قطة تسوباسا — الفصل السادس
006
006
بما أن بلاك هانيكاوا قدّمت شرحًا واضحًا ومفهومًا حتى للمبتدئين، فإن الانتقال الآن إلى مشهد استرجاع للذكريات يبدو مفتعلًا بعض الشيء، لكن، على أي حال، ومن باب تمهيد الأجواء أيضًا، فلنعد ضبط الخط الزمني هنا إلى صباح اليوم الأول من العطلة الذهبية، أي التاسع والعشرين من أبريل، قبل نحو شهر ونصف من الآن. كان ذلك في الفترة التي كان فيها شعري، الذي بدأت بإطالته لإخفاء آثار العضة عند رقبتي، لا يزال أقصر من أن يؤدي الغرض منه كما ينبغي.
التاسع والعشرون من أبريل.
في الصباح.
وكعادتي، أنا الذي أكره كل الأيام التي ليست من أيام الأسبوع، خرجت في ذلك العيد من المنزل، وركبت دراجتي الجبلية، التي كانت لا تزال سليمة في ذلك الوقت، قبل أن تحطمها كانبارو، وتجولت في أنحاء المدينة بلا هدف. أظن أنني كنت أملك وجهة محددة هذه المرة، بخلاف يوم الأم ذاك، لكن من يدري؟ لم أعد أتذكر جيدًا. وبما أنني لا أتذكرها، فربما لم تكن مهمة إلى ذلك الحد حتى لو كانت لدي وجهة فعلًا.
بل لا.
ربما كان ما حدث في الطريق… أكبر من اللازم.
بالنسبة إليّ.
إلى درجة جعلت كل شيء آخر يبدو تافهًا.
فقد صادفت هانيكاوا… مصادفة.
أما قصة تعارفي مع هانيكاوا، فقد بدأت في عطلة الربيع؛ وكما كررت القول مرات عديدة من قبل، أنقذتني هانيكاوا آنذاك.
أنقذت حياتي جسديًا ونفسيًا.
وبالنسبة إليّ، الذي كنت خالدًا في ذلك الوقت، كان الجانب الثاني هو الأكثر أهمية ــ المهم أن هانيكاوا كانت صاحبة فضل عليّ.
كانت منقذة حياتي، ومنقذة روحي.
وجودها إلى جانبي حين كنت في حاجة إليها.
أفكر في الأمر.
أفكر فيه حقًا.
تمامًا كما كنت أحمد الله على أنني كنت أنا من وقف عند البسطة حين انزلقت سينجوغاهارا على الدرج، كنت أحمد الله حقًا ــ وبالقدر نفسه ــ على أن من كانت هناك معي آنذاك هي هانيكاوا تسوباسا، وليس أي شخص آخر.
فلولا ذلك، لما كنت لأُنجَز بأي حال من الأحوال.
ولما تحررت من الجحيم.
بعد انتهاء عطلة الربيع، أصبحت أنا وهانيكاوا في الصف نفسه. وألقت هانيكاوا عليّ منصب نائب رئيس الفصل. فقد كانت مقتنعة بأنني طالب مشاغب، وأرادت أن تصلحني، ولذلك وضعتني تحت إشرافها. ويبدو أنها لم تكن قد فكرت في ذلك الوقت في مساعدتي على الدراسة أيضًا ــ ولو كنت أنا في حالتي المعتادة، لرفضت ذلك باعتباره تدخّلًا لا داعي له. فأنا أكثر ما أكره مثل هذه التصرفات المليئة بسوء الفهم، والتي يمكن اعتبارها فرضًا للرأي على الآخرين.
لكنني قبلت.
لأنها كانت هانيكاوا.
ومنذ ذلك الحين ــ طوال شهر أبريل ــ عملت أنا وهانيكاوا، بصفتها رئيسة الفصل وبصفتي نائب رئيس الفصل، وبصفتهما معًا رئيسة الفصل ونائبها، على تنظيم مختلف الفعاليات المدرسية وشؤون الصف، وبدأنا نألف بعضنا بعضًا إلى حد لا بأس به ــ وقد اندمجت، على نحو غير معتاد مني، في ذلك الشعور الذي افتقدته منذ زمن طويل ــ ولذلك، بالطبع.
لو صادفت هانيكاوا، وهي تمشي بزيها المدرسي في يوم عطلة، فسأبادر إلى مخاطبتها على الأقل.
أمر طبيعي.
لكنني ترددت للحظة.
فقد كان نصف وجه هانيكاوا تسوباسا مغطى بشاش أبيض كبير، موضوع بحيث يحجب نصف وجهها تقريبًا.
الإصابة.
أي شخص قد يُصاب.
لكن حين تكون الإصابة في الوجه، وبهذا الحجم في الوقت نفسه ــ فليس شيئًا تراه كل يوم. وفوق ذلك، حقيقة أن الشاش كان يغطي الجانب الأيسر من وجهها تحديدًا جعلتني أشعر وكأن في الأمر دلالة ما.
هل أبالغ في التفكير؟
أم أن عطلة الربيع العنيفة تلك هي التي تجبرني على مثل هذه الاستنتاجات الهمجية؟ فمعظم الناس يستخدمون اليد اليمنى، وإذا أراد شخص منهم أن يلكم وجه شخص آخر، فمن المفترض أن تصيب قبضته الجانب الأيسر من الوجه، أليس كذلك؟ لكن ما لم أفكر بهذه الطريقة ــ فلا أظن أن المرء يمكن أن يُصاب، وببراعة شديدة، في ذلك الموضع وحده. ومن المستبعد جدًا أن تكون هانيكاوا، وهي طالبة في السنة الثالثة، قد انخرطت أمس بعد انتهاء الدوام في نوع من الرياضة ــ
وبينما كنت أفكر في الأمر،
لاحظتني هانيكاوا هي الأخرى.
«آه.»
قالتها بصوت مسموع، واقتربت مني.
وبذلك الأسلوب الودود المعتاد.
«يا هلا، أراراغي-كن.»
«…يا هلا.»
«همم. آه.»
ثم.
بدت على وجه هانيكاوا في تلك اللحظة ملامح من ارتكب خطأ.
والواقع أنه، بالنظر إلى الأمر الآن، كان ذلك أمرًا يصعب تصديقه ــ ومن منظور شخص عادي، يمكن القول أنه أمر لا مفر منه، لكن بالنسبة إلى هانيكاوا، التي كانت تتمتع بذكاء وحسن تدبير يفوقان الحد، فلا يسعني إلا اعتباره فشلًا ذريعًا.
لا، بل ربما كان نجاحًا.
بل كان نجاحًا باهرًا إن شئنا الدقة.
ففي تلك اللحظة، لا بد أن هانيكاوا كانت تحاول جاهدة، وبكل ما أوتيت من قوة، ألّا تفكر في الشاش الذي يغطي وجهها، ألّا تفكر فيه إطلاقًا ــ ولهذا.
كونها خاطبتني كعادتها، دون أن تتعمد التفكير في الشاش، وكونها خاطبتني بشكل طبيعي كعادتها، كان نجاحًا باهرًا لا يحققه سوى «هانيكاوا الحقيقية».
لكن، بالطبع.
إذا نظرنا إلى الأمر برمته، فقد كان فشلًا.
حاولت أن أتدارك الأمر بأي طريقة ــ أظن أنني تظاهرت بأنني لم ألحظ خطأ هانيكاوا، وفتحت حديثًا تافهًا من تلقاء نفسي. حديثًا أحمق من النوع الذي اعتدنا أن نتبادله طوال ذلك الشهر. وكانت هانيكاوا تسايرني فيه دائمًا.
لكن.
هذه المرة، لم تستطع ذلك.
«أنت لطيف، أراراغي-كن.»
قالت هانيكاوا.
«أنت لطيف وشخص جيد فعلًا.»
صحيح.
حتى في تلك المرة ــ قيلت لي مثل هذه الكلمات.
من هانيكاوا نفسها.
«ما رأيك أن نمشي قليلًا؟»
دعَتني هانيكاوا إلى المشي معها بهذه الطريقة.
لم يكن لدي سبب للرفض.
بل لم يكن بإمكاني الرفض أصلًا. فلم يسبق لهانيكاوا أن دعتني إلى شيء كهذا من قبل ــ وأغلب الظن أن هانيكاوا كانت تشعر في تلك اللحظة بحاجة إلى وجود شخص إلى جوارها.
لم تكن تستطيع البقاء وحدها.
ولم تخترني أنا بالذات.
كان يمكن أن يكون أي شخص.
فقد كنت أنا فقط الشخص الموجود هناك في ذلك الوقت.
وبالنسبة إلى هانيكاوا، لم أكن، إن أردنا قول الحقيقة، الشخص الأنسب لمثل هذا الموقف ــ فلو كانت هانيكاوا محتفظة بهدوئها ولو قليلًا، لما اختارتني. فعلى خلاف هاتشيكوجي مايُوي، التي سألتقي بها لاحقًا، لست شخصًا جيدًا في الاستماع إلى الآخرين. أتعاطف بسهولة، ولا أستطيع الصمت، فأدخل بتعليقي فيما يقال لي، وكثيرًا ما أقطع سياق الحديث.
إلا أن هانيكاوا كانت بارعة في الحديث إلى درجة تعوض عن ذلك وأكثر. ولذلك استطاعت أن تجعلني أستوعب تلك الظروف المعقدة دون عناء يُذكر. وبينما كنت أدفع دراجتي الجبلية وأمشي إلى جوار هانيكاوا، استمعت إلى قصة هانيكاوا تسوباسا.
أولًا.
لم يكن لدى هانيكاوا تسوباسا أب.
بالطبع، لا بد أن لها أبًا بيولوجيًا، لكن من الناحية الاجتماعية، وُلدت لأم وحيدة لا قريب لها ولا معين. وما يزال مكان والدها مجهولًا حتى يومنا هذا. لم تكن لديها نية للبحث عنه، وحتى لو فعلت، فمن المرجح أنها لن تتجاوز مرحلة التخمين، ولن تستطيع تحديده بشكل قاطع.
تسوباسا.
هكذا سُمّيت.
وهذه الكلمة تحمل معنى «تاسوُك» و«تاسوكيـرو»، أي «المساعدة» و«الإنقاذ». وتُستخدم للدلالة على أن الطائر الأم تحمي البيض أو الفراخ بجناحيه ويضمها تحت جناحيه
«سَفْيُوكو».
«يوكيوكو».
كلمتان لم أكن أعرفهما.
لكن ألم تكن الشخص الذي كان ينبغي أن يُساعد هو تسوباسا نفسها، التي سُمّيت بهذا الاسم؟ ما الذي كانت أمها تفكر فيه حين منحتها ذلك الاسم؟
ما المهمة التي حمّلتها إياها؟
يبدو أن لقبها في ذلك الوقت كان مختلفًا.
لم أسأل عن ذلك اللقب.
أو بالأحرى، لم أستطع أن أسأل.
كانت هانيكاوا على وشك قوله، لكنني قاطعتها. وسرعان ما فهمت هانيكاوا قصدي، فقالت «حسنًا»، وتابعت حديثها.
أنجبت أمها هانيكاوا، ثم تزوجت بعد ذلك بوقت قصير.
لم يكن زواجًا ثانيًا.
على أي حال يبدو أنها كانت بحاجة إلى المال. فقد كان من الصعب عليها أن تربي هانيكاوا وحدها. كان ذلك قبل نحو عشرين عامًا، ومن المرجح أن الأنظمة الاجتماعية لم تكن قد بلغت آنذاك هذا القدر من الاكتمال. وحتى أنا أستطيع أن أتخيل مدى صعوبة أن تعيش أم وطفلة وحدهما دون الاعتماد على أحد.
الأم.
الأب.
لكن بعد الزواج انتحرت الأم بعد وقت قصير.
وانهار الزواج الذي كان سببه المال على الفور. كانت، في الأصل، شخصًا على حافة الانهيار النفسي. وقيل أنها من النوع الذي يشعر بالألم من العيش مع شخص آخر ــ وهكذا انتقلت هانيكاوا من حياة «أم وطفلة» إلى حياة «أب وطفلة».
أب لا تربطه بها صلة دم.
لكنه، مع ذلك، أبوها.
ولقب ذلك الأب أيضًا ــ لم يكن هانيكاوا.
وهذا اللقب أيضًا ــ لم أستطع السؤال عنه.
بعد انتحار الأم بفترة قصيرة، قرر الأب الذي لا تربطه بهانيكاوا صلة دم أن يتزوج من جديد. وكانت هانيكاوا في ذلك الوقت صغيرة جدًا بحيث لم تكن في سن يسمح لها بأن تشعر بشيء تجاه الأمر ــ وعلى أي حال، أصبحت الأسرة بذلك ثلاثة أفراد مرة أخرى. ووُضعت هانيكاوا في موقع يكون فيه كلا والديها بلا صلة دم بها.
لم أعرف ما الشعور الذي ينبغي أن ينتابني.
هل كان ذلك أمرًا تعيسًا؟
هل كان ينبغي أن أشفق على هانيكاوا؟
لكنها كانت تسير فقط في مسار لا يتوافق مع الحالات المعتادة، ولا يمكنني أن أحكم على هانيكاوا بأنها تعيسة لمجرد ذلك ــ أمها البيولوجية أنهت حياتها بنتيجة مأساوية هي الانتحار، لكن هذا لا يعني أن هانيكاوا نفسها يجب أن تُضم إلى سلسلة التعاسة. بل يمكن تفسير أن والدها تكفل بها رسميًا، وأنها حصلت على أم جديدة، على أنه حظ جيد.
أن تحدث أشياء كثيرة ــ
لا يعني ذلك وحده أنك تعيس.
لذلك، حتى بعد أن مرت الأمور لاحقًا بمراحل من قبيل وفاة أبيها بسبب الإرهاق، وعودتها مرة أخرى إلى حياة أم وطفلة، ثم حصولها على أب جديد بعد عام آخر، حتى وصلت أخيرًا إلى لقب «هانيكاوا» ــ لم يكن ينبغي أن أغير رأيي بشأن الأمر.
كانت الشفقة عليها في غير محلها.
في تلك المرحلة، الشخصان الوحيدان اللذان يمكن القول أنهما مثيران للشفقة هما الأم الأولى والأب الأول، اللذان ماتا، وليس أي شخص آخر.
ومع ذلك، يا لها من حياة مضطربة.
عندما انتهى كل ذلك، لم تكن هانيكاوا قد أتمت الثالثة حتى ــ كانت في سن لا تفهم فيه شيئًا. لم يكن أمامها سوى أن تنجرف مع التيار، وأن تُساق حيثما ساقها الآخرون؛ كانت، بشكل يكاد يكون سخيفًا، عاجزة عن فعل أي شيء.
كنت مخطئًا.
كنت أظن أن شخصًا صالحًا مثل هانيكاوا لا بد أن يكون محظوظًا.
وأن الآلهة تحبه.
كنت أعتقد حتى ذلك الحين أن الإنسان الطيب هو الإنسان السعيد، وأن الإنسان السيئ هو الإنسان التعيس ــ لكن ذلك لم يكن صحيحًا.
بالمقارنة معي أنا، الذي كانت مشكلته الفاترة هي أنني أخرج من المنزل لأن قضاء العطلات مع عائلتي كان يخنقني ــ
كانت عائلتها معقدة إلى حد بعيد.
بدت القصة ساخرة إلى درجة تجعلها أقرب إلى الكذب. لو لم تكن هانيكاوا هي من أخبرتني بها، لما صدقتها قط ــ بل لكنت اعتبرتها مزحة سخيفة. ولأنها هانيكاوا، ولأنني كنت واثقًا من أنها لا يمكن أن تقول مثل تلك المزحة الخبيثة، فقد عجزت عن الكلام. وفي نهاية المطاف، وبعد أن تقلبت الأمور مرتين وثلاثًا، انتهى بها الأمر بوالدين لا تربطها بأي منهما صلة دم على الإطلاق.
أم وطفلة.
طفلة زوج أم، لطفلة زوج أم، لطفلة زوج أم ــ هكذا كانت.
«آسفة.»
بعد أن أنهت حديثها.
اعتذرت لي هانيكاوا بهذه الطريقة.
«لقد قلت شيئًا قاسيًا الآن، أليس كذلك؟»
يا ترى، ماذا أجبتها آنذاك؟
هل قلت «لا بأس»؟
لا، ليس هذا.
سألتها ــ «لماذا؟ ما الذي قلته؟»
كان ذلك أشبه بإجبارها على الاعتراف بذنبها. ولم يكن هناك ما هو أسوأ من سوء فهمي للموقف؛ فبالنسبة إلى هانيكاوا الجادة، لا بد أن كلماتي بدت وكأنني ألومها.
«لأنني كنت أفرغ غضبي فيك.»
قالت هانيكاوا.
«ماذا ستفعل لو أخبرتك بشيء كهذا؟ ستحتار في كيفية الرد، أليس كذلك؟ ستفكر: وما شأني أنا؟ فهذا لا علاقة له بك أصلًا ــ ومع ذلك، لا بد أنك ستشعر بشيء من الشفقة، ثم ستشعر بالذنب لأنك تشفق عليّ شفقة لا محل لها، أليس كذلك؟ ستشعر وكأنك فعلت شيئًا سيئًا، وكأنك… ستشعر بشعور سيئ، أليس كذلك؟»
أصابت كبد الحقيقة.
«أنا كنت أتصرف بلؤم»، قالت هانيكاوا.
«لقد استخدمت أراراغي-كن لأفرغ ضيقي.»
«…………»
«أردت أن أجعلك تشعر بالسوء حتى أشعر أنا بالارتياح ــ هذا ليس حتى مجرد تذمر، أليس كذلك؟»
كانت تلك أول مرة أرى فيها هانيكاوا بهذه الهشاشة.
وربما كان الشاش الذي يغطي وجهها يساعد على ذلك أيضًا.
كانت صورة هانيكاوا تسوباسا في ذهني، قبل كل شيء، مستقيمة وقوية وجادة ــ رصينة وذكية ومنصفة ــ كاملة.
لكن.
لا يوجد إنسان كامل.
«لكن… كيف عرفت كل هذا؟»
قلت.
«أليس من المفترض ألا يخبروا الشخص نفسه بهذه الأمور؟ ألا يحتفظوا بالسر حتى يبلغ العشرين مثلًا؟»
«والداي صريحان جدًا. كنت أسمع عن الأمر منذ ما قبل دخولي المدرسة الابتدائية.»
قالت هانيكاوا ذلك دون أن تخفف من وتيرة مشيها.
«يبدو أنني كنت مصدر إزعاج حقيقي بالنسبة إليهما.»
«…………»
«لكن هناك ما يُسمى بنظرة المجتمع، أليس كذلك؟ لا يمكنهما أن يتخليا عن طفل لمجرد أن الطرف الآخر مات، ولا يمكنهما أن يتخليا عن طفل لمجرد أنهما سيتزوجان. ويبدو أنهما فكرا حتى في إرسالي إلى دار للرعاية ــ لكنهما لم يكونا واثقين من قدرتهما على تحمل الانتقادات التي ستوجه إليهما لأنهما تخلّيا عن طفل صغير بدافع أنانيتهما.»
«………………»
حتى لو قيلت لي مثل هذه الأشياء ــ لكن.
حتى بين العائلات التي تربط أفرادها صلة دم، يحدث ذلك. بل إن العائلات التي تسير أمورها كلها على خير ما يرام نادرة إلى حد بعيد ــ لا بد أن كل عائلة تحمل في داخلها قدرًا من الخلاف والتشوه.
«لذلك حاولت أن أصبح طفلة جيدة.»
قالت هانيكاوا.
«منذ أن كنت في المدرسة الابتدائية، وأنا أحاول أن أكون رئيسة فصل جادة دائمًا ــ وقد أصبحت فعلًا ما حاولت أن أكونه، أليس كذلك؟ أنا فتاة مطيعة، أليس كذلك؟ هاها.»
بطريقة ما ــ ذكّرني ذلك بقصة سينجوغاهارا هيتاغي التي سأسمعها لاحقًا. سينجوغاهارا هيتاغي في المرحلة الإعدادية، هيتاغي سينجوغاهارا في المرحلة الثانوية ــ
ليس التشابه في تسريحة الشعر وحدها.
أم أن هذا هو ما كان يعنيه الأمر؟
لكن الاختلاف أيضًا ــ كان واضحًا.
ما يفعله الطفل مسؤولية الوالدين، أما ما يفعله الوالدان فلا يتحمل الطفل أي مسؤولية عنه ــ هكذا كان الأمر.
«ليس المطلوب أن تكوني فتاة جيدة، بل فتاة عادية، على الأرجح.»
وحين بقيت صامتًا، واصلت هانيكاوا.
«عندما تكون لديك ظروف عائلية معقدة، أحيانًا ينظر الناس إلى الأمر على أنه صدمة نفسية أو شيء من هذا القبيل، وينظرون إليك بعين متحيزة، أليس كذلك؟ لم أرد أن ينظر إليّ الناس بهذه الطريقة. لذلك ــ قررت أن مثل هذه الأمور مهما حدثت، لن تغيرني.»
لن أتغير.
مهما حدث.
«كنت أعيش حياة طالبة ثانوية عادية، أليس كذلك؟»
«لا… لا أدري إن كان هذا صحيحًا.»
فالطالبة الثانوية العادية لا تحتل المرتبة الأولى في الاختبارات التجريبية الوطنية.
ولا تعيش حياة مستقيمة إلى هذا الحد.
كنت أقصد أن أقول ذلك بشيء من المزاح، محاولةً مني لتلطيف الأجواء قليلًا، لكن هانيكاوا قالت، بنبرة خيبة أمل:
«أحقًا؟»
«ربما تتسرب تلك الأشياء مني رغمًا عني. ربما لأن فتاة غير عادية تحاول أن تعيش حياة عادية، فإن ذلك يسبب نوعًا من التكلف. وربما أبالغ في الأمر أكثر من اللازم.»
«ليس في ذلك شيء سيئ ــ أليس كذلك؟»
قلت.
«هذا يعني أنك تعيشين حياة أفضل.»
«ليس الأمر كذلك. الأمر واضح، أليس كذلك؟ لأنني وُلدت بهذه الطريقة، ونشأت بهذه الطريقة ــ ولهذا تحديدًا أنا فتاة جيدة، ولهذا تحديدًا أنا مطيعة.»
أنني بذلت جهدي متخذةً من تعاستي دافعًا.
أو أنني بذلت جهدي متخذةً من محنتي دافعًا.
الأمر واضح جدًا، عندما يكون بهذه الصورة ــ
«…همم. لا، لكن، في حالتي أنا، ربما يكون الأمر فعلًا كما تقولين.»
«حتى لو كان الأمر كذلك، فهذا…»
في الواقع ــ ربما كان الأمر كذلك فعلًا.
ومن المفارقة.
لم يكن أمامي سوى الإقرار بذلك.
لكن هذا لا يعني أنه أمر سيئ.
«وأنت، أراراغي-كن، ماذا تفعل؟»
فجأة.
غيرت هانيكاوا الموضوع.
وتغير تعبير وجهها أيضًا في لحظة ــ تلك الابتسامة الودودة المعتادة.
لكن كونها عادت إلى طبيعتها تمامًا ــ كان مخيفًا على العكس.
مع أننا كنا نتحدث عن مثل هذا الموضوع.
«إنها العطلة الذهبية، ألا تدرس على الأقل؟»
«إنها العطلة الذهبية، فلماذا يجب عليّ أن أدرس؟…»
«هاهاها.»
ضحكت هانيكاوا بمرح.
«أما أنا ــ فأيام العطلة هي أيام المشي.»
«…………»
«لأنني لا أريد البقاء في المنزل. أن أبقى يومًا كاملًا في المنزل مع ذلك الأب وتلك الأم… إنه أمر يبعث على الرعب.»
«هل… علاقتك بهما سيئة؟»
«بل المشكلة أعمق من ذلك.»
قالت هانيكاوا.
«علاقتنا باردة. علاقتي بوالديّ، وكذلك ــ العلاقة بين أبي وأمي. نحن عائلة، ومع ذلك لا نتحدث مع بعضنا.»
«أبوك وأمك أيضًا…»
«نعم. ربما كان ذلك بسببي، فمنذ وقت ما، يبدو أنهما فقدا تمامًا حتى مشاعر المودة تجاه بعضهما. أظن أنهما كان ينبغي أن ينفصلا، لكن حتى ذلك يدخل في باب نظرة المجتمع ــ نظرة المجتمع مهمة، أليس كذلك؟ إلى أن أبلغ سن الرشد، على الأقل ــ هكذا يقولان. هاها، مع أنني طفلة لا تربطني بهما أي صلة أصلًا.»
لا تضحكي.
لا تتحدثي عن أمر كهذه وأنت تضحكين.
هذا ليس من طبع هانيكاوا.
بما أن بلاك هانيكاوا قدّمت شرحًا واضحًا ومفهومًا حتى للمبتدئين، فإن الانتقال الآن إلى مشهد استرجاع للذكريات يبدو مفتعلًا بعض الشيء، لكن، على أي حال، ومن باب تمهيد الأجواء أيضًا، فلنعد ضبط الخط الزمني هنا إلى صباح اليوم الأول من العطلة الذهبية، أي التاسع والعشرين من أبريل، قبل نحو شهر ونصف من الآن. كان ذلك في الفترة التي كان فيها شعري، الذي بدأت بإطالته لإخفاء آثار العضة عند رقبتي، لا يزال أقصر من أن يؤدي الغرض منه كما ينبغي. التاسع والعشرون من أبريل. في الصباح. وكعادتي، أنا الذي أكره كل الأيام التي ليست من أيام الأسبوع، خرجت في ذلك العيد من المنزل، وركبت دراجتي الجبلية، التي كانت لا تزال سليمة في ذلك الوقت، قبل أن تحطمها كانبارو، وتجولت في أنحاء المدينة بلا هدف. أظن أنني كنت أملك وجهة محددة هذه المرة، بخلاف يوم الأم ذاك، لكن من يدري؟ لم أعد أتذكر جيدًا. وبما أنني لا أتذكرها، فربما لم تكن مهمة إلى ذلك الحد حتى لو كانت لدي وجهة فعلًا. بل لا. ربما كان ما حدث في الطريق… أكبر من اللازم. بالنسبة إليّ. إلى درجة جعلت كل شيء آخر يبدو تافهًا. فقد صادفت هانيكاوا… مصادفة. أما قصة تعارفي مع هانيكاوا، فقد بدأت في عطلة الربيع؛ وكما كررت القول مرات عديدة من قبل، أنقذتني هانيكاوا آنذاك. أنقذت حياتي جسديًا ونفسيًا. وبالنسبة إليّ، الذي كنت خالدًا في ذلك الوقت، كان الجانب الثاني هو الأكثر أهمية ــ المهم أن هانيكاوا كانت صاحبة فضل عليّ. كانت منقذة حياتي، ومنقذة روحي. وجودها إلى جانبي حين كنت في حاجة إليها. أفكر في الأمر. أفكر فيه حقًا. تمامًا كما كنت أحمد الله على أنني كنت أنا من وقف عند البسطة حين انزلقت سينجوغاهارا على الدرج، كنت أحمد الله حقًا ــ وبالقدر نفسه ــ على أن من كانت هناك معي آنذاك هي هانيكاوا تسوباسا، وليس أي شخص آخر. فلولا ذلك، لما كنت لأُنجَز بأي حال من الأحوال. ولما تحررت من الجحيم. بعد انتهاء عطلة الربيع، أصبحت أنا وهانيكاوا في الصف نفسه. وألقت هانيكاوا عليّ منصب نائب رئيس الفصل. فقد كانت مقتنعة بأنني طالب مشاغب، وأرادت أن تصلحني، ولذلك وضعتني تحت إشرافها. ويبدو أنها لم تكن قد فكرت في ذلك الوقت في مساعدتي على الدراسة أيضًا ــ ولو كنت أنا في حالتي المعتادة، لرفضت ذلك باعتباره تدخّلًا لا داعي له. فأنا أكثر ما أكره مثل هذه التصرفات المليئة بسوء الفهم، والتي يمكن اعتبارها فرضًا للرأي على الآخرين. لكنني قبلت. لأنها كانت هانيكاوا. ومنذ ذلك الحين ــ طوال شهر أبريل ــ عملت أنا وهانيكاوا، بصفتها رئيسة الفصل وبصفتي نائب رئيس الفصل، وبصفتهما معًا رئيسة الفصل ونائبها، على تنظيم مختلف الفعاليات المدرسية وشؤون الصف، وبدأنا نألف بعضنا بعضًا إلى حد لا بأس به ــ وقد اندمجت، على نحو غير معتاد مني، في ذلك الشعور الذي افتقدته منذ زمن طويل ــ ولذلك، بالطبع. لو صادفت هانيكاوا، وهي تمشي بزيها المدرسي في يوم عطلة، فسأبادر إلى مخاطبتها على الأقل. أمر طبيعي. لكنني ترددت للحظة. فقد كان نصف وجه هانيكاوا تسوباسا مغطى بشاش أبيض كبير، موضوع بحيث يحجب نصف وجهها تقريبًا. الإصابة. أي شخص قد يُصاب. لكن حين تكون الإصابة في الوجه، وبهذا الحجم في الوقت نفسه ــ فليس شيئًا تراه كل يوم. وفوق ذلك، حقيقة أن الشاش كان يغطي الجانب الأيسر من وجهها تحديدًا جعلتني أشعر وكأن في الأمر دلالة ما. هل أبالغ في التفكير؟ أم أن عطلة الربيع العنيفة تلك هي التي تجبرني على مثل هذه الاستنتاجات الهمجية؟ فمعظم الناس يستخدمون اليد اليمنى، وإذا أراد شخص منهم أن يلكم وجه شخص آخر، فمن المفترض أن تصيب قبضته الجانب الأيسر من الوجه، أليس كذلك؟ لكن ما لم أفكر بهذه الطريقة ــ فلا أظن أن المرء يمكن أن يُصاب، وببراعة شديدة، في ذلك الموضع وحده. ومن المستبعد جدًا أن تكون هانيكاوا، وهي طالبة في السنة الثالثة، قد انخرطت أمس بعد انتهاء الدوام في نوع من الرياضة ــ وبينما كنت أفكر في الأمر، لاحظتني هانيكاوا هي الأخرى. «آه.» قالتها بصوت مسموع، واقتربت مني. وبذلك الأسلوب الودود المعتاد. «يا هلا، أراراغي-كن.» «…يا هلا.» «همم. آه.» ثم. بدت على وجه هانيكاوا في تلك اللحظة ملامح من ارتكب خطأ. والواقع أنه، بالنظر إلى الأمر الآن، كان ذلك أمرًا يصعب تصديقه ــ ومن منظور شخص عادي، يمكن القول أنه أمر لا مفر منه، لكن بالنسبة إلى هانيكاوا، التي كانت تتمتع بذكاء وحسن تدبير يفوقان الحد، فلا يسعني إلا اعتباره فشلًا ذريعًا. لا، بل ربما كان نجاحًا. بل كان نجاحًا باهرًا إن شئنا الدقة. ففي تلك اللحظة، لا بد أن هانيكاوا كانت تحاول جاهدة، وبكل ما أوتيت من قوة، ألّا تفكر في الشاش الذي يغطي وجهها، ألّا تفكر فيه إطلاقًا ــ ولهذا. كونها خاطبتني كعادتها، دون أن تتعمد التفكير في الشاش، وكونها خاطبتني بشكل طبيعي كعادتها، كان نجاحًا باهرًا لا يحققه سوى «هانيكاوا الحقيقية». لكن، بالطبع. إذا نظرنا إلى الأمر برمته، فقد كان فشلًا.
لكن، ما الذي يعنيه أصلًا أن يكون الشيء «من طِباع هانيكاوا»؟
كما أن هانيكاوا المعتادة هي بلا شك تسوباسا هانيكاوا ــ أليست هانيكاوا هذه أيضًا، بلا شك، تسوباسا هانيكاوا؟
لكنني فهمت في تلك اللحظة.
فهمت الأمر.
فهمت سبب أنني التقيت هانيكاوا خلال عطلة الربيع.
إذا كانت أيام العطلة هي أيام المشي، فمن الطبيعي أن تكون العطلة الذهبية، وعطلة الربيع، وعطلة الصيف، أيامًا للمشي أيضًا ــ ولقائي بها في ذلك المكان وفي ذلك الوقت كان بالطبع مجرد مصادفة، لكن يبدو أن لتلك المصادفة سببًا واضحًا.
«لهذا، أيام العطلة هي أيام المشي.»
«…أظن أنك تبالغين في مراعاة الآخرين.»
تمتمتُ برأي لا يثير أي حساسية.
لم يكن لدي ما أقوله سوى ذلك.
وأكره مدى ضحالة نفسي.
عائلة باردة ــ وهذا أيضًا ليس أمرًا نادرًا.
الشيء النادر هو أن يكون طفلة مثل هانيكاوا هي من نشأت في وسطها ــ لكن حتى أن ينظر إليها الناس بهذه النظرة النمطية، أظن أن هانيكاوا ستكرهه.
وفي تلك اللحظة، شعرت أنني بدأت أفهم، ولو قليلًا، سبب كراهية هانيكاوا الشديدة لمعاملتها كشخصية مشهورة. وفهمت أيضًا سبب إصرارها على اعتبار نفسها «فتاة عادية لا تتميز إلا بكونها جادة قليلًا». أو ربما لم يكن ذلك سوى وهم مني، أو مجرد ظن بأنني فهمتها، وربما كان مجرد شعور يشبه الشفقة ــ
«………………»
لكن.
في تلك اللحظة، أدركت شيئًا فجأة.
فهمت ظروف هانيكاوا العائلية المعقدة التي لا يمكن لأحد أن يتخيلها، تلك الظروف التي كانت تخفيها الطالبة المتفوقة، رئيسة الفصل المثالية ــ فهمت ذلك. كان الأمر معقدًا إلى درجة يصعب معها عليّ استيعابه بعقلي، لكن بفضل شرح هانيكاوا المرتب والمنطقي، استطعت فهمه بدقة. وفهمت أيضًا احتمال أن تكون تلك الظروف هي الخلفية التي صنعت شخصيتها الجادة بصورة مفرطة، وأن هانيكاوا نفسها لا تريدني أن أعتقد ذلك ــ كل ذلك فهمته واقتنعت به.
لكن.
لكن المشكلة هي.
هذا لا يفسر سبب تغطية نصف وجهها بالشاش.
لا يفسره إطلاقًا.
ألم يكن هذا هو الموضوع الأساسي أصلًا؟
«…صحيح.»
وفي هذه المرة أيضًا ــ اتخذت هانيكاوا ذلك التعبير الذي يقول أنها ارتكبت خطأ.
ربما كان هذا حقًا مجرد خطأ.
«ماذا أفعل وأنا أتكلم هكذا ــ بهذا الشكل، أكون قد فرغت ضيقي في أراراغي-كن وحسب.»
«لا، لا بأس بذلك بالنسبة إليّ»
«هل تعدني ألا تخبر أحدًا؟»
لم يكن عليها أن تقول ذلك أصلًا.
لم تكن بحاجة، في الأصل، إلى أن تقول شيئًا كهذا لشخص مثلي صادفته مصادفة ــ بل كان يمكنها حتى أن تكون قد استخدمتني فعلًا لتفرغ ضيقها، وانتهى الأمر.
لكن تسوباسا هانيكاوا، التي تحاول أن تكون حسنة السلوك مع الجميع، وصحيحة مع الجميع، وصادقة مع الجميع، لم يعد بإمكانها بعد الآن أن تترك سبب الشاش الذي يغطي وجهها دون تفسير لي.
مع أنها لم تكن بحاجة إلى قوله.
ومع أنني لم أكن أملك حتى حق السؤال.
«أعدك…»
«ضربني أبي هذا الصباح.»
قالتها بلا مبالاة، وبابتسامة.
ابتسامة خجولة، كأنها تشعر بالحرج.
وكان ذلك أيضًا ــ كعادتها.
في النهاية، لا أدرك الأشياء إلا بعد فوات الأوان، لكنني أظن أن هذه ربما كانت آخر شرارة بالنسبة إلى هانيكاوا تسوباسا. ليس أن والدها ضربها ــ بل أنها أخبرتني بذلك.
أنني عرفت بالأمر.
ما الذي يمكن أن يكون هذا إن لم يكن ضغطًا نفسيًا؟
«ضربك… هذا…»
لكنني لم أدرك ذلك آنذاك.
كنت فقط ــ مندهشًا.
بل يمكن القول أنني كنت خائفًا.
أن يضرب أب ابنته ــ لم أكن أظن أن مثل هذا الأمر يحدث أصلًا. لا، لم أفكر فيه حتى من قبل. كنت أظنه مجرد اختراع من اختراعات الدراما والأفلام. ولا علاقة لصلة الدم أو ظروف الأسرة بمثل هذا الأمر أصلًا ــ لا ينبغي أن يحدث.
نظرت إلى وجه هانيكاوا.
نصفه الأيسر المغطى.
لم تكن إصابة حدثت من ملاطفة أو تلامس ودي بينهما.
«هذا… لا يجوز!»
أن تكون الأسرة تحمل خلافًا وتشوهًا في داخلها.
هذا بحد ذاته ليس تعاسة.
لا يوجد إنسان لا يحمل شيئًا على عاتقه. وكما لا يجوز التمييز ضد الناس بسبب مولدهم أو نشأتهم، فلا يجوز أيضًا أن نشفق عليهم أو نحسدهم بسبب مولدهم أو نشأتهم. حتى لو كانت لديهم ظروف واضحة ويسهل ملاحظتها، فهي مجرد ظروف واضحة ويسهل ملاحظتها، وليست بالضرورة تعاسة ــ ربما.
لكن إن ضُربت، فهذا لا يجوز.
شرحت هانيكاوا السبب.
سبب تعرضها للضرب.
وبالنسبة إليّ، كطرف ثالث، لم يكن سببًا يمكن تقبله بأية حال ــ كنت أعرف تمامًا أنه لا ينبغي لي التدخل في شؤون أسرة الآخرين. وسواء اقتنعت أنا أم لا، وسواء أعجبني الأمر أم لا، فلا علاقة لذلك بالأمر أصلًا.
باختصار، كان الأمر شيئًا يحدث أحيانًا في المدرسة أيضًا.
فهانيكاوا، التي تحاول دائمًا أن تكون على صواب، كانت تصطدم أحيانًا بالآخرين ــ وهذه المرة، لم يكن الطرف الآخر سوى والدها.
ولم يكن ما حدث سوى أنه رد عليها بالعنف.
«ألم تقولي أن عائلتك باردة؟»
«ربما أصبحت باردة أكثر من اللازم ــ أو ربما أنا التي قررت، ولو متأخرة، أن أحاول التقرب منهما. مع أن التوازن كان مستقرًا. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أنني المخطئة، أليس كذلك؟ اسمع، فكّر في الأمر يا أراراغي-كن. لو كنت أنت في الأربعين من عمرك مثلًا ــ وجاءك طفل في السابعة عشرة لا تعرفه أصلًا، وبدأ يتحدث إليك وكأنه يعرف كل شيء؟ ألا تظن أنه من الطبيعي أن تغضب قليلًا، وأن تنزعج منه؟»
«لكن!»
طفل في السابعة عشرة لا تعرفه؟
ما هذا الكلام؟
لماذا تتحدث عن الأمر بهذه الطريقة؟
ربما لم تكن تربطكما صلة دم، لكنكما عشتما في المنزل نفسه منذ أن كنتِ في الثالثة ــ كان من المفترض أن تكونا عائلة، أليس كذلك؟
«أن يكون العنف أمرًا لا مفر منه… كيف يمكنكِ أنتِ أن تقولي شيئًا كهذا؟ أليس هذا أكثر شيء لا يمكنك التسامح معه؟»
«إ… إنه… لا بأس. مرة واحدة فقط.»
كنت غاضبًا ــ بشكل ساذج للغاية.
لا أعرف لماذا ــ وربما كنت غاضبًا لأن هانيكاوا، التي كانت منقذة حياتي، تعرضت لمثل هذا. لكن غضبي لم يؤدِّ إلا إلى دفع هانيكاوا إلى الزاوية. كانت تحاول بطريقة ما أن تتصالح مع الوضع ــ وأنا لم أفعل سوى أن لوحت أمامها بمنطق سليم أجوف في مثل هذا الوقت.
المنطق السليم يؤذي الناس.
دائمًا.
«لا بأس، مرة واحدة فقط»
كانت تلك بالذات جملة لم يكن ينبغي أن أسمح لها بقولها.
فأسلوب هانيكاوا تسوباسا هو أن تقول بوضوح إن السيئ سيئ، وإن الممنوع ممنوع، سواء كان الطرف الآخر صديقًا أو معلمًا. ولذلك، حتى لو أدى ذلك إلى تعرضها للضرب، فإن مجرد قولها لوالدها إن السيئ سيئ، وأن الممنوع ممنوع، كان يعني أنها، في ذلك وحده، لا تزال هانيكاوا تسوباسا بكل معنى الكلمة.
ومع ذلك.
أنا من جعلها تقولها.
«لا بأس، مرة واحدة فقط.»
تلك العبارة ــ هي إنكار للحياة.
إنكار للذات.
«لقد وعدتني، أليس كذلك يا أراراغي-كن؟ بأنك لن تخبر أحدًا ــ لقد وعدتني، أليس كذلك؟»
لا للمدرسة.
ولا للشرطة.
بل قبل أي أحد آخر، تجاه هانيكاوا نفسها
ألا تعود أبدًا إلى الحديث عن هذا الموضوع.
«لـ… لكن، ذلك الوعد ــ»
«…أرجوك، أراراغي-كن.»
قالت هانيكاوا.
وكأن الوعد لم يكن كافيًا ــ انحنت برأسها.
«أرجوك لا تخبر أحدًا بهذا الأمر. إذا التزمت الصمت، فسأفعل لك أي شيء.»
«…………»
«أرجوك.»
«…حسنًا. فهمت…»
وبعد أن ضغطت عليّ ــ لم يكن أمامي سوى أن أقول ذلك.
لقد طلبت مني شيئًا جائرًا إلى هذا الحد ــ بل إنني أنا من جعلها تطلب مني شيئًا جائرًا كهذا، ولذلك لم أستطع التقدم خطوة أخرى.
لأنها رفضتني.
وحين يُرفض المرء ــ لا يمكنه أن يقدم المساعدة.
«الناس… لا ينقذون إلا أنفسهم، من تلقاء أنفسهم.»
«لكن اذهبي إلى المستشفى. هذا الشاش، أنت من وضعته بنفسك، أليس كذلك؟ أعترف بمهارتك، لكن الأمر يبدو غير طبيعي قليلًا.»
«نعم… حسنًا. معك حق. على أي حال، إنها عطلة ذهبية لا يوجد لدي فيها ما أفعله، لذا ربما أذهب ليفحصني الطبيب. عليّ أن أستخدم بطاقة التأمين الصحي من حين إلى آخر أيضًا.»
«وثم ــ إذا حدث أي شيء، فاتصلي بي في أي وقت. أينما كنت، ومهما كنت أفعل، فسأساعدك دائمًا.»
«هاها، ما هذا الكلام؟ كم أنت رائع.»
ضحكت هانيكاوا.
بالابتسامة المعتادة.
«ما معنى “إذا حدث أي شيء”؟»
«أعني، إذا ــ»
«نعم، فهمت يا أراراغي-كن.»
ثم قالت:
«إذا حدث أي شيء، فسأتصل بك فورًا. يمكنني إرسال بريد إلكتروني أيضًا، أليس كذلك؟»
قالت ذلك.
لكن رغم قولها ذلك ــ
لم يصل إلى هاتفي طوال العطلة الذهبية بأكملها في النهاية أي اتصال من هانيكاوا، ولا حتى رسالة بريد إلكتروني واحدة.
أن تكون حاضرًا حين يحتاج إليك الآخر ــ لكن.
في تلك اللحظة، لم تكن منقذة حياتي، هانيكاوا، تحتاج إليّ إطلاقًا ــ كانت تحتاج إلى شخص تشعر نحوه بالألفة، لكنها لم تكن تريد سوى شخص تفرغ فيه غضبها، وتنفّس به عن ضيقها. ورغم أنني لم أكن مطلوبًا، كنت هناك بشكل مثير للشفقة.
الذي كانت تحتاج إليه كان قطة.
قطة.
للأمر المرتبط بالـغرائب سبب يليق به.
بعد ذلك، واصلنا الحديث دون أن نعود إطلاقًا إلى حديثنا السابق، ودون أن ننبش فيه من جديد، وتحدثنا عن خطط الصف المقبلة. وكان الحديث في المقام الأول عن المهرجان الثقافي. وبينما كنا نتحدث، وجدنا قطة ميتة بعدما دهستها سيارة. وبما أنه لم يكن لها طوق، فمن المرجح أنها قطة شوارع. كانت قطة بيضاء بلا ذيل. لا أعرف إن كانت من نوع لا ذيل له أصلًا، أم أن ذيلها قد قُطع بعد حياة طويلة في الشوارع. قطة بيضاء ــ أو ربما بدت فضية بحسب زاوية النظر، لكن في كلتا الحالتين، كان لون فرائها الأصلي قد تشوه تمامًا بعدما تلون بلون دمها. ويبدو أنها، بعد أن دهستها سيارة مرة، تعرضت للدهس مرارًا من السيارات التي لحقتها، فكانت حالتها مروعة ــ ومع ذلك، خرجت هانيكاوا بلا تردد من الرصيف إلى الطريق، وكأن الأمر بديهي، ورفعت القطة.
«هل ستساعدني؟»
حين تسألك هانيكاوا مثل هذا السؤال، لا يمكن لأحد أن يرفض.
دفنا القطة في جبل قريب ــ وهكذا، أُسدل الستار على التاسع والعشرين من أبريل، اليوم الأول من الأيام التسعة التي كانت كابوسًا بالنسبة إلى هانيكاوا ولي، اليوم الذي كان بمثابة المقدمة.
لا أعرف إلى أي حد تتذكر هانيكاوا ما حدث في ذلك اليوم الأول، أو ما دار بيننا من حديث ــ فقد بقيت هانيكاوا هي هانيكاوا، ولذلك من المؤكد أنها تتذكر على الأقل دفن القطة، لكن من المرجح جدًا أنها فقدت التفاصيل الدقيقة أيضًا عندما فقدت ذاكرتها. وللأسف، لا توجد وسيلة للتحقق ــ لأن مجرد التحقق سيجعل هانيكاوا الذكية تكتشف الأمر فورًا.
على أي حال.
انتهت المقدمة، ومن هنا فالقصة بسيطة.
في اليوم التالي، لم تكن لديّ حاجة خاصة، لكنني، ولأنني كنت أشعر بالملل فحسب، توجهت إلى مبنى مدرسة التقوية المهجورة حيث كان أوشينو يقيم، وراقبت حال شينوبو (مع أنها في ذلك الوقت لم تكن قد حصلت بعد على اسم «أوشينو شينوبو»)، وتبادلت حديثًا عابرًا مع أوشينو.
وخلال ذلك، ذكرت له أيضًا أمر القطة التي دفناها بالأمس.
لم يكن الأمر مجرد فضول.
فقد كان لدي شعور سيئ.
إحساس قريب من ذلك الذي كان يحيط بجحيم عطلة الربيع.
«أراراغي-كن. لا تقل لي إن تلك القطة…»
تأكد أوشينو، وهو يضيّق عينيه.
«لم تكن قطة فضية، أليس كذلك؟»
وفي النهاية، أثمر هذا الحديث العابر.
ففي اليوم الأخير من العطلة الذهبية، السابع من مايو، تمكنا من القبض على الظاهرة الغريبة الذي تحول إلى بلاك هانيكاوا ــ «قط شيشوري» بشعر أبيض وأذني قطة بيضاوين، والذي كان يقضي الليالي في أنحاء المدينة مطلقًا العنان لأقصى ما يستطيع من بطش وعنف، وقد أطلق أوشينو ميمي عليه اسم «هانيكاوا السوداء».
اليوم التاسع.
ولو وصلنا إلى اليوم العاشر، لكان الأمر خطيرًا.
هكذا قيل لي.
كان يمكن القول أننا حللنا الأمر بسرعة ــ لكن في هذه الحالة، لا يمكن وصف الأمر إلا بأنه تم في اللحظة الأخيرة.
وبمساعدة شينوبو (وبفضل هذا الإنجاز، حصلت على اسم «أوشينو شينوبو» من أوشينو)، نجحنا في ختم قط شيشوري الذي فتنت به هانيكاوا.
وانتهت المشكلة.
أو هكذا، ببساطة.
كلما كانت المشكلة معقدة، انتهت ببساطة ــ لأن انتهاء المشكلة لا يعني أن المشكلة نفسها قد اختفت ولم تعد موجودة.
حالة غيبوبة.
لا تملك هانيكاوا أي ذكريات عن الفترة التي كانت فيها هانيكاوا السوداء ــ ولذلك.
فهي لا تعرف أن أول من هاجمتهم هانيكاوا السوداء كانوا والديها الحاليين.
فهل عادت إليها تلك الذكريات أيضًا؟
كنت قلقًا من ذلك.
«أما مسألة الذاكرة…»
قال أوشينو.
بعد أن قيّد هانيكاوا السوداء في لحظة وبمهارة خاطفة (بعد أن استفدنا من درس المرة السابقة)، واستجوبناها قليلًا (مع أن كلام هانيكاوا السوداء، كعادته، لم يكن بالنسبة إليّ سوى مواء متواصل لا أفهم منه شيئًا)، وبعد أن تركنا هانيكاوا السوداء مقيدة في ذلك الفصل الدراسي (وقد شتمتنا «هي» بعبارات بذيئة، لكننا تجاهلناها)، انتقلت أنا وأوشينو إلى إحدى الغرف الثلاث في الطابق الرابع، إلى الغرفة الأبعد عن الغرفة السابقة، وعندها أشعل سيجارة غير مشتعلة في فمه، وبدأ حديثه قائلًا:
كنا متقابلين.
وكان دور الحديث بيني وبين أوشينو هذه المرة.
«من ناحية الأمور المصيرية، أظن أن الأمر ليس مشكلة فعلًا ــ فذكريات هانيكاوا السوداء لا يمكنها، مهما حدث، أن تتعايش مع ذكريات رئيسة الفصل، كما ترى. لكن ذكريات رئيسة الفصل نفسها… تلك صعبة. لا أظن أنها ستختفي هذه المرة. هذه المرة تختلف الظروف عن المرة السابقة ــ فرئيسة الفصل أصبحت واعية تمامًا بما يحدث.»
«إذا كانت واعية، فهذا سيئ؟»
«الوعي بحد ذاته ليس سيئًا إلى هذه الدرجة. المشكلة هي كلمة “رئيسة الفصل”، يا أراراغي-كن. كما تعرف أنت أيضًا ــ رئيسة الفصل ذكية أكثر من اللازم قليلًا. سرعة بديهتها تعادل نحو مئة ضعف سرعة الإنسان العادي. وإذا توفرت لها المواد اللازمة، فأظن أن من السهل عليها أن تصل بينها وأن تعيد بناء ذاكرتها.»
«إعادة بناء… الذاكرة؟»
«في المرة السابقة، تمكنا من محو ذكريات هانيكاوا السوداء وذكريات رئيسة الفصل تمامًا ــ لم يكن هناك أي دليل. استطعنا ختم الظاهرة الغريبة نفسها بالكامل، ولذلك اختفت بالضرورة أيضًا الذكريات المتعلقة بها. إذا اختفت النتيجة، اختفى السبب أيضًا. ولهذا، حتى لو لم تتطابق أجزاء الذاكرة، فإنها لا تلاحظ أصلًا أن هناك شيئًا لا يتطابق. لكن هذه المرة، يمكن القول إن المسألة أصبحت أشبه بسؤال ملء الفراغات. تخيل أن أجزاء مهمة من النص قد حُذفت هنا وهناك ــ لن يكون من الممكن إكماله بشكل كامل إذا طلب منك أن تكون دقيقًا مئة بالمئة، لكن الشخص سريع البديهة يمكنه على الأقل أن يعرف نوع الكلمات التي ينبغي أن توضع في تلك الفراغات، أليس كذلك؟»
«مثل اختبار اللغة اليابانية…»
أنا سيئ في اللغة اليابانية.
لكن ــ لا توجد مادة دراسية واحدة تضعف فيها هانيكاوا.
«لا مفر من ذلك، إذن ــ إذا كانت ذكريات المرة السابقة لن تعود، فمن الأفضل اعتبار ذلك الجانب الإيجابي الوحيد في وسط هذا التعاسة. سيكون الأمر مؤلمًا بالنسبة إلى هانيكاوا، لكن…»
«لا، أنا شخصيًا أظن أنه قد يكون أمرًا جيدًا لرئيسة الفصل ــ فالإنسان الذي تجذبه الغرائب يصبح أكثر عرضة لأن تجذبه الغرائب مرة أخرى بعد ذلك. وهذا شيء ما زال أراراغي-كن نفسه يختبره حتى الآن ــ فإذا كانت رئيسة الفصل ستصبح كذلك من الآن فصاعدًا، فمن المهم أن تعرف شيئًا عنها.»
«يجب أن تكون واعية بذلك»، قال أوشينو.
وربما كان هذا صحيحًا.
فمن دون المعرفة، قد توجد أمور لا يمكن مواجهتها. وحتى مع المعرفة، توجد أمور تتجاوز قدرتك ــ لكن إذا كنت تعرف، فيمكنك على الأقل أن تهرب.
هكذا يمكن الحفاظ على التوازن ــ كان ذلك ما يعنيه كلامه.
«لكن… أوشينو.»
قلت ذلك، وأنا أفكر في هانيكاوا السوداء المقيدة في الغرفة التي تفصل بيننا وبينها غرفتان.
«لماذا عادت “هي” للظهور؟ ألم نغلق عليها بإحكام خلال العطلة الذهبية؟ ألم يكن من المفترض ألا تظهر مرة أخرى أبدًا؟»
«لم أقل شيئًا كهذا.»
هز أوشينو رأسه.
«قط شيشوري مختلف قليلًا عن الغرائب الأخرى التي تعرفها يا أراراغي-كن. لنقل، إن أردت مقارنته بشيء، هو ربما أقرب إلى القرد الذي كان في حالة كانبارو.»
«آه… كلاهما من الوحوش، إذن.»
«نعم. لكن ــ ألم أقل لك من قبل؟ قط شيشوري، إذا أردنا وصفه بطريقة تتوافق مع الواقع، هو اضطراب تعدد الشخصيات ــ بمعنى آخر، هانيكاوا السوداء هي رئيسة الفصل الأخرى. الغرائب موجودة هنا، وموجودة في كل مكان ــ لكن في حالة قط شيشوري، فهو في نهاية المطاف لا يوجد إلا داخل رئيسة الفصل نفسها. قط شيشوري ليس سوى الشرارة، أو الوسيط ــ أما المشكلة الحقيقية فهي الضغط النفسي المتراكم داخل رئيسة الفصل.»
الضغط النفسي.
بحسب العلماء، هو ــ على ما يبدو ــ استجابة الجسم التي تحاول أن تجيب عن أي سؤال يُطرح عليها.
«في المرة السابقة، عندما واجهت هانيكاوا السوداء، كان يمكن القول أنها أفرغت معظم الضغط النفسي بالفعل بعدما بالغت في الهياج والعنف إلى أقصى حد ــ ولذلك كان من السهل ختمها. لكنني قلت إنها خُتمت، لا إنها اختفت. فالقضاء على الغرائب لا يعني القضاء على مسببات الضغط. وإذا تراكم الضغط، فستطفو من جديد ــ مثل الفقاعة.»
«الضغط النفسي…»
«المشكلة هي: ما الذي يسبب الضغط هذه المرة؟»
مسبب الضغط النفسي هو ما يسمى «stressor».
وبالطبع، أظن أن ذلك بالنسبة إلى هانيكاوا هو عائلتها.
لكن…
«في البداية، ظننت ذلك أنا أيضًا ــ لكن، أراراغي-كن، ما رأيك؟ هل يمكن أن يتراكم ضغط نفسي بالمستوى نفسه من جديد خلال شهر واحد فقط، بعد أن عاشت سبعة عشر عامًا وهي تكبح نفسها، ثم تحررت أخيرًا، ولم يمضِ على تخلصها من ذلك الضغط إلا وقت قصير؟»
«آه ــ هذا…»
«ولحسن الحظ، لم تتعرض رئيسة الفصل لأي عنف من والديها منذ ذلك الحين، أليس كذلك؟»
«حسنًا ــ لا، على ما يبدو.»
أول من هاجمتهم.
الأب والأم ــ الوالدان.
في الوقت الحالي، عادت الأمور في النهاية إلى ما كانت عليه ــ عائلة باردة، أشخاص لا يكادون يتحدثون، ولا يفعلون أكثر من العيش تحت سقف واحد ــ ومن المستحيل ألا يكون ذلك مصدر ضغط بالنسبة إلى هانيكاوا.
لكن صحيح أيضًا ــ شهر واحد فقط مدة قصيرة جدًا.
إلا إذا كانت قد تعرضت للضرب مجددًا.
«على أي حال، وضعت جرسًا حول عنقها ــ ويبدو أن ذلك أتى بثماره. لقد أدى إلى اكتشاف قط شيشوري مبكرًا. من المفيد أن تكون حذرًا. لكن بصراحة، لم أظن إطلاقًا أن ذلك سيؤثر. كان هذا خطئي. كنت أظن أن رئيسة الفصل، مهما ساءت الأمور، ستصمد حتى تبلغ العشرين على الأقل. حسبما سمعت، كان والداها يعتزمان الطلاق عندما تبلغ سن الرشد، ومن الطبيعي أن تكون هي أيضًا تنوي مغادرة المنزل ــ ولذلك تعمدت ألا أخبرها، ولا أخبر أراراغي-كن، بأي شيء.»
«العشرين… هذا عكس حالة كانبارو، إذن.»
«لأنه معيار سهل الفهم. “بلوغ سن الرشد”.»
ابتسم أوشينو ابتسامة ساخرة.
«وبحلول ذلك الوقت، ستكون رئيسة الفصل قد اكتسبت من القوة ما يكفي كي لا تقع فريسة للغرائب مرة أخرى ــ نعم.»
«فهمت… إذن، أوشينو، ما هو الجرس؟»
«الصداع. كانت رئيسة الفصل تشتكي من الصداع حتى أثناء العطلة الذهبية، أليس كذلك؟ وضعت آلية بناءً على ذلك ــ لكن كان ينبغي لي، على الأقل، أن أخبر أراراغي-كن. وعلى ذكر ذلك، منذ متى بدأ صداع رئيسة الفصل؟»
«أظن… قبل نحو شهر.»
«همم… في البداية لم يكن شديدًا إلى هذا الحد، لكنه… ماذا عسانا نفعل ــ يبدو أنه لم يعد لدينا وقت لتعقب مسبب الضغط النفسي. وقد تكون هناك عدة عوامل متداخلة، وفوق ذلك، تلك القطة الشهوانية لا تزال تقول أشياء لا نفهم منها شيئًا ــ»
«…حتى أنت لا تفهمها؟»
مع أنك قلت إن سؤالها مباشرة سيكون أسرع.
«لا أفهمها. كانت هناك تلميحات كثيرة، لكن لا شيء مؤكد ــ الموضوع حساس، ولا يمكنني أن أقول شيئًا اعتمادًا على تخمينات عشوائية ــ هه، في النهاية، إنه مجرد دماغ قطة. ومع ذلك، لدي شعور بأنها تتظاهر بالغباء عمدًا أحيانًا ــ ولأن أصلها هو رئيسة الفصل نفسها، فلا يمكننا أن نكون مطمئنين.»
«إنها امرأة لا أريد أن تكون عدوتي ــ تلك.»
«لم تصبح عدوًا لك.»
هانيكاوا السوداء.
هانيكاوا أخرى صنعتها روح هانيكاوا.
شخصية مقابلة ــ أو بالأحرى شخصية تشكل نصف زوج.
فاسم «تسوباسا» لا يعني «المساعدة» فحسب، بل يحمل أيضًا معنى «ما يشكل زوجًا مقابلًا» ــ جناحًا غريبًا بحق.
«لكن، أوشينو، حتى لو اكتشفنا السبب، ألن يكون ذلك بلا فائدة تُذكر؟ سواء كان الأمر متعلقًا بعائلتها أم بشيء آخر ــ صحيح أن إزالة مسبب الضغط النفسي ستكون أفضل حل، لكن لا أنا ولا أنت قادران على فعل شيء حيال ذلك ــ»
كان الأمر كذلك في المرة السابقة.
فمشكلة عائلة هانيكاوا ــ لم يكن بإمكاننا حلها.
بل لم أكن أستطيع حتى تخيل الحالة التي يمكن عندها القول أن المشكلة قد حُلّت. فلا يمكن للمرء بأي حال أن يتدخل في ظروف شخصية يحملها شخص آخر.
فذلك بحد ذاته ضرب من الغرور.
«وعلى خلاف سينجوغاهارا وسينغوكو، فهذا نوع من الغرائب الذي قد يتسبب في أذى للآخرين أيضًا… وحتى لو كان نوع الغرائب مشابهًا، فالحالة مختلفة عن حالة كانبارو. وفي النهاية، كما حدث في المرة السابقة، لا أظن أن أمامنا خيارًا سوى اللجوء إلى علاج مؤقت للأعراض.»
«نعم. هذا صحيح، لكن… نعم.»
كانت إجابته مترددة.
ولم يكن ذلك من طِباع أوشينو.
هل ما زال هناك شيء آخر بخصوص قط شيشوري؟ ــ لا، بل بدا لي أن أوشينو كان يتصرف بغرابة طوال اليوم، حتى قبل أن نبدأ الحديث. مجرد كونه ينشط في الخارج في صباح مشمس كهذا كان أمرًا غير طبيعي بما يكفي.
«ما بك يا أوشينو؟ لماذا تراوغ في الكلام؟ هل تنوي، كما هي عادتك، أن تبحث عن أي حجة وتضع العراقيل؟ صحيح أنني أفهم أنك لن تكون متعاونًا هذه المرة كما كنت مع سينغوكو، لكن ــ»
لقد طالت معرفتنا ببعضنا. وأنا أفهم جيدًا أن هانيكاوا، على خلاف سينغوكو، ليست مجرد ضحية ــ ففي هذه الحالة، هانيكاوا هي التي أصبحت معتمدة على الغرائب. وأفهم أيضًا أن أوشينو ميمي يكره مثل هذه الأمور.
أن تعتمد عليه بكل ما أوتيت من اعتماد ــ
ثم، عندما لا تعود بحاجة إليه، تعاملَه وكأنه مجرد عبء.
ذلك يعني نقصًا في الاحترام ــ أو هكذا كان يرى الأمر.
«لكن هذه المرة، أنت أيضًا تتحمل المسؤولية، أليس كذلك؟ لقد تقاضيت من هانيكاوا مئة ألف ين كاملًا. ومع ذلك حدثت الآن مشكلة تشبه استمرارًا للمشكلة السابقة ــ إلى درجة أنني أرى أنه ينبغي لك، بصفتك خبيرًا، أن تدفع غرامة تعاقدية. لقد قصّرت في الرعاية اللاحقة. لو أنك أخبرتني، كما قلت، بأنك وضعت جرسًا حول عنق هانيكاوا ــ»
«حسنًا، يمكن النظر إلى الأمر بهذه الطريقة أيضًا ــ»
وللمفاجأة، لم يعترض أوشينو.
وكان ذلك ردًا لا يمكن تصوره.
«لكن، أراراغي-كن، رغم كل شيء، أذنا القطة تليقان برئيسة الفصل، أليس كذلك؟ هاها، لقد جعلتني أتذكر “نيكو نيكو فانتازيا”. هل قرأتها؟ تلك الخاصة بالمعلمة نيكوبِه نيكو، كما تعلم ــ»
«نيكوبِه نيكو هي صاحبة “كينغيو تشويهوهو!” يا رجل. لا تخلط بين كل شيء لمجرد وجود قطة في الاسم. …أوشينو، هل تحاول التهرب من شيء ما؟»
«عمَّ تتحدث؟ هل تظن أنني قد أرتكب فعلًا غير نزيهًا كهذا وأراوغ؟ وبمناسبة أذني القطة، إذا تذكرت، فإن أريلي-تشان، نورِيماكي أرايل، كانت ترتديهما كثيرًا هي الأخرى. والآن بعدما أنظر إلى الأمر من جديد، أجد أن تلك المانغا كانت تستبق عصرها حقًا. أذنا قطة، وطفلة صغيرة، وروبوت، ونظارات، وأخت صغيرة، وشعر بنفسجي، وعبارات غريبة متكررة على نحو لا ينتهي؟»
«هذه أشياء لا تلاحظها إلا إذا أخبرك بها أحد، لكن نعم، هذا صحيح… كنت سأمدحك على ملاحظتك، لكن يا أوشينو، ما علاقة ذلك بحالة هانيكاوا؟»
«همم، همم، هممم…»
إنه يحاول التهرب…
إنه يحاول التهرب قطعًا…
«أوشينو، كفى ــ»
«كوبيبو.»
«أهذه هي طريقة الكبار في التهرب بعد أن خبِروا حلو الحياة ومرها؟!»
«هممم. حسنًا. هكذا يكون معظم الكبار.»
«لا أريد أن أصبح بالغًا!»
حسنًا، لن أسمح لـ«كوبيبو» بأن يشتتني.
لكن إذا كان يحاول التهرب، فما الذي يتهرب منه؟
لا أعرف.
ولا فائدة من التفكير في شيء لا أعرفه، لذلك اضطررت، ولو بنوع من الإجبار، إلى مواصلة الحديث.
«على أي حال يا أوشينو ــ أحضر شينوبو بسرعة. خصمنا قط متوحش، وفي كل الأحوال، لا بد أن تكون شينوبو هي الوحيدة القادرة على حل الأمر، أليس كذلك؟ وبالطبع، لن تتحرك شينوبو بهذه السهولة أيضًا، لكن إذا قلت لها أنني سأدفع بدمائي في المقابل ــ»
«همم. ربما. لكن أحيانًا، حين تسوء الأحوال، تتراكم المصائب فوق بعضها، أليس كذلك؟ يقال إن المصيبة تأتي ومعها صديقتها ــ»
«………………»
إلى هذا الحد يمكن للكلمات أن تكون مبطنة.
كفى، أنا مستعجل هنا.
الأمر يتعلق بهانيكاوا.
في المرة السابقة، لم تكن هانيكاوا تحتاج إليّ، لكن هذه المرة، هانيكاوا طلبتني بالاسم، وأكدت أنها تحتاج إليّ ــ لا بد أن أكون هناك، مهما حدث.
أن أكون حاضرًا حين يحتاج إليّ الآخر.
«…هاه؟»
وهناك.
تذكرت من جديد ــ صحيح، كنت أريد أن أسأل أوشينو عن شيء قبل قليل. عن قصة شينوبو التي سمعتها هذا الصباح من هاتشيكوجي ــ قصة لا تثير في نفسي الآن سوى شعور سيئ.
أعني، متى شعرت أصلًا بإحساس جيد تجاه شيء كهذا؟!
«أوشينو… لدي شيء أريد أن أسألك عنه.»
«يا للمصادفة. وأنا أيضًا لدي شيء أردت أن يسألني عنه أراراغي-كن.»
«ماذا حدث لشينوبو؟»
«نعم، هذا بالضبط.»
ثم أجاب أوشينو، بابتسامة مشرقة، كابتسامة شخص أُتيح له أخيرًا الاعتراف بذنب ظل يكتمه، أو شخص شعر بالراحة بعد أن وجد من يصغي إليه:
«شينوبو-تشان خرجت في رحلة للبحث عن نفسها.»
حاولت أن أتدارك الأمر بأي طريقة ــ أظن أنني تظاهرت بأنني لم ألحظ خطأ هانيكاوا، وفتحت حديثًا تافهًا من تلقاء نفسي. حديثًا أحمق من النوع الذي اعتدنا أن نتبادله طوال ذلك الشهر. وكانت هانيكاوا تسايرني فيه دائمًا. لكن. هذه المرة، لم تستطع ذلك. «أنت لطيف، أراراغي-كن.» قالت هانيكاوا. «أنت لطيف وشخص جيد فعلًا.» صحيح. حتى في تلك المرة ــ قيلت لي مثل هذه الكلمات. من هانيكاوا نفسها. «ما رأيك أن نمشي قليلًا؟» دعَتني هانيكاوا إلى المشي معها بهذه الطريقة. لم يكن لدي سبب للرفض. بل لم يكن بإمكاني الرفض أصلًا. فلم يسبق لهانيكاوا أن دعتني إلى شيء كهذا من قبل ــ وأغلب الظن أن هانيكاوا كانت تشعر في تلك اللحظة بحاجة إلى وجود شخص إلى جوارها. لم تكن تستطيع البقاء وحدها. ولم تخترني أنا بالذات. كان يمكن أن يكون أي شخص. فقد كنت أنا فقط الشخص الموجود هناك في ذلك الوقت. وبالنسبة إلى هانيكاوا، لم أكن، إن أردنا قول الحقيقة، الشخص الأنسب لمثل هذا الموقف ــ فلو كانت هانيكاوا محتفظة بهدوئها ولو قليلًا، لما اختارتني. فعلى خلاف هاتشيكوجي مايُوي، التي سألتقي بها لاحقًا، لست شخصًا جيدًا في الاستماع إلى الآخرين. أتعاطف بسهولة، ولا أستطيع الصمت، فأدخل بتعليقي فيما يقال لي، وكثيرًا ما أقطع سياق الحديث. إلا أن هانيكاوا كانت بارعة في الحديث إلى درجة تعوض عن ذلك وأكثر. ولذلك استطاعت أن تجعلني أستوعب تلك الظروف المعقدة دون عناء يُذكر. وبينما كنت أدفع دراجتي الجبلية وأمشي إلى جوار هانيكاوا، استمعت إلى قصة هانيكاوا تسوباسا. أولًا. لم يكن لدى هانيكاوا تسوباسا أب. بالطبع، لا بد أن لها أبًا بيولوجيًا، لكن من الناحية الاجتماعية، وُلدت لأم وحيدة لا قريب لها ولا معين. وما يزال مكان والدها مجهولًا حتى يومنا هذا. لم تكن لديها نية للبحث عنه، وحتى لو فعلت، فمن المرجح أنها لن تتجاوز مرحلة التخمين، ولن تستطيع تحديده بشكل قاطع. تسوباسا. هكذا سُمّيت. وهذه الكلمة تحمل معنى «تاسوُك» و«تاسوكيـرو»، أي «المساعدة» و«الإنقاذ». وتُستخدم للدلالة على أن الطائر الأم تحمي البيض أو الفراخ بجناحيه ويضمها تحت جناحيه «سَفْيُوكو». «يوكيوكو». كلمتان لم أكن أعرفهما. لكن ألم تكن الشخص الذي كان ينبغي أن يُساعد هو تسوباسا نفسها، التي سُمّيت بهذا الاسم؟ ما الذي كانت أمها تفكر فيه حين منحتها ذلك الاسم؟ ما المهمة التي حمّلتها إياها؟ يبدو أن لقبها في ذلك الوقت كان مختلفًا. لم أسأل عن ذلك اللقب. أو بالأحرى، لم أستطع أن أسأل. كانت هانيكاوا على وشك قوله، لكنني قاطعتها. وسرعان ما فهمت هانيكاوا قصدي، فقالت «حسنًا»، وتابعت حديثها. أنجبت أمها هانيكاوا، ثم تزوجت بعد ذلك بوقت قصير. لم يكن زواجًا ثانيًا. على أي حال يبدو أنها كانت بحاجة إلى المال. فقد كان من الصعب عليها أن تربي هانيكاوا وحدها. كان ذلك قبل نحو عشرين عامًا، ومن المرجح أن الأنظمة الاجتماعية لم تكن قد بلغت آنذاك هذا القدر من الاكتمال. وحتى أنا أستطيع أن أتخيل مدى صعوبة أن تعيش أم وطفلة وحدهما دون الاعتماد على أحد. الأم. الأب. لكن بعد الزواج انتحرت الأم بعد وقت قصير. وانهار الزواج الذي كان سببه المال على الفور. كانت، في الأصل، شخصًا على حافة الانهيار النفسي. وقيل أنها من النوع الذي يشعر بالألم من العيش مع شخص آخر ــ وهكذا انتقلت هانيكاوا من حياة «أم وطفلة» إلى حياة «أب وطفلة». أب لا تربطه بها صلة دم. لكنه، مع ذلك، أبوها. ولقب ذلك الأب أيضًا ــ لم يكن هانيكاوا. وهذا اللقب أيضًا ــ لم أستطع السؤال عنه. بعد انتحار الأم بفترة قصيرة، قرر الأب الذي لا تربطه بهانيكاوا صلة دم أن يتزوج من جديد. وكانت هانيكاوا في ذلك الوقت صغيرة جدًا بحيث لم تكن في سن يسمح لها بأن تشعر بشيء تجاه الأمر ــ وعلى أي حال، أصبحت الأسرة بذلك ثلاثة أفراد مرة أخرى. ووُضعت هانيكاوا في موقع يكون فيه كلا والديها بلا صلة دم بها. لم أعرف ما الشعور الذي ينبغي أن ينتابني. هل كان ذلك أمرًا تعيسًا؟ هل كان ينبغي أن أشفق على هانيكاوا؟ لكنها كانت تسير فقط في مسار لا يتوافق مع الحالات المعتادة، ولا يمكنني أن أحكم على هانيكاوا بأنها تعيسة لمجرد ذلك ــ أمها البيولوجية أنهت حياتها بنتيجة مأساوية هي الانتحار، لكن هذا لا يعني أن هانيكاوا نفسها يجب أن تُضم إلى سلسلة التعاسة. بل يمكن تفسير أن والدها تكفل بها رسميًا، وأنها حصلت على أم جديدة، على أنه حظ جيد. أن تحدث أشياء كثيرة ــ لا يعني ذلك وحده أنك تعيس. لذلك، حتى بعد أن مرت الأمور لاحقًا بمراحل من قبيل وفاة أبيها بسبب الإرهاق، وعودتها مرة أخرى إلى حياة أم وطفلة، ثم حصولها على أب جديد بعد عام آخر، حتى وصلت أخيرًا إلى لقب «هانيكاوا» ــ لم يكن ينبغي أن أغير رأيي بشأن الأمر. كانت الشفقة عليها في غير محلها. في تلك المرحلة، الشخصان الوحيدان اللذان يمكن القول أنهما مثيران للشفقة هما الأم الأولى والأب الأول، اللذان ماتا، وليس أي شخص آخر. ومع ذلك، يا لها من حياة مضطربة. عندما انتهى كل ذلك، لم تكن هانيكاوا قد أتمت الثالثة حتى ــ كانت في سن لا تفهم فيه شيئًا. لم يكن أمامها سوى أن تنجرف مع التيار، وأن تُساق حيثما ساقها الآخرون؛ كانت، بشكل يكاد يكون سخيفًا، عاجزة عن فعل أي شيء. كنت مخطئًا. كنت أظن أن شخصًا صالحًا مثل هانيكاوا لا بد أن يكون محظوظًا. وأن الآلهة تحبه. كنت أعتقد حتى ذلك الحين أن الإنسان الطيب هو الإنسان السعيد، وأن الإنسان السيئ هو الإنسان التعيس ــ لكن ذلك لم يكن صحيحًا. بالمقارنة معي أنا، الذي كانت مشكلته الفاترة هي أنني أخرج من المنزل لأن قضاء العطلات مع عائلتي كان يخنقني ــ كانت عائلتها معقدة إلى حد بعيد. بدت القصة ساخرة إلى درجة تجعلها أقرب إلى الكذب. لو لم تكن هانيكاوا هي من أخبرتني بها، لما صدقتها قط ــ بل لكنت اعتبرتها مزحة سخيفة. ولأنها هانيكاوا، ولأنني كنت واثقًا من أنها لا يمكن أن تقول مثل تلك المزحة الخبيثة، فقد عجزت عن الكلام. وفي نهاية المطاف، وبعد أن تقلبت الأمور مرتين وثلاثًا، انتهى بها الأمر بوالدين لا تربطها بأي منهما صلة دم على الإطلاق. أم وطفلة. طفلة زوج أم، لطفلة زوج أم، لطفلة زوج أم ــ هكذا كانت. «آسفة.» بعد أن أنهت حديثها. اعتذرت لي هانيكاوا بهذه الطريقة. «لقد قلت شيئًا قاسيًا الآن، أليس كذلك؟» يا ترى، ماذا أجبتها آنذاك؟ هل قلت «لا بأس»؟ لا، ليس هذا. سألتها ــ «لماذا؟ ما الذي قلته؟» كان ذلك أشبه بإجبارها على الاعتراف بذنبها. ولم يكن هناك ما هو أسوأ من سوء فهمي للموقف؛ فبالنسبة إلى هانيكاوا الجادة، لا بد أن كلماتي بدت وكأنني ألومها. «لأنني كنت أفرغ غضبي فيك.» قالت هانيكاوا. «ماذا ستفعل لو أخبرتك بشيء كهذا؟ ستحتار في كيفية الرد، أليس كذلك؟ ستفكر: وما شأني أنا؟ فهذا لا علاقة له بك أصلًا ــ ومع ذلك، لا بد أنك ستشعر بشيء من الشفقة، ثم ستشعر بالذنب لأنك تشفق عليّ شفقة لا محل لها، أليس كذلك؟ ستشعر وكأنك فعلت شيئًا سيئًا، وكأنك… ستشعر بشعور سيئ، أليس كذلك؟» أصابت كبد الحقيقة. «أنا كنت أتصرف بلؤم»، قالت هانيكاوا. «لقد استخدمت أراراغي-كن لأفرغ ضيقي.» «…………» «أردت أن أجعلك تشعر بالسوء حتى أشعر أنا بالارتياح ــ هذا ليس حتى مجرد تذمر، أليس كذلك؟» كانت تلك أول مرة أرى فيها هانيكاوا بهذه الهشاشة. وربما كان الشاش الذي يغطي وجهها يساعد على ذلك أيضًا. كانت صورة هانيكاوا تسوباسا في ذهني، قبل كل شيء، مستقيمة وقوية وجادة ــ رصينة وذكية ومنصفة ــ كاملة. لكن. لا يوجد إنسان كامل. «لكن… كيف عرفت كل هذا؟» قلت. «أليس من المفترض ألا يخبروا الشخص نفسه بهذه الأمور؟ ألا يحتفظوا بالسر حتى يبلغ العشرين مثلًا؟» «والداي صريحان جدًا. كنت أسمع عن الأمر منذ ما قبل دخولي المدرسة الابتدائية.» قالت هانيكاوا ذلك دون أن تخفف من وتيرة مشيها. «يبدو أنني كنت مصدر إزعاج حقيقي بالنسبة إليهما.» «…………» «لكن هناك ما يُسمى بنظرة المجتمع، أليس كذلك؟ لا يمكنهما أن يتخليا عن طفل لمجرد أن الطرف الآخر مات، ولا يمكنهما أن يتخليا عن طفل لمجرد أنهما سيتزوجان. ويبدو أنهما فكرا حتى في إرسالي إلى دار للرعاية ــ لكنهما لم يكونا واثقين من قدرتهما على تحمل الانتقادات التي ستوجه إليهما لأنهما تخلّيا عن طفل صغير بدافع أنانيتهما.» «………………» حتى لو قيلت لي مثل هذه الأشياء ــ لكن. حتى بين العائلات التي تربط أفرادها صلة دم، يحدث ذلك. بل إن العائلات التي تسير أمورها كلها على خير ما يرام نادرة إلى حد بعيد ــ لا بد أن كل عائلة تحمل في داخلها قدرًا من الخلاف والتشوه. «لذلك حاولت أن أصبح طفلة جيدة.» قالت هانيكاوا. «منذ أن كنت في المدرسة الابتدائية، وأنا أحاول أن أكون رئيسة فصل جادة دائمًا ــ وقد أصبحت فعلًا ما حاولت أن أكونه، أليس كذلك؟ أنا فتاة مطيعة، أليس كذلك؟ هاها.» بطريقة ما ــ ذكّرني ذلك بقصة سينجوغاهارا هيتاغي التي سأسمعها لاحقًا. سينجوغاهارا هيتاغي في المرحلة الإعدادية، هيتاغي سينجوغاهارا في المرحلة الثانوية ــ ليس التشابه في تسريحة الشعر وحدها. أم أن هذا هو ما كان يعنيه الأمر؟ لكن الاختلاف أيضًا ــ كان واضحًا. ما يفعله الطفل مسؤولية الوالدين، أما ما يفعله الوالدان فلا يتحمل الطفل أي مسؤولية عنه ــ هكذا كان الأمر. «ليس المطلوب أن تكوني فتاة جيدة، بل فتاة عادية، على الأرجح.» وحين بقيت صامتًا، واصلت هانيكاوا. «عندما تكون لديك ظروف عائلية معقدة، أحيانًا ينظر الناس إلى الأمر على أنه صدمة نفسية أو شيء من هذا القبيل، وينظرون إليك بعين متحيزة، أليس كذلك؟ لم أرد أن ينظر إليّ الناس بهذه الطريقة. لذلك ــ قررت أن مثل هذه الأمور مهما حدثت، لن تغيرني.» لن أتغير. مهما حدث. «كنت أعيش حياة طالبة ثانوية عادية، أليس كذلك؟» «لا… لا أدري إن كان هذا صحيحًا.» فالطالبة الثانوية العادية لا تحتل المرتبة الأولى في الاختبارات التجريبية الوطنية. ولا تعيش حياة مستقيمة إلى هذا الحد. كنت أقصد أن أقول ذلك بشيء من المزاح، محاولةً مني لتلطيف الأجواء قليلًا، لكن هانيكاوا قالت، بنبرة خيبة أمل: «أحقًا؟» «ربما تتسرب تلك الأشياء مني رغمًا عني. ربما لأن فتاة غير عادية تحاول أن تعيش حياة عادية، فإن ذلك يسبب نوعًا من التكلف. وربما أبالغ في الأمر أكثر من اللازم.» «ليس في ذلك شيء سيئ ــ أليس كذلك؟» قلت. «هذا يعني أنك تعيشين حياة أفضل.» «ليس الأمر كذلك. الأمر واضح، أليس كذلك؟ لأنني وُلدت بهذه الطريقة، ونشأت بهذه الطريقة ــ ولهذا تحديدًا أنا فتاة جيدة، ولهذا تحديدًا أنا مطيعة.» أنني بذلت جهدي متخذةً من تعاستي دافعًا. أو أنني بذلت جهدي متخذةً من محنتي دافعًا. الأمر واضح جدًا، عندما يكون بهذه الصورة ــ «…همم. لا، لكن، في حالتي أنا، ربما يكون الأمر فعلًا كما تقولين.» «حتى لو كان الأمر كذلك، فهذا…» في الواقع ــ ربما كان الأمر كذلك فعلًا. ومن المفارقة. لم يكن أمامي سوى الإقرار بذلك. لكن هذا لا يعني أنه أمر سيئ. «وأنت، أراراغي-كن، ماذا تفعل؟» فجأة. غيرت هانيكاوا الموضوع. وتغير تعبير وجهها أيضًا في لحظة ــ تلك الابتسامة الودودة المعتادة. لكن كونها عادت إلى طبيعتها تمامًا ــ كان مخيفًا على العكس. مع أننا كنا نتحدث عن مثل هذا الموضوع. «إنها العطلة الذهبية، ألا تدرس على الأقل؟» «إنها العطلة الذهبية، فلماذا يجب عليّ أن أدرس؟…» «هاهاها.» ضحكت هانيكاوا بمرح. «أما أنا ــ فأيام العطلة هي أيام المشي.» «…………» «لأنني لا أريد البقاء في المنزل. أن أبقى يومًا كاملًا في المنزل مع ذلك الأب وتلك الأم… إنه أمر يبعث على الرعب.» «هل… علاقتك بهما سيئة؟» «بل المشكلة أعمق من ذلك.» قالت هانيكاوا. «علاقتنا باردة. علاقتي بوالديّ، وكذلك ــ العلاقة بين أبي وأمي. نحن عائلة، ومع ذلك لا نتحدث مع بعضنا.» «أبوك وأمك أيضًا…» «نعم. ربما كان ذلك بسببي، فمنذ وقت ما، يبدو أنهما فقدا تمامًا حتى مشاعر المودة تجاه بعضهما. أظن أنهما كان ينبغي أن ينفصلا، لكن حتى ذلك يدخل في باب نظرة المجتمع ــ نظرة المجتمع مهمة، أليس كذلك؟ إلى أن أبلغ سن الرشد، على الأقل ــ هكذا يقولان. هاها، مع أنني طفلة لا تربطني بهما أي صلة أصلًا.» لا تضحكي. لا تتحدثي عن أمر كهذه وأنت تضحكين. هذا ليس من طبع هانيكاوا.
