟” قالت هانيكاوا فجأة. عندما فعلت—تذكرتُ أنها قالت لي شيئاً مشابهاً في الماضي أيضاً. كانت هذه هانيكاوا تتحدث بالطبع، لذا لا يمكن أن يكون الأمر متعلقاً بمستوى صعوبة التحدي مع هيتاجي سينجوغاهارا. تابعت هانيكاوا: “لستُ خبيرة من أي نوع، لكنها أنشأت حشداً من القوة لا يُخترق حول نفسها كما في الألعاب.” “………” “وأنت شخص آخر يمتلك واحداً، يا أراراجي. كل شخص لديه واحد حوله، بغض النظر عن مدى قوته—دعنا نسميه إحساساً بالخصوصية—لكنك أنت وسينجوغاهارا بنيتما قلاعاً وتحصنتم داخلها. أمثال هؤلاء يجدون التفاعل البشري مزعجاً بشكل عام. هل يرن هذا جرس تذكر في عقلك؟” “هل تتحدثين عني؟ أم عن سينجوغاهارا؟” “كلاكما.” “حسناً، أجل.” بالطبع. ولكن في هذه الحالة. “مع ذلك، يا أراراجي، عدم محبة التعامل مع الناس وعدم محبة الناس هما أمران مختلفان.” “ماذا؟ أليسا الشيء نفسه؟” “‘المنغصات تأتي / في صور ليس أعظم منها / صورة الزائر’…” أنشدت هانيكاوا بصوت هادئ وخفيض، “‘ولكن بالطبع أنا لا أتحدث / عنك أنت، يا صديقي المحترم’… لا يهمني كم أنت سيئ في الأدب يا أراراجي، فلا بد أنك تفهم ما تقوله هذه القصيدة، أليس كذلك؟ وما أحاول قوله؟” “… أفهم ذلك.” لم أستطع الرد بأي طريقة أخرى. رغم أنني استسأتُ معاملتي كطفل. ومع ذلك—كل ما استطعتُ فعله هو شكرها. “شكراً. أسف لإضاعة وقتك بهذا الهراء.” “إنه ليس هراءً. من الطبيعي أن ترغب في معرفة المزيد عن شخصك المميز.” قالت هانيكاوا ذلك حقاً. لم تفكر مرتين قبل أن تقول شيئاً محرجاً للغاية. رئيسة فصل من بين رؤساء الفصول حقاً. وأضافت: “لكن، أعتقد أنه من الأفضل عدم نبش ماضي حبيبتك أكثر من اللازم. لا تدع الأمر يتحول إلى تسلية ولعب. ابقَ ضمن الحدود.” وبعد أن وضعت نقطة عريضة أخيرة على حديثها، أرفقت عبارة “وداعاً إذاً”، وسكتت. تحيرتُ في سبب قولها وداعاً دون أن تغلق الخط، حتى تذكرتُ كيف علمتني خلال عطلة الربيع أن إتيكيت المكالمات يقضي بأن يقوم المتصل بالإنهاء. أوه، يا لها من فتاة مفرطة في الصواب بشكل يرعب… وأنا أفكر في مثل هذه الأفكار، قلتُ لها: “وداعاً، أراكِ غداً في المدرسة”، وضغطتُ على الزر لإغلاق المكالمة. طويتُ هاتفي المحمول ووضعته في جيبي الخلفي. إذاً، ماذا الآن؟ كبشر وقف في نفس الموقف يوماً ما ومر بنفس نوع التجربة التي مرت بها سينجوغاهارا، كنتُ بالطبع أفهم كلماتها وأفعالها إلى حد ما—لكنني وجدتُ تعاطفي يميل إلى جانب كانبارو. إذا كان ذلك ممكناً—فكرتُ. لو أن ذلك يحدث فحسب. سيكون تدخلاً لا داعي له، وتجاوزاً للحدود، ومعروفاً غير مطلوب—لقد كشفت لي سينجوغاهارا عن فلسفتها الغريبة حيث يُعتبر الكرم نوعاً من العدوانية، وهذا لم تكن تشوب منه شائبة الكرم حتى. بعد كل شيء، كان جزءٌ من الأمر يتعلق بحساباتي الخسيسة. دافع مغرور لدرجة أنني انكمشتُ من مجرد الفكرة، ناهيك عن التعبير عنها. لكنني لم أستطع منع نفسي من التفكير— أردتُ لسينجوغاهارا أن تستعيد ما فقدته. أردتُ لسينجوغاهارا أن تلتقط ما ألقته جانباً. لماذا؟ لأن تلك كانت أشياءً لا يمكنني فعلها أبداً— “سؤال أوشينو عن هذا لن يجدي نفعاً… ذلك الأحمق المرح غالباً لا يلقي بالاً بالرعاية اللاحقة والمتابعة. ليس وكأنني الشخص الصالح للتحدث… انتظر، لحظة.” غالباً ما تعود التفاصيل المهمة والمنسية في ومضة خاطفة دون أي سبب على الإطلاق، وهذا بالضبط ما حدث. فتحتُ سحاب الحقيبة الرياضية المتدلية من كتفي وتحققتُ من الداخل. لم أكن بحاجة إلى ذلك لأعرف، لكنني أملتُ خائباً عكس ذلك. وبطبيعة الحال—المظروف الذي استلمته من سينجوغاهارا لم يكن بالداخل. المظروف الذي يحتوي على أتعاب أوشينو لقاء الخدمات التي قدمها. “لقد تركته على تلك الوسادة بجانبي… ياه، ماذا الآن؟” كان الأمر يتعلق بالمال، لذا كان من الأفضل التعامل معه في أقرب فرصة، ولكن لم يكن هناك داعٍ للشعور بالعجلة الشديدة، وكان بإمكاني أخذها من سينجوغاهارا عندما أراها في المدرسة في اليوم التالي، ولكن… ماذا أفعل؟ رغم أنني شككتُ في ذلك، لم أستطع استبعاد احتمال أنني وضعته في أحد جيوبي وأنه سقط مني دون أن ألاحظ بينما كنتُ أسير متحدثاً على الهاتف مع هانيكاوا، لذا ربما ينبغي لي الاتصال بسينجوغاهارا والتأكد، تحسباً فقط… لا. كنتُ أدفع دراجتي إلى جانبي وأنا أسير، لذا لم أكن لأقطع كل تلك المسافة الطويلة. لو ركبتُ دراجتي وعدتُ إلى شقق تاميكورا، فسأكون هناك في لمح البصر. في هذه الحالة، كان التصرف الصحيح هو العودة فوراً لأخذه. كان هناك خطر أن ينتهي بي المطاف بمواجهة والد سينجوغاهارا بالنظر إلى مدى تأخر الوقت، لكن الاحتمال بدا ضئيلاً بالنظر إلى ما سمعته عن مدى كدحه في العمل. بالتأكيد، المكالمة الهاتفية كانت ستؤدي الغرض نفسه، لكنني أردتُ رؤية سينجوغاهارا بقدر ما أستطيع. ليس وكأنني أعرف كيف أمتلك المبادرة. يمكن غفران تصرفي على الأقل بقليلٍ من سلوك الخِلاّن. “حسناً إذاً.” امتطيتُ مقعد دراجتي، واستدرتُ— وتساءلتُ عما إذا كانت تمطر. ليس لأن قطرة ماء أصابت خدي أو أي شيء من هذا القبيل، ولكن بسبب ما رأيته أمامي مباشرة بعد إدارة دراجتي—شخصية بشرية، أمامي مباشرة وكأنها كانت تطاردني طوال الوقت، دخلت في مجال رؤيتي. شكلٌ بشري. يرتدي معطف مطر من الرأس إلى القدمين. وكان يضع قلنسوته عميقاً على رأسه. أحذية مطاطية سوداء… وزوج من القفازات المطاطية. لو كانت تمطر، لكان هذا الزي يوفر حماية مثالية من التغيرات الجوية… ولكن رغم أنني فتحتُ كفي، لم أشعر بقطرة واحدة في النهاية. كانت النجوم تملأ السماء. كنا في بلدة ريفية على بعد مسافة من مدينة إقليمية—لذا باستثناء بضع مزق من السحب، لم يكن هناك شيء في سماء الليل مجرداً ليتحدى ضوء النجوم. “… أمم.” أوه… كنتُ أعلم… كنتُ أعلم ما الذي يجري هنا… كنتُ أعرف ذلك جيداً، جيداً جداً. كان هذا ما حدث خلال عطلة الربيع، ما خبرته بأكثر مما ينبغي… ومع ذلك لم أستطع مسح ابتسامة ساخرة، تعبير غير ملائم بالمرة للمناسبة، عن وجهي. كان الشعور أشبه بأمرٍ ألفته لدرجة أنني شعرتُ تقريباً بوخزة حنين، على نحو غريب. وتذكرتُ تجربتي مع هانيكاوا خلال الأسبوع الذهبي أيضاً. إذا كانت هناك مشكلة هنا… فهي أنه على عكس ما كان عليه الحال في عطلة الربيع، لم يعد جسدي خالداً ولم أعد مصاص دماء. لم يكن هذا وقتاً لأحافظ فيه على هدوء أعصابي… ولكن الهدوء كان بالضبط ما احتجتُ إليه لأميزه وأعرف طبيعته. يمكنك القول إنه على مدار الأشهر القليلة الماضية، أصبحتُ معتاداً بعض الشيء، متأقلمة حواسي— على التعامل مع الخوارق. … أملتُ أن تكون ظاهرةً لا تسبب ضررًا جسديًا كالذي حدث في يوم الأم، حلزون هاتشيكوجي… لكن غرائزي أخبرتني أن عليّ الفرار. لا، ليست غرائزي، بل الغرائز المتبقية لمصاص دماء أسطوري كانت تعشش حتماً في مكان ما داخل جسدي— حاولتُ إدارة دراجتي الهوائية للعودة—ولكن في حرارة اللحظة، قررتُ أن أنحرف بعيدًا عنها وأتدحرج على الأرض. كان قراراً صائباً—في المقابل، خسرتُ دراجتي الجبلية الثمينة إلى الأبد. قفز “ذو الرداء المطري” في اتجاهي بسرعة أكبر من أن تتبعها عيناي وضرب، بلقمة يده اليسرى، منتصف مقود دراجتي الجبلية تماماً بينما أقفز مبتعداً عن الطريق—سحق الدراجة وجعلها هشيماً وأرسلها تطير كقطعة قماش خفيفة الوزن سقطت في إعصار عارم. بحلول الوقت الذي ارتطمت فيه بعمود الهاتف وسقطت على الأرض، كانت الهيئة المفترضة لدراجة جبلية قد فقدت كل أثر لشكلها الأصلي. لو لم أتفادَها—لكنتُ أنا من حدث له ذلك. أليس كذلك؟ كان ضغط الرياح الناجم عن تلك القَبضة كافياً لتمزيق ملابسي. وانقطعت حبال حقيبتي الرياضية أيضاً، وسقطت من كتفي لترتطم عند قدمي. “… إ-إنه في مستوى مختلف تماماً.” حتى ابتسامتي الساخرة—تلاشت من وجهي. لقد كنتُ فقط في المحيط الخارجي لهجومه، ولم أستطع تصديق وجوده المروع… ربما لم يكن يضاهي مصاص دماء أسطورياً، ولكنه كان مهيباً بدرجة تكفي لعقد المقارنة… كائن خارق جلب الرعب الجسدي في أعقابه. انسَ أمر يوم الأم. كان هذا، دون أدنى شك، طراز عطلة الربيع. لقد فقدتُ دراجتي. هل لا يزال بإمكاني الهرب ركضاً على القدمين؟ على الأقل مما رأيته من تحركات “ذو الرداء المطري”… حسناً، لم أرها في الواقع، ولكن بالنظر إلى تحركاته السريعة بشكل لا يُرى، كان الابتعاد على القدمين أمراً مستحيلاً. بالإضافة إلى ذلك. حتى لو كان الأمر يتعلق بالهرب، لم أكن أريد أن أولي ظهري لهذا الكائن—لا شيء بدا أكثر إخافة من إعطاء ظهري لـ “ذو الرداء المطري”، وإبعاد عيني عنه. كان خوفي أمراً لا مفر منه. لذا أنسحبُ عما قلته للتو. أنت لا تعتاد أبداً على مثل هذا الشعور. لا تتأقلم مهما كانت المرات التي تخوض فيها مثل هذه التجربة. أنت لا تريد حتى أن تتذكر. استدار “ذو الرداء المطري” نحوي. جعل وجهه المكتسي بالقلنسوة من الصعب قراءة تعابيره—في الواقع، بدلاً من التعبير، كان هناك ما يشبه الحفرة العميقة. كان مظلماً—مظلماً جداً لدرجة أنني لم أستطع رؤية أي شيء. وكأنه اقتُطع من هذا العالم. وكأنه أُهمل خارج هذا العالم. ثم، خطا “ذو الرداء المطري” خطوة نحوي. قبضته اليسرى. جاءت أسرع من أن تتفاداها ردود أفعالي بمفردها—لكنها رسمت خطاً مستقيماً مثالياً مثل الضربة التي دمرت دراجتي الجبلية، لذا كنت مستعداً للرد عند أول إشارة للحركة واستطعتُ التملص منها مجدداً، بفارق بوصة واحدة—والقبضة اليسرى التي تفاديتها اخترقت الجدار المصنوع من الكتل الخرسانية خلفي وكأنه لا شيء. كان الأمر تقريباً مثل إطلاق منجنيق. بينما كنت مذهولاً من إمكاناته التدميرية المضحكة، ظننتُ أنني سأكون قادرًا على استخدام الفارق الزمني لاستعادة موقفي بينما يسحب “ذو الرداء المطري” يده اليسرى من الجدار، بما أنه كان مثل قرد يده المغلقة محشورة داخل جرة، ولكن لا، بالطبع لا، لم تكن الأمور لتكون بهذه السلاسة، ولم يكن “ذو الرداء المطري” ليعطيني بضع ثوانٍ. وكأن سداً ينهار حول تسرب، انهارت أمتارٌ من الجدار الخرساني وسقطت بفرقعة هائلة. أعادني ذلك إلى الوراء. إذاً، لا وجود لفارق زمني. بدا أن “ذو الرداء المطري” يلوي جسده بالكامل بينما جاءت قبضته اليسرى نحو رأسي مباشرة—هذه المرة لم تكن هناك إشارة، ولا حركة أولية، بل مجرد محاولة جازمة للكمي من موقعه الحالي. منجنيق. دعك من التفادي، لم أستطع حتى الدفاع. لم أكن أعرف حتى أين أصابني. بعد لحظة، بدأ عالمي بالدوران، ثم مجدداً، ثلاث مرات، أربعاً، وكأن العمليات العقلية الخاصة بي يجري خلطها، وهاجمتني قوى جاذبية هائلة من كل اتجاه، صعوداً وهبوطاً، يساراً ويميناً، وبدأ العالم يتشوه وينثني قبل أن أُرطم منبطحاً على وجهي فوق الأسفلت. تعلمتُ كيف قد يكون الشعور عندما يُبشر جسدك بالكامل. شعرتُ وكأنني قالب جُبن يُحول إلى شرائح ملتوية. ومع ذلك—كان الأمر يؤلم. وإذا كان يؤلم، فأنا ما زلت حياً. كان جسدي يؤلمني من الرأس إلى القدمين، لكن بطني أكثر من أي شيء آخر—لا بد أنني تُلقيتُ لكمة في أحشائي. حاولت الوقوف في حالة من الهلع، لكن ساقي لُفتا وارتعشتا لدرجة أن كل ما استطعت فعله هو التحول من الوضع المنبطح إلى الاستلقاء على الظهر. كان “ذو الرداء المطري” بعيداً بشكل مفزع. بدا الأمر على هذا النحو. ظننتُ أنه وهم بصر—لكن لا، لقد كان بعيداً حقاً. بدا أن تلك الضربة الواحدة قد أرسلتني أطير لمسافة غير معقولة. لقد كان حقاً منجنيقاً. كانت أحشائي—تتقزز. الألم الذي كنتُ أشعر به… قد شعرتُ به من قبل. لم تكن عظامي. كان هناك عدد من أعضائي قد تمزق. وفي حين أنها قد تكون دُمّرت، إلا أن حال جسدي كان، إن صح التعبير، يُرثى له. صحيح، المفاصل والبشر صنعوا بشكل مختلف، لذا حتى لو تلقوا نفس اللكمة، فإن أحدهم لا يتحول إلى قطعة ورق مجعدة. أحسنتِ يا مفاصل. تحيا العضلات. بعد أن قلت ذلك… لم أستطع التحرك بفضل الضرر الذي تعرضت له. وكان “ذو الرداء المطري” يقترب مني—هذه المرة بوتيرة هادئة، بطيئة بما يكفي لأراه بوضوح ولتنطبع هيئته في عقلي. ربما ضربة واحدة أخرى، وإن لم تكن، فاثنتان أو ثلاث وسينتهي كل شيء—بكلمات أخرى، لم يكن هناك داعٍ لشعوره بالعجلة أو نفاد الصبر الآن. كان ذلك منطقياً. كان قراراً معقولاً. ولكن… ماذا كان يحدث؟ كان هذا الكائن من الناحية العملية قاتلاً يبحث عن الإثارة… كان من الواضح الآن أنه، بغض النظر عن شكله الشبيه بالبشر، لم يكن “بشرياً” بالنظر إلى قدرته على سحق دراجة ودك جدار خرساني—ولكن لماذا كان يهاجمني؟ لكل ظاهرة خارقة، كان هناك سبب. لم تكن مجرد أمور غامضة. كانت عقلانية—قائمة على أسباب. كان هذا أثمن شيء تعلمته من أوشينو، ومن وقتي مع مصاصة الدماء الحسناء—لذا، كان الاستنتاج المنطقي هو أن هناك سبباً لهذا الخارق أيضاً، ومع ذلك لم أستطع التفكير في أي شيء— ما الذي كان السبب؟ عدتُ بذاكرتي إلى أحداث اليوم. فكرتُ فيمن رأيتهم. مايوي هاتشيكوجي. هيتاجي سينجوغاهارا. تسوباسا هانيكاوا— شقيقتاي الصغيرتان، معلمة فصلي، زملاء فصلي الذين كانت وجوههم ضبابية، و… وبينما كنتُ أستحضر الأسماء دون ترتيب معين— تذكرتُ اسم سوروغا كانبارو في ذيل القائمة. “………!” في تلك اللحظة بالذات—استدار “ذو الرداء المطري”. استدار جسده الشبيه بالبشر بزاوية 180 درجة كاملة. وما إن فعل، حتى انطلق في ركضة سريعة— واختفى. كان الأمر مفاجئاً لدرجة أنني وجدتُ نفسي عاجزاً عن التعبير. “مـ… ماذا؟” لماذا يفعل ذلك فجأة؟ نظرتُ أعلى إلى السماء بينما تحول الألم الذي يسود جسدي من كليل إلى حاد—وما زال ضوء النجوم جميلاً. كان ذلك مشهداً غير متناسق بالمرة بالنظر إلى رائحة الدم الخفيفة الفائحة في الهواء من جميع أنحاء جسدي. كان فمي مليئاً بالعمق بطعم الدم الكثيف. نعم، كانت أعضائي مجروحة حتماً. لقد اختُضّت أحشائي بقوة. لكن لا ينبغي أن يكون هذا كافياً لقتلي… ولن أحتاج حتى للذهاب إلى المستشفى. ورغم أن جسدي قد لا يكون خالداً بعد الآن، إلا أنني لا أزال أحتفظ بقدر يسير من قدرات التجدد. ليلة من الراحة ستعيدني وقافاً على قدمي. إذاً لقد نجحتُ في الهرب بحياتي سليمة بصعوبة… ولكن… فجأة، وبدون أي سبب محدد، تذكرتُ اللحظة التي سبقت إصابتي. كانت القبضة اليسرى لـ “ذو الرداء المطري” موجهة في اتجاهي—حدثت لي استرجاعات شريطية مركزة على تلك القبضة، وتلك القبضة وحدها. ربما عندما ضرب دراجتي، أو ربما عندما اخترقت قبضته الجدار، ولكن الاحتكاك الناجم عن الضربة لا بد أنه دمر القفاز المطاطي، فاتحاً خطاً من أربعة ثقوب عند قاعدة أصابعه—وتماماً مثل الجزء الداخلي من قلنسوته، بدت بطريقة ما مقتطعة، مسبورة، مجوفة، ولكن. محتويات تلك القبضة المكتسية بالقفاز. كانت تعود لـ نوع ما من الوحوش— “أراراجي،” سمعتُ صوتاً ينادي من فوقي. صوتٌ مستوٍ، بارد جداً لدرجة أنه تحت الصفر. عندما نظرتُ نحوه، التقيتُ بنظرة باردة خالية من المشاعر بالمثل—كانت هيتاجي سينجوغاهارا. “… أهلاً، لم نلتقِ منذ فترة طويلة،” قلتُ. “نعم، لقد مر وقتٌ طويل.” لقد مرت أقل من ساعة. “أنا هنا لأعطيك شيئاً نسيته.” وبحضور هذه الكلمات، دفعت المظروف في يدها اليمنى أمام عيني مباشرة. لم تكن بحاجة لتقريبه كل هذا القرب، كان بإمكاني رؤية أنه المظروف الذي يحتوي على مئة ألف ين كأتعاب دفعتها لأوشينو. “نسيان شيء سلمته لك بلا حياء يُعتبر جريمة كبرى يا أراراجي،” وبختني. “أجل… أسف.” “اعتذر كما تشاء، لن أسامحك. أتيتُ إلى هنا لكي أتنمر عليك حتى يطمئن قلبي، ولكن يبدو أنك عاقبت نفسك بالفعل. استعراضٌ مثير للإعجاب حقاً للولاء يا أراراجي.” “اسمعي، أنا لستُ من أولئك الذين يهوون معاقبة أنفسهم…” “لا داعي لإخفاء الأمر. في ضوء ولائك، سأسامحك على النصف.” “……” كانت تخفف عقوبتي دون أن تبسط براءتي. محكمة سينجوغاهارا تبدو صارمة في القضايا الإجرامية. “بعيداً عن المزاح،” قالت، “ماذا حدث، هل صدمتك سيارة؟ أرى ذلك الشيء الثمين الذي تسميه دراجتك هناك، ويبدو أنه تعرض لتلف شديد. أو بالأحرى، إنه بارز من عمود الهاتف. كان ليتحتم على قافلة أن تدهسك لكي ينتهي بها المطاف على هذا النحو.” “أممم…” “تتذكر رقم لوحتها المعدنية، أليس كذلك؟ سأذهب وأنتقم لك. سأبدأ بتحويل السيارة إلى خردة معدنية، ثم سأخضع السائق لقدر من الألم يجعله يتوسل إليّ لكي أُنهي أمره بدهسه مراراً وتكراراً بدراجة هوائية.” لم تتردد هيتاجي سينجوغاهارا أبداً في قول أكثر الأمور المروعة. شعرتُ بالارتياح لأنها لا تزال هي نفسها كالعادة. كان عليّ الاعتراف، رغم ذلك، أن الأمر بدا غريباً وممتعاً في الوقت نفسه لأن لسان سينجوغاهارا السام كان يجعلني أشعر بالحياة… “… لا، لقد تعثرتُ وسقطتُ فحسب. أحتاج للانتباه إلى أين أسير… كنتُ أقود الدراجة وأنا في مكالمة… واصطدمتُ بعمود الهاتف…” “فعلتَ ذلك، إذاً. حسناً في هذه الحالة، هل ترغب في أن أدمر ذلك العمود على أقل تقدير؟” كانت فقط تريد تفريغ غضبها. ولم تكن حتى ضغينة غير مبررة. “أرجوكِ لا تفعلي. أنا متأكد من أن الجيران هنا سينزعجون لو فعلتِ…” “حسناً، إذاً… ولكن تدري يا أراراجي، أنت تمتلك جسداً مرناً للغاية إذا كنتَ قادراً على الارتطام بذلك الجدار الخرساني بقوة كافية لكسره والخروج ببضع جروح وخدوش بسيطة فقط. أنا معجبة. ربما يوماً ما ستتمكن بالفعل من استغلال هذه المرونة بشكل جيد. أوه، يمكنني الاتصال بسيارة إسعاف، ولكن… أفترض أنك لا تحتاج إلى واحدة؟” “لا…” هل تكبدت سينجوغاهارا عناء إحضار ذلك المظروف لأنها، مثلي، أرادت منا أن نلتقي بقدر ما نستطيع؟ ربما كانت تنوي استقلال الحافلة لإحضار الرسالة إلى منزلي. إذا كان الأمر كذلك، فما زال هذا غير كافٍ لتصبح “تسونديري” (Tsundere) حقيقية، لكنني استطعتُ تقريباً الشعور بالابتهاج… أيضاً، لقد أنقذتني. مهما كان ذلك غير متوقع. لأن “ذو الرداء المطري” لا بد أنه لاحظ سينجوغاهارا—وانتفى نتيجة لذلك. “لو ارتحتُ قليلاً فقط،” قلتُ، “سأتمكن من الحركة.” “أوه. حسناً، سأكافئك بشيء خاص جداً.” خطوة— خطت سينجوغاهارا بقدم واحدة فوق وتحت رأسي المستلقي وجهاً لأعلى. أود أن أكرر، زيها في ذلك اليوم كان يتألف من تنورة طويلة. كانت تملك ساقين حافيتين، ملساوين ونحيفتين بدون جوارب—والآن، من المكان الذي كنتُ أستلقي فيه، لم يكن طول تنورتها يهم كثيراً. “استمتع به حتى تتمكن من الحركة مجدداً.” “……” لكي أكون صادقاً، كان بإمكاني النهوض بالفعل—لكنني قررتُ استغلال الفرصة للتفكير في بعض الأمور. ليس لأن التفكير كان نشاطاً مثمراً بالنسبة لي… ولكن في الوقت الحالي. في الوقت الحالي، فكرتُ في سينجوغاهارا. وعن الغد.  

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط