Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

باكيمونوغاتاري – قطة تسوباسا — الفصل السابع

قطة تسوباسا — الفصل السابع
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

قطة تسوباسا — الفصل السابع

 

007

«لا تتفاعلي فقط مع القرد والثعبان… أين ذهبا السلطعون والحلزون؟ ثم لا تقولي كل ما يخطر ببالك مباشرة.» صورة هانيكاوا في ذهني تسوء أكثر فأكثر. أتمنى لو أرَ ولو ذرة واحدة من ذكائها. «وأنا──الشيطان.» «همف. نيا.» قالت بلاك هانيكاوا: «أيها الإنسان──ماذا تظن بنا نحن الذين تسموننا أنتم البشر بالغرائب؟» «ماذا أظن…؟» يبدو أن الحديث معها ليلًا، بما أنها كائن ليلي، يجعل التواصل معها أسهل قليلًا… كان الأمر كذلك في المرة السابقة أيضًا، لكن الجوهر لم يتغير. ماذا تقصد بسؤالها؟ معنى كلامها غامض بطريقة ما. «إذا كنت تظن أنك اعتدت علينا يا إنسان──فأعتقد أن عليّ أن أذكرك بعضة. الغرائب غرائب، والإنسان إنسان──لا يمكن أن نصبح شيئًا واحدًا. مهما حدث، لا يمكننا أن نتوافق.» «لا أفهم… ما الذي تحاولين قوله لي؟» «عدم فهمك لأنك غبي.» «حين تقولينها أنتِ تحديدًا، فهذا يؤذيني أكثر من أي شخص آخر!» «هاه. هذه جملة حرفية عن الجروح… نيا؟ هممم، ماذا كان يمكنني أن أقول؟» «إذا لم يخطر ببالك شيء فلا تتحدثي لمجرد التحدث! لا يوجد في العالم مشهد أكثر إثارة للشفقة من شخص لا يستطيع قول شيء ذكي ويحاول رغم ذلك أن يبدو ذكيًا!» لا تتقدم المحادثة إطلاقًا. بل ما الذي كنا نتحدث عنه أصلًا؟ «باختصار، تقولين أنه لا يمكن الاعتياد على الغرائب؟ حسنًا، أنا أشعر بذلك بنفسي… مع كل واحد منها أظل أتصرف بغباء وأرتبك بشكل مخجل… إنه أمر يدعو إلى الشفقة. لا يمكنني أن أكون مثل أوشينو.» أوشينو مييمي. الخبير──مرجع عالم اليوكاي والتحولات الغريبة. حين أفكر في الأمر، الأمر غريب. كيف دخل هذا الطريق أصلًا؟ لا أعرف شيئًا تقريبًا عن ماضيه. أليس قد قيل أنه كان يدرس في جامعة ذات طابع ديني شنتوي…؟ {أي من تقاليد الديانة اليابانية القديمة} لكن حتى ذلك، لا أعرف إلى أي حد يمكنني تصديقه بوصفه سيرة حقيقية. فهو من النوع الذي يكذب أحيانًا بدافع المزاج أو الفكرة التي تخطر له في اللحظة نفسها. «لا، ليس هذا ما أريد قوله يا إنسان──مثلًا، هل يمكنك أن تتخيل سبب اختفاء مصاصة الدماء تلك؟» «…أبدًا.» «أرأيت؟ هذا يعني أنك لا تفهمنا إلا بهذا القدر. …وأظن أن ذلك الانسان يعرف تقريبًا ما يجري. إنه──يعرف حدوده.» «يعرف حدوده──» «يعرف قدره.» «………………» إذا مددت يدك أكثر مما ينبغي──احترقت. هل هذا ما تقصده؟ في حالتي، لم أمد يدي فقط، بل مددت رقبتي أيضًا، لذا إن كان الأمر كذلك، فحالتي ميؤوس منها فعلًا. أنا فقط أتخبط وسط الأمواج وأذهب حيث تدفعني، ولا يمكنني أن أقول أنني اعتدت على الأمر. وفوق ذلك──عندما يتعلق الأمر بشينوبو. مصاصة الدماء الأسطورية──من سلالة النبلاء. «هل أخبرك أوشينو عني وعن شينوبو؟ هل تفهم علاقتي بها فعلًا قبل أن تقول هذا الكلام؟» «لم أسمع كل ذلك──ربما سمعته، لكنني نسيته. على الأقل، لم أفهمه.» «أنتِ عشوائية جدًا.» «حتى لو كنت عشوائية، أفهم الأمر عمومًا──أوه، وعندما أقول “عمومًا”، لا أقصد صدر سيدتي!» «…………» نكتة لا تمت إلى الذكاء بصلة… ليست مثيرة حتى، بل مجرد مبتذلة. «الغرائب تفهم بعضها البعض أكثر من أي أحد آخر──فنحن في النهاية من النوع نفسه.» «من النوع نفسه…» أظن أن نوعينا مختلفان جدًا من حيث كوننا غرائب. نحن من غير البشر، نعم──لا، حتى هذا ليس دقيقًا. «كغرائب──نحن من النوع نفسه.» «أنا لا أقول شيئًا معقدًا──فأنا أصلًا لا أستطيع قول الأشياء المعقدة. اسمع يا إنسان──كلمة “غرائب” نفسها تعبّر عن كل شيء.» قالت بلاك هانيكاوا: «غرائب──شيء غريب ومختلف، شيء يختلف عن الإنسان──ولهذا، إن اعتاد الإنسان على وجودنا، انتهى الأمر بالنسبة إلينا. عندها لن نعود غريبين ولا مختلفين. يجب أن يؤمن بنا البشر، ويخشوننا، ويخافوننا، وينفرون منا، ويقدسونا، ويحترمونا، ويكرهوننا، وينبذوننا، ويتمنوننا──ولهذا يمكننا أن نوجد.» «………………» «أن يعتاد علينا أحد──هذا أمر فظيع.» إذا عاملتنا كما لو كنا أصدقاء، فذلك مزعج جدًا── هكذا لخصت بلاك هانيكاوا الأمر. شعرت وكأنها وضعت مسمارًا في طريقي. لكن حين أفكر في كلامها، فهو صحيح… ربما لأنني تحولت أنا نفسي إلى غرائب بدرجة تتجاوز النصف، أصبحت الحدود غامضة لديّ. صحيح أن الوعي المفرط بهذه الحدود مشكلة──لكن عدم الوعي بها إطلاقًا مشكلة أيضًا. شينوبو. هل عاملتها──في مرحلة ما──كأنها مجرد طفلة؟ أنا… «مهلًا، لكن انتظري لحظة… هل تقصدين أن هذا هو السبب؟» «نيا؟» «لأنني بدأت أتعامل مع شينوبو بهذه الطريقة──اختفى وجود شينوبو بوصفها غرائب؟» مصاصة دماء. لكن──شبه مصاصى دماء. كان السؤال متعلقًا بالهوية. ومن المفارقات أن أوشينو قال إنها «رحلة للبحث عن الذات». هل أصبحت شينوبو الآن──غير قادرة على إدراك ذاتها؟ لا تستطيع أن تعرف نفسها بنفسها. «ربما. وربما لا. لا أعرف إلى هذا العمق──نحن متشابهون، لكننا أيضًا شيئان مختلفان. لكن يا إنسان، هناك شيء واحد عليك أن تتذكره… ماذا كان؟» «أنتِ التي نسيتِ!» «آه، صحيح، تذكرت. أيها الإنسان. نحن موجودون هناك بشكل طبيعي، لكن──في اللحظة التي يُنظر فيها إلى وجودنا على أنه أمر طبيعي، نتحول إلى مجرد واقع.» شيطان──مجرد اضطراب في الدم. القطة──مجرد تعدد شخصيات. السلطعون──مجرد مرض. الحلزون──مجرد طفلة تائهة. القرد──مجرد اعتداء عشوائي. الثعبان──مجرد ألم. الغرائب──تصبح مجرد واقع. «في النهاية، هل هذا يعني أنه لا مكان للغرائب في عالم العلم الشامل، كما تقول تلك العبارة المملة؟» «لا. كل ما في الأمر أننا لا نستطيع البقاء في أشكالنا السابقة──لكننا موجودون دائمًا وفي كل مكان. ما دام البشر موجودين.» «إذًا هكذا──سارت مع البشر.» «هذا هو الأمر.» هكذا إذًا. القطة المؤذية──الغرائب. «لكن مع ذلك… لا أشم شيئًا إطلاقًا.» «همم؟ آه، رائحة شينوبو… لا أثر لها أيضًا؟» «إنها رائحة مميزة، لذا لو كانت موجودة فسأعرف فورًا… أيها الإنسان، هل خرجت مصاصة الدماء تلك فعلًا؟» «أجل… أنا متأكد من ذلك. على الأقل، رآها شخص ما مرة واحدة.» «حسنًا. هل يمكن أن تكون قد تظاهرت بالخروج ثم اختبأت داخل ذلك المبنى المهجور…؟» «لقد فكرتِ في الأمر فعلًا هذه المرة… لم تخطر لي هذه الفكرة.» «ماذا لو خرجت مرة ثم عادت إلى المبنى؟ المكان مليء برائحة مصاصة الدماء تلك، لذا يمكنها الاختباء بينها.» «لو كان الأمر كذلك، للاحظ أوشينو الأمر بالتأكيد…» الاختباء بينها… …همم، أشعر أنني كنت على وشك أن أفكر في شيء الآن… ماذا كان؟ لا أعرف… مهلاً، لا يمكنني السخرية من هذه القطة الآن. لقد تحولت فعلًا إلى منافسة حول أيّنا أكثر غباء. هل ذكائي في مستوى قطة؟ أممم… «آه، صحيح──إذًا، لنذهب أولًا إلى المكان الذي شوهدت فيه شينوبو. سيخرج ذلك عن مسارنا قليلًا، لكن لنذهب إلى مستر دونات… ومن هناك، يمكنك تتبع رائحة شينوبو.» «هممم. الأمر ليس تمامًا كما لو أنني أتتبع الرائحة──لأنني في الحقيقة لا أحدد الأمر بدقة وفقًا لقوة الرائحة وضعفها.» «حقًا؟» «في الواقع، بعد أن خرجت من ذلك المبنى، حاولت في البداية أن ألاحق مصاصة الدماء تلك وحدي──لذلك أظن أنني ذهبت أيضًا قرب متجر مستر دونات ذاك.» «لماذا لم تخبريني بهذا الأمر المهم منذ البداية؟» علينا تغيير المسار إذًا. إذا كنا سنبحث باستخدام الرائحة، فلا معنى لتفتيش الأماكن التي فتشناها من قبل. «آسفة، نسيت.» «………………» شعرت برغبة حقيقية في تكرار المسار نفسه مرارًا وتكرارًا بإصرار. «لكن… الرائحة انقطعت فجأة في منتصف الطريق.» «انقطعت──» «يعني أنني لم أعد أستطيع تتبعها… لذلك لدي سؤال يا إنسان. إلى أي مدى تستطيع مصاصة الدماء تلك استخدام قدراتها كمصاصة دماء الآن؟ إذا كانت تستطيع الاختفاء والظهور، أو التحول إلى ظل أو ظلام──فبصراحة، لن أستطيع العثور عليها.» «إذا كان الحديث عن قدراتها كمصاصة دماء، فاعتبري أنها لا تستطيع استخدام معظمها تقريبًا. قدراتها الحالية مقيدة في معظمها──وحتى لو استطاعت استخدامها، فذلك لا يحدث إلا حين أكون بالقرب منها. لقد أعطيتها دمًا في بداية هذا الأسبوع، لذا لا بد أنها تستطيع القيام ببعض النشاط، لكن إن لم أكن بجانبها فهي مجرد──» مجرد طفلة. ليست غرائب. واقع── لكن هل كانت هذه النظرة──خاطئة؟ «هممم. إذًا…» بدأت بلاك هانيكاوا تتمتم. يبدو أنها تستخدم دماغها بلا داعٍ. «لكن إذا فكرنا في الأمر هكذا، فهذا ليس…» «ماذا؟ لا تفكري وحدك. لدينا مثل في عالم البشر يقول: “ثلاثة أشخاص معًا يملكون حكمة مونجو”، أليس كذلك؟» «ومن هو مونجو؟» «………………» من هو؟ لقد كنت أستخدم العبارة من دون أن أعرف. «ثم إننا لسنا ثلاثة.» «حسنًا، صحيح.» «إننا شخص وقطة──نيا.» قالت بلاك هانيكاوا ذلك. شخص وقطة، لا شخصان── وليس السبب أنها لا تستطيع العد إلا إلى واحد. «على أي حال──يا إنسان. كلما فكرنا في الأمر، بدأت أظن أن العثور على مصاصة الدماء تلك لن يكون سهلًا.» «احتمال أنها خرجت من المدينة؟ لكن ذلك يعني الجانب المعاكس لما قلته قبل قليل، فهي الآن لا تستطيع الابتعاد عني إلى ذلك الحد──» في الواقع، ليس الأمر أنها لا تستطيع ذلك تمامًا. لكن إذا فعلت، فقد تصبح غير قادرة على الوجود. «معنى امتصاص مصاص الدماء للدم──نيا.» «ماذا؟» «مصاص الدماء يمتص دم الإنسان──لكن المعنى يختلف حين يمتصه بوصفه غذاءً، وحين يمتصه من أجل صنع رفيق له.» «…………» كنت أعرف ذلك. سمعته خلال عطلة الربيع──لكن كيف تعرف هذه القطة ذلك؟ رغم أن ذكاءها في مستوى قطة… آه، فهمت. الذكاء والمعرفة شيئان مختلفان. هانيكاوا وبلاك هانيكاوا قد تختلفان في مستوى الذكاء، لكن معرفتهما مشتركة إلى حد ما. «وربما لهذا السبب تحديدًا يمكن القول أنها هربت.» «هاه؟ ماذا تقصدين؟» «…أنت بليد يا إنسان.» قالت بلاك هانيكاوا بنبرة مستاءة. «بليد؟ ما معنى ذلك؟» «أقول أنك سيئ الفهم.» «حسنًا، صحيح أنني لست سريع الفهم تمامًا…» «أقول إن إطار نافذتك سيئ التركيب.» «أنا لست إطار نافذة!» «أقول أن مصاصة الدماء تلك، منذ أن تعرفت إليها في عطلة الربيع، وهي تراك تتعامل معنا واحدًا تلو الآخر بلا توقف، ربما لم تكن تشعر بالارتياح تجاه الأمر.» «تقصدين أن خصوصيتها تضاءلت لأنها أصبحت واحدة ضمن سلسلة من الغرائب المختلفة، بما فيها أنت؟ ولهذا لم تعد قادرة على البقاء هناك──» «بليد، نيا.» كررت بلاك هانيكاوا. بليد… كلمة لا أحب سماعها. «يقال إن الحيوانات حين تدرك أن أجلها قد حان تختفي عن أنظار البشر──فهل ينطبق الأمر نفسه على مصاص الدماء؟» «لا تقولي شيئًا مشؤومًا كهذا.» «أن تقول لي غرائب شيئًا مشؤومًا… هذا مضحك قليلًا. لكن يا إنسان، ماذا ستفعل إذا لم نعثر على مصاصة الدماء تلك؟» «ماذا سأفعل…؟ سأكون في ورطة، بالطبع. هانيكاوا لن تعود إلى طبيعتها──» «لكن المشكلة هي ذلك فقط، أليس كذلك؟ باستثناء سيدتي──ألا تظن أن اختفاء مصاصة الدماء تلك سيكون أفضل لك؟» «…………؟» ما الذي تقوله؟ لم أفهم قصدها تمامًا. «وجود رائحة مصاص الدماء فيك بشكل جزئي هو بسبب وجودها، أليس كذلك؟ إطعامها الدم وما إلى ذلك… كنت تقول ذلك. إذًا، إذا اختفى وجود مصاصة الدماء هنا، فستعود أنت إلى مجرد إنسان.» مصاص دماء──إلى مجرد إنسان. يمكنني العودة. إذا تخليت عن شينوبو. «هذا… مستحيل. لا يمكنني التخلي عنها. أنا──» إذا كانت هانيكاوا من أنقذت حياتي. فشينوبو هي ضحيتي. «لقد فعلت بها ما يكفي حتى لا يحق لي الاعتراض لو قتلتني. لقد فعلت بها ما يكفي.» «تقول ذلك، لكن ربما كل ما في الأمر أنك لا تريد التخلي عن جسدك الخالد؟» «هذا ليس صحيحًا.» قلت: «إذا كانت ستموت غدًا، فلتكن حياتي حتى الغد فقط.» «…همف. فهمت.» «هذا تعاطف.» قالت بلاك هانيكاوا. وإذا قالت ذلك بهذه الطريقة، فهي محقة──إنها مشاعر أحادية الجانب مني. ومن منظور شينوبو، ليس مستبعدًا أن تكون تلك المشاعر مزعجة أو ثقيلة عليها. وربما──لهذا السبب تحديدًا. هربت شينوبو. «وفوق ذلك، يا قطة، افتراضك هذا لا يستقيم من الأساس. استثناء سيدتك من المعادلة مستحيل. آسف، لكن عليك أن تظلي مختبئة في الداخل──لا أريد تكرار ما حدث في الأسبوع الذهبي.» «حسنًا. لكن يا إنسان──هذا ليس افتراضًا مستحيلًا على الإطلاق. هناك طريقة لإبقائي في الداخل من دون الاعتماد على مصاصة الدماء.» «…؟ هناك؟» طريقة كهذه…؟ إذا كان بالإمكان فعل ذلك خلال فترة قصيرة──فهذا ما أريده. الحد الأقصى عشرة أيام──أي إذا تمكنا، في أسوأ الأحوال، من حل الأمر خلال تسعة أيام كما حدث سابقًا، فسيكون ذلك كافيًا. «لقد حدث الأمر نفسه خلال الأسبوع الذهبي، أليس كذلك؟ أنا تجسيد لضغط سيدتي──أي إذا تم التخلص من أصل الضغط، فسأختفي أنا أيضًا.» «هممم…» في المرة السابقة، حين دفعت القطة المؤذية والدي هانيكاوا إلى دخول المستشفى بامتصاص الطاقة، عاد وعي هانيكاوا لفترة قصيرة──وربما كان ذلك لأن ضغطها خفّ قليلًا نتيجة لذلك. لكن في النهاية، لم يكن ذلك كافيًا لتفريغ الضغط المتراكم كله، فعادت بلاك هانيكاوا سريعًا… أصل الضغط──إذًا. «يبدو أن أوشينو فكر في الأمر أيضًا… لكن لا وقت لدينا للعثور على أصل ذلك الضغط. ويبدو أن الأمر هذه المرة ليس متعلقًا بعائلتها──» «لماذا نحتاج إلى العثور عليه؟ أنا أعرفه.» «…آه، صحيح.» نسيت. إذا كانت هذه القطة تجسيدًا لضغط هانيكاوا، فهذا يعني أنها تعرف حقيقة الضغط، بل ومسببه، أفضل من أي شخص آخر، بل أفضل من هانيكاوا نفسها. ولهذا هاجمت والدي هانيكاوا أولًا── «لكن، يا قطة، ما زالت هناك مشكلة. حتى لو عرفنا مسبب الضغط، فلا وسيلة لدينا لتخفيفه. بعد ذلك تصبح المسألة مشكلة هانيكاوا نفسها──» لا يمكن لشخص آخر أن يحل مشكلة شخص آخر. حتى مسألة والدي هانيكاوا──لا أستطيع فعل شيء حيالها. وبقية المشاكل كذلك. «مهما كان مسبب الضغط… حسنًا، لا أخفي أنني فضولي لمعرفة ما هو. بالنظر إلى التوقيت، ربما يتعلق الأمر بمسألة المسار الدراسي؟ أتذكر أنها أصيبت بصداع في المكتبة أيضًا حين كنا نتحدث عن المسار الدراسي──كانت تبدو وكأنها لا تتردد، لكن ربما في داخلها…» «ليس المسار الدراسي.» «حقًا؟» «وفوق ذلك──أظن أنك قادر على حل هذه المشكلة، وهذا الضغط، بسهولة.» «بسهولة؟» «بسهولة.» «هل يمكن لهانيكاوا أن تعاني بسبب شيء بسيط؟ لا، ربما لأنها مسألة بسيطة تحديدًا… همم؟ لكن ماذا تقصدين بقولك “أنت تحديدًا”؟» إذا كنت أستطيع فعلها──فأي شخص يستطيع. لكن هل يمكن أن تكون هانيكاوا قلقة بسبب شيء يستطيع أي شخص حله؟ ما أستطيع فعله، لا يمكن أن تكون هانيكاوا نفسها عاجزة عنه── نظرت فجأة إلى الساعة في معصم يدي اليمنى. مر وقت إضافي. من المؤكد أن سينجوغاهارا عادت من المدرسة الآن──لكنها قالت أنها ستأخذ العمل إلى المنزل، لذا ربما يكون الجزء الأصعب قد بدأ للتو. وإذا فكرت في الأمر، فإن الشخص الوحيد في صفنا القادر على تولي أعمال هانيكاوا من حيث الكفاءة هو سينجوغاهارا… يبدو أن اختيار هانيكاوا لم يكن خاطئًا حتى وهي تضع أذني قطة على رأسها. اختيار الأشخاص… لكن إذا كان الأمر كذلك، فإن اختياري نائبًا لرئيس الصف كان خطأً بالفعل… بسببي تضاعف حجم عمل هانيكاوا تقريبًا. حسنًا، ربما تستطيع إنجاز عشرة أضعاف هذا العمل بسهولة… «لا يا إنسان. سيدتي…» قالت بلاك هانيكاوا مترددة قليلًا: «تحبك.» «…ماذا؟» «لذلك، إذا ارتبطت بسيدتي، فأظن أنني سأتمكن من الاختفاء──نيا؟ ما بك؟» «………لا.» توقفت عن المشي. بل──توقف تفكيري. ما هذا بحق الجحيم؟ «ما هذه النكتة؟ حتى أنا لا أستطيع الرد على كل مزحة غبية… ثم حتى لو كانت مزحة، فهي سيئة أكثر من اللازم. هناك أكاذيب يجوز قولها وأكاذيب لا يجوز قولها──» «أنت غبي يا إنسان. هل تظن أن لديّ عقلًا قادرًا على الكذب؟» «………………» ليس لديها. الجملة المعتادة: «لو كنت سأكذب لاخترت كذبة أفضل» ليست جملة أحبها كثيرًا، لأن هناك أكاذيب تُقال مع افتراض أن الطرف الآخر سيعتقد ذلك تحديدًا، لكن في هذه الحالة، القطة المؤذية لا تمتلك أصلًا القدرة على الكذب. كانت هانيكاوا تقول أنها لم تكذب قط──لكن هذا معنى معاكس تمامًا. القطة المؤذية لا تستطيع الكذب. إذا كان الأمر كذلك. «لـ… لكن يا قطة، إذا لم تكن هذه كذبة، فأنتِ مخطئة. لا يمكن أن يكون الأمر هكذا.» «ولماذا تظن ذلك؟ كيف يمكنني أن أخطئ في فهم سيدتي؟ إنها سيدتي، لا أحد سواها.» «هانيكاوا…» طيبة مع الجميع بلا تمييز. وكلما كان الشخص أسوأ، زاد تعاطفها معه. ولهذا──مع شخص مثلي. وفوق ذلك──عطلة الربيع أيضًا. «كل ما تستطيعين فهمه هو الأمور المتعلقة بالضغط، أليس كذلك؟ أعلم أن المعرفة مشتركة بينكما، لكن لا بد أن هناك معرفة يمكن استحضارها وأخرى لا يمكن استحضارها. مستحيل أن تكون هانيكاوا──» لا. لكن، ألم تكن سينجوغاهارا قد لمّحت لي ذات مرة بطريقة ما──وفي ذلك الوقت كانت أشبه بتجسيد لغريزة الدفاع عن النفس والوعي بالخطر، وإذا كانت قد لمحت بهذا الشكل، فلا بد أن لديها أساسًا لذلك؟ «لهذا السبب بالضبط.» قالت بلاك هانيكاوا بنبرة كأنها تشرح لطفل سيئ الفهم طريقة استخدام آلة حاسبة: «هذا هو الضغط بعينه──سيدتي تحبك، وأنت تواعد شخصًا آخر، أليس كذلك؟ وفوق ذلك، أنت تُريها ذلك بوضوح──» «………………» منذ نحو شهر──الصداع. هكذا قالت. وقبل شهر من الآن كان──صحيح، عيد الأم. اليوم الذي بدأت فيه علاقتي بسينجوغاهارا──وفي ذلك اليوم نفسه، عرفت هانيكاوا الحقيقة── لا شيء يفوت رئيسة الصف. إنها تعرف كل شيء. «لكن هانيكاوا لم تُظهر شيئًا من هذا──بل على العكس، كانت تبدو وكأنها تشجعني أنا وسينجوغاهارا، بل وكانت تستمع إلى مشاكلي──» «ولهذا بالضبط تراكم الضغط أكثر فأكثر. يا رجل، هل تظن أن شخصية سيدتي تسمح لها باختطاف حبيب شخص آخر؟ إنها صريحة وعادلة، نقية ونزيهة، وتضع الانسجام فوق كل شيء──وتعتبر من الطبيعي أن تضحي بنفسها من أجل الآخرين. ومن المستحيل أن تُظهر ذلك ولو بطرف عين.» الحب شيء يُنتزع بلا رحمة── لكن. هناك من لا يستطيع فعل ذلك. إذًا، هل كنت أطلب المشورة من شخص كهذا وأجعله يشجعني؟ كان الأمر كذلك مع كانبارو، وصحيح، حتى في المكتبة، لم يكن الحديث عن المسار الدراسي، بل عن سينجوغاهارا──كنت أخبرها أنني أفكر في اختيار الجامعة من أجل سينجوغاهارا── والصداع لا يتوقف── بل يزداد سوءًا. «………………» أشعر──بالغثيان. ماذا فعلت أنا…؟ لكن يستحيل أن أكون قد أدركت ذلك… هانيكاوا؟ تلك الفتاة، إذا أخفت مشاعرها حقًا، فلن تتمكن حتى سينجوغاهارا من معرفة ذلك. لكن. بليد──إذًا. فهل كان موضوع المسار الدراسي أيضًا… صحيح أن تأثير أوشينو كان موجودًا بالتأكيد، لكن يمكن أيضًا اعتباره رحلة هانيكاوا تسوباسا الطويلة في أعقاب حب فاشل──لقد أصابها الصداع مباشرة بعد حديثنا عن المسار الدراسي. وفوق ذلك. في ذلك الوقت، أغلقت عينيها، ووضعت شفتيها على── «منذ متى──؟» «منذ عطلة الربيع. كان ذلك قبل ظهوري، لذا لا أفهم تمامًا التفاصيل الدقيقة لمشاعرها، لكن بالنسبة لسيدتي التي عاشت دائمًا في ظروف خانقة، فإن قصة إنسان ومصاصة دماء بدت بالتأكيد عبثية تمامًا، لكنها في الوقت نفسه بدت وكأنها تملك القوة اللازمة لكسر الوضع الذي كانت تعيش فيه.» «كسر الوضع──» ذلك الشيء. كنت في ذلك الوقت على آخري… «لكنني لا أظن أنه لم تكن هناك أي علامات على الإطلاق. كانت سيدتي شبه مثالية في تلك الأمور، لكن ربما تراخت قليلًا لأن الموضوع كان متعلقًا بالحب. ألم ترَ أن الأمر غريب؟ هل كانت رئيسة صف شديدة الجدية ستختار شخصًا مثلك نائبًا لها؟ لو فكرنا بالأمر طبيعيًا، فهذا خطأ في اختيار الشخص.» «آه… لا.» كان اختيارًا خاطئًا. لكن كانت هناك أسباب. «محاولة إصلاحك لأنها ظنت أنك مشاغب تبدو سببًا، لكنها ليست سببًا مقنعًا جدًا، أليس كذلك؟» «ذلك──» في ذلك الوقت──في بداية أبريل، أصرت هانيكاوا على ترشيحي، متجاوزةً بعض الاعتراضات التي كانت موجودة، ثم عينتني نائبًا لرئيس الصف──ومن المؤكد أن ذلك الاختيار أثار قدرًا من اعتراضات الصف. لم أكن أراه كذلك لأنني كنت المعني بالأمر، وصدقت كلام هانيكاوا عن أن «الإنسان ينمو حين يوضع في موقع يتحمل فيه المسؤولية»، لكن ألم تكن هانيكاوا تكره قبل أي شيء استخدام السلطة لفرض الأمور بالقوة؟ «إذًا، لماذا؟» «لأنها أرادت أن تقضي أكبر قدر ممكن من الوقت معك. رئيس الصف ونائبه في النصف الأول من السنة الثالثة يعنيان أنهما سيحضّران معًا آخر مهرجان ثقافي في الحياة المدرسية… حسنًا، واستمرت تلك المحاولات حتى قبل شهر فقط. الحب الذي كانت سيدتي تبنيه شيئًا فشيئًا، شيئًا فشيئًا──انتهى هناك. نياهاها، لا، ربما ينبغي أن أقول إن ذلك كان مجرد بداية البداية؟» «………………» في ذلك الوقت، كانت هانيكاوا──سعيدة من أجلي. هكذا كنت أظن. لكن──هل كان ذلك أيضًا كذبًا؟ لم تكذب قط──لا. إذًا، كل ما تقوله كذب، يا هانيكاوا تسوباسا──! «بصراحة، أظن أن سيدتي كانت غافلة قليلًا أيضًا. لم تتوقع ظهور منافسة على الإطلاق. لو كانت تعرف، كما حدث خلال الأسبوع الذهبي، أنك لطيف مع الجميع──ولو فكرت في احتمال أن يظهر أشخاص آخرون تنقذهم كما أنقذتها هي──فهي ذكية بما يكفي لتتصرف في وقت أبكر. أما الفتاة التي تواعدها الآن، فقد كانت سريعة كالبرق، أليس كذلك؟» «صحيح…» سينجوغاهارا──لم تتردد. ما إن اتخذت قرارها حتى هاجمت دفعة واحدة. وبمهارة تجعل الشخص العادي يتراجع. «فتاة نشأت في أسرة باردة. الكائن غير المألوف الذي التقت به لقاءً صادمًا في عطلة الربيع كان زميلًا لها في الصف. شعرت بشيء قدري. مشاعر حب تتزايد في الخفاء. ثم أنقذ حياتها──فتحول الحب إلى يقين. نياهاهاها، هكذا مثلًا. لو كانت هذه مانغا رومانسية للفتيات، لكانت سيدتي هي البطلة بلا شك──لكنها خسرت بطريقة مذهلة، أو بطريقة مثيرة للشفقة، كما لو أن غرابًا خطف قطعة التوفو المقلية من بين يديها.» «لا أحد يتفوق على سينجوغاهارا في الهجوم المباغت──لذلك تأخرها في البداية لم يكن عائقًا بالنسبة إليها.» وربما── كانت سينجوغاهارا قد أدركت وجود مشاعر هانيكاوا إلى درجة جعلتها تلمح لي بالأمر، ولهذا تقدمت في عيد الأم بتلك السرعة التي بدت متعجلة إلى حد ما. إذا فكرت في الأمر بهذه الطريقة، فقد يفسر ذلك المسافة الغريبة التي تضعها سينجوغاهارا بينها وبين هانيكاوا──لكن. هذا ليس خطأ سينجوغاهارا. في الأصل، لم تكن المسألة منافسة. «على أي حال، مهما كان الأمر، فقد فات الأوان. سيدتي ليست من النوع الذي يستطيع سرقة شخص من شخص آخر، لذا تحولت قصة حب كان يفترض أن تكون نقية، مثل قصص المانغا، إلى مجرد حب من طرف واحد. وفي النهاية صار حبًا من طرف واحد، وإعجابًا من طرف واحد… وانتهى بها الأمر بالشعور بالذنب تجاه نفسها.» «لأنها──جادة.» ليست من النوع الذي يستطيع أن يمارس بسهولة ذلك النوع من قصص «الحب والعشق» كما فعلت في قضية سينغوكو. لكنها في الوقت نفسه ليست شخصًا يستطيع أن يجد حلًا مريحًا داخل نفسه. وليست من النوع الذي يستطيع أن يساوم نفسه أو يقدم تنازلات لنفسه. «لا بد أنها ندمت أيضًا──فكرت ربما لو اعترفت بحبها في وقت أبكر. لكن صحيح أن الأمر ليس مسألة من يصل أولًا، والتفكير بهذه الطريقة في حد ذاته دناءة وسخف وابتذال──» لكن. لم تُظهر شيئًا من ذلك. بل شجعتني──واستمعت إلى مشاكلي. فهمت الآن. حتى حين كانت تشجعني، وحتى حين كانت تستمع إلى مشاكلي، كانت تتحدث عن نفسها طوال الوقت── من الطبيعي أن تكون لها آراء راسخة بشأن دقائق العلاقات بين الرجال والنساء. فإذا كانت هي نفسها فتاة واقعة في الحب──فلا أحد يستطيع فهم مشاعر سينجوغاهارا أكثر منها. «ولهذا تحديدًا أصبحت أنت أيضًا محفزًا لضغط سيدتي خلال الأسبوع الذهبي. ربما لم تكن تريدك أن تعرف تحديدًا──نيا.» «إذًا──» بدلًا من أن أكون موجودًا حين تكون الحاجة إليّ أكبر── كنت في ذلك الوقت الشخص الذي لا تحتاج إليه أكثر من أي شيء، الشخص المزعج. «أنت الغافل لم تلاحظ مشاعر سيدتي ولا صراعها، واستمر ضغطها في التراكم──وبالنسبة إليّ، أرى أنها صمدت شهرًا كاملًا بشكل جيد جدًا.» «لا، انتظري يا قطة. هذا غريب──إذا كنت أنا سبب الضغط كما تقولين──» ليس مجرد محفز كما حدث في الأسبوع الذهبي──بل رصاصة تمزق أحشاء هانيكاوا نفسها. «فهذا وحده لا يكفي لظهورك، أليس كذلك؟ أنا مجرد جزء من الأمر، ولا بد أن هناك مسببات ضغط أخرى مهمة──» «لا. أنت وحدك.» أكدت بلاك هانيكاوا ذلك بحسم. «على الأقل، مسألة العائلة──خلال الأسبوع الذهبي، حُسمت إلى حد ما داخل سيدتي. قد يكون هذا شيئًا لا تعرفه.» «لكن هذا غير منطقي. أليس وجودك تجسيدًا للضغط الذي تراكم لدى هانيكاوا طوال حياتها بسبب عائلتها؟ وأنتِ──بسبب حب استمر بضعة أشهر فقط؟» «فقط؟» أضاءت عينا القطة──بشكل غامض. من دون أن تحاول حتى إخفاء انزعاجها. «ما الذي يمنع معاناة عائلية تراكمت لأكثر من عشر سنوات من أن تكون أقل من ألم حب تراكم خلال بضعة أشهر؟» «لم تكن حياتي حتى الآن سعيدة جدًا… لكن حين أفكر في أنني تمكنت من التعرف إلى أراراغي-كن بسبب ذلك تحديدًا، أشعر أنني مستعدة لشطب كل ذلك من الحساب.» «إذا كان كوني تعيسة هو ما جعلني قادرة على جذب اهتمام أراراغي-كن──فأنا أظن أن الأمر كان يستحق.» كانت تلك كلمات سينجوغاهارا. لكن──ومع ذلك. هل يمكن أن يكون الأمر هكذا فعلًا…؟ «تبدو كأنك لا تفهم شيئًا يا إنسان. …ربما لم تقع في حب شخص بجدية من قبل؟» «ماذا…!» «حتى علاقتك بالفتاة التي تواعدها الآن، أليست مجرد أنها دفعتك إلى ذلك؟ إذا كان الأمر كذلك، فانفصل عنها بسرعة وواعد سيدتي. عندها سأختفي. في النهاية، لا يهمك من تكون شريكتك، أليس كذلك؟» «…………» ربما كان ينبغي أن أغضب في هذه اللحظة──فقد استفزتني بهذه الصراحة، وربما لم يكن ينبغي أن أصمت. في الواقع، لو لم تكن التي أمامي تحمل شكل هانيكاوا──لفعلت ذلك. لكن──لأن هانيكاوا هي من قالتها. شعرت أنني لا أملك حق الغضب. «…لكن لا أستطيع فعل ذلك يا قطة.» «هاه؟ لماذا؟ أنت تعتبر سيدتي من أنقذت حياتك، أليس كذلك──إذًا أليس هذا هو الوقت الذي ينبغي أن ترد فيه جميلها؟ في النهاية، هل تفضل حبك الشخصي على الجميل؟» «لو فعلت ذلك──فسأستغل هانيكاوا بسبب الجميل الذي قدمته لي. لا أستطيع أن أسمح لهانيكاوا بأن تفعل شيئًا كهذا. …لا، هذا غير صحيح. هذه مجرد حجة مريحة. ببساطة، لا أستطيع أن أكذب بشأن مشاعري تجاه سينجوغاهارا. حتى لو كذبت، فهانيكاوا ستعرف الحقيقة على أي حال، أليس كذلك؟» أنا سيئ في الكذب، وسيئ في إخفاء الأشياء. سطحي وضعيف. لا أستطيع خداع هانيكاوا حتى لو أردت──وبالطبع، أنا لا أريد ذلك، لكن توجد في داخلي أيضًا رغبة في أن أستطيع فعل ذلك لو أمكن، ومع ذلك لا أستطيع. «ليس الأمر أن عليّ أن أتحمل وحدي. هذا شيء لا يمكن تغييره──أليس كذلك؟ حتى هانيكاوا لا يمكن أن تكون سعيدة وهي تواعد شخصًا مثلي──» «حقًا؟ الآن، بمجرد أن أخبرتك بمشاعر سيدتي، أصبح وجودي أضعف قليلًا──لقد خف الضغط بالتأكيد. سيدتي ليست مكونة من أجزاء نقية تمامًا في أعماقها، كما تعلم. كما أنني موجود في جانبها الآخر. ربما تستطيع الاستمرار ببساطة، والاستمتاع بالأمر دون أن تهتم كثيرًا؟ قد يكون الأمر مؤلمًا في البداية، لكن ربما ستعتاد عليه.» «حين تعتادين عليه؟ أنتِ التي تقولين ذلك؟ لو كانت المشكلة بهذه البساطة، لما عانت هانيكاوا إلى حد إخراجك أصلًا، أليس كذلك؟ إنها ليست من النوع الذي يستطيع تقديم نفسه على الآخرين. ليست من النوع الذي يستطيع وضع نفسه فوق الآخرين. ولهذا هانيكاوا──أشعر بالامتنان لها. لو كان ذلك قبل عيد الأم، فربما كنت سأستجيب. صحيح أنني كنت أحب هانيكاوا كصديقة. لكن الآن، لم يعد ذلك ممكنًا. مشاعري تجاه سينجوغاهارا استقرت تمامًا. سألتِني إن كنت أفضل الحب على الجميل──لكن لا يمكنني تفضيل أحدهما على الآخر. إنه تعارض مزدوج. ولهذا لا أستطيع اختيار هانيكاوا.» «في الوضع الطبيعي، أليس من المفترض أن تختار هانيكاوا-سان؟» قالت هاتشيكوجي. «كنت أفكر فجأة في سبب مواعدة أراراغي-سان لسِنجوغاهارا-سان بدلًا من هانيكاوا-سان، ولم أفهم السبب.» لماذا. حتى لو سألني أحد ذلك. «أنا أحب سينجوغاهارا──بما في ذلك شخصيتها.» قلت الجملة حتى نهايتها بوضوح. نعم. أحب كل شيء فيها. لا يوجد شيء لا أحبه. «إنها أول مرة في حياتي أحب فيها شخصًا بجدية.» «همم. فهمت، نيا.» تراجعت بلاك هانيكاوا ببساطة. كما لو أنها كانت تعرف إجابتي منذ البداية. وربما كان الأمر كذلك──فهي هانيكاوا. ربما تعرف كل شيء. إنها تعرف كل شيء. لا──ليس كل شيء؟ بل ما تعرفه فقط. «وفوق ذلك يا قطة──حتى لو كان ألم الحب الذي تراكم خلال بضعة أشهر مساويًا لمعاناة عائلية تراكمت طوال أكثر من عشر سنوات… فما كان ينبغي لهانيكاوا أن تطلقك. كان عليها أن تتحمل الصداع مهما كلف الأمر. وليس هذه المرة فقط، بل حتى في الأسبوع الذهبي──اعتماد هانيكاوا عليك كان ضعفًا منها.» حتى لو لم تكن سطحية──فهي ضعيفة. حتى لو لم تكن النتيجة التي تمنتها. فالضعف الذي جعلها تعتمد عليك هو ضعف المعتدي. «الكلمات التي قلتها قبل قليل كان ينبغي أن تقولها لي هانيكاوا، لا أنت──لقد ألقت بالمهمة المؤلمة على عاتقك.» كما حدث مع ثعبان سينغوكو. كما فعلت أنا بكانبارو. تأجيل القرار المرير──وتركه لشخص آخر. هذا ليس سوى──أخذ الجانب المريح من الأمر. «القطة المؤذية──غرائب. لكن سبب ظهور تلك الغرائب هو ضعف هانيكاوا. حتى لو لم تحصل عليك لأنها تمنّتك──فما أعطيتِه لهانيكاوا كان ما كانت تريده. ما فعلته أنتِ هو ما فعلته هانيكاوا. بالطبع… لدى هانيكاوا أسبابها. وبما أنني أتحمل أنا أيضًا جزءًا من المسؤولية في كلتا الحالتين، فليس من حقي أن أقول هذا──لكن حتى في الظروف نفسها، لا بد أن هناك أشخاصًا يعيشون تلك الظروف وحدهم من دون الاعتماد على الغرائب. اعتماد هانيكاوا على شيء مثلك هو إهانة لهؤلاء الأشخاص.» «لديك جرأة في الكلام.» سخرت بلاك هانيكاوا مني. «لكن يبدو أن لك الحق في قول ذلك──أظن أن هذا شيء يحق لك قوله. فأنت، من بين كل الناس، شخص طيب إلى درجة أنك ضحيت بنفسك لإنقاذ مصاصة دماء كانت على وشك الموت.» «…………» «كونك لطيفًا مع الجميع يعني أنه لا يوجد شخص مميز، أليس كذلك──سيدتي كانت لطيفة مع الجميع أيضًا، ولهذا أفهم الأمر. همف. حسنًا، لا بأس. لا يمكن تغيير مشاعر الإنسان──لقد تعلمت ذلك جيدًا في المرة السابقة. تعلمت──وندمت.» «هذا يريحني.» إذًا، لم يبقى أمامي سوى البحث عن شينوبو. لا توجد طريقة مريحة. «لكن… ربما هانيكاوا أيضًا هكذا. إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون قاسيًا أن ألومها كما فعلت قبل قليل…» «هاه؟ ما الذي تتحدث عنه؟» «عن ذلك الأمر──أنا، رغم أنني أشبه مصاص الدماء فقط، لدي بعض خصائصه، أليس كذلك؟ ومن خصائص مصاص الدماء القدرة على السحر──ولهذا منذ عطلة الربيع أصبحت محبوبًا من الفتيات. أخبرتني هانيكاوا بذلك، لذا فأنت تعرفين أيضًا، أليس كذلك؟» «المعرفة مشتركة، لكن الذاكرة ليست مشتركة. كما قلت، أنا أعرف فقط ما يتعلق بالضغط.» «آه، صحيح.» لكن──حين قابلت هانيكاوا، كنت مصاص دماء فعلًا. ليس مجرد شبيه، بل مصاص دماء حقيقي قبل أن أعود إلى إنسان──ولا بد أن تأثير تلك القدرة كان أقوى بكثير مما هو عليه الآن. لا بد أن هانيكاوا تعرضت له مباشرة. «هانيكاوا فتاة جادة، لذلك فكرت أنه إذا كانت قد عذبت نفسها بسبب ذلك، فهي ضحية مئة بالمئة──» «………………» «ما بك؟ لماذا صمت فجأة؟» «لا──هذا غير صحيح.» قالت بلاك هانيكاوا: «صحيح أن من خصائص مصاص الدماء قدرة تسمى السحر، لكن استخدامها يقتصر على أنواع محدودة من مصاصي الدماء الحقيقيين. لذلك، مصاص الدماء المزيف الذي تحول إليه إنسان مثلك لا يستطيع استخدام السحر أصلًا.» «ماذا…؟ لكن…» «وفوق ذلك، السحر ليس قدرة مريحة مثل جرعة حب تظهر في المانغا. الشخص الذي تُستخدم عليه هذه القدرة يفقد وعيه بذاته. إنها قدرة لصنع دمية مطيعة.» «دمية… مطيعة. أليست أسيرة؟» «مثلًا، هل تطيع الفتيات من حولك كل ما تقوله طاعة مطلقة؟ هل هناك واحدة تتحرك وفقًا لك من دون أن تعترض على شيء؟» «………………» لا توجد واحدة كهذه. ولا واحدة. حتى سينغوكو، الأكثر خجلًا، ارتكبت أمام بوابة المدرسة الإعدادية فعلًا لا يمكن تصوره بمنطق العالم، إذ سلمتني ملابسها الرياضية وملابس السباحة المدرسية. لكن، وفق معرفة هانيكاوا──هل تقول ذلك؟ لأنني سمعت من فم هانيكاوا نفسها── «قلت أشياء لئيمة، أليس كذلك؟» آه… هكذا إذًا. كذبة. كذبة──من المفترض أنها لا تكذب. إذًا، سينجوغاهارا، وبالطبع──هانيكاوا أيضًا. لكن ربما لم يكن ذلك «لؤمًا» بقدر ما كان، بالنظر إلى الوضع الحالي، صرخة. رغبة هانيكاوا تسوباسا الحزينة في أن يكون الأمر كذلك، حتى لو كان ذلك سيخفف ضغطها قليلًا──لأنها ستتمكن من إلقاء اللوم على شيء ما. لكن لا يمكنها إلقاء اللوم على شيء. «لا يمكن تغيير مشاعر الإنسان──نيا. لكن فهمت. لم يكن ذلك يشبه سيدتي. همف. أنا لا أملك عقلًا يستطيع الكذب، لذا كشفت الأمر.» «وهذا أيضًا يعني أنها ألقت بالمهمة المؤلمة على عاتقك.» ليس شيئًا جيدًا. لكن الآن، كان شعوري بالارتياح لأن الأمر لم يكن كذلك أكبر. لم تكن قوة مصاص الدماء أو الغرائب هي التي جعلتني هكذا، بل أنا── لأنني أراراغي كويومي. «إذًا──يحق لي أن أفخر بذلك، أليس كذلك؟» «هاه؟» «بأن هانيكاوا أحبتني──» وإذا لم يكن ذلك شرفًا، فما هو الشرف؟ مجرد معرفة ذلك تجعلني أشعر أنني أستطيع الاستمرار في الحياة. لكن، بحق الجحيم، بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد… ماذا يجب أن أفعل حتى أكون قد رددت الجميل لهانيكاوا؟ «حسنًا، على الأقل علينا الآن أن نجعلك تختفين──تبًا، أين ذهبت شينوبو فعلًا؟ لا تصلني أي رسالة من الأشخاص الذين يساعدونني… آه، يجب أن أعطي سينغوكو أمر الانسحاب قريبًا…» لكن كيف أفعل ذلك؟ هي لا تملك هاتفًا محمولًا أصلًا. تبًا، حتى لو كان بإمكانها الاتصال بي من هاتف عمومي، فلا توجد وسيلة لي كي أتصل بها من جهتي… ماذا أفعل؟ إنها عنيدة في أماكن غريبة أيضًا، فإذا لم تجد شيئًا فلن تعود إلى المنزل حتى لو دخل الليل في أعماقه… كانبارو…؟ ربما أطلب منها إيقاف البحث عن شينوبو مؤقتًا والبحث عن سينغوكو بدلًا منها… شيء من هذا القبيل. آه، لماذا أعتمد عليها دائمًا في اللحظات المهمة؟ هكذا سأصبح فعلًا عاجزًا عن رفع عيني في وجه كانبارو. ربما سأوافق على أي شيء تقوله تلك الصغيرة. «نيا، يا إنسان.» قالت بلاك هانيكاوا ذلك وأنا أخرج هاتفي المحمول. كانت نبرتها مختلفة قليلًا عن السابق. «هناك طريقة أخرى──» «طريقة أخرى؟» «خطة لإخفائي بسرعة وكفاءة من دون الاعتماد على مصاصة الدماء──لو ارتبطت بسيدتي لكان ذلك أسرع حل، لكنه ربما ثاني أسرع حل.» «أتساءل ما نوع الخطة التي يستطيع عقل مثلك ابتكارها… لكنني سأسمعها على أي حال. ما هي؟» «امشِ قليلًا يا إنسان. إلى مكان تحت مصباح الشارع هناك.» «هكذا؟» تحركت كما طلبت. لا يمكنني أن أتوقع الكثير، لكن في وضع كهذا يجب أن أجرب أي وسيلة متاحة. ومع ذلك، ماذا سيحدث بمجرد أن أتحرك بضعة أمتار؟ «آه، تقدم قليلًا. إذا بقيت هناك فستصبح مباشرة أسفلك.» «أسفلي؟» وبينما كنت أميل رأسي حائرًا من كلماتها التي لا تزال بلا معنى، تقدمت خطوة أخرى──وعندها. احتضنتني من الخلف. بلا وقع أقدام──وبلا صوت. حركة قطة تصطاد. لفت ذراعيها حول جذعي من خلال جانبي──واحتضنتني. حركة أشبه بحركة المصارع التي تضغط على الجذع، لا، ليست كذلك؛ فتلك الحركة تُنفذ من الأمام وتهدف إلى إسقاط الخصم على ركبتيه، لا إلى سحق أعضائه الداخلية──ثم إن… لم يكن هدفها امتصاص الطاقة. لكن الطاقة امتصت دفعة واحدة. الملابس القليلة لا تهم. ولا الوسادتان الكبيرتان تهمان. شعرت بجسدي كله يضعف بسرعة. «قطة──أيتها الوغدة…» لم أملك حتى القوة لأدير رأسي وأرى من خلفي. ومثلما فعلت هاتشيكوجي حين فعلت أنا بها شيئًا مشابهًا هذا الصباح، لم أستطع حتى إطلاق صرخة. لم أستطع تحريك خنصر واحد. لكنني لم أكن بحاجة إلى الالتفات لأتأكد──التي تحتضنني من الخلف كانت بلاك هانيكاوا. «سأشربك حتى النهاية──نيا.» كان صوتها مختلفًا. صوت بلاك هانيكاوا، لكنه لم يكن ساخرًا ولا مرحًا. «لا يمكنني السماح لك بالبقاء هكذا، يا إنسان.» «ماذا──؟» «سأزيل المشكلة من جذورها──سأمحوها.» لم أفهم. «أنت وحدك، أيها الإنسان، كافٍ──لا، بل إذا كنت أنت وحدك، فهذا يكفي. لا يمكن تغيير مشاعر الإنسان──لكن يمكن محو وجود الإنسان.» «ماذا…؟» امتصاص الطاقة. حتى لو لم تصل الحالات السابقة إلى الموت──فهذا لا يعني أنها عاجزة عن القتل. عندما تنفد الطاقة والقوة بالكامل، لا يوجد إنسان قادر على الاستمرار حيًا. لكن أنت… بلاك هانيكاوا، هل تظنين أن سيدتك ستفرح إذا فعلت ذلك؟ «ما أفعله لن يبقى في ذاكرة سيدتي──أليس كذلك؟ لن تظن أنها هي من فعلت ذلك. وبالطبع، إذا اختفيت أنت، فستحزن سيدتي، لكن حتى ذلك──أفضل مما هي عليه الآن. أشعر بذلك──كلما امتصصتك هكذا، أشعر أن وجودي أنا نفسه يضعف…» «ألم تتعلمي الدرس──في الأسبوع الذهبي؟ لقد هاجمتِ والدي هانيكاوا… ولم ينته الأمر عند ذلك. ضغط الإنسان ليس بهذه البساطة──» «هذا خطأ──خطئي في ذلك الوقت كان أنني لم أقتل والدي سيدتي. أخطأت حين راعيت مشاعر سيدتي أكثر من اللازم──أخطأت حين حاولت ألا أترك قتيلًا. وقد تعلمت من ذلك. لن أكرر الخطأ نفسه──سأقتلك بالتأكيد.» «تقتلين──» يا لها من كلمة. أن تخرج مثل هذه الكلمة من فم هانيكاوا──لكن ربما يمكن القول أن هذا أيضًا وجه هانيكاوا الآخر، وكلمات هانيكاوا نفسها. فالوجه الآخر، إذا قلبناه، يصبح وجهًا أيضًا. إذا كان الأمر كذلك. فربما هانيكاوا──سعيدة على نحو غير متوقع. ربما قول إن هانيكاوا لا يمكن أن ترغب في شيء كهذا مجرد إسقاط لوهمي عليها. ربما كانت هذه النتيجة التي تمنتها. وربما كانت هديتها التي حصلت عليها لأنها رغبت فيها. وحتى اقتراح القطة المؤذية قبل قليل بأن أرتبط بهانيكاوا، ولو اضطررت إلى الكذب──لا شك أنه وجه هانيكاوا الآخر. إذا كان الأمر كذلك. «…هانيكاوا.» إذا كان الأمر كذلك──فهذه فعلًا طريقة جيدة. من أنقذت حياتي. من أجل هانيكاوا، يمكنني فعل أي شيء. لا يمكنني تغيير مشاعري── لكنني مستعد للموت. «اعتبر نفسك سعيدًا──فيمكنك أن تصعد إلى السماء بين ذراعي جسد سيدتي المثير. فلتجف حتى النهاية وأنت تتذوق أقصى درجات السعادة.» «…………» بينما كانت الأحاسيس تختفي من جسدي، لم يكن بوسعي الاستمتاع بمثل هذا الشعور، وفوق ذلك، إن أردت الحقيقة، كان الشيء الوحيد الواقعي للغاية هو ألم مخالبها الحادة التي غرستها في عضلات بطني وهي تلف ذراعيها حولي──ومع ذلك. إذا كان بإمكاني أن أموت من أجل هانيكاوا. «………………» لا──هذا خطأ. هذا لا يجوز. حدث أمر سينجوغاهارا──ولهذا لا يمكنني أن أسمح لهانيكاوا بقتلي. إذا قتلتني هانيكاوا──أو حتى إذا قتلني جسد هانيكاوا، فسينجوغاهارا ستقتل هانيكاوا بالتأكيد. هذا ليس وهمًا ولا إسقاطًا، بل ستفعل ذلك حتمًا. لقد فهمت سينجوغاهارا الآن، فهي لا تتردد. وفي ذلك الوقت، لن تملك هانيكاوا أي وسيلة للدفاع عن نفسها. سينجوغاهارا لن تمنح هانيكاوا حتى الوقت لتراكم الضغط من جديد. لذلك──هذا خطأ. هذه أسوأ وسيلة ممكنة. «ا… اتركيني.» «ماذا؟» «فقط──اتركيني.» لم يكن لدي وقت للشرح. القطة المؤذية لا تعرف سينجوغاهارا──أو بالأحرى، تعرفها بوصفها معلومة، لكن معرفتها ضعيفة مقارنة بما تعرفه هانيكاوا عن سينجوغاهارا. لا بد من معرفة في مستواي، أو على الأقل في مستوى كانبارو، لفهم خطورة سينجوغاهارا هيتاغي… لكن لو بدأت أشرح ذلك الآن، فسأصبح في أثناء الشرح رقيقًا كورقة. «تطلب الرحمة؟ لا بأس──إذا قلت أنك ستواعد سيدتي من الآن فصاعدًا، فسأتركك.» «غ… قلت لك إن ذلك مستحيل──» «كنت أعرف.» قالت بلاك هانيكاوا. وبسهولة──مرة أخرى. «إذًا انتهى الأمر. مت.» «………………» «أم تريد أن تطلب المساعدة من أحد؟ لقد ساعدت عددًا هائلًا من الناس حتى الآن──ربما يساعدك أحدهم.» «من…؟» من؟ هاتشيكوجي؟ سينغوكو؟ كانبارو؟ سينجوغاهارا؟ «المساعدة──مستحيلة.» «مستحيلة؟ لماذا؟» «لأن الإنسان لا ينقذ إلا نفسه، من تلقاء نفسه…» «هذه ليست عبارتك أنت، أليس كذلك؟» قيلت بهدوء. «إنها مجرد كلمات──وليست شعورك. مجرد تقليد للكلمات يمكن تغييره بسهولة──المهم هو ما تشعر به أنت.» «…غ، غغ──» «صحيح أن الإنسان لا ينقذ إلا نفسه من تلقاء نفسه──لكن هل تهم هذه الظروف الشخص الذي يريد إنقاذك؟ سواء أنقذ شخصًا واحدًا أو عشرة──فذلك أمر متروك له، أليس كذلك؟» قالت القطة. وهي تخرخر. «كم شخصًا تعتقد أنه يريد مساعدتك؟ هل سترفضهم جميعًا──دون استثناء؟» بدأت القوة──تغادر جسدي. لم أعد قادرًا على الوقوف. كنت عمليًا أتكئ على ذراعي بلاك هانيكاوا الملفوفتين حول جذعي──بل أسلمت جسدي لهما تمامًا. بدأ وعيي يتلاشى. لا يمكن فعل شيء. وحدي──لا يمكنني فعل شيء. كدت أضحك، لكن لم تعد لدي القوة حتى لذلك. لم تكن لدي القوة، ومع ذلك──كنت على وشك الضحك. صحيح. في النهاية… ستحزن. هانيكاوا أيضًا… سينجوغاهارا أيضًا. وكانبارو وسينغوكو. وربما حتى هاتشيكوجي. إذا مت. «…ساعديني.» عصرت صوتي. وعصرت ما بقي لدي من قوة──وقلت: «ساعديني… شينوبو.» وفي اللحظة نفسها. خرجت فتاة من ظلي. شعر أشقر. خوذة ونظارة واقية. جسد صغير──لكنها نزعت في لحظة واحدة عناق بلاك هانيكاوا لي. ثم دفعت جسد بلاك هانيكاوا بعيدًا في حركة واحدة. دارت القطة في الهواء؟ لا، لم تستطع حتى أن تدور، فاصطدمت مباشرة بمصباح الشارع على الجانب الآخر من الطريق. لم ينحنِ المصباح إلى درجة الانكسار، لكنه اهتز بقوة من شدة الاصطدام. ثم هبطت. أوشينو شينوبو، التي خرجت من ظلي── هبطت وهي تحرك شعرها الأشقر بعنف كما تشاء. شينوبو. كانت هنا طوال الوقت؟ لكن حين أفكر في الأمر──لم يكن أمامها مكان أفضل للاختباء. لا يمكن أن أبحث في هذه المدينة كل هذا الوقت وألا أحصل حتى على شهادة مشاهدة واحدة──ولا يمكن حتى لحاسة شم القطة المؤذية أن تفشل تمامًا في تعقبها. لذلك. كان من الطبيعي أن أفترض أنها تستخدم نوعًا من قدرات مصاصي الدماء──لكنني افترضت من تلقاء نفسي أن شينوبو، المقيدة قدراتها، لا يمكنها فعل ذلك. خطأ. كان هناك ثغرة في تفكيري. كنت أعرف أن بإمكانها استخدام قدر من قدراتها إذا كانت بجانبي──إذًا كان عليها ببساطة أن تختبئ بجانبي. هذا كل ما في الأمر. عمى نفسي──أساس في روايات الغموض. إذا أردت إخفاء شيء، فأخفه في أكثر مكان ظاهر. وفوق ذلك، فإن مكان الاختباء هذا فعال جدًا ضد حاسة شم القطة──لأن رائحة شينوبو تختلط برائحتي. ضعف ظلي── استغلت شينوبو ذلك. على الأرجح كان ذلك في النهار──بل في الصباح. حين كنت لا أزال أبحث عنها وحدي، كانت شينوبو قد عثرت عليّ أولًا. وإذا أردت التخمين، فربما كان ذلك قرب مستر دونات. هناك اختبأت شينوبو داخل ظلي. كانت في الأصل من سكان عالم الظلام، لذا فإن الاختباء في الظلال كان من أسهل الأمور بالنسبة إلى مصاصة الدماء──لكن هذا كان في الماضي، والآن ربما كان الظل الوحيد الذي تستطيع شينوبو الاختباء فيه هو ظلي أنا── آه. «أسفلي»──هل كانت تقصد ذلك؟ أي أن الظل سيصبح أسفلها──وعندها، أيضًا، حين قالت لي أن أذهب تحت مصباح الشارع… نعم، القطة المؤذية أقوى بكثير من إنسان أشبه بمصاص دماء مثلي، ولم تكن بحاجة إلى مهاجمتي من الخلف أصلًا. كان يمكنها مهاجمتي مباشرة من دون أي حيلة. إذًا── نظرت إلى بلاك هانيكاوا المنكمشة تحت مصباح الشارع. ابتسمت بلاك هانيكاوا ابتسامة عريضة. لكن ذلك لم يستمر إلا لحظة. شينوبو لا تعرف الرحمة──في النفس التالي بعد هبوطها، قفزت على القطة المؤذية وهاجمتها. مدت أطرافها القصيرة بكل قوتها، ولفتها حول جسد بلاك هانيكاوا──ثم عضت عنقها. لم يكن هناك وقت للمقاومة. وامتصت. إذا كانت خاصية القطة المؤذية هي امتصاص الطاقة──فخاصية مصاص الدماء هي أيضًا امتصاص الطاقة. عين بعين، وسن بسن، وغرائب بغرائب، وامتصاص طاقة بامتصاص طاقة. حتى الآن، لمجرد أن شينوبو تلمس القطة المؤذية، كانت طاقة شينوبو تُمتص منها──لكنها كانت تمتص من القطة طاقة أكثر بكثير. بوصفها غذاءً خالصًا. مستوى القطة المؤذية ومصاص الدماء مختلفان بوصفهما غرائب. جوهر القطة المؤذية ومصاص الدماء مختلف. كان هذا المشهد إعادة لما حدث في الأسبوع الذهبي──إعادة كاملة. في المرة السابقة، احتاج الأمر إلى معاناة هائلة للوصول إلى هذه الحالة… لكن هذه المرة، بلاك هانيكاوا لم تقاوم. لم يكن لديها وقت للمقاومة، ولا إرادة للمقاومة. حتى لو لم يكن بالإمكان منع امتصاص الطاقة المستمر──فالقطة المؤذية الحالية لم تكن تريد قتال شينوبو. من حيث القوة الجسدية والذراعين والقدرة على الحركة، كان بإمكانها، لو أرادت، أن تربك شينوبو الحالية بسهولة──لكنها لم تفعل. من أجل هانيكاوا. من أجل سيدتها── بالطبع، لا ينبغي أن أظن أنني فهمت كل شيء بسبب هذا. لا ينبغي أن أعتاد على القطة المؤذية، ولا أن أتعامل معها بألفة──لا أظن أن القطة المؤذية كانت تستهدف منذ البداية الوصول إلى هذه النتيجة. صحيح أنه رغم ذكائها في مستوى قطة، أدركت احتمال اختباء شينوبو في ظلي──ومن المؤكد أنها أدركت أيضًا أن إخراج شينوبو يتطلب طريقة لا تعتمد على وسيلة واحدة. ولهذا، إن صح التعبير، جعلت مني طُعمًا ورهينة، ثم قادتني إلى تحت مصباح الشارع حيث يصبح الظل واضحًا ومعزولًا حتى في الليل، وبعدها نفذت امتصاص الطاقة──وهذا أصبح واضحًا الآن. لكن. ربما كانت بلاك هانيكاوا مستعدة فعلًا لقتلي في تلك اللحظة. لو لم تكن شينوبو مختبئة في ظلي، ولو كانت الحقيقة أن شينوبو غادرت المدينة بالفعل، لكانت قد استمرت في امتصاص وجودي حتى النهاية، من دون أي مشكلة. هذه مجرد النتيجة التي حدثت. لا تملك عقلًا يستطيع الكذب. كل ما قالته القطة المؤذية──كان صادقًا. كان شعورها الحقيقي. وهذا أيضًا──وجه هانيكاوا الآخر. لقد ألقت الدور البغيض──على القطة المؤذية. صحيح. يبدو أن نتيجة مسابقة «أيّنا أكثر غباءً»──قد حُسمت. «…آه.» بدأ شعر بلاك هانيكاوا──يكتسب الصبغة تدريجيًا. تحول إلى الرمادي، ثم البني──ثم الأسود. أوشكت أذنا القطة على فقدان شكلهما تدريجيًا. شينوبو تمتص وجود الغرائب── قاتلة الغرائب. كان هذا اللقب المهين لشينوبو حتى عطلة الربيع. سواء كانت القطة المؤذية أو أي شيء آخر، تغرس أنيابها وتمتصه──وتقتطع وجوده نفسه من العالم، ذلك الكائن الغريب المختلف حقًا── ملك الغرائب، ملك الغرباء──ملك اللا حياة، مصاصة الدماء. «كفى──كفى يا شينوبو. إذا امتصصتِ المزيد، ستختفي هانيكاوا أيضًا. وأنا──لا أريد ذلك.» حين قلت ذلك. ابتعدت شينوبو عن عنق هانيكاوا بسهولة أكبر مما توقعت. وعلى عنق هانيكاوا──بقي أثر أنياب واضح، لكن لا داعي للقلق بشأنه. إنه مختلف عن أثر العضة الموجود على مؤخرة رقبتي. على عكسي، لم تمتص شينوبو القطة المؤذية إلا بوصفها غذاءً──أكلتها فحسب. مصاص الدماء يمتص دم الإنسان──لكن المعنى يختلف حين يكون الدم غذاءً وحين يكون وسيلة لصنع رفيق. ولهذا ربما هربت شينوبو. هكذا قالت القطة المؤذية. تلك الغرائب الذي امتصت شينوبو وجودها بالكامل قبل لحظات. بعد أن أنهت شينوبو وجبتها، عادت بخطوات صغيرة إلى مكاني──ثم انزلقت داخل ظلي. هل أعجبها المكان؟ داخل ظلي. ثم── بقيت هانيكاوا ذات الشعر الأسود وأنا في المكان. لم تكن هانيكاوا واعية──كانت تغمض عينيها وتنام. من المرجح أنها لن تستيقظ حتى صباح الغد. «………………» بهذا انتهت هذه الفوضى. لكن──بالطبع، لم تختفِ المشكلة نفسها. في النهاية، كل ما فعلناه هو طرد القطة المؤذية، أما بقية الأمور فلم تتغير على الإطلاق──اختفاء القطة المؤذية لا يعني اختفاء الضغط نفسه. وفوق ذلك، كان الضغط هذه المرة قد تشكل خلال بضعة أشهر فقط──أي إن احتمال عودته للسبب نفسه ليس منخفضًا أبدًا. هذا من دون أن ننسى أن لدى هانيكاوا أصلًا مشكلة عائلية تحملها منذ زمن طويل… لا. ليس هذا. بغض النظر عن العائلة. هذه المرة──مشكلة يمكنني فعل شيء حيالها. يمكنني، بناءً على تصرفاتي بدءًا من الغد، أن أجعل هانيكاوا تشعر براحة أكبر إلى حد ما. بالطبع، لا يمكنني تغيير مشاعري──لكن رغبتي في رد الجميل لهانيكاوا هي أيضًا شعور حقيقي بداخلي. أريد مساعدة هانيكاوا. لا يوجد قانون يمنعني من مساعدة الفتاة التي حُمّلت اسم «تسوباسا»──«الجناح». مساعدتها──قرار يخصني وحدي. ومهما قال أي شخص، سأفعل ما أريد. «آه…» خرجت مني زفرة. لكن مع ذلك، لقد كنت متعبًا جدًا هذه المرة… فقد تعرضت لامتصاص الطاقة حتى قاربت حدودي… وحتى جسدي الشبيه بمصاص الدماء سيحتاج إلى وقت طويل ليستعيد عافيته. يبدو أنني لن أستطيع التحرك من هنا حتى صباح الغد… يا لها من ورطة، كنت أريد أن أشكر الجميع الذين ساعدوني… حسنًا، لا بأس. على الأقل تمكنت من رؤية هانيكاوا بملابس النوم. إذا كنا سنتحدث عن الريح الشمالية والشمس، فقد كنت أميل أكثر إلى الريح الشمالية… لكن هانيكاوا ذات الشعر الأسود، النائمة وملابس النوم تكسوها، تحت مصباح الشارع وكأنها تتلقى ضوء كشاف، كانت منظرًا رائعًا إلى أبعد حد. قلت إن فرحتي منقوصة إلى النصف، ثم زادت الآن إلى الضعف. يمكن اعتبار ذلك مكافأة سعيدة على كل ما بذلته اليوم. لا بأس بأن أمضي الليل هنا على جانب الطريق وأنا أنظر إلى هانيكاوا وأقضي الليل إلى جوارها… فالسماء المرصعة بالنجوم. جميلة إلى هذا الحد. «آه… ممم.» قالت هانيكاوا. يبدو أنها تتحدث في نومها. «أراراغي-كن…» أو ربما لم يكن ذلك حديث نوم بقدر ما كانت حالتها الذهنية ضبابية، فتخرج الكلمات منها بلا وعي. لقد امتصت شينوبو وجود القطة المؤذية وحده، ولذلك ربما لم تُرتب ذكريات بلاك هانيكاوا ووعي هانيكاوا بعد، وربما كانت هانيكاوا الآن في حالة مختلطة من الاثنين. ولهذا لم يكن حديث نوم──بل الحقيقة. الحقيقة العارية لهانيكاوا تسوباسا، وهي تتسرب من فمها. «أن تقول إن رد الجميل لي أهم بكثير من صداقتنا──لا تقل شيئًا حزينًا كهذا.» «…………» وعيناها مغمضتان──تمتمت هانيكاوا: «أراراغي-كن… كن على ما يرام.» ثم سقطت مجددًا──في نوم عميق. يا للعجب، حتى وهي نائمة، هذه الفتاة… إنها──جادة إلى حد يجعل الجدية نفسها تبدو طبيعية عليها. في حين أنها لا ينبغي أن تكون مشغولة بالاهتمام بالآخرين الآن. ومع ذلك، أجبت فورًا، وبصدق، وبشكل انعكاسي، على كلمات هانيكاوا. لم أمض شهرين منذ أن أصبحت في السنة الثالثة وأنا أتعلم على يد هانيكاوا عبثًا. حتى في مثل هذه اللحظة، أعرف كيف ينبغي أن أجيب. «حسنًا.»

 

007

في غمضة عين، حلّ الليل.
ظللت أتنقل بدراجتي في أنحاء المدينة، أمرّ على كل مكان خطر ببالي──وحين لم يعد ذلك كافيًا، أعدت المسار نفسه مرتين، أتنقل حرفيًا من مكان إلى آخر، ومع ذلك──لم أحقق أي نتيجة تُذكر──عندها فقط، أدركت أنني متعب.
لم آكل شيئًا، ولم أشرب شيئًا.
ولم أسترح، وواصلت الضغط على الدواسات──تسع ساعات.
بصراحة، كنت مندهشًا.
من جسدي الذي لا يتعب إلا بعد أن يصل الأمر إلى هذا الحد──صحيح أنني أعطيت شينوبو دمًا منذ وقت قريب، لكن يفترض أن معظم تأثير ذلك قد استُنفد في استعادة ذراعي وساقي──
مصاص دماء أشبه بالإنسان.
إنسان أشبه بمصاص دماء.
لم أعد أعرف أيهما أنا.
أوشينو شينوبو.
مصاص دماء يهرب من المنزل؟ هذا مضحك إلى درجة لا تُحتمل. وفوق ذلك، تختفي فجأة من دون أن تحمل في جيبها حتى ينًا واحدًا، ولا تأخذ معها سوى ما ترتديه──هذا لم يعد مجرد هروب من المنزل، بل اختفاءً بكل معنى الكلمة. أي نوع من مصاصي الدماء هذا؟
عندما تسوء الأمور، تتراكم المصائب فوق بعضها.
المصيبة تأتي ومعها صديقاتها.
وكانت الأمور تسير تمامًا وفقًا لهذا القول.
بحسب ما قاله أوشينو، لم يكتشف أن شينوبو مفقودة إلا هذا الصباح──وحين استرجع الأمر، تبيّن أنه لم يرها منذ ظهر الأمس.
وبحسب شهادة هاتشيكوجي، فقد رأت أمس طفلًا أشقر قرب متجر «مستر دونات» المحاذي للطريق الوطني، وكان ذلك نحو الخامسة مساءً──أي أن ذلك الطفل كان، في ذلك الوقت بالفعل، أوشينو شينوبو الهاربة.
إنها تمشي على قدمي طفل، فلا يمكن أن تكون قد ابتعدت كثيرًا.
يوم واحد فقط──وفوق ذلك، شينوبو الآن ليست مصاصة الدماء الأسطورية ولا أي شيء من هذا القبيل، بل هي في معظمها مجرد طفلة، ومن حيث القدرة على التحمل فهي أدنى مني بكثير. مجرد طفلة──لا، بل يفترض أنها أقل من مجرد طفلة إذا لم أكن إلى جانبها. وحتى القدرات القليلة المتبقية لديها مقيدة إلى حد كبير.
تتعب، وتجوع أيضًا.
…مهلًا.
صحيح، سواء كانت تتجول قرب «مستر دونات» أم لا، فهي لا تملك في جيبها ينًا واحدًا──
إذًا، هل هي جائعة؟
في مكان ما──داخل هذه المدينة، وحدها.
«……………………»
كنت أتنقل بدراجتي──أظن أنه كان بعد الظهر بقليل، حين كدت أصطدم بهاتشيكوجي مايوي التي كانت تسير في الطريق. كانت تلك ثاني مرة ألتقيها فيها اليوم. كنت أريد أن أستمتع بحظي السعيد، إذ تمكنت من لقاء هاتشيكوجي مرتين في يوم واحد رغم أن لقاءها لا يحدث إلا بالمصادفة، لكن لم يكن هذا وقتًا مناسبًا لذلك. وبالمناسبة، حتى اللقاء الأول، وهذا اللقاء الثاني، لا يمكن وصفهما بالمصادفة تمامًا──فأنا كنت أتنقل بلا هدف في أنحاء المدينة، ولا بد أن ألتقي بها في وقت ما.
«ماذا أراراغي؟»
«لقد تحولت أخيرًا إلى خطأ مطبعي فحسب…»
«عذرًا. لقد عضضت لساني.»
بعد أن تبادلنا تلك التحية، طلبت من هاتشيكوجي أن تخبرني بمزيد من التفاصيل عما حدث حين رأت شينوبو بالأمس.
«بالمناسبة…»
قالت هاتشيكوجي:
«بدت لي وحيدة إلى حد ما.»
«وحيدة──»
«نعم.»
قالت هاتشيكوجي بجدية:
«بدت تمامًا كطفلة تائهة.»
طفلة تائهة.
حين تقولها هاتشيكوجي──فإن للكلام وزنًا مختلفًا.
خصوصًا حين تقولها هي، التي ظلت تائهة في الطرقات طوال هذا الوقت.
«فهمت.»
أومأت هاتشيكوجي.
«سأبحث عنها أنا أيضًا قدر استطاعتي.»
«هل ستفعلين ذلك؟»
«بالطبع. يا أراراغي-سان، البحث عن طفل تائه يتطلب أقصى درجات الحذر والكثير من الأيدي. فإذا حاول المرء أن يفعل كل شيء بمفرده، فقد ينتهي الأمر بأن يصبح من يبحث عن المومياء هرمًا.»
«هرمًا؟! ما هذا الحجم الهائل!»
«وأنت أيضًا، يا أراراغي-سان، لا تصبح ماينَسْتيكيًا، وحافظ على قوة قلبك وأنت تتولى الأمر.»
«ماينَسْتيكي؟ هذا خطأ فادح حتى بمعاييرك!»
«صحيح أن البحث عن طفل تائه قد يتحول إلى قضية تتنافس فيها دولة وقلعة، لكن لا ينبغي أن نفقد رباطة جأشنا.»
«صحيح، لكن التعبير الصحيح هو أن الأمر يستدعي التنافس على كل لحظة وثانية!»
«إذا رأيتها، فلن أستطيع الاقتراب منها على أي حال، لكن يمكنني الاتصال بهاتفك المحمول من هاتف عمومي.»
«…هل تعرفين أصلًا كيف تستخدمين الهاتف العمومي؟»
«بالطبع. أنا بارعة في التعامل مع الآلات.»
«هذا عكس تمامًا ما كنت تقولينه هذا الصباح…»
«ما الذي تقوله؟ أنا موهبة فذة قادرة على مواصلة مشاهدة التلفاز حتى بعد عام 2011، كما تعلم.»
«وفي كل الأحوال، يبدو أن أقصى ما تستطيعين فعله هو مشاهدة البث الرقمي الأرضي…»
«One-Seg شيء يخص الكلاب، أليس كذلك؟»
«يا لك من غبية!»
وبعيدًا عن المزاح.
مهما بلغت قوتها أو ضعفت، لا أظن أن الأمر سيصل إلى حد عدم قدرتها على استخدام هاتف عمومي. وفي مثل هذه الأوقات تحديدًا، عليّ أن أكون ممتنًا لهذه البلدة الريفية التي ما زالت الهواتف العمومية فيها قائمة. إنها مدينتي التي تتميز بأسطورة حزينة بعض الشيء: كل متجر صغير متناثر فيها يملك موقف سيارات مجهزًا، وحتى صالات الباتشينكو لم تعد مزدهرة وانتهى بها الأمر إلى الإغلاق.
على أي حال، افترقت عن هاتشيكوجي.
وبما أنني تمكنت حتى من لقاء هاتشيكوجي، فقد بدأت أشعر ببعض التفاؤل، وفكرت أنني لا بد أن أتمكن من العثور على شينوبو أيضًا.

في غمضة عين، حلّ الليل. ظللت أتنقل بدراجتي في أنحاء المدينة، أمرّ على كل مكان خطر ببالي──وحين لم يعد ذلك كافيًا، أعدت المسار نفسه مرتين، أتنقل حرفيًا من مكان إلى آخر، ومع ذلك──لم أحقق أي نتيجة تُذكر──عندها فقط، أدركت أنني متعب. لم آكل شيئًا، ولم أشرب شيئًا. ولم أسترح، وواصلت الضغط على الدواسات──تسع ساعات. بصراحة، كنت مندهشًا. من جسدي الذي لا يتعب إلا بعد أن يصل الأمر إلى هذا الحد──صحيح أنني أعطيت شينوبو دمًا منذ وقت قريب، لكن يفترض أن معظم تأثير ذلك قد استُنفد في استعادة ذراعي وساقي── مصاص دماء أشبه بالإنسان. إنسان أشبه بمصاص دماء. لم أعد أعرف أيهما أنا. أوشينو شينوبو. مصاص دماء يهرب من المنزل؟ هذا مضحك إلى درجة لا تُحتمل. وفوق ذلك، تختفي فجأة من دون أن تحمل في جيبها حتى ينًا واحدًا، ولا تأخذ معها سوى ما ترتديه──هذا لم يعد مجرد هروب من المنزل، بل اختفاءً بكل معنى الكلمة. أي نوع من مصاصي الدماء هذا؟ عندما تسوء الأمور، تتراكم المصائب فوق بعضها. المصيبة تأتي ومعها صديقاتها. وكانت الأمور تسير تمامًا وفقًا لهذا القول. بحسب ما قاله أوشينو، لم يكتشف أن شينوبو مفقودة إلا هذا الصباح──وحين استرجع الأمر، تبيّن أنه لم يرها منذ ظهر الأمس. وبحسب شهادة هاتشيكوجي، فقد رأت أمس طفلًا أشقر قرب متجر «مستر دونات» المحاذي للطريق الوطني، وكان ذلك نحو الخامسة مساءً──أي أن ذلك الطفل كان، في ذلك الوقت بالفعل، أوشينو شينوبو الهاربة. إنها تمشي على قدمي طفل، فلا يمكن أن تكون قد ابتعدت كثيرًا. يوم واحد فقط──وفوق ذلك، شينوبو الآن ليست مصاصة الدماء الأسطورية ولا أي شيء من هذا القبيل، بل هي في معظمها مجرد طفلة، ومن حيث القدرة على التحمل فهي أدنى مني بكثير. مجرد طفلة──لا، بل يفترض أنها أقل من مجرد طفلة إذا لم أكن إلى جانبها. وحتى القدرات القليلة المتبقية لديها مقيدة إلى حد كبير. تتعب، وتجوع أيضًا. …مهلًا. صحيح، سواء كانت تتجول قرب «مستر دونات» أم لا، فهي لا تملك في جيبها ينًا واحدًا── إذًا، هل هي جائعة؟ في مكان ما──داخل هذه المدينة، وحدها. «……………………» كنت أتنقل بدراجتي──أظن أنه كان بعد الظهر بقليل، حين كدت أصطدم بهاتشيكوجي مايوي التي كانت تسير في الطريق. كانت تلك ثاني مرة ألتقيها فيها اليوم. كنت أريد أن أستمتع بحظي السعيد، إذ تمكنت من لقاء هاتشيكوجي مرتين في يوم واحد رغم أن لقاءها لا يحدث إلا بالمصادفة، لكن لم يكن هذا وقتًا مناسبًا لذلك. وبالمناسبة، حتى اللقاء الأول، وهذا اللقاء الثاني، لا يمكن وصفهما بالمصادفة تمامًا──فأنا كنت أتنقل بلا هدف في أنحاء المدينة، ولا بد أن ألتقي بها في وقت ما. «ماذا أراراغي؟» «لقد تحولت أخيرًا إلى خطأ مطبعي فحسب…» «عذرًا. لقد عضضت لساني.» بعد أن تبادلنا تلك التحية، طلبت من هاتشيكوجي أن تخبرني بمزيد من التفاصيل عما حدث حين رأت شينوبو بالأمس. «بالمناسبة…» قالت هاتشيكوجي: «بدت لي وحيدة إلى حد ما.» «وحيدة──» «نعم.» قالت هاتشيكوجي بجدية: «بدت تمامًا كطفلة تائهة.» طفلة تائهة. حين تقولها هاتشيكوجي──فإن للكلام وزنًا مختلفًا. خصوصًا حين تقولها هي، التي ظلت تائهة في الطرقات طوال هذا الوقت. «فهمت.» أومأت هاتشيكوجي. «سأبحث عنها أنا أيضًا قدر استطاعتي.» «هل ستفعلين ذلك؟» «بالطبع. يا أراراغي-سان، البحث عن طفل تائه يتطلب أقصى درجات الحذر والكثير من الأيدي. فإذا حاول المرء أن يفعل كل شيء بمفرده، فقد ينتهي الأمر بأن يصبح من يبحث عن المومياء هرمًا.» «هرمًا؟! ما هذا الحجم الهائل!» «وأنت أيضًا، يا أراراغي-سان، لا تصبح ماينَسْتيكيًا، وحافظ على قوة قلبك وأنت تتولى الأمر.» «ماينَسْتيكي؟ هذا خطأ فادح حتى بمعاييرك!» «صحيح أن البحث عن طفل تائه قد يتحول إلى قضية تتنافس فيها دولة وقلعة، لكن لا ينبغي أن نفقد رباطة جأشنا.» «صحيح، لكن التعبير الصحيح هو أن الأمر يستدعي التنافس على كل لحظة وثانية!» «إذا رأيتها، فلن أستطيع الاقتراب منها على أي حال، لكن يمكنني الاتصال بهاتفك المحمول من هاتف عمومي.» «…هل تعرفين أصلًا كيف تستخدمين الهاتف العمومي؟» «بالطبع. أنا بارعة في التعامل مع الآلات.» «هذا عكس تمامًا ما كنت تقولينه هذا الصباح…» «ما الذي تقوله؟ أنا موهبة فذة قادرة على مواصلة مشاهدة التلفاز حتى بعد عام 2011، كما تعلم.» «وفي كل الأحوال، يبدو أن أقصى ما تستطيعين فعله هو مشاهدة البث الرقمي الأرضي…» «One-Seg شيء يخص الكلاب، أليس كذلك؟» «يا لك من غبية!» وبعيدًا عن المزاح. مهما بلغت قوتها أو ضعفت، لا أظن أن الأمر سيصل إلى حد عدم قدرتها على استخدام هاتف عمومي. وفي مثل هذه الأوقات تحديدًا، عليّ أن أكون ممتنًا لهذه البلدة الريفية التي ما زالت الهواتف العمومية فيها قائمة. إنها مدينتي التي تتميز بأسطورة حزينة بعض الشيء: كل متجر صغير متناثر فيها يملك موقف سيارات مجهزًا، وحتى صالات الباتشينكو لم تعد مزدهرة وانتهى بها الأمر إلى الإغلاق. على أي حال، افترقت عن هاتشيكوجي. وبما أنني تمكنت حتى من لقاء هاتشيكوجي، فقد بدأت أشعر ببعض التفاؤل، وفكرت أنني لا بد أن أتمكن من العثور على شينوبو أيضًا.

كان عرضها للمساعدة موضع تقدير، لكن مع ذلك، هاتشيكوجي──رغم أن عمرها الظاهري لا يختلف كثيرًا عن عمر شينوبو──فلا ينبغي أن أرفع سقف توقعاتي أكثر من اللازم. صحيح أن هناك أماكن للبحث وأماكن للاختباء خاصة بالأطفال، ومساحات لا يستطيع دخولها إلا الأطفال، ويمكنني الاعتماد عليها من هذه النواحي، لكن رغم أن نطاق حركة هاتشيكوجي أوسع بكثير من نطاق حركة طفل عادي، فلا بد أن له حدودًا أيضًا. وستكون هناك حدود لقدرتها على التحرك كطفلة.
لكن──نحتاج إلى مزيد من الأيدي.
كانت هاتشيكوجي محقة.
ولهذا.
حين اقتربت الساعة من الرابعة، اتصلت بمنزل سينغوكو.
كانت سينغوكو تدرس في المدرسة الإعدادية التي تخرجت منها، لذا، إن لم تكن قد توقفت في مكان ما، فلا بد أنها عادت إلى المنزل في هذا الوقت──على حد علمي كانت من نادي «اللا نادي» أصلًا──
وبصراحة، لم يكن احتمالًا مرتفعًا، لكن لحسن الحظ، كانت في المنزل.
« كويومي أوني-تشان.»
بدا صوت سينغوكو وكأنه مليء بالحيوية.
يبدو أن نبرة سينغوكو تختلف أيضًا عندما يكون الحديث عبر الهاتف، حيث لا تضطر إلى مواجهتي وجهًا لوجه. أظن أن هذه الفتاة يجب أن تحصل على هاتف محمول في أسرع وقت.
«كويومي أوني-تشان. هل اتصلت بنادِكو فورًا؟ …أنا سعيدة.»
«أجل… آسف لأنني أتصل بك مجددًا بعد الأمس مباشرة. أممم…»
آه، من أين أبدأ الشرح؟
على عكس هاتشيكوجي، يجب أن أشرح كل شيء لسينغوكو من البداية…
«…؟ ما الأمر، كويومي أوني-تشان؟»
«آه، لا… أعني…»
«اهدأ. هل حدث شيء؟»
بدت سينجوكو قلقة بسبب ترددي.
«ليس الأمر أن شيئًا قد حدث بالضبط──»
«عليك أن تهدأ، مهما يكن. اهدأ يا كويومي أوني-تشان. أ، أجل! سأخبرك الآن بقصة مضحكة.»
«………………»
لقد قالت شيئًا عظيمًا حقًا.
أن تقول أنها ستروي قصة مضحكة، ثم تحاول فعلًا رواية قصة مضحكة… يا لها من ثقة بالنفس.
«كما تعرف، رغم أن المانغا والأنمي يتعاملان مع الأمر وكأنه مهنة مريحة ويبالغان في تمجيدها، فإن العمل كخادمة مرهق على نحو مفاجئ.»
«أنتِ صاحبة اسم “الباندا العملاقة المحبة”؟!»
إذًا لهذا السبب لم أفهم الأمر!
أنتِ لم تشاركي قط في حفلة تعارف، أليس كذلك؟!
لا تتحولي إلى شخص آخر تمامًا داخل بطاقات الرسائل…
«ه، هل هدأت الآن يا كويومي أوني-تشان؟»
«أوه… نعم، بطريقة ما، هدأت بعد أن دارت الأمور دورة كاملة.»
وليس أنني لم أكن هادئًا منذ البداية.
لكن لا فائدة من اختيار كلماتي بعناية.
«إذًا؟ ألم يكن لديك شيء تريده من نادِكو؟»
«أجل… سينغوكو. أريد أن أطلب منك خدمة.»
«خدمة… ماذا؟»
«أريدكِ أن تبحثي عن شينوبو.»
في النهاية قلتها مباشرة.
«لا يوجد كثيرون ممن رأوا شينوبو مباشرة، بما في ذلك أنتِ. إذا ساعدتني، فسأكون ممتنًا لك حقًا.»

كان عرضها للمساعدة موضع تقدير، لكن مع ذلك، هاتشيكوجي──رغم أن عمرها الظاهري لا يختلف كثيرًا عن عمر شينوبو──فلا ينبغي أن أرفع سقف توقعاتي أكثر من اللازم. صحيح أن هناك أماكن للبحث وأماكن للاختباء خاصة بالأطفال، ومساحات لا يستطيع دخولها إلا الأطفال، ويمكنني الاعتماد عليها من هذه النواحي، لكن رغم أن نطاق حركة هاتشيكوجي أوسع بكثير من نطاق حركة طفل عادي، فلا بد أن له حدودًا أيضًا. وستكون هناك حدود لقدرتها على التحرك كطفلة. لكن──نحتاج إلى مزيد من الأيدي. كانت هاتشيكوجي محقة. ولهذا. حين اقتربت الساعة من الرابعة، اتصلت بمنزل سينغوكو. كانت سينغوكو تدرس في المدرسة الإعدادية التي تخرجت منها، لذا، إن لم تكن قد توقفت في مكان ما، فلا بد أنها عادت إلى المنزل في هذا الوقت──على حد علمي كانت من نادي «اللا نادي» أصلًا── وبصراحة، لم يكن احتمالًا مرتفعًا، لكن لحسن الحظ، كانت في المنزل. « كويومي أوني-تشان.» بدا صوت سينغوكو وكأنه مليء بالحيوية. يبدو أن نبرة سينغوكو تختلف أيضًا عندما يكون الحديث عبر الهاتف، حيث لا تضطر إلى مواجهتي وجهًا لوجه. أظن أن هذه الفتاة يجب أن تحصل على هاتف محمول في أسرع وقت. «كويومي أوني-تشان. هل اتصلت بنادِكو فورًا؟ …أنا سعيدة.» «أجل… آسف لأنني أتصل بك مجددًا بعد الأمس مباشرة. أممم…» آه، من أين أبدأ الشرح؟ على عكس هاتشيكوجي، يجب أن أشرح كل شيء لسينغوكو من البداية… «…؟ ما الأمر، كويومي أوني-تشان؟» «آه، لا… أعني…» «اهدأ. هل حدث شيء؟» بدت سينجوكو قلقة بسبب ترددي. «ليس الأمر أن شيئًا قد حدث بالضبط──» «عليك أن تهدأ، مهما يكن. اهدأ يا كويومي أوني-تشان. أ، أجل! سأخبرك الآن بقصة مضحكة.» «………………» لقد قالت شيئًا عظيمًا حقًا. أن تقول أنها ستروي قصة مضحكة، ثم تحاول فعلًا رواية قصة مضحكة… يا لها من ثقة بالنفس. «كما تعرف، رغم أن المانغا والأنمي يتعاملان مع الأمر وكأنه مهنة مريحة ويبالغان في تمجيدها، فإن العمل كخادمة مرهق على نحو مفاجئ.» «أنتِ صاحبة اسم “الباندا العملاقة المحبة”؟!» إذًا لهذا السبب لم أفهم الأمر! أنتِ لم تشاركي قط في حفلة تعارف، أليس كذلك؟! لا تتحولي إلى شخص آخر تمامًا داخل بطاقات الرسائل… «ه، هل هدأت الآن يا كويومي أوني-تشان؟» «أوه… نعم، بطريقة ما، هدأت بعد أن دارت الأمور دورة كاملة.» وليس أنني لم أكن هادئًا منذ البداية. لكن لا فائدة من اختيار كلماتي بعناية. «إذًا؟ ألم يكن لديك شيء تريده من نادِكو؟» «أجل… سينغوكو. أريد أن أطلب منك خدمة.» «خدمة… ماذا؟» «أريدكِ أن تبحثي عن شينوبو.» في النهاية قلتها مباشرة. «لا يوجد كثيرون ممن رأوا شينوبو مباشرة، بما في ذلك أنتِ. إذا ساعدتني، فسأكون ممتنًا لك حقًا.»

«أبحث عنها…؟ هل اختفت؟ تلك… أممم، شينوبو-تشان؟»
«أجل.»
«ليست مجرد خارجة في نزهة…؟»
«لم تعد منذ ليلة كاملة.»
«آ، فهمت…»
ومن خلف الهاتف──شعرت بتردد.
آه، صحيح. لقد نسيت الأمر تمامًا، لكن سينغوكو قالت إن شينوبو كانت تحدق بها طوال الوقت──كانت تخاف من شينوبو غريزيًا.
صحيح.
كان يفترض بي أن أقرر أن سينغوكو يجب ألا تتورط في أمر الغرائب بعد الآن، مهما كان شكل التورط──فما الذي أفعله بإقحامها بنفسي؟ مهما كانت الظروف…
«آسف، سينغوكو. لقد كنت أنانيًا. أنا──»
«ل، لا. كويومي أوني-تشان. ليس الأمر كذلك.»
«ليس كذلك──»
«كنت أفكر فقط أنه لو أجبت فورًا، فسيبدو الأمر وكأنني أكذب… لذلك فقط… دعني أساعدك. أرجوك.»
«آه… لكن هل أنتِ متأكدة فعلًا؟»
«نعم.»
على نحو نادر.
وبقوة──قالت سينغوكو ذلك.
هل كان السبب لأنها تتحدث عبر الهاتف؟
لأنها لم تكن تواجهني وجهًا لوجه؟
«إذا كان بإمكاني رد الجميل لكويومي أوني-تشان──فهذا يكفيني. أنت تبحث عن شينوبو-تشان تماما كما ساعدت نادِكو، أليس كذلك؟»
«؟ …أجل، هذا صحيح.»
«إذًا لا يمكنني ألا أساعدك.»
قالتها──بهذه البساطة.
لا يمكنني ألا أساعدك.
«…قد لا يحدث شيء خطير، لكنني لا أستطيع أن أضمن سلامتك تمامًا. حتى وإن كانت قد فقدت معظم قوتها، فهي مصاصة دماء…»
«لا بأس.»
قالت سينغوكو.
سينغوكو الخجولة قالتها بقوة حقيقية.
«لا تقلق. دعني أفعل ذلك.»
في النهاية، شعرت أنا الذي طلبت منها المساعدة بالحرج أكثر مما ينبغي──لكن يبدو أن سينغوكو خرجت بعد ذلك مباشرة للبحث عن شينوبو.
شعرت وقتها بأنني أستطيع أخيرًا أن أتنفس الصعداء. كان التعاون من شخص يعرف شينوبو مباشرة مفيدًا للغاية بالفعل. لكن──مع ذلك، لم يكن الوقت مناسبًا بعد لتنفس الصعداء.
فسينغوكو لا تستطيع ركوب الدراجة.
بل يبدو أنها لا تملك دراجة أصلًا.
وهذا هو سبب عدم استخدامها الدراجة، ولو في جزء من الطريق، حين ذهبت في المرة السابقة إلى ذلك الضريح المهجور. وبالتالي، فإن وسيلة بحثها ستكون المشي، ومن حيث القدرة على الحركة، فهي لا تختلف كثيرًا عن هاتشيكوجي، ولا يمكن الاعتماد عليها كثيرًا.
القدرة على الحركة…
القدرة على الحركة، يا لها من مشكلة.
أشعر بالحرج فعلًا لأنني أطلب المساعدة من الآخرين واحدًا تلو الآخر، لكن بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد، أصبحت مساعدته لا غنى عنها. في الأساس، لا يوجد سوى ستة أشخاص، بمن فيهم أنا، يعرفون مباشرة شكل شينوبو الحالي──ومن بينهم هانيكاوا تسوباسا محتجزة الآن باسم بلاك هانيكاوا ومقيدة، وأوشينو ميمي مكلف بمراقبتها.
يبقى أربعة.
وباستثنائي أنا وسينغوكو، هناك اثنان.
ولا يمكنني ألا أتصل بهذين الاثنين.
أولًا، كان عليّ الاتصال بشخص يسهل التعامل معه نسبيًا──كانبارو سوروغا.
اخترت اسمها من قائمة جهات الاتصال في هاتفي. لقد انتهى الدوام المدرسي الآن، لذا لا بد أن هاتفها مفتوح حتى لو كانت في المدرسة──لكن كانبارو لم تحصل على هاتف محمول إلا قبل بضعة أيام، لذا من المشكوك فيها أن تكون قد فهمت قواعد المدرسة المتعلقة بهذا الأمر بدقة──
«كانبارو سوروغا.»
وكعادتها، عرّفت عن نفسها باسمها الكامل.
يبدو أن قلقي كان في غير محله.
«كانبارو سوروغا. حركتي الخاصة هي B-Dash.»

«…………»
هذا ما تعتبره هي كذلك.
ليست «الحركة الخاطفة» ولا «خطوة الانكماش» أو أي شيء من هذا القبيل.
حسنًا، لا يمكنني أن أطلب منها الكذب بشأن هذا.
«كانبارو سوروغا. مهنتي هي عبدة أراراغي الأكبر المثيرة.»
«في هذا تحديدًا، أطلب منك الكذب بلا تردد!»
«همم. ذلك الصوت وتلك الصرخة هما بالتأكيد أراراغي الأكبر.»
«لقد قلتِ شيئًا فظيعًا كهذا من دون حتى أن تعرفي من المتصل!»
«ألم يعجبك لقب “العبدة المثيرة”؟ في الواقع، أنا أيضًا كنت أفكر في البداية في لقب آخر، لقب أكثر ملاءمة لي، لكنني اضطررت إلى فرض رقابة ذاتية عليه لأنه كان متطرفًا بعض الشيء.»
«مجرد تخيل لقب تضطرين إلى فرض رقابة ذاتية عليه أمر مخيف!»
أعني…
تعلمي استخدام قائمة جهات الاتصال أولًا.
«كانبارو، هل أنتِ في المدرسة الآن؟»
«لا، لقد انصرفت.»
«هاه؟ حقًا؟ وماذا عن تحضيرات المهرجان الثقافي؟»
«لست المناوبة اليوم.»
«آه، إذًا الأمر قائم على نظام المناوبات… يبدو أن صفكم منظم جيدًا. أنا أحسدكم.»
حسنًا.
إذا لم تكن في المدرسة، فلا مشكلة في الهاتف.
«إذًا، كانبارو، أنتِ في المنزل الآن؟»
«لا، هذا أيضًا غير صحيح. ما بك يا أراراغي الأكبر؟ من النادر أن تخطئ في توقعاتك مرتين. يا لها من مصادفة نادرة كهدوء الغول! أنا الآن في صالة الألعاب في متجر قريب، أستمتع بلعبة “الساحرة الأنيقة لاف أند بيري”.»
«وكيف يمكن لأي شخص أن يتوقع شيئًا كهذا؟!»
أنتِ تخالفين توقعاتي دائمًا!
تحركي ولو مرة واحدة كما أتوقع منك!
«لكن… أنا لا أعرف اللعبة جيدًا، أليست لعبة ممتعة لطلاب الثانوية أصلًا…؟»
«ماذا تقول؟ لا علاقة للعمر بالألعاب الممتازة. لقد أنفقت اليوم وحده ما يقارب ثلاثة آلاف ين. هناك عدد من الأطفال مصطفون خلفي، لكنني لا أشعر ولو قليلًا بالرغبة في التنازل لهم.»
«ماذا تفعلين بحق الجحيم، تستغلين مالك بهذا الشكل؟! أوقفي اللعبة فورًا ودعي الأطفال يلعبون!»
«همم. حتى أراراغي الأكبر يقول الشيء نفسه الذي قاله الموظف الذي طردته قبل قليل.»
«لقد طردتِ الموظف أيضًا؟!»
«إذا وبخني بجدية، فلا بد أن أرد عليه بالغضب نفسه.»
«خطأ! إذا وبخك أحد بجدية، فعليك أن تعتذري بجدية!»
«لكن مهما كان الأمر نفسه، إذا كان أمرًا من أراراغي الأكبر، فلا مجال للاعتراض. حسنًا، سأنتقل الآن إلى لعبة “موشي كينغ” الموضوعة بجانبها──»
«توقفي عن اللعب طوال الوقت!»
«لا ينبغي لك أن تفقد روح اللعب يا أراراغي الأكبر. الإنسان ينمو ويبني التاريخ باللعب أكثر مما يفعل بالتعلم. وبالمناسبة، بما أننا نتحدث عن اللعب، تذكرت قصة حدثت حين كنت ألعب لعبة دايفوغو بالورق مع ثلاثة أصدقاء…»
«أنتِ صاحبة “سأتظاهر بأنني أتدرب”؟!»
حقًا، هذه الصغيرة…
إنها لطيفة أكثر مما ينبغي.
بل إن فائض اللطف عندها يساوي مئة ضعف اللطف.
«حسنًا يا أراراغي الأكبر. أخبرني بسبب اتصالك.»
«آه…»
لا أستطيع التحدث بجدية مع هذه الفتاة قبل أن نتبادل بعض الحماقات. فلأعتبر ما حدث حتى الآن تمهيدًا ضروريًا.
«كانبارو. أريد استعارة قوتك.»
«تستعيرها؟ يا له من تعبير غريب. قوتي ملك لك أصلًا منذ البداية. ما عليك إلا أن تخبرني بما تريد مني فعله.»
«…………»
رائع…
رائع بطريقة ناضجة.
رغم أنها منشغلة بلعبة للأطفال…
فكرت فجأة: لماذا تتمتع هذه الفتاة بشخصية هارد بويلد إلى هذا الحد؟ هذه المرة تحديدًا، لا يمكن أن يكون ذلك من تأثير سينجوغاهارا، أليس كذلك؟
«أريدكِ أن تبحثي عن شينوبو. تلك الطفلة غادرت المنزل من تلقاء نفسها.»
«غادرت المنزل؟»
«باختصار، اختفت.»
«فهمت. حسنًا. يكفيني هذا القدر من المعلومات. إذًا، عليّ أن أخلع ملابسي، صحيح؟»
«إذا كنتِ تريدين خلع ملابسك إلى هذه الدرجة، فسأخلعها لك في المرة القادمة حين نكون وحدنا، حسنًا! بل إن شئتِ، يمكننا أن نخلع ملابسنا معًا ونري بعضنا بعضًا! هاها، أنا مذهل حين أخلع ملابسي! لذا، كانبارو، أرجوكِ تحملي الأمر هنا وابحثي عن شينوبو بشكل طبيعي! للأسف، أنا أعتمد عليك أكثر من أي شخص آخر! أعيريني ساقيك اللتين تتفوقان على دراجتي سرعة!»
«تستعيرهما؟ يا له من تعبير غريب. ربلة ساقي وفخذي وخلف ركبتي وساقي وبين فخذي وكاحلي ملك لك أصلًا منذ البداية.»
«هذا ليس هارد بويلد إطلاقًا!»
«ماذا؟ باطن القدم؟»

…(تتواصل مناوشة أراراغي وكانبارو على هذا النحو حتى ينتهي طلبه منها بالبحث عن شينوبو، مع استمرار نكاتها العبثية حول الملابس الداخلية و«التعويض».)… «حسنًا، لكن مهما كان موقفك ومبادئك… من الناحية الواقعية، الشخص الوحيد القادر حاليًا على مواجهة شينوبو في هذا العالم هو أنا──أوشينو أيضًا لديه ظروفه ولا يستطيع التحرك الآن. لذلك…» «فهمت.» «سينغوكو تساعدني أيضًا، فإذا صادفتما بعضكما أثناء البحث، فتبادلا المعلومات. …آه، صحيح يا كانبارو، سينغوكو أعطتني ملابسها الرياضية وملابس السباحة المدرسية.» «آه، صحيح. لم تغسلها، أليس كذلك؟» «بل يبدو أنها غسلتها.» «يا لها من فاجعة!» صرخت. حقًا، شخصيتها هذه… «غبية… إذا غُسلت، فما الفائدة منها أصلًا… أن تسمح بمثل هذا التصرف المشين، هذا لا يشبه أراراغي الأكبر.» «كانبارو، ما الذي يعنيه “ما يشبه أراراغي” بالنسبة لكِ بالضبط…؟ هل يعني ألا تسمحي لتلميذة في المرحلة الإعدادية بغسل ملابسها الرياضية وملابس السباحة التي ارتدتها…؟» «فظيع… كيف استطاعت أن تفعل شيئًا بهذه القسوة… أن تمنحني الأمل ثم تنتزعه مني فورًا… لو كان معي سيانيد البوتاسيوم، لانتحرت بلا تردد…» «لكن افتراض وجود سيانيد البوتاسيوم معك أصلًا يبدو ضربًا من العبث…» هل يستحق الأمر الانتحار؟ هل هذا ما يعنيه أن تكوني أنت؟ «يؤسفني أن أقول لك هذا يا أراراغي الأكبر، لكن يبدو أنه لا مفر من أن تعوّضني عن هذا الفشل.» «………………» لا ذنب لي في شيء من هذا. لكن سيكون من السيئ أن أفسد حماس كانبارو الآن… من يملك القوة فعلًا محظوظ. «حسنًا؟» «نعم نعم… قولي ما تريدين.» «الحب مرة واحدة يا أراراغي الأكبر.» «ما هذه الجملة الرومانسية الغريبة؟!» لم أعد أفهم شيئًا. «على أي حال، سأعوّضك. سأعوّضك فعلًا. ماذا تريدين مني أن أفعل؟» «إذًا، ارتدِ ملابس السباحة المدرسية والملابس الرياضية، ونم بهما ليلة كاملة، واتركهما يتشبعان بعرق نومك، ثم أعدهما إليّ من دون غسلهما. هذا كل ما أريده.» «إذا فعلت ذلك فسأتحول أنا وأنتِ إلى منحرفين لا مثيل لهما! بل أظن أنكِ ستكونين أخطر مني…!» «إذا كنت سأمشي مع أراراغي الأكبر، فحتى ذلك الطريق سيكون ممتعًا.» «آسف يا كانبارو! لن أصل إلى درجة أن أنتحر معك!» «إذا كان الانتحار معًا مستحيلًا، فهناك خيار الانتحار القسري معًا.» «هذه جريمة قتل!» «حسنًا، سنفكر في الأمر لاحقًا.» «لا، أنتِ تحديدًا أعيدي التفكير في الأمر!» «على أي حال، يبدو أن سينغوكو-تشان تساعدك أيضًا. ومن كلامك، يبدو أن هناك──عدة أشخاص آخرين.» «أجل. قد لا يكون لكلامي مصداقية بعد كل هذا الهدر الهائل للوقت في الحديث الفارغ──لكننا في سباق مع كل لحظة وثانية. ساعديني يا كانبارو.» «بالطبع. موافقة إلى درجة أن الدموع تنهمر من عيني. إذا لم أساعدك الآن، فأي نوع من كانبارو أكون؟ افعل بي ما تشاء.» وبهذا، أنهت كانبارو المكالمة. قالت إنها في متجر قريب، لكن في هذه المنطقة لا يوجد سوى متجر واحد يمكن أن ينطبق عليه وصف «متجر قريب» أصلًا… كنت قلقًا بجدية من احتمال أن تكون قد حفرت أرضية المتجر، شريان الحياة في هذه البلدة الريفية، بحركة الـB-Dash الخاصة بها، لكن──باستثناء مثل هذه المخاوف غير الواقعية التي لا معنى لها، كانت كانبارو حليفًا يمكن الاعتماد عليه. ثم بقي الشخص الأخير. آخر شخص يعرف شينوبو مباشرة── اتصلت بسينجوغاهارا هيتاغي. كان صوت الرنين طويلًا على نحو غريب──أظن أنني انتظرت نحو عشرين ثانية. وقبل أن أقلق من أن المكالمة ستنتقل إلى خدمة البريد الصوتي، اتصل الخط أخيرًا. «لن أذهب.» «………………» رفضت من أول كلمة. هل هي عرّافة؟ وفوق ذلك، ترفض… «…يبدو أنك تأخرتِ كثيرًا في الرد على الهاتف. هل حدث شيء؟» «لا؟ لا شيء؟ كنت أشعر بالكسل عن الرد، لذلك لم أتحقق حتى من هو المتصل وتركت الهاتف في جيبي من دون أن أفعل شيئًا، لكنك كنت مزعجًا إلى درجة جعلتني أستسلم وأتحقق من المتصل، وحين وجدت أنه أنت يا أراراغي، فكرت أنه لا داعي للرد على أي حال، فضغطت زر التشغيل لأوقف الرنين، لكنني أخطأت وضغطت زر الرد، فاضطررت إلى الإجابة. على أي حال، ماذا تريد؟» «من يريد شيئًا من شخص مثلك؟!» يا لها من امرأة فظيعة. ولا تقل قسوتها ولو قليلًا عبر الهاتف. «على أي حال، سينجوغاهارا──اسمعيني.» «لا. بل اسمعني أنت. ذهبت منذ فترة مع صديقة إلى متجر لتأجير أشرطة الفيديو…» «أنتِ صاحبة “لنمشِ ونحن نقشر التفاح”؟! وفوق ذلك، التفكير في أنك أرسلتِ قصة مزيفة عن “أنا وصديقتي المقرّبة” إلى فقرة رسائل المستمعين، رغم أنك لم تملكي صديقة واحدة طوال السنوات الأخيرة، يجعل البطاقة التي كان يفترض أن تكون مضحكة تبدو حزينة!» بل ما قصة هذا البرنامج ذي نسبة الاستماع الهائلة؟! الجميع يستمع إليه؟! هل أنا الوحيد الذي لا يستمع إليه؟! تبًا، لقد تخلفت عن موجة العصر! «اسمعيني يا سينجوغاهارا. فقط اسمعيني.» «إذا كنت ستتوسل إليّ على ركبتيك فلا بأس.» «لم أفعل ذلك!» «إذًا، ماذا؟» «…اختفت شينوبو.» «شينوبو──تلك الطفلة الشقراء؟» «أجل.» «همم.» لا تعليق؟ باردة، وجافة. حسنًا، رغم أنها تعرفها، إلا أنها لم تتحدث معها فعلًا، ولم تكن بينهما علاقة──وهذا لا ينطبق على سينجوغاهارا وحدها، بل على كانبارو وسينغوكو أيضًا. الشخص الوحيد الذي يعرف حقيقة شينوبو من بينهم هو أنا وأوشينو──وهانيكاوا. «إذًا──أنت تتغيب عن المدرسة حتى تبحث عنها؟» «أجل. ولهذا أريد منكِ أن تساعديني──فعدد من يعرفون شينوبو مباشرة…» «لكن.» قاطعتني سينجوغاهارا. «ما تسميه أنت “المساعدة الإنسانية” هذا الصباح، ليس هذا، أليس كذلك──أنت لا تسمي تلك الطفلة “إنسانًا” أصلًا.» «…………» «هانيكاوا-سان غائبة عن المدرسة.» واصلت سينجوغاهارا بلهجة مسطحة. لم يتسرب إلى صوتها أي شعور. حتى من خلف الهاتف، استطعت أن أتخيل وجهها الخالي من التعبير كالمعتاد. هل يعقل حقًا أنها اتصلت بكانبارو بنفسها وتحدثت معها طوال الليل عن نفسها…؟ «هل لهذا علاقة بالأمر──آه، لا داعي لأن تجيب. صمتك يكفي بوصفه جوابًا.» «حتى لو كان كذلك، دعيني أجيب بنفسي. أجل، هذا صحيح. هانيكاوا──» «بالمناسبة، أظن أن أوشينو-سان قال شيئًا من هذا القبيل──أن تلك الطفلة أدت عملًا جيدًا حين تعلق الأمر بهانيكاوا-سان، أو شيئًا قريبًا من ذلك. أي أن الأمر هكذا؟ أنت تحتاج إلى قوة تلك الطفلة من أجل هانيكاوا-سان، لكن الطفلة نفسها مختفية لسبب آخر…» «حدسك جيد… وذاكرتك جيدة أيضًا.» «أنا واثقة من ذاكرتي. حتى أنني أتذكر سنة تأسيس حكومة كاماكورا.» «أليست هذه مجرد طريقة لحفظ تاريخ؟…» «أنشأنا كاماكورا، سنة 1192.» «يا لها من طريقة سيئة للحفظ!» «أراراغي-كن.» قالت سينجوغاهارا: «أنت قلق على هانيكاوا-سان وعلى تلك الطفلة بالقدر نفسه، أليس كذلك──تقلق عليهما بالعدل نفسه. رغم أن من الواضح تمامًا أيهما ينبغي أن تعطيه الأولوية──هذا يشبهك تمامًا.» «…………؟» ما الذي تقوله؟ الأولوية؟ هذا ليس الوضع من هذا النوع، أليس كذلك؟ على عكس حالة سينغوكو، لا أعتقد أنني مضطر إلى اختيار الشخص الذي ينبغي إنقاذه── «لن أذهب.» ثم كررت سينجوغاهارا العبارة نفسها. «لن أذهب.» «سينجوغاهارا──» «لأن لديّ تحضيرات المهرجان الثقافي.» «لا… أفهم ذلك، لكن الآن──» «لقد أوكلت إليّ هانيكاوا-سان الأمر.» كانت كلمات قوية. كلمات تحمل إرادة──قوية كالسيف المسلول. «لا يمكنني التخلي عنه──كلما كانت هانيكاوا-سان في مأزق أكبر، وجب عليّ أن أتم هذه المهمة.» صحيح── لم تكن مجرد تحضيرات مهرجان ثقافي. كانت مهمة أوكلتها إليها هانيكاوا وهي محاصرة بالغرائب. لا يمكنني أن أطلب منها أن تتخلى عنها وتبحث عن شينوبو. «بغياب هانيكاوا-سان، وبصراحة، سلسلة الأوامر فوضوية تمامًا──لا شيء يسير كما ينبغي. هل كانت هي من تتولى كل هذه الأمور؟ أن تضع جدولًا زمنيًا فوضويًا كهذا يتطلب عقلًا غير سوي. وفوق ذلك، أنت أيضًا لست هنا لتدعمها──بصراحة، حتى الوقت الذي أهدره الآن في الحديث معك أشعر أنه ضائع.» «حسنًا، كان الأمر في معظمه وكأن هانيكاوا تقوم به وحدها──» كم كانت تبذل من نفسها من أجل الصف. وكم كانت تحرص على ألا تدع زملاءها يدركون ذلك. كانت تخفي عنهم تعبها. كمية العمل التي كانت تتحملها تكفي لإصابتها بالإرهاق التام، ومع ذلك لم تُظهر ولو ذرة من الانشغال، ولم تشتكِ مرة واحدة. كل شيء هكذا معها──ليس المدهش أنها تبذل جهدًا، بل أنها لا تسمح لمن حولها بأن يدركوا أنها تبذل جهدًا. وحتى أنا، الذي كنت إلى جانبها وكرست نفسي لدعمها، لا أستطيع القول أنني كنت أدرك كل ما كانت تتحمله. حقًا. إنها وحدها──حقيقية بكل معنى الكلمة. …………. لكن، لا تقولي أن الوقت الذي تقضينه في الحديث مع حبيبك ضائع أيضًا، يا هيتاغي… «لن أعود اليوم إلا متأخرة جدًا──لا أظن أنني سأتمكن من الالتزام بوقت الانصراف. ربما سأضطر إلى أخذ العمل إلى المنزل وإكماله هناك. حقًا، إنجاز كل هذا العمل ضمن الوقت النظامي أمر يدعو إلى الدهشة. أراراغي-كن، واصل طريقتك المعتادة كما تريد──وأنا سأواصل طريقتي المعتادة.» «صحيح… إذًا…» قلت، بعد أن أدركت الموقف بوضوح. «سأترك المدرسة لك. لنصنع مهرجانًا ثقافيًا جيدًا.» «نعم. أريد ذلك.» نبرتها المسطحة المعتادة. لم تُظهر أي شعور. ومع ذلك، كانت تلك الكلمات، بلا شك، كلمات سينجوغاهارا. «إذًا──سأتصل بك لاحقًا.» «أراراغي-كن، هل تسمح لي بشيء واحد؟» «ماذا؟» «خدمة تسونديري.» وفي النهاية، قالت سينجوغاهارا، بلهجتها المسطحة: «لا تفهم الأمر خطأ، ليس لأنني قلقة عليك أو ما شابه──لكن إن لم تعد، فلن أسامحك.» انقطع الاتصال من جهتها بقطع. شعرت أن وعيي نفسه كاد ينقطع، لكنني تماسكت. آه، حقًا… حقًا… لا توجد كلمات تصفها. في كل مرة أتحدث معها… لا، حتى لو قيل إن مفرداتي محدودة… حقًا، لا توجد كلمات. أنا أحبها أكثر مما ينبغي. إلى درجة لا أستطيع معها فعل شيء. بالطبع──سأعود. ما دامت تنتظرني. «…يمكنني أن أطمئن وأترك الأمر لك.» على أي حال. بهذا، استدعيت كل مساعدة استطعت استدعاءها. في النهاية، إنها شبكة علاقات لا تتجاوز شبكة طالب في السنة الثالثة من الثانوية، ومن منظور أوسع، ربما لم تكن سوى مساعدة تواسي النفس──وربما لم يتغير الوضع كثيرًا، لكن مع ذلك── كان الشعور بالقوة مختلفًا تمامًا. واصلت الضغط على الدواسات، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها──ثم مرت ثلاث ساعات أخرى. مدة البحث حتى الآن: تسع ساعات. الساعة السابعة مساءً. كان الليل قد حل──في غمضة عين. لم آكل شيئًا، ولم أشرب شيئًا. ولم أسترح── حتى أدركت أخيرًا أنني متعب. «ومع ذلك، في ماذا تفكر شينوبو بحق الجحيم…؟» هروب من المنزل. اختفاء. رحلة للبحث عن الذات── مع أنها لا تستطيع الذهاب إلى أي مكان أصلًا… تمامًا مثلي. «……………………» كل شيء──بدأ في عطلة الربيع. بدأ منذ حفل نهاية السنة الدراسية للصف الثاني. والآن، يبدو الأمر وكأنه حدث منذ زمن بعيد. عرفت بوجود الغرائب── ثم أصبحت أنا نفسي منها── ومنذ ذلك الحين، استمرت الأمور على هذا النحو. شيطان. قطة. سلطعون. حلزون. قرد. ثعبان. ثم مجددًا… قطة. قطة متحولة──قطة مؤذية. بلاك هانيكاوا──هانيكاوا تسوباسا أخرى. في معظم الأساطير، القطة المتحولة تتنكر في هيئة إنسان──هناك عدد لا يحصى من الأساطير التي تروي كيف تقتل عجوزًا أولًا، ثم تتنكر في هيئة تلك العجوز، وتقتل كل من يدخل المنزل بعد ذلك. القطة تتنكر في هيئة إنسان. ثم──تأكل البشر. لكن القطة المؤذية مختلفة عن ذلك──أو بالأحرى، ربما هي تفسير آخر للأسطورة نفسها من زاوية مختلفة. ليست القطة هي التي تصبح إنسانًا──بل الإنسان هو الذي يصبح قطة. عندما تتنكر القطة المتحولة في هيئة إنسان، ينكشف أمرها بسبب تصرفاتها غير الطبيعية، لكن القطة المؤذية تتعامل مع تلك التصرفات الغير طبيعية من خلال تفسيرها كنوع من تعدد الشخصيات. وإذا اقتطعنا هذا الجزء وحده، فهي تشبه إلى حد ما حالة تلبس الثعلب. وفي كثير من الحكايات الشعبية عن القطة المؤذية، تأخذ القصة هذا الشكل──زوجة عفيفة تخرج ليلًا كل ليلة إلى المدينة وتتحول إلى امرأة فاجرة──فيقول راهب مسافر، أو محارب، أو صياد، إن هذا من فعل قطة متحولة، ثم يقتلها بضربة واحدة──ليكتشف أن تلك المرأة هي نفسها الزوجة. إذا حكمنا على الأمر من خلال تلك النهاية وحدها، فلن نجد قطة في الأسطورة أصلًا. لا تظهر القطة البيضاء عديمة الذيل إلا كزخرفة، أو كعنصر يضخم إثارة القصة──أما الموضوع الحقيقي والمحور الحقيقي، فهما الإنسان نفسه. وجهان للإنسان. الجانب الآخر من هانيكاوا──هانيكاوا تسوباسا السوداء والشريرة. لا──بل ربما هي البيضاء. وفي كلتا الحالتين، لا يغير ذلك حقيقة أنها تتعرض للافتراس… أود أن أعرف رأي كانبارو في هذا. حين أفكر في الأمر، قد تكون القطة المؤذية والقرد الذي ظهر في حالة كانبارو متشابهين فعلًا──متشابهين فقط، بالطبع، لأنهما في النهاية متشابهان وغير متشابهين. الفرق الأكبر أن القرد لم يفعل سوى تحقيق رغبة كانبارو سوروغا بناءً على عقد شرعي──أما القطة المؤذية، فهي تقف بالكامل، وبلا قيد أو شرط، إلى جانب هانيكاوا تسوباسا. خلال الأسبوع الذهبي، هاجمتني أنا وأوشينو، بل وحتى هانيكاوا نفسها في النهاية بدافع الحقد والعداء──لكن حتى ذلك كان من أجل هانيكاوا. حتى لو لم تكن تلك النتيجة التي أرادتها أو تمنتها هانيكاوا──فالقطة كانت إلى جانب هانيكاوا. بل أكثر من كونها إلى جانبها──كانت هي نفسها. وهنا يكمن الفرق بينها وبين قرد كانبارو. كانبارو الآن لا بد أنها تواصل الركض. ومع ذلك──لا اتصال. لا أحد يتصل. لم نعثر بعد على أي خيط، بل لم نجد حتى موطئ قدم. لا توجد حتى بداية يمكن التمسك بها. ما الذي يحدث؟ طفلة شقراء يجب أن تكون أكثر ما يلفت الأنظار في هذه المدينة الآن──ومع ذلك، لا نحصل حتى على شهادة من شخص رآها. هل يعقل أنها غادرت المدينة بالفعل؟ لا، إنها تمشي على قدمي طفلة… لا بد أن الأمر كذلك. إذا لم أكن إلى جانبها──فلا بد أن شينوبو لا تستطيع فعل شيء. رفعت نظري إلى السماء. ليل. لقد أظلمت السماء تمامًا. سماء مليئة بالنجوم──لا يمكن مقارنتها، بالطبع، بالسماء التي رأيتها ليلة أمس من المرصد الفلكي… لكنها مع ذلك جميلة بما يكفي. أشعر أن النظر إلى السماء هكذا سيصبح عادة لديّ──لأنها ذكرى من ذكرياتي مع سينجوغاهارا. «كل شيء.» قالت. «هذا تقريبًا كل ما أستطيع أن أعطيه لأراراغي-كن──» لكن هذا ليس صحيحًا. ليس هذا ما قصدته. فهي تمنحني الذكريات هكذا، بالفعل. ليس السماء المرصعة بالنجوم فقط──بل منذ أول لقاء لنا عند الدرج وحتى الآن. الذكريات… الذاكرة. ذاكرة هانيكاوا──لن تزول بعد الآن. ومع ذلك، كنت أظن أن ذكريات ارتباطي بالغرائب من الأفضل أن تختفي──لكن ربما كان أوشينو محقًا. وليس بالمعنى الذي قصده أوشينو فقط. أنا أيضًا──لا أريد أن أنسى. تلك العطلة الربيعية. ذلك الجحيم. لأن كل شيء بدأ هناك── «…شينوبو──أوشينو شينوبو.» سأعثر عليك حتمًا. سأعثر عليكِ مهما كلف الأمر. لقد قررت أن أتحمل عبء وجودك طوال حياتي──

…(تتواصل مناوشة أراراغي وكانبارو على هذا النحو حتى ينتهي طلبه منها بالبحث عن شينوبو، مع استمرار نكاتها العبثية حول الملابس الداخلية و«التعويض».)…
«حسنًا، لكن مهما كان موقفك ومبادئك… من الناحية الواقعية، الشخص الوحيد القادر حاليًا على مواجهة شينوبو في هذا العالم هو أنا──أوشينو أيضًا لديه ظروفه ولا يستطيع التحرك الآن. لذلك…»
«فهمت.»
«سينغوكو تساعدني أيضًا، فإذا صادفتما بعضكما أثناء البحث، فتبادلا المعلومات. …آه، صحيح يا كانبارو، سينغوكو أعطتني ملابسها الرياضية وملابس السباحة المدرسية.»
«آه، صحيح. لم تغسلها، أليس كذلك؟»
«بل يبدو أنها غسلتها.»
«يا لها من فاجعة!»
صرخت.
حقًا، شخصيتها هذه…
«غبية… إذا غُسلت، فما الفائدة منها أصلًا… أن تسمح بمثل هذا التصرف المشين، هذا لا يشبه أراراغي الأكبر.»
«كانبارو، ما الذي يعنيه “ما يشبه أراراغي” بالنسبة لكِ بالضبط…؟ هل يعني ألا تسمحي لتلميذة في المرحلة الإعدادية بغسل ملابسها الرياضية وملابس السباحة التي ارتدتها…؟»
«فظيع… كيف استطاعت أن تفعل شيئًا بهذه القسوة… أن تمنحني الأمل ثم تنتزعه مني فورًا… لو كان معي سيانيد البوتاسيوم، لانتحرت بلا تردد…»
«لكن افتراض وجود سيانيد البوتاسيوم معك أصلًا يبدو ضربًا من العبث…»
هل يستحق الأمر الانتحار؟
هل هذا ما يعنيه أن تكوني أنت؟
«يؤسفني أن أقول لك هذا يا أراراغي الأكبر، لكن يبدو أنه لا مفر من أن تعوّضني عن هذا الفشل.»
«………………»
لا ذنب لي في شيء من هذا.
لكن سيكون من السيئ أن أفسد حماس كانبارو الآن…
من يملك القوة فعلًا محظوظ.
«حسنًا؟»
«نعم نعم… قولي ما تريدين.»
«الحب مرة واحدة يا أراراغي الأكبر.»
«ما هذه الجملة الرومانسية الغريبة؟!»
لم أعد أفهم شيئًا.
«على أي حال، سأعوّضك. سأعوّضك فعلًا. ماذا تريدين مني أن أفعل؟»
«إذًا، ارتدِ ملابس السباحة المدرسية والملابس الرياضية، ونم بهما ليلة كاملة، واتركهما يتشبعان بعرق نومك، ثم أعدهما إليّ من دون غسلهما. هذا كل ما أريده.»
«إذا فعلت ذلك فسأتحول أنا وأنتِ إلى منحرفين لا مثيل لهما! بل أظن أنكِ ستكونين أخطر مني…!»
«إذا كنت سأمشي مع أراراغي الأكبر، فحتى ذلك الطريق سيكون ممتعًا.»
«آسف يا كانبارو! لن أصل إلى درجة أن أنتحر معك!»
«إذا كان الانتحار معًا مستحيلًا، فهناك خيار الانتحار القسري معًا.»
«هذه جريمة قتل!»
«حسنًا، سنفكر في الأمر لاحقًا.»
«لا، أنتِ تحديدًا أعيدي التفكير في الأمر!»
«على أي حال، يبدو أن سينغوكو-تشان تساعدك أيضًا. ومن كلامك، يبدو أن هناك──عدة أشخاص آخرين.»
«أجل. قد لا يكون لكلامي مصداقية بعد كل هذا الهدر الهائل للوقت في الحديث الفارغ──لكننا في سباق مع كل لحظة وثانية. ساعديني يا كانبارو.»
«بالطبع. موافقة إلى درجة أن الدموع تنهمر من عيني. إذا لم أساعدك الآن، فأي نوع من كانبارو أكون؟ افعل بي ما تشاء.»
وبهذا، أنهت كانبارو المكالمة.
قالت إنها في متجر قريب، لكن في هذه المنطقة لا يوجد سوى متجر واحد يمكن أن ينطبق عليه وصف «متجر قريب» أصلًا… كنت قلقًا بجدية من احتمال أن تكون قد حفرت أرضية المتجر، شريان الحياة في هذه البلدة الريفية، بحركة الـB-Dash الخاصة بها، لكن──باستثناء مثل هذه المخاوف غير الواقعية التي لا معنى لها، كانت كانبارو حليفًا يمكن الاعتماد عليه.
ثم بقي الشخص الأخير.
آخر شخص يعرف شينوبو مباشرة──
اتصلت بسينجوغاهارا هيتاغي.
كان صوت الرنين طويلًا على نحو غريب──أظن أنني انتظرت نحو عشرين ثانية. وقبل أن أقلق من أن المكالمة ستنتقل إلى خدمة البريد الصوتي، اتصل الخط أخيرًا.
«لن أذهب.»
«………………»
رفضت من أول كلمة.
هل هي عرّافة؟
وفوق ذلك، ترفض…
«…يبدو أنك تأخرتِ كثيرًا في الرد على الهاتف. هل حدث شيء؟»
«لا؟ لا شيء؟ كنت أشعر بالكسل عن الرد، لذلك لم أتحقق حتى من هو المتصل وتركت الهاتف في جيبي من دون أن أفعل شيئًا، لكنك كنت مزعجًا إلى درجة جعلتني أستسلم وأتحقق من المتصل، وحين وجدت أنه أنت يا أراراغي، فكرت أنه لا داعي للرد على أي حال، فضغطت زر التشغيل لأوقف الرنين، لكنني أخطأت وضغطت زر الرد، فاضطررت إلى الإجابة. على أي حال، ماذا تريد؟»
«من يريد شيئًا من شخص مثلك؟!»
يا لها من امرأة فظيعة.
ولا تقل قسوتها ولو قليلًا عبر الهاتف.
«على أي حال، سينجوغاهارا──اسمعيني.»
«لا. بل اسمعني أنت. ذهبت منذ فترة مع صديقة إلى متجر لتأجير أشرطة الفيديو…»
«أنتِ صاحبة “لنمشِ ونحن نقشر التفاح”؟! وفوق ذلك، التفكير في أنك أرسلتِ قصة مزيفة عن “أنا وصديقتي المقرّبة” إلى فقرة رسائل المستمعين، رغم أنك لم تملكي صديقة واحدة طوال السنوات الأخيرة، يجعل البطاقة التي كان يفترض أن تكون مضحكة تبدو حزينة!»
بل ما قصة هذا البرنامج ذي نسبة الاستماع الهائلة؟!
الجميع يستمع إليه؟!
هل أنا الوحيد الذي لا يستمع إليه؟!
تبًا، لقد تخلفت عن موجة العصر!
«اسمعيني يا سينجوغاهارا. فقط اسمعيني.»
«إذا كنت ستتوسل إليّ على ركبتيك فلا بأس.»
«لم أفعل ذلك!»
«إذًا، ماذا؟»
«…اختفت شينوبو.»
«شينوبو──تلك الطفلة الشقراء؟»
«أجل.»
«همم.»
لا تعليق؟
باردة، وجافة.
حسنًا، رغم أنها تعرفها، إلا أنها لم تتحدث معها فعلًا، ولم تكن بينهما علاقة──وهذا لا ينطبق على سينجوغاهارا وحدها، بل على كانبارو وسينغوكو أيضًا. الشخص الوحيد الذي يعرف حقيقة شينوبو من بينهم هو أنا وأوشينو──وهانيكاوا.
«إذًا──أنت تتغيب عن المدرسة حتى تبحث عنها؟»
«أجل. ولهذا أريد منكِ أن تساعديني──فعدد من يعرفون شينوبو مباشرة…»
«لكن.»
قاطعتني سينجوغاهارا.
«ما تسميه أنت “المساعدة الإنسانية” هذا الصباح، ليس هذا، أليس كذلك──أنت لا تسمي تلك الطفلة “إنسانًا” أصلًا.»
«…………»
«هانيكاوا-سان غائبة عن المدرسة.»
واصلت سينجوغاهارا بلهجة مسطحة.
لم يتسرب إلى صوتها أي شعور. حتى من خلف الهاتف، استطعت أن أتخيل وجهها الخالي من التعبير كالمعتاد. هل يعقل حقًا أنها اتصلت بكانبارو بنفسها وتحدثت معها طوال الليل عن نفسها…؟
«هل لهذا علاقة بالأمر──آه، لا داعي لأن تجيب. صمتك يكفي بوصفه جوابًا.»
«حتى لو كان كذلك، دعيني أجيب بنفسي. أجل، هذا صحيح. هانيكاوا──»
«بالمناسبة، أظن أن أوشينو-سان قال شيئًا من هذا القبيل──أن تلك الطفلة أدت عملًا جيدًا حين تعلق الأمر بهانيكاوا-سان، أو شيئًا قريبًا من ذلك. أي أن الأمر هكذا؟ أنت تحتاج إلى قوة تلك الطفلة من أجل هانيكاوا-سان، لكن الطفلة نفسها مختفية لسبب آخر…»
«حدسك جيد… وذاكرتك جيدة أيضًا.»
«أنا واثقة من ذاكرتي. حتى أنني أتذكر سنة تأسيس حكومة كاماكورا.»
«أليست هذه مجرد طريقة لحفظ تاريخ؟…»
«أنشأنا كاماكورا، سنة 1192.»
«يا لها من طريقة سيئة للحفظ!»
«أراراغي-كن.»
قالت سينجوغاهارا:
«أنت قلق على هانيكاوا-سان وعلى تلك الطفلة بالقدر نفسه، أليس كذلك──تقلق عليهما بالعدل نفسه. رغم أن من الواضح تمامًا أيهما ينبغي أن تعطيه الأولوية──هذا يشبهك تمامًا.»
«…………؟»
ما الذي تقوله؟
الأولوية؟
هذا ليس الوضع من هذا النوع، أليس كذلك؟
على عكس حالة سينغوكو، لا أعتقد أنني مضطر إلى اختيار الشخص الذي ينبغي إنقاذه──
«لن أذهب.»
ثم كررت سينجوغاهارا العبارة نفسها.
«لن أذهب.»
«سينجوغاهارا──»
«لأن لديّ تحضيرات المهرجان الثقافي.»
«لا… أفهم ذلك، لكن الآن──»
«لقد أوكلت إليّ هانيكاوا-سان الأمر.»
كانت كلمات قوية.
كلمات تحمل إرادة──قوية كالسيف المسلول.
«لا يمكنني التخلي عنه──كلما كانت هانيكاوا-سان في مأزق أكبر، وجب عليّ أن أتم هذه المهمة.»
صحيح──
لم تكن مجرد تحضيرات مهرجان ثقافي.
كانت مهمة أوكلتها إليها هانيكاوا وهي محاصرة بالغرائب. لا يمكنني أن أطلب منها أن تتخلى عنها وتبحث عن شينوبو.
«بغياب هانيكاوا-سان، وبصراحة، سلسلة الأوامر فوضوية تمامًا──لا شيء يسير كما ينبغي. هل كانت هي من تتولى كل هذه الأمور؟ أن تضع جدولًا زمنيًا فوضويًا كهذا يتطلب عقلًا غير سوي. وفوق ذلك، أنت أيضًا لست هنا لتدعمها──بصراحة، حتى الوقت الذي أهدره الآن في الحديث معك أشعر أنه ضائع.»
«حسنًا، كان الأمر في معظمه وكأن هانيكاوا تقوم به وحدها──»
كم كانت تبذل من نفسها من أجل الصف. وكم كانت تحرص على ألا تدع زملاءها يدركون ذلك. كانت تخفي عنهم تعبها. كمية العمل التي كانت تتحملها تكفي لإصابتها بالإرهاق التام، ومع ذلك لم تُظهر ولو ذرة من الانشغال، ولم تشتكِ مرة واحدة. كل شيء هكذا معها──ليس المدهش أنها تبذل جهدًا، بل أنها لا تسمح لمن حولها بأن يدركوا أنها تبذل جهدًا. وحتى أنا، الذي كنت إلى جانبها وكرست نفسي لدعمها، لا أستطيع القول أنني كنت أدرك كل ما كانت تتحمله.
حقًا.
إنها وحدها──حقيقية بكل معنى الكلمة.
………….
لكن، لا تقولي أن الوقت الذي تقضينه في الحديث مع حبيبك ضائع أيضًا، يا هيتاغي…
«لن أعود اليوم إلا متأخرة جدًا──لا أظن أنني سأتمكن من الالتزام بوقت الانصراف. ربما سأضطر إلى أخذ العمل إلى المنزل وإكماله هناك. حقًا، إنجاز كل هذا العمل ضمن الوقت النظامي أمر يدعو إلى الدهشة. أراراغي-كن، واصل طريقتك المعتادة كما تريد──وأنا سأواصل طريقتي المعتادة.»
«صحيح… إذًا…»
قلت، بعد أن أدركت الموقف بوضوح.
«سأترك المدرسة لك. لنصنع مهرجانًا ثقافيًا جيدًا.»
«نعم. أريد ذلك.»
نبرتها المسطحة المعتادة.
لم تُظهر أي شعور.
ومع ذلك، كانت تلك الكلمات، بلا شك، كلمات سينجوغاهارا.
«إذًا──سأتصل بك لاحقًا.»
«أراراغي-كن، هل تسمح لي بشيء واحد؟»
«ماذا؟»
«خدمة تسونديري.»
وفي النهاية، قالت سينجوغاهارا، بلهجتها المسطحة:
«لا تفهم الأمر خطأ، ليس لأنني قلقة عليك أو ما شابه──لكن إن لم تعد، فلن أسامحك.»
انقطع الاتصال من جهتها بقطع.
شعرت أن وعيي نفسه كاد ينقطع، لكنني تماسكت.
آه، حقًا… حقًا… لا توجد كلمات تصفها. في كل مرة أتحدث معها… لا، حتى لو قيل إن مفرداتي محدودة… حقًا، لا توجد كلمات.
أنا أحبها أكثر مما ينبغي.
إلى درجة لا أستطيع معها فعل شيء.
بالطبع──سأعود.
ما دامت تنتظرني.
«…يمكنني أن أطمئن وأترك الأمر لك.»
على أي حال.
بهذا، استدعيت كل مساعدة استطعت استدعاءها.
في النهاية، إنها شبكة علاقات لا تتجاوز شبكة طالب في السنة الثالثة من الثانوية، ومن منظور أوسع، ربما لم تكن سوى مساعدة تواسي النفس──وربما لم يتغير الوضع كثيرًا، لكن مع ذلك──
كان الشعور بالقوة مختلفًا تمامًا.
واصلت الضغط على الدواسات، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها──ثم مرت ثلاث ساعات أخرى.
مدة البحث حتى الآن: تسع ساعات.
الساعة السابعة مساءً.
كان الليل قد حل──في غمضة عين.
لم آكل شيئًا، ولم أشرب شيئًا.
ولم أسترح──
حتى أدركت أخيرًا أنني متعب.
«ومع ذلك، في ماذا تفكر شينوبو بحق الجحيم…؟»
هروب من المنزل.
اختفاء.
رحلة للبحث عن الذات──
مع أنها لا تستطيع الذهاب إلى أي مكان أصلًا…
تمامًا مثلي.
«……………………»
كل شيء──بدأ في عطلة الربيع.
بدأ منذ حفل نهاية السنة الدراسية للصف الثاني.
والآن، يبدو الأمر وكأنه حدث منذ زمن بعيد.
عرفت بوجود الغرائب──
ثم أصبحت أنا نفسي منها──
ومنذ ذلك الحين، استمرت الأمور على هذا النحو.
شيطان.
قطة.
سلطعون.
حلزون.
قرد.
ثعبان.
ثم مجددًا… قطة.
قطة متحولة──قطة مؤذية.
بلاك هانيكاوا──هانيكاوا تسوباسا أخرى.
في معظم الأساطير، القطة المتحولة تتنكر في هيئة إنسان──هناك عدد لا يحصى من الأساطير التي تروي كيف تقتل عجوزًا أولًا، ثم تتنكر في هيئة تلك العجوز، وتقتل كل من يدخل المنزل بعد ذلك.
القطة تتنكر في هيئة إنسان.
ثم──تأكل البشر.
لكن القطة المؤذية مختلفة عن ذلك──أو بالأحرى، ربما هي تفسير آخر للأسطورة نفسها من زاوية مختلفة. ليست القطة هي التي تصبح إنسانًا──بل الإنسان هو الذي يصبح قطة. عندما تتنكر القطة المتحولة في هيئة إنسان، ينكشف أمرها بسبب تصرفاتها غير الطبيعية، لكن القطة المؤذية تتعامل مع تلك التصرفات الغير طبيعية من خلال تفسيرها كنوع من تعدد الشخصيات. وإذا اقتطعنا هذا الجزء وحده، فهي تشبه إلى حد ما حالة تلبس الثعلب. وفي كثير من الحكايات الشعبية عن القطة المؤذية، تأخذ القصة هذا الشكل──زوجة عفيفة تخرج ليلًا كل ليلة إلى المدينة وتتحول إلى امرأة فاجرة──فيقول راهب مسافر، أو محارب، أو صياد، إن هذا من فعل قطة متحولة، ثم يقتلها بضربة واحدة──ليكتشف أن تلك المرأة هي نفسها الزوجة.
إذا حكمنا على الأمر من خلال تلك النهاية وحدها، فلن نجد قطة في الأسطورة أصلًا. لا تظهر القطة البيضاء عديمة الذيل إلا كزخرفة، أو كعنصر يضخم إثارة القصة──أما الموضوع الحقيقي والمحور الحقيقي، فهما الإنسان نفسه.
وجهان للإنسان.
الجانب الآخر من هانيكاوا──هانيكاوا تسوباسا السوداء والشريرة.
لا──بل ربما هي البيضاء.
وفي كلتا الحالتين، لا يغير ذلك حقيقة أنها تتعرض للافتراس…
أود أن أعرف رأي كانبارو في هذا.
حين أفكر في الأمر، قد تكون القطة المؤذية والقرد الذي ظهر في حالة كانبارو متشابهين فعلًا──متشابهين فقط، بالطبع، لأنهما في النهاية متشابهان وغير متشابهين. الفرق الأكبر أن القرد لم يفعل سوى تحقيق رغبة كانبارو سوروغا بناءً على عقد شرعي──أما القطة المؤذية، فهي تقف بالكامل، وبلا قيد أو شرط، إلى جانب هانيكاوا تسوباسا. خلال الأسبوع الذهبي، هاجمتني أنا وأوشينو، بل وحتى هانيكاوا نفسها في النهاية بدافع الحقد والعداء──لكن حتى ذلك كان من أجل هانيكاوا. حتى لو لم تكن تلك النتيجة التي أرادتها أو تمنتها هانيكاوا──فالقطة كانت إلى جانب هانيكاوا.
بل أكثر من كونها إلى جانبها──كانت هي نفسها.
وهنا يكمن الفرق بينها وبين قرد كانبارو.
كانبارو الآن لا بد أنها تواصل الركض.
ومع ذلك──لا اتصال.
لا أحد يتصل.
لم نعثر بعد على أي خيط، بل لم نجد حتى موطئ قدم. لا توجد حتى بداية يمكن التمسك بها.
ما الذي يحدث؟
طفلة شقراء يجب أن تكون أكثر ما يلفت الأنظار في هذه المدينة الآن──ومع ذلك، لا نحصل حتى على شهادة من شخص رآها.
هل يعقل أنها غادرت المدينة بالفعل؟
لا، إنها تمشي على قدمي طفلة…
لا بد أن الأمر كذلك.
إذا لم أكن إلى جانبها──فلا بد أن شينوبو لا تستطيع فعل شيء.
رفعت نظري إلى السماء.
ليل.
لقد أظلمت السماء تمامًا.
سماء مليئة بالنجوم──لا يمكن مقارنتها، بالطبع، بالسماء التي رأيتها ليلة أمس من المرصد الفلكي… لكنها مع ذلك جميلة بما يكفي. أشعر أن النظر إلى السماء هكذا سيصبح عادة لديّ──لأنها ذكرى من ذكرياتي مع سينجوغاهارا.
«كل شيء.»
قالت.
«هذا تقريبًا كل ما أستطيع أن أعطيه لأراراغي-كن──»
لكن هذا ليس صحيحًا.
ليس هذا ما قصدته.
فهي تمنحني الذكريات هكذا، بالفعل.
ليس السماء المرصعة بالنجوم فقط──بل منذ أول لقاء لنا عند الدرج وحتى الآن.
الذكريات… الذاكرة.
ذاكرة هانيكاوا──لن تزول بعد الآن. ومع ذلك، كنت أظن أن ذكريات ارتباطي بالغرائب من الأفضل أن تختفي──لكن ربما كان أوشينو محقًا.
وليس بالمعنى الذي قصده أوشينو فقط.
أنا أيضًا──لا أريد أن أنسى.
تلك العطلة الربيعية.
ذلك الجحيم.
لأن كل شيء بدأ هناك──
«…شينوبو──أوشينو شينوبو.»
سأعثر عليك حتمًا.
سأعثر عليكِ مهما كلف الأمر.
لقد قررت أن أتحمل عبء وجودك طوال حياتي──

007

«حسنًا… أظن أن وقت الاستراحة انتهى.»
عدت إلى الضغط على الدواسات. بمجرد أن استرحت قليلًا، تعافت معظم طاقتي──إنه جسد لا يُصدّق فعلًا.
بغض النظر عن السماء المرصعة بالنجوم──لقد تأخر الوقت.
بعد قليل، سيتعين عليّ أن أعيد سينغوكو، طالبة الإعدادية، إلى منزلها. وعندها ستتقلص القوة البشرية القليلة التي نملكها أكثر. وبسبب طبيعة الظروف، فإن إبلاغ الشرطة عن طفلة مفقودة أمر غير وارد تمامًا…
وفوق ذلك، الليل نفسه يمثل مشكلة.
مصاصو الدماء، بطبيعة الحال، كائنات ليلية──تتجول في الليل. صحيح أن شينوبو لم تعد مصاصة دماء بالمعنى الكامل، لكن من المؤكد أن القيود المفروضة على نشاطها أقل في الليل──وكلما تعمق الليل، ازدادت قوتها.
ويزداد الخطر أيضًا.
الآن بعد السابعة مساءً بقليل… الساعتان القادمتان ستكونان حاسمتين.
عليّ أن أسرع.
حوّلت وضعي إلى القيادة واقفًا، وضغطت على الدواسات بكل قوتي──وفجأة، انخفضت سرعة الدراجة كما لو أنني ضغطت المكابح بعنف، وثقلت الدواسات من الجانبين.
في البداية ظننت أنني أتلفت الدراجة من شدة القيادة المتهورة. ربما انقطع السلسال، أو انفجر الإطار… لكن الأمر لم يكن كذلك.
لقد قفز شخص إلى المقعد الخلفي.
لا، ربما لا يمكن تسميته إنسانًا.
إذا أردنا وصفه بشيء──فهي قطة.
«…………»
«مياااو.»
«…………»
آه… فهمت.
مثل مصاص الدماء، القطة أيضًا… كائن ليلي.
شعر أبيض، أذنا قطة، وملابس نوم──
امرأة أعرفها جيدًا.
خلعت نظارتها──فهي ترى في الظلام جيدًا.
وكانت نظرتها سيئة للغاية… بل ليست المشكلة في عينيها، وإنما في تعبير وجهها نفسه الذي بدا شريرًا بدرجة لا تتناسب إطلاقًا مع ملامحها الأصلية.
خلعت سترتها──لا بد أنها شعرت بالحر. يبدو أن حكاية «الريح الشمالية والشمس» كانت صحيحة… وها أنا، من دون قصد، أرى هيئة هانيكاوا كاملة في ملابس النوم، لكن بما أنها هانيكاوا في حالتها الحالية، فقد كان الشعور بالفرح منقوصًا إلى النصف.
وهكذا.
كانت بلاك هانيكاوا هناك.
«…لماذا أنتِ هنا؟»
«خررر.»
«أجيبي.»
لا أريد سماع مواء مزيف كهذا.
كان يفترض أن بلاك هانيكاوا، التي قُيدت بإحكام في ذلك المبنى المهجور لمدرسة الدروس الخصوصية، تخضع الآن لمراقبة أوشينو المشددة──
«لا تتحدث هكذا يا إنسان. خررر.»
«لا فائدة من التحدث بصوت قططي.»
«همف. لا يهم. لا تحدق بي هكذا يا إنسان. لا أعرف كيف حدث الأمر، لكنني ظللت أعبث وأقاوم، وفجأة قبل قليل انحلت الحبال من تلقاء نفسها.»
«قبل قليل…؟»
آه──فهمت.
كائن ليلي.
حتى خلال الأسبوع الذهبي، كان وعي هانيكاوا يعود، ولو قليلًا، في النهار تحديدًا──أما في الليل، فتزداد قوة هذه الغرائب وسيطرتها بشكل هائل. صحيح، في هذه الناحية أيضًا يشبه القرد الذي ظهر في حالة كانبارو.
«نياهاهاهاها.»
ضحكت بلاك هانيكاوا بمرح.
على الأرجح، لم يكن لضحكتها أي معنى.
كانت تضحك بلا سبب.
ذكاؤها في مستوى قطة أيضًا──كان أوشينو يقول شيئًا عن أن أصلها هو «رئيسة الصف الصغيرة»، لكنني لا أظن أن الأمر كذلك… هانيكاوا تسوباسا في هذه الحالة لا يبدو أن لها أي باطن.
لا.
بل العكس.
هانيكاوا في هذه الحالة هي الباطن أصلًا.
وإن كان لها ظاهر، فهو هذا.
«لكن ماذا عن مراقبة أوشينو لك…؟»
«أنا قطة يا إنسان. التحرك من دون إصدار صوت أمر في غاية السهولة بالنسبة إليّ.»
«صحيح… الآن بعد أن فكرت في الأمر.»
أوشينو… هذه المرة أنت عديم الفائدة بشكل غريب.
هذا ليس من طباعِك.
يمكنني تفسير غرابة حالته حين زرته في المبنى المهجور، وتردده المستمر، بأن شينوبو كانت مفقودة، وربما كان يبحث عنها حين كان في الخارج، لكن أن يسمح لبلاك هانيكاوا بالهرب بهذه السهولة… لا يمكن تصوره.
لقد حدث ذلك مباشرة بعد أن سمح لشينوبو بالهرب.
ليس من النوع الذي يرتكب خطأين غبيين متتاليين.
إذًا… هل يمكن أن يكون أوشينو قد أطلق بلاك هانيكاوا عمدًا؟
ربما قيدها مسبقًا بحبال ستنحل عندما يحل الليل، كما يؤكد وصف القطة المؤذية نفسها: «انحلت الحبال من تلقاء نفسها»، ثم تظاهر بعدم رؤية هروبها من المبنى وتركها تهرب…
أما تمكن بلاك هانيكاوا من العثور عليّ، فربما كان ببساطة بفضل حاستي الشم والسمع.
القطط تصطاد بهما.
لكن المشكلة هي: لماذا جاءت بلاك هانيكاوا بعد أن تحررت إلى مكاني──المسألة ليست كيف، بل لماذا.
إذا كان أوشينو قد أطلقها عمدًا، فمن الطبيعي أن تكون هذه الحركة أيضًا جزءًا من خطته التي يبدو وكأنه يرى كل شيء مسبقًا، لكن…
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟
وهذا أيضًا──لا أعرف سببه.
لكن ذلك الرجل قال إن «الوقت ضيق»، واستخدم حتى ما سماه «طريقة غير شرعية» ليستدعي القطة المؤذية بالقوة──لكي يستجوبها بنفسه. صحيح أنه قال إنه لم يفهم شيئًا، مثلي تمامًا، لكن ذلك ربما كان مجرد غموضه المعتاد، وربما فهم فعلًا من كلمات بلاك هانيكاوا المتناقضة شيئًا يمكن أن يكون، إن لم يكن خيطًا أو موطئ قدم، فعلى الأقل بداية ما…
«أيتها القطة…»
«نيا؟»
«…………»
نزلت عن الدراجة، وأسندت المقود بيد واحدة، ثم وقفت أمام بلاك هانيكاوا الجالسة على المقعد الخلفي، لكنني ابتلعت الكلمات التي كنت على وشك قولها.
وفقدت القدرة على الكلام.
واو… عندما خلعت سترتها، أصبح شكل جسدها واضحًا تمامًا. صحيح أن فتاة ترتدي ملابس نوم ليست سوى فتاة ترتدي ملابس نوم، لكن حتى وأنا أعرف ذلك، كان المنظر مثيرًا إلى أقصى حد. أُلغي كلامي عن أن فرحتي منقوصة إلى النصف. لأن صدرها يهتز بهذا الشكل مع كل حركة بسيطة. «تهفن تهفن»… نعم، بهذا الصوت تحديدًا. لا ينبغي لصوت كهذا أن يصدر من جسم بشري. أشعر أنني أريد أن أتخلى عن حبكة القصة ومسار الأحداث كله، وأقضي الليل ألعب معها نط الحبل.
كانبارو مثيرة في كلامها وتصرفاتها، أما هانيكاوا فجسدها مثير…
وفوق ذلك، لديها أذنا قطة.
مجرد التفكير في شكلها لو كان شعرها أسود يجعلني أشعر بالرعب.
من منظور بقاء النوع، فإن الجاذبية الجنسية الخارجية ضرورية للغاية، لكن هل هي ضرورية إلى هذا الحد المفرط فعلًا؟
«ما بك يا إنسان؟»
«آ، أجل──أعني…»
حسنًا، خلال الأسبوع الذهبي كانت تتجول بملابسها الداخلية، لذا مقارنة بذلك، هذا أفضل قليلًا. ومهما استعادَت من ذكريات، يجب أن تُحذف تلك الذكرى تحديدًا من عقل هانيكاوا إلى الأبد.
«…أمم، أيتها القطة، كرري الجملة التي سأقولها الآن: سبع دراجات نارية من طراز نانا-هان تصطف بلا عناء في صف مائل بزاوية سبع وسبعين درجة، وهي تموء بحزن.»
«نيااااا… نيا نيا نياااا… نياا… نيا نيااااا… نيا نيا نيااا… نيااااا… نيا نيااا…»

«كاااوااايي!» استبدلت اللعب بنط الحبل بالاستمتاع بلغة القطط. كانت تلك حيلة عبقرية مني. ليس هذا هو الموضوع. «كنت على وشك أن أسألك: لماذا جئتِ؟» «أن تسألني لماذا جئت؟ يا لها من طريقة للترحيب.» قالت بلاك هانيكاوا بنبرة ساخرة. «جئت بالتأكيد لأساعد الإنسان، ماذا غير ذلك؟» «للمساعدة…؟» «لا تسيء الفهم يا إنسان──لم أعد أنوي قتالك. لقد قلت ذلك قبل قليل، أليس كذلك؟» «قبل قليل…؟» آه… تقصد هذا الصباح. هل تعتبر ما حدث قبل نحو نصف يوم «قبل قليل»؟ هذه غرائب بالفعل، إدراكها للوقت… لا، ربما الأدق أن نقول إن ذكاء القطة لا يستطيع استيعاب مفهوم الزمن. ومع ذلك. «هل قلتِ ذلك فعلًا…؟» «آه، ربما لم أقلها. لا يهم. لقد قلتها الآن. هذه المرة لا أنوي الشغب──لست في تلك الحالة المزاجية.» «………………» هل يمكنني الوثوق بها…؟ بالنظر إلى المرة السابقة، لا يمكنني الوثوق بها بالطبع… لكن هذا إذا نظرنا إلى الأمر بالطريقة المعتادة، أما عندما تتعامل مع هذه القطة، فالتعمق في التفكير أكثر من اللازم قد يجعل منك الأحمق. إذا قالت أنها لا تنوي ذلك──فهي لا تنوي ذلك؟ وفوق ذلك── إذا كانت قد جاءت للمساعدة، فهي فعلًا جاءت للمساعدة. «لكن──لماذا؟ أنت نوعًا ما تجسيد لضغط هانيكاوا، أليس كذلك؟ الشخصية الثانية لهانيكاوا التي ظهرت لتفريغ ضغطها──» وهذا──كان بداية الكابوس. هاجمت والديها، وهاجمت الأبرياء في الشوارع──باختصار، كانت هذه القطة تتصرف بعنف طوال الوقت. لقد كانت تتصرف بتعسف لا حدود له. ومن حيث حجم الأضرار، لم تصل إلى جحيم عطلة الربيع──لكن من حيث الرعب، ربما كانت القطة المؤذية تتفوق حتى على مصاص الدماء. كانت تهاجم الناس عشوائيًا بطاقة مراهق مكبوت المشاعر يتسلل إلى المدرسة ليلًا ويحطم النوافذ──طريقة مروعة لتفريغ الضغط. «لذلك لا تسيء الفهم──حتى أنا أشكرك. لقد ساعدت في إنهاء تفريغ ضغط سيدتي، الذي كان سيستغرق عامًا لو سار بصورة طبيعية، في تسعة أيام فقط──» آه… يمكن النظر إلى الأمر من هذه الزاوية أيضًا. صحيح، من وجهة نظر القطة المؤذية──كل ما يهمها هو أن تتخلص هانيكاوا من ضغطها، سواء تم ذلك بطريقة متهورة، أو بطريقة فعالة──لا فرق. الغرائب──عقلانيون إلى أقصى حد. «إذًا… بالنسبة إليك أيضًا، من الأفضل أن أعثر على شينوبو بسرعة، أليس كذلك؟ مصالحنا متوافقة──هذا ما تقصدينه؟» «هذا بالضبط، نيا.» «…حسنًا.» أومأت. لا يعني ذلك أن كل أسئلتي قد اختفت، لكن لا وقت لديّ للتردد. «إذا كان الأمر كذلك، فسأستعين بمساعدتك.» «نياهاها. هذه هي الحالة التي نقول فيها فعلًا: “نحن في أمسّ الحاجة إلى يد قطة”، أليس كذلك؟!» «…………!» هانيكاوا خاصتي لا تبتسم بفخر بسبب نكتة سخيفة كهذه… لكن هذه هي شخصيتها الأخرى. هذا محبط قليلًا. «ليست يدًا بقدر ما هي حاسة الشم والسمع. لقد قاتلتِها من قبل، لذا لا بد أنك تعرفين رائحتها وصوتها. اتبعي أثرهما.» «هممم. فهمت.» «إذًا سأستمر في القيادة بشكل عشوائي، وإذا لاحظتِ شيئًا فأخبريني──» عدت إلى ركوب الدراجة. بلاك هانيكاوا على المقعد الخلفي. قد يكون من الكذب أن أقول أنني لم أشعر بأي أفكار منحرفة في تلك اللحظة. بل هو كذب فعلًا. كان إحساس جسد هانيكاوا الممتلئ حين ركبنا الدراجة معًا صباحًا لا يزال طازجًا في ذاكرتي. لكن تلك الأفكار الدنيئة ستلقى الآن عقابًا إلهيًا فوريًا لا مثيل له. «غاااه…!» سقطت عن الدراجة بصورة انعكاسية، وسقطت الدراجة أيضًا بصوت عالٍ. أما الوحيدة──بل القطة الوحيدة──التي لم تتأذى، فكانت بلاك هانيكاوا، التي قفزت بخفة، ودارت في الهواء، ثم هبطت بأناقة. إنها قطة فعلًا. لكن ليس هذا وقت الإعجاب. «همم؟ ما بك يا إنسان؟» «…آه، غا… آ…» القطة المؤذية──قطة لامسة. السمة الأبرز لهذه القطة المتحولة هي، إذا أردنا استخدام مصطلح حديث بلغة أجنبية، «امتصاص الطاقة». ومن هذه الناحية، فهي أقرب إلى شيطان الأحلام أو الشيطان الشهواني أو الأرواح الملعونة من القطة المتحولة التقليدية. قطة شهوانية──غرائب تجعل الإنسان يذبل. الإنسان الذي تلمسه تُمتص منه طاقته الجسدية والحيوية بالكامل. صحيح أنه لم توجد حالات وصلت إلى الموت، لكن خلال الأسبوع الذهبي، انتهى الأمر بدخول عدد لا بأس به من الناس إلى المستشفى. شخصان دخلا المستشفى. والدا هانيكاوا. لكن، حسب ما سمعت، خرجا بعد نحو ثلاثة أيام. أما أنا، فقد احتضنتني تلك الغرائب بقوة من المقعد الخلفي… ولأن الأمر لم يستغرق سوى لحظة، ولأنني تمكنت من تجاهل قدر معين من المقاومة، ولأن بلاك هانيكاوا هذه المرة كانت ترتدي ملابس نوم كاملة بدلًا من أن تكون بملابسها الداخلية، فلم أصل إلى حد أن تُستنزف قوتي بالكامل في لحظة، لكنني كنت أرتدي ملابس خفيفة أيضًا… فتلقّيت ضررًا هائلًا. اختفت في لحظة الطاقة التي كنت قد استعدتها للتو. امتصاص الطاقة. لكن دعوني أقولها رغم كل شيء. لا ندم على السقوط! «……………………» إذا واصلت قول أشياء كهذه، فسأبدأ فعلًا أخشى أن يسيء أحد فهمي… لا أقصد شخصًا بعينه، لكن سينجوغاهارا لديها حسّ شديد الغرابة… والحذر أفضل من الندم. «آه، فهمت. أنت يا إنسان عانيت من العذاب لأن صدر سيدتي كان مريحًا إلى هذا الحد، أليس كذلك؟!» «أنا غبي، لكنكِ غبية بدرجة كبيرة أيضًا…» ألا تدركين قدرتك أصلًا؟ امتصاص الطاقة لدى القطة المؤذية من النوع الذي يعمل باستمرار عند التلامس المباشر، لذا لا علاقة لإرادة القطة نفسها بالأمر… «حسنًا يا إنسان، إذا كنت ترغب في ذلك إلى هذه الدرجة، وإذا اتفقنا على الشروط، يمكنني أن أسمح لك بلمس هذا الصدر.» «لا تحاولي بيع عفة سيدتك، أيتها القطة الشهوانية.» «مرة واحدة مقابل قطعة كاتسوأوبوشي.»  {ملحوظة: كاتسوأوبوشي (鰹節) هو سمك البونيتو المجفف والمخمّر، ويُستخدم في المطبخ الياباني، غالبًا بعد تقطيعه إلى رقائق رقيقة.}

«كاااوااايي!»
استبدلت اللعب بنط الحبل بالاستمتاع بلغة القطط.
كانت تلك حيلة عبقرية مني.
ليس هذا هو الموضوع.
«كنت على وشك أن أسألك: لماذا جئتِ؟»
«أن تسألني لماذا جئت؟ يا لها من طريقة للترحيب.»
قالت بلاك هانيكاوا بنبرة ساخرة.
«جئت بالتأكيد لأساعد الإنسان، ماذا غير ذلك؟»
«للمساعدة…؟»
«لا تسيء الفهم يا إنسان──لم أعد أنوي قتالك. لقد قلت ذلك قبل قليل، أليس كذلك؟»
«قبل قليل…؟»
آه… تقصد هذا الصباح.
هل تعتبر ما حدث قبل نحو نصف يوم «قبل قليل»؟ هذه غرائب بالفعل، إدراكها للوقت… لا، ربما الأدق أن نقول إن ذكاء القطة لا يستطيع استيعاب مفهوم الزمن.
ومع ذلك.
«هل قلتِ ذلك فعلًا…؟»
«آه، ربما لم أقلها. لا يهم. لقد قلتها الآن. هذه المرة لا أنوي الشغب──لست في تلك الحالة المزاجية.»
«………………»
هل يمكنني الوثوق بها…؟
بالنظر إلى المرة السابقة، لا يمكنني الوثوق بها بالطبع… لكن هذا إذا نظرنا إلى الأمر بالطريقة المعتادة، أما عندما تتعامل مع هذه القطة، فالتعمق في التفكير أكثر من اللازم قد يجعل منك الأحمق.
إذا قالت أنها لا تنوي ذلك──فهي لا تنوي ذلك؟
وفوق ذلك──
إذا كانت قد جاءت للمساعدة، فهي فعلًا جاءت للمساعدة.
«لكن──لماذا؟ أنت نوعًا ما تجسيد لضغط هانيكاوا، أليس كذلك؟ الشخصية الثانية لهانيكاوا التي ظهرت لتفريغ ضغطها──»
وهذا──كان بداية الكابوس.
هاجمت والديها، وهاجمت الأبرياء في الشوارع──باختصار، كانت هذه القطة تتصرف بعنف طوال الوقت. لقد كانت تتصرف بتعسف لا حدود له. ومن حيث حجم الأضرار، لم تصل إلى جحيم عطلة الربيع──لكن من حيث الرعب، ربما كانت القطة المؤذية تتفوق حتى على مصاص الدماء. كانت تهاجم الناس عشوائيًا بطاقة مراهق مكبوت المشاعر يتسلل إلى المدرسة ليلًا ويحطم النوافذ──طريقة مروعة لتفريغ الضغط.
«لذلك لا تسيء الفهم──حتى أنا أشكرك. لقد ساعدت في إنهاء تفريغ ضغط سيدتي، الذي كان سيستغرق عامًا لو سار بصورة طبيعية، في تسعة أيام فقط──»
آه…
يمكن النظر إلى الأمر من هذه الزاوية أيضًا.
صحيح، من وجهة نظر القطة المؤذية──كل ما يهمها هو أن تتخلص هانيكاوا من ضغطها، سواء تم ذلك بطريقة متهورة، أو بطريقة فعالة──لا فرق.
الغرائب──عقلانيون إلى أقصى حد.
«إذًا… بالنسبة إليك أيضًا، من الأفضل أن أعثر على شينوبو بسرعة، أليس كذلك؟ مصالحنا متوافقة──هذا ما تقصدينه؟»
«هذا بالضبط، نيا.»
«…حسنًا.»
أومأت.
لا يعني ذلك أن كل أسئلتي قد اختفت، لكن لا وقت لديّ للتردد.
«إذا كان الأمر كذلك، فسأستعين بمساعدتك.»
«نياهاها. هذه هي الحالة التي نقول فيها فعلًا: “نحن في أمسّ الحاجة إلى يد قطة”، أليس كذلك؟!»
«…………!»
هانيكاوا خاصتي لا تبتسم بفخر بسبب نكتة سخيفة كهذه…
لكن هذه هي شخصيتها الأخرى.
هذا محبط قليلًا.
«ليست يدًا بقدر ما هي حاسة الشم والسمع. لقد قاتلتِها من قبل، لذا لا بد أنك تعرفين رائحتها وصوتها. اتبعي أثرهما.»
«هممم. فهمت.»
«إذًا سأستمر في القيادة بشكل عشوائي، وإذا لاحظتِ شيئًا فأخبريني──»
عدت إلى ركوب الدراجة.
بلاك هانيكاوا على المقعد الخلفي.
قد يكون من الكذب أن أقول أنني لم أشعر بأي أفكار منحرفة في تلك اللحظة. بل هو كذب فعلًا. كان إحساس جسد هانيكاوا الممتلئ حين ركبنا الدراجة معًا صباحًا لا يزال طازجًا في ذاكرتي. لكن تلك الأفكار الدنيئة ستلقى الآن عقابًا إلهيًا فوريًا لا مثيل له.
«غاااه…!»
سقطت عن الدراجة بصورة انعكاسية، وسقطت الدراجة أيضًا بصوت عالٍ. أما الوحيدة──بل القطة الوحيدة──التي لم تتأذى، فكانت بلاك هانيكاوا، التي قفزت بخفة، ودارت في الهواء، ثم هبطت بأناقة.
إنها قطة فعلًا.
لكن ليس هذا وقت الإعجاب.
«همم؟ ما بك يا إنسان؟»
«…آه، غا… آ…»
القطة المؤذية──قطة لامسة.
السمة الأبرز لهذه القطة المتحولة هي، إذا أردنا استخدام مصطلح حديث بلغة أجنبية، «امتصاص الطاقة». ومن هذه الناحية، فهي أقرب إلى شيطان الأحلام أو الشيطان الشهواني أو الأرواح الملعونة من القطة المتحولة التقليدية. قطة شهوانية──غرائب تجعل الإنسان يذبل. الإنسان الذي تلمسه تُمتص منه طاقته الجسدية والحيوية بالكامل. صحيح أنه لم توجد حالات وصلت إلى الموت، لكن خلال الأسبوع الذهبي، انتهى الأمر بدخول عدد لا بأس به من الناس إلى المستشفى.
شخصان دخلا المستشفى.
والدا هانيكاوا.
لكن، حسب ما سمعت، خرجا بعد نحو ثلاثة أيام.
أما أنا، فقد احتضنتني تلك الغرائب بقوة من المقعد الخلفي… ولأن الأمر لم يستغرق سوى لحظة، ولأنني تمكنت من تجاهل قدر معين من المقاومة، ولأن بلاك هانيكاوا هذه المرة كانت ترتدي ملابس نوم كاملة بدلًا من أن تكون بملابسها الداخلية، فلم أصل إلى حد أن تُستنزف قوتي بالكامل في لحظة، لكنني كنت أرتدي ملابس خفيفة أيضًا… فتلقّيت ضررًا هائلًا. اختفت في لحظة الطاقة التي كنت قد استعدتها للتو.
امتصاص الطاقة.
لكن دعوني أقولها رغم كل شيء.
لا ندم على السقوط!
«……………………»
إذا واصلت قول أشياء كهذه، فسأبدأ فعلًا أخشى أن يسيء أحد فهمي… لا أقصد شخصًا بعينه، لكن سينجوغاهارا لديها حسّ شديد الغرابة…
والحذر أفضل من الندم.
«آه، فهمت. أنت يا إنسان عانيت من العذاب لأن صدر سيدتي كان مريحًا إلى هذا الحد، أليس كذلك؟!»
«أنا غبي، لكنكِ غبية بدرجة كبيرة أيضًا…»
ألا تدركين قدرتك أصلًا؟
امتصاص الطاقة لدى القطة المؤذية من النوع الذي يعمل باستمرار عند التلامس المباشر، لذا لا علاقة لإرادة القطة نفسها بالأمر…
«حسنًا يا إنسان، إذا كنت ترغب في ذلك إلى هذه الدرجة، وإذا اتفقنا على الشروط، يمكنني أن أسمح لك بلمس هذا الصدر.»
«لا تحاولي بيع عفة سيدتك، أيتها القطة الشهوانية.»
«مرة واحدة مقابل قطعة كاتسوأوبوشي.»  {ملحوظة: كاتسوأوبوشي (鰹節) هو سمك البونيتو المجفف والمخمّر، ويُستخدم في المطبخ الياباني، غالبًا بعد تقطيعه إلى رقائق رقيقة.}

في غمضة عين، حلّ الليل. ظللت أتنقل بدراجتي في أنحاء المدينة، أمرّ على كل مكان خطر ببالي──وحين لم يعد ذلك كافيًا، أعدت المسار نفسه مرتين، أتنقل حرفيًا من مكان إلى آخر، ومع ذلك──لم أحقق أي نتيجة تُذكر──عندها فقط، أدركت أنني متعب. لم آكل شيئًا، ولم أشرب شيئًا. ولم أسترح، وواصلت الضغط على الدواسات──تسع ساعات. بصراحة، كنت مندهشًا. من جسدي الذي لا يتعب إلا بعد أن يصل الأمر إلى هذا الحد──صحيح أنني أعطيت شينوبو دمًا منذ وقت قريب، لكن يفترض أن معظم تأثير ذلك قد استُنفد في استعادة ذراعي وساقي── مصاص دماء أشبه بالإنسان. إنسان أشبه بمصاص دماء. لم أعد أعرف أيهما أنا. أوشينو شينوبو. مصاص دماء يهرب من المنزل؟ هذا مضحك إلى درجة لا تُحتمل. وفوق ذلك، تختفي فجأة من دون أن تحمل في جيبها حتى ينًا واحدًا، ولا تأخذ معها سوى ما ترتديه──هذا لم يعد مجرد هروب من المنزل، بل اختفاءً بكل معنى الكلمة. أي نوع من مصاصي الدماء هذا؟ عندما تسوء الأمور، تتراكم المصائب فوق بعضها. المصيبة تأتي ومعها صديقاتها. وكانت الأمور تسير تمامًا وفقًا لهذا القول. بحسب ما قاله أوشينو، لم يكتشف أن شينوبو مفقودة إلا هذا الصباح──وحين استرجع الأمر، تبيّن أنه لم يرها منذ ظهر الأمس. وبحسب شهادة هاتشيكوجي، فقد رأت أمس طفلًا أشقر قرب متجر «مستر دونات» المحاذي للطريق الوطني، وكان ذلك نحو الخامسة مساءً──أي أن ذلك الطفل كان، في ذلك الوقت بالفعل، أوشينو شينوبو الهاربة. إنها تمشي على قدمي طفل، فلا يمكن أن تكون قد ابتعدت كثيرًا. يوم واحد فقط──وفوق ذلك، شينوبو الآن ليست مصاصة الدماء الأسطورية ولا أي شيء من هذا القبيل، بل هي في معظمها مجرد طفلة، ومن حيث القدرة على التحمل فهي أدنى مني بكثير. مجرد طفلة──لا، بل يفترض أنها أقل من مجرد طفلة إذا لم أكن إلى جانبها. وحتى القدرات القليلة المتبقية لديها مقيدة إلى حد كبير. تتعب، وتجوع أيضًا. …مهلًا. صحيح، سواء كانت تتجول قرب «مستر دونات» أم لا، فهي لا تملك في جيبها ينًا واحدًا── إذًا، هل هي جائعة؟ في مكان ما──داخل هذه المدينة، وحدها. «……………………» كنت أتنقل بدراجتي──أظن أنه كان بعد الظهر بقليل، حين كدت أصطدم بهاتشيكوجي مايوي التي كانت تسير في الطريق. كانت تلك ثاني مرة ألتقيها فيها اليوم. كنت أريد أن أستمتع بحظي السعيد، إذ تمكنت من لقاء هاتشيكوجي مرتين في يوم واحد رغم أن لقاءها لا يحدث إلا بالمصادفة، لكن لم يكن هذا وقتًا مناسبًا لذلك. وبالمناسبة، حتى اللقاء الأول، وهذا اللقاء الثاني، لا يمكن وصفهما بالمصادفة تمامًا──فأنا كنت أتنقل بلا هدف في أنحاء المدينة، ولا بد أن ألتقي بها في وقت ما. «ماذا أراراغي؟» «لقد تحولت أخيرًا إلى خطأ مطبعي فحسب…» «عذرًا. لقد عضضت لساني.» بعد أن تبادلنا تلك التحية، طلبت من هاتشيكوجي أن تخبرني بمزيد من التفاصيل عما حدث حين رأت شينوبو بالأمس. «بالمناسبة…» قالت هاتشيكوجي: «بدت لي وحيدة إلى حد ما.» «وحيدة──» «نعم.» قالت هاتشيكوجي بجدية: «بدت تمامًا كطفلة تائهة.» طفلة تائهة. حين تقولها هاتشيكوجي──فإن للكلام وزنًا مختلفًا. خصوصًا حين تقولها هي، التي ظلت تائهة في الطرقات طوال هذا الوقت. «فهمت.» أومأت هاتشيكوجي. «سأبحث عنها أنا أيضًا قدر استطاعتي.» «هل ستفعلين ذلك؟» «بالطبع. يا أراراغي-سان، البحث عن طفل تائه يتطلب أقصى درجات الحذر والكثير من الأيدي. فإذا حاول المرء أن يفعل كل شيء بمفرده، فقد ينتهي الأمر بأن يصبح من يبحث عن المومياء هرمًا.» «هرمًا؟! ما هذا الحجم الهائل!» «وأنت أيضًا، يا أراراغي-سان، لا تصبح ماينَسْتيكيًا، وحافظ على قوة قلبك وأنت تتولى الأمر.» «ماينَسْتيكي؟ هذا خطأ فادح حتى بمعاييرك!» «صحيح أن البحث عن طفل تائه قد يتحول إلى قضية تتنافس فيها دولة وقلعة، لكن لا ينبغي أن نفقد رباطة جأشنا.» «صحيح، لكن التعبير الصحيح هو أن الأمر يستدعي التنافس على كل لحظة وثانية!» «إذا رأيتها، فلن أستطيع الاقتراب منها على أي حال، لكن يمكنني الاتصال بهاتفك المحمول من هاتف عمومي.» «…هل تعرفين أصلًا كيف تستخدمين الهاتف العمومي؟» «بالطبع. أنا بارعة في التعامل مع الآلات.» «هذا عكس تمامًا ما كنت تقولينه هذا الصباح…» «ما الذي تقوله؟ أنا موهبة فذة قادرة على مواصلة مشاهدة التلفاز حتى بعد عام 2011، كما تعلم.» «وفي كل الأحوال، يبدو أن أقصى ما تستطيعين فعله هو مشاهدة البث الرقمي الأرضي…» «One-Seg شيء يخص الكلاب، أليس كذلك؟» «يا لك من غبية!» وبعيدًا عن المزاح. مهما بلغت قوتها أو ضعفت، لا أظن أن الأمر سيصل إلى حد عدم قدرتها على استخدام هاتف عمومي. وفي مثل هذه الأوقات تحديدًا، عليّ أن أكون ممتنًا لهذه البلدة الريفية التي ما زالت الهواتف العمومية فيها قائمة. إنها مدينتي التي تتميز بأسطورة حزينة بعض الشيء: كل متجر صغير متناثر فيها يملك موقف سيارات مجهزًا، وحتى صالات الباتشينكو لم تعد مزدهرة وانتهى بها الأمر إلى الإغلاق. على أي حال، افترقت عن هاتشيكوجي. وبما أنني تمكنت حتى من لقاء هاتشيكوجي، فقد بدأت أشعر ببعض التفاؤل، وفكرت أنني لا بد أن أتمكن من العثور على شينوبو أيضًا.

«رخيص جدًا!»
عفة هانيكاوا تسوباسا رخيصة جدًا!
إذا كان السعر فعلًا بهذا القدر، فسأدفع مقدمًا وأبرم عقدًا حصريًا لمدة ستين عامًا!
«نيا ماذا؟ إذًا مقابل قطعة واحدة من النعناع البري… لا، مقابل وجبة واحدة للقطط!»
«لن يفيدك تغيير وحدة القياس مهما فعلتِ! ابتعدي أولًا عن الرقم واحد! أم أنك لا تستطيعين العد إلا إلى واحد؟»
هممم.
شعور غريب.
قبل وقت قريب جدًا، خلال الأسبوع الذهبي تحديدًا، كنت قد قاتلت هذه الخصمة مخاطِرًا بحياتي، وها أنا الآن أتحدث معها بشكل طبيعي هكذا…
هل الغرائب في النهاية مجرد مسألة طريقة التعامل معها؟
التعامل…
هذا هو الأمر، أليس كذلك؟
«تصفني بالغبية، يا لك من إنسان مزعج… حسنًا، يا إنسان، لنتنافس على أيّنا أكثر غباءً!»
«لا أريد منافسة غير منتجة كهذه!»
«مسابقة الشطرنج الياباني!»
«إذا لعب غبيان الشوغي بجدية، فستكون مباراة بائسة إلى درجة لا يمكن النظر إليها!»
الشوغي.
إذا كان المقصود لعبة يعرف قواعدها الجميع لكن إتقانها صعب، فهي على الأرجح في هذا البلد تضاهي البيسبول.
«هممم. إذًا ماذا عن هذا؟ لعبة نستخدم فيها ساعة إيقاف، والفائز هو من يوقفها أولًا عند ثانية واحدة بالضبط!»
«مملة جدًا!»
بل…
لن تقيس الذكاء بهذه الطريقة.
رفعت الدراجة الساقطة… إنها دراجة عادية متينة بطريقة غريبة، فلم يتضرر فيها شيء سوى أن السلة تشوهت قليلًا.
«حسنًا، لندع الدراجة متوقفة في مكان ما هنا، ونبحث سيرًا على الأقدام. ستقل السرعة، لكن من حيث البحث بهدوء، أظن أن ذلك أفضل.»
«نيا.»
«كلما ازداد الظلام، لن يعود شعرها الأشقر عاملًا يسهل العثور عليها بعين الإنسان… لذلك أعتمد عليك.»
«سأكون عند حسن ظنك.»
بدأت أمشي وأنا أدفع الدراجة. تبعتني بلاك هانيكاوا من الخلف… لا، بل تجاوزتني وبدأت تسير أمامي وكأنها تقود الطريق. هذه القطة غبية فعلًا… ربما هي غريزة تجعلها ترغب في تجاوز الأشياء المتحركة عندما تراها.
يقال إن القطط والحكايات المرعبة لا ينفصلان.
ومن هذه الناحية، يمكن القول إن القطة المتحولة هي أكثر أنواع الغرائب وضوحًا──فباستثناء مصاص الدماء، هي بلا شك أشهر غرائب تعاملت معها حتى الآن. صحيح أنني كنت حتى الأسبوع الذهبي أجهل وجود «القطة المؤذية» كاسم خاص لهذا النوع، رغم أنني كنت أعرف القطة المتحولة عمومًا.
هممم، لكن… كيف يبدو الأمر من وجهة نظر موضوعية، وأنا أسير مع بلاك هانيكاوا بملابس النوم؟ طالب ثانوي يمشي بذراع فتاة شابة ذات أذني قطة… كيف سيبدو هذا؟ لا أظن أن أحدًا سيعتقد أن أذني القطة حقيقية، وملابس النوم أفضل بكثير من الملابس الداخلية، لكن ربما يجدر بنا العودة إلى المبنى المهجور وإحضار قبعة وسترة.
لكن، سواء كانت قطة أو أي حيوان آخر، فإن إلباس الحيوان ملابس أمر في غاية الصعوبة… مجرد بقائها مرتدية ملابس النوم حتى الآن معجزة في حد ذاتها…
حسنًا.
لن أقلق من الأمر الآن.
لقد انتشرت أصلًا شائعة عن مشيي متشابك الذراعين مع نجمة الصف الأصغر، كانبارو سوروغا، لذا لن يتغير شيء كثيرًا إن انتشرت شائعة أخرى عن تجولي مع فتاة جميلة بأذني قطة. قد يكون شرح الأمر لسينغوكو إذا صادفتها أصعب قليلًا، لكن إذا حدث ذلك، فليحدث ما يحدث. العثور على شينوبو هو الأولوية المطلقة الآن.
القلق الحقيقي هو على سمعة هانيكاوا، لكن ملابس النوم تكاد تبدو كملابس عادية، وقد خلعت نظارتها، وتسريحة شعرها مختلفة، والأهم أن شعرها تغير من الأسود إلى الأبيض؛ إذا لم يعرف أحد الظروف، فلن يخطر بباله أن هذه هانيكاوا. لا يمكن أن يتغير اللون بهذه الصورة حتى لو صبغته أو سحب لونه. وفوق ذلك، تعبير وجهها مختلف تمامًا… حتى أنا حين رأيت بلاك هانيكاوا لأول مرة في الأسبوع الذهبي لم أعرف من تكون. بالكاد تمكنت من كشف هويتها بسبب شكل خصرها──لا، بالأحرى لأن هانيكاوا كانت من أنقذت حياتي، ولهذا تمكنت بطريقة ما من معرفة حقيقتها.
وفوق ذلك.
هذه أيضًا──هانيكاوا تسوباسا.
هانيكاوا أخرى.
الوجه الآخر لشيء واحد.
«أيها الإنسان.»
قالت بلاك هانيكاوا من الأمام:
«ماذا كان عليّ أن أفعل الآن؟»
«………………»
ذكاء في مستوى قطة…
هل يمكنني حقًا الاعتماد عليها؟
بعد أن واصلنا السير قليلًا، وصلنا إلى متجر كتب──أكبر متجر كتب في المدينة، حيث جئت مع هانيكاوا منذ فترة لشراء كتب المراجعة. كان لا يزال مفتوحًا لأن ساعات العمل لم تنتهِ… شعرت بالحرج من ترك الدراجة هناك من دون شراء شيء، لكن لم يكن لدي خيار. سأتركها هنا.
وانطلقنا من جديد.
لا أثر لرائحة شينوبو.
…بالمناسبة، من السهل تخيل أن حاسة شم القطة أقوى من حاسة شم الإنسان، لكن إذا حولنا الأمر إلى أرقام فعلية، فكم ستكون أقوى؟ ليست بمستوى الكلاب على الأرجح.
«أيها الإنسان.»
«ماذا تريدين أيتها القطة المتحولة؟»
«بعد أن قاتلتني، يبدو أن أمورًا كثيرة حدثت لك──معنا.»
«…هل أخبرك أوشينو؟»
هل كان يتحدث معها أثناء مراقبتها؟
هذا من شيمه، إن فكرت في الأمر.
إنه كثير الكلام.
«أجل. السلطعون، والحلزون، والقرد، والثعبان.»

«رخيص جدًا!» عفة هانيكاوا تسوباسا رخيصة جدًا! إذا كان السعر فعلًا بهذا القدر، فسأدفع مقدمًا وأبرم عقدًا حصريًا لمدة ستين عامًا! «نيا ماذا؟ إذًا مقابل قطعة واحدة من النعناع البري… لا، مقابل وجبة واحدة للقطط!» «لن يفيدك تغيير وحدة القياس مهما فعلتِ! ابتعدي أولًا عن الرقم واحد! أم أنك لا تستطيعين العد إلا إلى واحد؟» هممم. شعور غريب. قبل وقت قريب جدًا، خلال الأسبوع الذهبي تحديدًا، كنت قد قاتلت هذه الخصمة مخاطِرًا بحياتي، وها أنا الآن أتحدث معها بشكل طبيعي هكذا… هل الغرائب في النهاية مجرد مسألة طريقة التعامل معها؟ التعامل… هذا هو الأمر، أليس كذلك؟ «تصفني بالغبية، يا لك من إنسان مزعج… حسنًا، يا إنسان، لنتنافس على أيّنا أكثر غباءً!» «لا أريد منافسة غير منتجة كهذه!» «مسابقة الشطرنج الياباني!» «إذا لعب غبيان الشوغي بجدية، فستكون مباراة بائسة إلى درجة لا يمكن النظر إليها!» الشوغي. إذا كان المقصود لعبة يعرف قواعدها الجميع لكن إتقانها صعب، فهي على الأرجح في هذا البلد تضاهي البيسبول. «هممم. إذًا ماذا عن هذا؟ لعبة نستخدم فيها ساعة إيقاف، والفائز هو من يوقفها أولًا عند ثانية واحدة بالضبط!» «مملة جدًا!» بل… لن تقيس الذكاء بهذه الطريقة. رفعت الدراجة الساقطة… إنها دراجة عادية متينة بطريقة غريبة، فلم يتضرر فيها شيء سوى أن السلة تشوهت قليلًا. «حسنًا، لندع الدراجة متوقفة في مكان ما هنا، ونبحث سيرًا على الأقدام. ستقل السرعة، لكن من حيث البحث بهدوء، أظن أن ذلك أفضل.» «نيا.» «كلما ازداد الظلام، لن يعود شعرها الأشقر عاملًا يسهل العثور عليها بعين الإنسان… لذلك أعتمد عليك.» «سأكون عند حسن ظنك.» بدأت أمشي وأنا أدفع الدراجة. تبعتني بلاك هانيكاوا من الخلف… لا، بل تجاوزتني وبدأت تسير أمامي وكأنها تقود الطريق. هذه القطة غبية فعلًا… ربما هي غريزة تجعلها ترغب في تجاوز الأشياء المتحركة عندما تراها. يقال إن القطط والحكايات المرعبة لا ينفصلان. ومن هذه الناحية، يمكن القول إن القطة المتحولة هي أكثر أنواع الغرائب وضوحًا──فباستثناء مصاص الدماء، هي بلا شك أشهر غرائب تعاملت معها حتى الآن. صحيح أنني كنت حتى الأسبوع الذهبي أجهل وجود «القطة المؤذية» كاسم خاص لهذا النوع، رغم أنني كنت أعرف القطة المتحولة عمومًا. هممم، لكن… كيف يبدو الأمر من وجهة نظر موضوعية، وأنا أسير مع بلاك هانيكاوا بملابس النوم؟ طالب ثانوي يمشي بذراع فتاة شابة ذات أذني قطة… كيف سيبدو هذا؟ لا أظن أن أحدًا سيعتقد أن أذني القطة حقيقية، وملابس النوم أفضل بكثير من الملابس الداخلية، لكن ربما يجدر بنا العودة إلى المبنى المهجور وإحضار قبعة وسترة. لكن، سواء كانت قطة أو أي حيوان آخر، فإن إلباس الحيوان ملابس أمر في غاية الصعوبة… مجرد بقائها مرتدية ملابس النوم حتى الآن معجزة في حد ذاتها… حسنًا. لن أقلق من الأمر الآن. لقد انتشرت أصلًا شائعة عن مشيي متشابك الذراعين مع نجمة الصف الأصغر، كانبارو سوروغا، لذا لن يتغير شيء كثيرًا إن انتشرت شائعة أخرى عن تجولي مع فتاة جميلة بأذني قطة. قد يكون شرح الأمر لسينغوكو إذا صادفتها أصعب قليلًا، لكن إذا حدث ذلك، فليحدث ما يحدث. العثور على شينوبو هو الأولوية المطلقة الآن. القلق الحقيقي هو على سمعة هانيكاوا، لكن ملابس النوم تكاد تبدو كملابس عادية، وقد خلعت نظارتها، وتسريحة شعرها مختلفة، والأهم أن شعرها تغير من الأسود إلى الأبيض؛ إذا لم يعرف أحد الظروف، فلن يخطر بباله أن هذه هانيكاوا. لا يمكن أن يتغير اللون بهذه الصورة حتى لو صبغته أو سحب لونه. وفوق ذلك، تعبير وجهها مختلف تمامًا… حتى أنا حين رأيت بلاك هانيكاوا لأول مرة في الأسبوع الذهبي لم أعرف من تكون. بالكاد تمكنت من كشف هويتها بسبب شكل خصرها──لا، بالأحرى لأن هانيكاوا كانت من أنقذت حياتي، ولهذا تمكنت بطريقة ما من معرفة حقيقتها. وفوق ذلك. هذه أيضًا──هانيكاوا تسوباسا. هانيكاوا أخرى. الوجه الآخر لشيء واحد. «أيها الإنسان.» قالت بلاك هانيكاوا من الأمام: «ماذا كان عليّ أن أفعل الآن؟» «………………» ذكاء في مستوى قطة… هل يمكنني حقًا الاعتماد عليها؟ بعد أن واصلنا السير قليلًا، وصلنا إلى متجر كتب──أكبر متجر كتب في المدينة، حيث جئت مع هانيكاوا منذ فترة لشراء كتب المراجعة. كان لا يزال مفتوحًا لأن ساعات العمل لم تنتهِ… شعرت بالحرج من ترك الدراجة هناك من دون شراء شيء، لكن لم يكن لدي خيار. سأتركها هنا. وانطلقنا من جديد. لا أثر لرائحة شينوبو. …بالمناسبة، من السهل تخيل أن حاسة شم القطة أقوى من حاسة شم الإنسان، لكن إذا حولنا الأمر إلى أرقام فعلية، فكم ستكون أقوى؟ ليست بمستوى الكلاب على الأرجح. «أيها الإنسان.» «ماذا تريدين أيتها القطة المتحولة؟» «بعد أن قاتلتني، يبدو أن أمورًا كثيرة حدثت لك──معنا.» «…هل أخبرك أوشينو؟» هل كان يتحدث معها أثناء مراقبتها؟ هذا من شيمه، إن فكرت في الأمر. إنه كثير الكلام. «أجل. السلطعون، والحلزون، والقرد، والثعبان.»

«إنه النُّوَيْ!» {ملحوظة: النُّوَيْ (鵺) وحش أسطوري في الموروث الياباني، يُوصف بأنه مخلوق هجين يجمع صفات عدة حيوانات مختلفة.}

«حسنًا… أظن أن وقت الاستراحة انتهى.» عدت إلى الضغط على الدواسات. بمجرد أن استرحت قليلًا، تعافت معظم طاقتي──إنه جسد لا يُصدّق فعلًا. بغض النظر عن السماء المرصعة بالنجوم──لقد تأخر الوقت. بعد قليل، سيتعين عليّ أن أعيد سينغوكو، طالبة الإعدادية، إلى منزلها. وعندها ستتقلص القوة البشرية القليلة التي نملكها أكثر. وبسبب طبيعة الظروف، فإن إبلاغ الشرطة عن طفلة مفقودة أمر غير وارد تمامًا… وفوق ذلك، الليل نفسه يمثل مشكلة. مصاصو الدماء، بطبيعة الحال، كائنات ليلية──تتجول في الليل. صحيح أن شينوبو لم تعد مصاصة دماء بالمعنى الكامل، لكن من المؤكد أن القيود المفروضة على نشاطها أقل في الليل──وكلما تعمق الليل، ازدادت قوتها. ويزداد الخطر أيضًا. الآن بعد السابعة مساءً بقليل… الساعتان القادمتان ستكونان حاسمتين. عليّ أن أسرع. حوّلت وضعي إلى القيادة واقفًا، وضغطت على الدواسات بكل قوتي──وفجأة، انخفضت سرعة الدراجة كما لو أنني ضغطت المكابح بعنف، وثقلت الدواسات من الجانبين. في البداية ظننت أنني أتلفت الدراجة من شدة القيادة المتهورة. ربما انقطع السلسال، أو انفجر الإطار… لكن الأمر لم يكن كذلك. لقد قفز شخص إلى المقعد الخلفي. لا، ربما لا يمكن تسميته إنسانًا. إذا أردنا وصفه بشيء──فهي قطة. «…………» «مياااو.» «…………» آه… فهمت. مثل مصاص الدماء، القطة أيضًا… كائن ليلي. شعر أبيض، أذنا قطة، وملابس نوم── امرأة أعرفها جيدًا. خلعت نظارتها──فهي ترى في الظلام جيدًا. وكانت نظرتها سيئة للغاية… بل ليست المشكلة في عينيها، وإنما في تعبير وجهها نفسه الذي بدا شريرًا بدرجة لا تتناسب إطلاقًا مع ملامحها الأصلية. خلعت سترتها──لا بد أنها شعرت بالحر. يبدو أن حكاية «الريح الشمالية والشمس» كانت صحيحة… وها أنا، من دون قصد، أرى هيئة هانيكاوا كاملة في ملابس النوم، لكن بما أنها هانيكاوا في حالتها الحالية، فقد كان الشعور بالفرح منقوصًا إلى النصف. وهكذا. كانت بلاك هانيكاوا هناك. «…لماذا أنتِ هنا؟» «خررر.» «أجيبي.» لا أريد سماع مواء مزيف كهذا. كان يفترض أن بلاك هانيكاوا، التي قُيدت بإحكام في ذلك المبنى المهجور لمدرسة الدروس الخصوصية، تخضع الآن لمراقبة أوشينو المشددة── «لا تتحدث هكذا يا إنسان. خررر.» «لا فائدة من التحدث بصوت قططي.» «همف. لا يهم. لا تحدق بي هكذا يا إنسان. لا أعرف كيف حدث الأمر، لكنني ظللت أعبث وأقاوم، وفجأة قبل قليل انحلت الحبال من تلقاء نفسها.» «قبل قليل…؟» آه──فهمت. كائن ليلي. حتى خلال الأسبوع الذهبي، كان وعي هانيكاوا يعود، ولو قليلًا، في النهار تحديدًا──أما في الليل، فتزداد قوة هذه الغرائب وسيطرتها بشكل هائل. صحيح، في هذه الناحية أيضًا يشبه القرد الذي ظهر في حالة كانبارو. «نياهاهاهاها.» ضحكت بلاك هانيكاوا بمرح. على الأرجح، لم يكن لضحكتها أي معنى. كانت تضحك بلا سبب. ذكاؤها في مستوى قطة أيضًا──كان أوشينو يقول شيئًا عن أن أصلها هو «رئيسة الصف الصغيرة»، لكنني لا أظن أن الأمر كذلك… هانيكاوا تسوباسا في هذه الحالة لا يبدو أن لها أي باطن. لا. بل العكس. هانيكاوا في هذه الحالة هي الباطن أصلًا. وإن كان لها ظاهر، فهو هذا. «لكن ماذا عن مراقبة أوشينو لك…؟» «أنا قطة يا إنسان. التحرك من دون إصدار صوت أمر في غاية السهولة بالنسبة إليّ.» «صحيح… الآن بعد أن فكرت في الأمر.» أوشينو… هذه المرة أنت عديم الفائدة بشكل غريب. هذا ليس من طباعِك. يمكنني تفسير غرابة حالته حين زرته في المبنى المهجور، وتردده المستمر، بأن شينوبو كانت مفقودة، وربما كان يبحث عنها حين كان في الخارج، لكن أن يسمح لبلاك هانيكاوا بالهرب بهذه السهولة… لا يمكن تصوره. لقد حدث ذلك مباشرة بعد أن سمح لشينوبو بالهرب. ليس من النوع الذي يرتكب خطأين غبيين متتاليين. إذًا… هل يمكن أن يكون أوشينو قد أطلق بلاك هانيكاوا عمدًا؟ ربما قيدها مسبقًا بحبال ستنحل عندما يحل الليل، كما يؤكد وصف القطة المؤذية نفسها: «انحلت الحبال من تلقاء نفسها»، ثم تظاهر بعدم رؤية هروبها من المبنى وتركها تهرب… أما تمكن بلاك هانيكاوا من العثور عليّ، فربما كان ببساطة بفضل حاستي الشم والسمع. القطط تصطاد بهما. لكن المشكلة هي: لماذا جاءت بلاك هانيكاوا بعد أن تحررت إلى مكاني──المسألة ليست كيف، بل لماذا. إذا كان أوشينو قد أطلقها عمدًا، فمن الطبيعي أن تكون هذه الحركة أيضًا جزءًا من خطته التي يبدو وكأنه يرى كل شيء مسبقًا، لكن… إذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ وهذا أيضًا──لا أعرف سببه. لكن ذلك الرجل قال إن «الوقت ضيق»، واستخدم حتى ما سماه «طريقة غير شرعية» ليستدعي القطة المؤذية بالقوة──لكي يستجوبها بنفسه. صحيح أنه قال إنه لم يفهم شيئًا، مثلي تمامًا، لكن ذلك ربما كان مجرد غموضه المعتاد، وربما فهم فعلًا من كلمات بلاك هانيكاوا المتناقضة شيئًا يمكن أن يكون، إن لم يكن خيطًا أو موطئ قدم، فعلى الأقل بداية ما… «أيتها القطة…» «نيا؟» «…………» نزلت عن الدراجة، وأسندت المقود بيد واحدة، ثم وقفت أمام بلاك هانيكاوا الجالسة على المقعد الخلفي، لكنني ابتلعت الكلمات التي كنت على وشك قولها. وفقدت القدرة على الكلام. واو… عندما خلعت سترتها، أصبح شكل جسدها واضحًا تمامًا. صحيح أن فتاة ترتدي ملابس نوم ليست سوى فتاة ترتدي ملابس نوم، لكن حتى وأنا أعرف ذلك، كان المنظر مثيرًا إلى أقصى حد. أُلغي كلامي عن أن فرحتي منقوصة إلى النصف. لأن صدرها يهتز بهذا الشكل مع كل حركة بسيطة. «تهفن تهفن»… نعم، بهذا الصوت تحديدًا. لا ينبغي لصوت كهذا أن يصدر من جسم بشري. أشعر أنني أريد أن أتخلى عن حبكة القصة ومسار الأحداث كله، وأقضي الليل ألعب معها نط الحبل. كانبارو مثيرة في كلامها وتصرفاتها، أما هانيكاوا فجسدها مثير… وفوق ذلك، لديها أذنا قطة. مجرد التفكير في شكلها لو كان شعرها أسود يجعلني أشعر بالرعب. من منظور بقاء النوع، فإن الجاذبية الجنسية الخارجية ضرورية للغاية، لكن هل هي ضرورية إلى هذا الحد المفرط فعلًا؟ «ما بك يا إنسان؟» «آ، أجل──أعني…» حسنًا، خلال الأسبوع الذهبي كانت تتجول بملابسها الداخلية، لذا مقارنة بذلك، هذا أفضل قليلًا. ومهما استعادَت من ذكريات، يجب أن تُحذف تلك الذكرى تحديدًا من عقل هانيكاوا إلى الأبد. «…أمم، أيتها القطة، كرري الجملة التي سأقولها الآن: سبع دراجات نارية من طراز نانا-هان تصطف بلا عناء في صف مائل بزاوية سبع وسبعين درجة، وهي تموء بحزن.» «نيااااا… نيا نيا نياااا… نياا… نيا نيااااا… نيا نيا نيااا… نيااااا… نيا نيااا…»

«لا تتفاعلي فقط مع القرد والثعبان… أين ذهبا السلطعون والحلزون؟ ثم لا تقولي كل ما يخطر ببالك مباشرة.»
صورة هانيكاوا في ذهني تسوء أكثر فأكثر.
أتمنى لو أرَ ولو ذرة واحدة من ذكائها.
«وأنا──الشيطان.»
«همف. نيا.»
قالت بلاك هانيكاوا:
«أيها الإنسان──ماذا تظن بنا نحن الذين تسموننا أنتم البشر بالغرائب؟»
«ماذا أظن…؟»
يبدو أن الحديث معها ليلًا، بما أنها كائن ليلي، يجعل التواصل معها أسهل قليلًا… كان الأمر كذلك في المرة السابقة أيضًا، لكن الجوهر لم يتغير.
ماذا تقصد بسؤالها؟
معنى كلامها غامض بطريقة ما.
«إذا كنت تظن أنك اعتدت علينا يا إنسان──فأعتقد أن عليّ أن أذكرك بعضة. الغرائب غرائب، والإنسان إنسان──لا يمكن أن نصبح شيئًا واحدًا. مهما حدث، لا يمكننا أن نتوافق.»
«لا أفهم… ما الذي تحاولين قوله لي؟»
«عدم فهمك لأنك غبي.»
«حين تقولينها أنتِ تحديدًا، فهذا يؤذيني أكثر من أي شخص آخر!»
«هاه. هذه جملة حرفية عن الجروح… نيا؟ هممم، ماذا كان يمكنني أن أقول؟»
«إذا لم يخطر ببالك شيء فلا تتحدثي لمجرد التحدث! لا يوجد في العالم مشهد أكثر إثارة للشفقة من شخص لا يستطيع قول شيء ذكي ويحاول رغم ذلك أن يبدو ذكيًا!»
لا تتقدم المحادثة إطلاقًا.
بل ما الذي كنا نتحدث عنه أصلًا؟
«باختصار، تقولين أنه لا يمكن الاعتياد على الغرائب؟ حسنًا، أنا أشعر بذلك بنفسي… مع كل واحد منها أظل أتصرف بغباء وأرتبك بشكل مخجل… إنه أمر يدعو إلى الشفقة. لا يمكنني أن أكون مثل أوشينو.»
أوشينو مييمي.
الخبير──مرجع عالم اليوكاي والتحولات الغريبة.
حين أفكر في الأمر، الأمر غريب. كيف دخل هذا الطريق أصلًا؟ لا أعرف شيئًا تقريبًا عن ماضيه. أليس قد قيل أنه كان يدرس في جامعة ذات طابع ديني شنتوي…؟ {أي من تقاليد الديانة اليابانية القديمة} لكن حتى ذلك، لا أعرف إلى أي حد يمكنني تصديقه بوصفه سيرة حقيقية. فهو من النوع الذي يكذب أحيانًا بدافع المزاج أو الفكرة التي تخطر له في اللحظة نفسها.
«لا، ليس هذا ما أريد قوله يا إنسان──مثلًا، هل يمكنك أن تتخيل سبب اختفاء مصاصة الدماء تلك؟»
«…أبدًا.»
«أرأيت؟ هذا يعني أنك لا تفهمنا إلا بهذا القدر. …وأظن أن ذلك الانسان يعرف تقريبًا ما يجري. إنه──يعرف حدوده.»
«يعرف حدوده──»
«يعرف قدره.»
«………………»
إذا مددت يدك أكثر مما ينبغي──احترقت.
هل هذا ما تقصده؟
في حالتي، لم أمد يدي فقط، بل مددت رقبتي أيضًا، لذا إن كان الأمر كذلك، فحالتي ميؤوس منها فعلًا. أنا فقط أتخبط وسط الأمواج وأذهب حيث تدفعني، ولا يمكنني أن أقول أنني اعتدت على الأمر.
وفوق ذلك──عندما يتعلق الأمر بشينوبو.
مصاصة الدماء الأسطورية──من سلالة النبلاء.
«هل أخبرك أوشينو عني وعن شينوبو؟ هل تفهم علاقتي بها فعلًا قبل أن تقول هذا الكلام؟»
«لم أسمع كل ذلك──ربما سمعته، لكنني نسيته. على الأقل، لم أفهمه.»
«أنتِ عشوائية جدًا.»
«حتى لو كنت عشوائية، أفهم الأمر عمومًا──أوه، وعندما أقول “عمومًا”، لا أقصد صدر سيدتي!»
«…………»
نكتة لا تمت إلى الذكاء بصلة…
ليست مثيرة حتى، بل مجرد مبتذلة.
«الغرائب تفهم بعضها البعض أكثر من أي أحد آخر──فنحن في النهاية من النوع نفسه.»
«من النوع نفسه…»
أظن أن نوعينا مختلفان جدًا من حيث كوننا غرائب.
نحن من غير البشر، نعم──لا، حتى هذا ليس دقيقًا.
«كغرائب──نحن من النوع نفسه.»
«أنا لا أقول شيئًا معقدًا──فأنا أصلًا لا أستطيع قول الأشياء المعقدة. اسمع يا إنسان──كلمة “غرائب” نفسها تعبّر عن كل شيء.»
قالت بلاك هانيكاوا:
«غرائب──شيء غريب ومختلف، شيء يختلف عن الإنسان──ولهذا، إن اعتاد الإنسان على وجودنا، انتهى الأمر بالنسبة إلينا. عندها لن نعود غريبين ولا مختلفين. يجب أن يؤمن بنا البشر، ويخشوننا، ويخافوننا، وينفرون منا، ويقدسونا، ويحترمونا، ويكرهوننا، وينبذوننا، ويتمنوننا──ولهذا يمكننا أن نوجد.»
«………………»
«أن يعتاد علينا أحد──هذا أمر فظيع.»
إذا عاملتنا كما لو كنا أصدقاء، فذلك مزعج جدًا──
هكذا لخصت بلاك هانيكاوا الأمر.
شعرت وكأنها وضعت مسمارًا في طريقي. لكن حين أفكر في كلامها، فهو صحيح… ربما لأنني تحولت أنا نفسي إلى غرائب بدرجة تتجاوز النصف، أصبحت الحدود غامضة لديّ. صحيح أن الوعي المفرط بهذه الحدود مشكلة──لكن عدم الوعي بها إطلاقًا مشكلة أيضًا.
شينوبو.
هل عاملتها──في مرحلة ما──كأنها مجرد طفلة؟
أنا…
«مهلًا، لكن انتظري لحظة… هل تقصدين أن هذا هو السبب؟»
«نيا؟»
«لأنني بدأت أتعامل مع شينوبو بهذه الطريقة──اختفى وجود شينوبو بوصفها غرائب؟»
مصاصة دماء.
لكن──شبه مصاصى دماء.
كان السؤال متعلقًا بالهوية.
ومن المفارقات أن أوشينو قال إنها «رحلة للبحث عن الذات».
هل أصبحت شينوبو الآن──غير قادرة على إدراك ذاتها؟
لا تستطيع أن تعرف نفسها بنفسها.
«ربما. وربما لا. لا أعرف إلى هذا العمق──نحن متشابهون، لكننا أيضًا شيئان مختلفان. لكن يا إنسان، هناك شيء واحد عليك أن تتذكره… ماذا كان؟»
«أنتِ التي نسيتِ!»
«آه، صحيح، تذكرت. أيها الإنسان. نحن موجودون هناك بشكل طبيعي، لكن──في اللحظة التي يُنظر فيها إلى وجودنا على أنه أمر طبيعي، نتحول إلى مجرد واقع.»
شيطان──مجرد اضطراب في الدم.
القطة──مجرد تعدد شخصيات.
السلطعون──مجرد مرض.
الحلزون──مجرد طفلة تائهة.
القرد──مجرد اعتداء عشوائي.
الثعبان──مجرد ألم.
الغرائب──تصبح مجرد واقع.
«في النهاية، هل هذا يعني أنه لا مكان للغرائب في عالم العلم الشامل، كما تقول تلك العبارة المملة؟»
«لا. كل ما في الأمر أننا لا نستطيع البقاء في أشكالنا السابقة──لكننا موجودون دائمًا وفي كل مكان. ما دام البشر موجودين.»
«إذًا هكذا──سارت مع البشر.»
«هذا هو الأمر.»
هكذا إذًا.
القطة المؤذية──الغرائب.
«لكن مع ذلك… لا أشم شيئًا إطلاقًا.»
«همم؟ آه، رائحة شينوبو… لا أثر لها أيضًا؟»
«إنها رائحة مميزة، لذا لو كانت موجودة فسأعرف فورًا… أيها الإنسان، هل خرجت مصاصة الدماء تلك فعلًا؟»
«أجل… أنا متأكد من ذلك. على الأقل، رآها شخص ما مرة واحدة.»
«حسنًا. هل يمكن أن تكون قد تظاهرت بالخروج ثم اختبأت داخل ذلك المبنى المهجور…؟»
«لقد فكرتِ في الأمر فعلًا هذه المرة… لم تخطر لي هذه الفكرة.»
«ماذا لو خرجت مرة ثم عادت إلى المبنى؟ المكان مليء برائحة مصاصة الدماء تلك، لذا يمكنها الاختباء بينها.»
«لو كان الأمر كذلك، للاحظ أوشينو الأمر بالتأكيد…»
الاختباء بينها…
…همم، أشعر أنني كنت على وشك أن أفكر في شيء الآن… ماذا كان؟ لا أعرف… مهلاً، لا يمكنني السخرية من هذه القطة الآن. لقد تحولت فعلًا إلى منافسة حول أيّنا أكثر غباء.
هل ذكائي في مستوى قطة؟
أممم…
«آه، صحيح──إذًا، لنذهب أولًا إلى المكان الذي شوهدت فيه شينوبو. سيخرج ذلك عن مسارنا قليلًا، لكن لنذهب إلى مستر دونات… ومن هناك، يمكنك تتبع رائحة شينوبو.»
«هممم. الأمر ليس تمامًا كما لو أنني أتتبع الرائحة──لأنني في الحقيقة لا أحدد الأمر بدقة وفقًا لقوة الرائحة وضعفها.»
«حقًا؟»
«في الواقع، بعد أن خرجت من ذلك المبنى، حاولت في البداية أن ألاحق مصاصة الدماء تلك وحدي──لذلك أظن أنني ذهبت أيضًا قرب متجر مستر دونات ذاك.»
«لماذا لم تخبريني بهذا الأمر المهم منذ البداية؟»
علينا تغيير المسار إذًا. إذا كنا سنبحث باستخدام الرائحة، فلا معنى لتفتيش الأماكن التي فتشناها من قبل.
«آسفة، نسيت.»
«………………»
شعرت برغبة حقيقية في تكرار المسار نفسه مرارًا وتكرارًا بإصرار.
«لكن… الرائحة انقطعت فجأة في منتصف الطريق.»
«انقطعت──»
«يعني أنني لم أعد أستطيع تتبعها… لذلك لدي سؤال يا إنسان. إلى أي مدى تستطيع مصاصة الدماء تلك استخدام قدراتها كمصاصة دماء الآن؟ إذا كانت تستطيع الاختفاء والظهور، أو التحول إلى ظل أو ظلام──فبصراحة، لن أستطيع العثور عليها.»
«إذا كان الحديث عن قدراتها كمصاصة دماء، فاعتبري أنها لا تستطيع استخدام معظمها تقريبًا. قدراتها الحالية مقيدة في معظمها──وحتى لو استطاعت استخدامها، فذلك لا يحدث إلا حين أكون بالقرب منها. لقد أعطيتها دمًا في بداية هذا الأسبوع، لذا لا بد أنها تستطيع القيام ببعض النشاط، لكن إن لم أكن بجانبها فهي مجرد──»
مجرد طفلة.
ليست غرائب.
واقع──
لكن هل كانت هذه النظرة──خاطئة؟
«هممم. إذًا…»
بدأت بلاك هانيكاوا تتمتم.
يبدو أنها تستخدم دماغها بلا داعٍ.
«لكن إذا فكرنا في الأمر هكذا، فهذا ليس…»
«ماذا؟ لا تفكري وحدك. لدينا مثل في عالم البشر يقول: “ثلاثة أشخاص معًا يملكون حكمة مونجو”، أليس كذلك؟»
«ومن هو مونجو؟»
«………………»
من هو؟
لقد كنت أستخدم العبارة من دون أن أعرف.
«ثم إننا لسنا ثلاثة.»
«حسنًا، صحيح.»
«إننا شخص وقطة──نيا.»
قالت بلاك هانيكاوا ذلك.
شخص وقطة، لا شخصان──
وليس السبب أنها لا تستطيع العد إلا إلى واحد.
«على أي حال──يا إنسان. كلما فكرنا في الأمر، بدأت أظن أن العثور على مصاصة الدماء تلك لن يكون سهلًا.»
«احتمال أنها خرجت من المدينة؟ لكن ذلك يعني الجانب المعاكس لما قلته قبل قليل، فهي الآن لا تستطيع الابتعاد عني إلى ذلك الحد──»
في الواقع، ليس الأمر أنها لا تستطيع ذلك تمامًا.
لكن إذا فعلت، فقد تصبح غير قادرة على الوجود.
«معنى امتصاص مصاص الدماء للدم──نيا.»
«ماذا؟»
«مصاص الدماء يمتص دم الإنسان──لكن المعنى يختلف حين يمتصه بوصفه غذاءً، وحين يمتصه من أجل صنع رفيق له.»
«…………»
كنت أعرف ذلك.
سمعته خلال عطلة الربيع──لكن كيف تعرف هذه القطة ذلك؟ رغم أن ذكاءها في مستوى قطة… آه، فهمت. الذكاء والمعرفة شيئان مختلفان. هانيكاوا وبلاك هانيكاوا قد تختلفان في مستوى الذكاء، لكن معرفتهما مشتركة إلى حد ما.
«وربما لهذا السبب تحديدًا يمكن القول أنها هربت.»
«هاه؟ ماذا تقصدين؟»
«…أنت بليد يا إنسان.»
قالت بلاك هانيكاوا بنبرة مستاءة.
«بليد؟ ما معنى ذلك؟»
«أقول أنك سيئ الفهم.»
«حسنًا، صحيح أنني لست سريع الفهم تمامًا…»
«أقول إن إطار نافذتك سيئ التركيب.»
«أنا لست إطار نافذة!»
«أقول أن مصاصة الدماء تلك، منذ أن تعرفت إليها في عطلة الربيع، وهي تراك تتعامل معنا واحدًا تلو الآخر بلا توقف، ربما لم تكن تشعر بالارتياح تجاه الأمر.»
«تقصدين أن خصوصيتها تضاءلت لأنها أصبحت واحدة ضمن سلسلة من الغرائب المختلفة، بما فيها أنت؟ ولهذا لم تعد قادرة على البقاء هناك──»
«بليد، نيا.»
كررت بلاك هانيكاوا.
بليد…
كلمة لا أحب سماعها.
«يقال إن الحيوانات حين تدرك أن أجلها قد حان تختفي عن أنظار البشر──فهل ينطبق الأمر نفسه على مصاص الدماء؟»
«لا تقولي شيئًا مشؤومًا كهذا.»
«أن تقول لي غرائب شيئًا مشؤومًا… هذا مضحك قليلًا. لكن يا إنسان، ماذا ستفعل إذا لم نعثر على مصاصة الدماء تلك؟»
«ماذا سأفعل…؟ سأكون في ورطة، بالطبع. هانيكاوا لن تعود إلى طبيعتها──»
«لكن المشكلة هي ذلك فقط، أليس كذلك؟ باستثناء سيدتي──ألا تظن أن اختفاء مصاصة الدماء تلك سيكون أفضل لك؟»
«…………؟»
ما الذي تقوله؟
لم أفهم قصدها تمامًا.
«وجود رائحة مصاص الدماء فيك بشكل جزئي هو بسبب وجودها، أليس كذلك؟ إطعامها الدم وما إلى ذلك… كنت تقول ذلك. إذًا، إذا اختفى وجود مصاصة الدماء هنا، فستعود أنت إلى مجرد إنسان.»
مصاص دماء──إلى مجرد إنسان.
يمكنني العودة.
إذا تخليت عن شينوبو.
«هذا… مستحيل. لا يمكنني التخلي عنها. أنا──»
إذا كانت هانيكاوا من أنقذت حياتي.
فشينوبو هي ضحيتي.
«لقد فعلت بها ما يكفي حتى لا يحق لي الاعتراض لو قتلتني. لقد فعلت بها ما يكفي.»
«تقول ذلك، لكن ربما كل ما في الأمر أنك لا تريد التخلي عن جسدك الخالد؟»
«هذا ليس صحيحًا.»
قلت:
«إذا كانت ستموت غدًا، فلتكن حياتي حتى الغد فقط.»
«…همف. فهمت.»
«هذا تعاطف.»
قالت بلاك هانيكاوا.
وإذا قالت ذلك بهذه الطريقة، فهي محقة──إنها مشاعر أحادية الجانب مني. ومن منظور شينوبو، ليس مستبعدًا أن تكون تلك المشاعر مزعجة أو ثقيلة عليها.
وربما──لهذا السبب تحديدًا.
هربت شينوبو.
«وفوق ذلك، يا قطة، افتراضك هذا لا يستقيم من الأساس. استثناء سيدتك من المعادلة مستحيل. آسف، لكن عليك أن تظلي مختبئة في الداخل──لا أريد تكرار ما حدث في الأسبوع الذهبي.»
«حسنًا. لكن يا إنسان──هذا ليس افتراضًا مستحيلًا على الإطلاق. هناك طريقة لإبقائي في الداخل من دون الاعتماد على مصاصة الدماء.»
«…؟ هناك؟»
طريقة كهذه…؟
إذا كان بالإمكان فعل ذلك خلال فترة قصيرة──فهذا ما أريده.
الحد الأقصى عشرة أيام──أي إذا تمكنا، في أسوأ الأحوال، من حل الأمر خلال تسعة أيام كما حدث سابقًا، فسيكون ذلك كافيًا.
«لقد حدث الأمر نفسه خلال الأسبوع الذهبي، أليس كذلك؟ أنا تجسيد لضغط سيدتي──أي إذا تم التخلص من أصل الضغط، فسأختفي أنا أيضًا.»
«هممم…»
في المرة السابقة، حين دفعت القطة المؤذية والدي هانيكاوا إلى دخول المستشفى بامتصاص الطاقة، عاد وعي هانيكاوا لفترة قصيرة──وربما كان ذلك لأن ضغطها خفّ قليلًا نتيجة لذلك. لكن في النهاية، لم يكن ذلك كافيًا لتفريغ الضغط المتراكم كله، فعادت بلاك هانيكاوا سريعًا…
أصل الضغط──إذًا.
«يبدو أن أوشينو فكر في الأمر أيضًا… لكن لا وقت لدينا للعثور على أصل ذلك الضغط. ويبدو أن الأمر هذه المرة ليس متعلقًا بعائلتها──»
«لماذا نحتاج إلى العثور عليه؟ أنا أعرفه.»
«…آه، صحيح.»
نسيت.
إذا كانت هذه القطة تجسيدًا لضغط هانيكاوا، فهذا يعني أنها تعرف حقيقة الضغط، بل ومسببه، أفضل من أي شخص آخر، بل أفضل من هانيكاوا نفسها. ولهذا هاجمت والدي هانيكاوا أولًا──
«لكن، يا قطة، ما زالت هناك مشكلة. حتى لو عرفنا مسبب الضغط، فلا وسيلة لدينا لتخفيفه. بعد ذلك تصبح المسألة مشكلة هانيكاوا نفسها──»
لا يمكن لشخص آخر أن يحل مشكلة شخص آخر.
حتى مسألة والدي هانيكاوا──لا أستطيع فعل شيء حيالها.
وبقية المشاكل كذلك.
«مهما كان مسبب الضغط… حسنًا، لا أخفي أنني فضولي لمعرفة ما هو. بالنظر إلى التوقيت، ربما يتعلق الأمر بمسألة المسار الدراسي؟ أتذكر أنها أصيبت بصداع في المكتبة أيضًا حين كنا نتحدث عن المسار الدراسي──كانت تبدو وكأنها لا تتردد، لكن ربما في داخلها…»
«ليس المسار الدراسي.»
«حقًا؟»
«وفوق ذلك──أظن أنك قادر على حل هذه المشكلة، وهذا الضغط، بسهولة.»
«بسهولة؟»
«بسهولة.»
«هل يمكن لهانيكاوا أن تعاني بسبب شيء بسيط؟ لا، ربما لأنها مسألة بسيطة تحديدًا… همم؟ لكن ماذا تقصدين بقولك “أنت تحديدًا”؟»
إذا كنت أستطيع فعلها──فأي شخص يستطيع.
لكن هل يمكن أن تكون هانيكاوا قلقة بسبب شيء يستطيع أي شخص حله؟ ما أستطيع فعله، لا يمكن أن تكون هانيكاوا نفسها عاجزة عنه──
نظرت فجأة إلى الساعة في معصم يدي اليمنى.
مر وقت إضافي.
من المؤكد أن سينجوغاهارا عادت من المدرسة الآن──لكنها قالت أنها ستأخذ العمل إلى المنزل، لذا ربما يكون الجزء الأصعب قد بدأ للتو. وإذا فكرت في الأمر، فإن الشخص الوحيد في صفنا القادر على تولي أعمال هانيكاوا من حيث الكفاءة هو سينجوغاهارا… يبدو أن اختيار هانيكاوا لم يكن خاطئًا حتى وهي تضع أذني قطة على رأسها.
اختيار الأشخاص…
لكن إذا كان الأمر كذلك، فإن اختياري نائبًا لرئيس الصف كان خطأً بالفعل… بسببي تضاعف حجم عمل هانيكاوا تقريبًا. حسنًا، ربما تستطيع إنجاز عشرة أضعاف هذا العمل بسهولة…
«لا يا إنسان. سيدتي…»
قالت بلاك هانيكاوا مترددة قليلًا:
«تحبك.»
«…ماذا؟»
«لذلك، إذا ارتبطت بسيدتي، فأظن أنني سأتمكن من الاختفاء──نيا؟ ما بك؟»
«………لا.»
توقفت عن المشي.
بل──توقف تفكيري.
ما هذا بحق الجحيم؟
«ما هذه النكتة؟ حتى أنا لا أستطيع الرد على كل مزحة غبية… ثم حتى لو كانت مزحة، فهي سيئة أكثر من اللازم. هناك أكاذيب يجوز قولها وأكاذيب لا يجوز قولها──»
«أنت غبي يا إنسان. هل تظن أن لديّ عقلًا قادرًا على الكذب؟»
«………………»
ليس لديها.
الجملة المعتادة: «لو كنت سأكذب لاخترت كذبة أفضل» ليست جملة أحبها كثيرًا، لأن هناك أكاذيب تُقال مع افتراض أن الطرف الآخر سيعتقد ذلك تحديدًا، لكن في هذه الحالة، القطة المؤذية لا تمتلك أصلًا القدرة على الكذب. كانت هانيكاوا تقول أنها لم تكذب قط──لكن هذا معنى معاكس تمامًا.
القطة المؤذية لا تستطيع الكذب.
إذا كان الأمر كذلك.
«لـ… لكن يا قطة، إذا لم تكن هذه كذبة، فأنتِ مخطئة. لا يمكن أن يكون الأمر هكذا.»
«ولماذا تظن ذلك؟ كيف يمكنني أن أخطئ في فهم سيدتي؟ إنها سيدتي، لا أحد سواها.»
«هانيكاوا…»
طيبة مع الجميع بلا تمييز.
وكلما كان الشخص أسوأ، زاد تعاطفها معه.
ولهذا──مع شخص مثلي.
وفوق ذلك──عطلة الربيع أيضًا.
«كل ما تستطيعين فهمه هو الأمور المتعلقة بالضغط، أليس كذلك؟ أعلم أن المعرفة مشتركة بينكما، لكن لا بد أن هناك معرفة يمكن استحضارها وأخرى لا يمكن استحضارها. مستحيل أن تكون هانيكاوا──»
لا.
لكن، ألم تكن سينجوغاهارا قد لمّحت لي ذات مرة بطريقة ما──وفي ذلك الوقت كانت أشبه بتجسيد لغريزة الدفاع عن النفس والوعي بالخطر، وإذا كانت قد لمحت بهذا الشكل، فلا بد أن لديها أساسًا لذلك؟
«لهذا السبب بالضبط.»
قالت بلاك هانيكاوا بنبرة كأنها تشرح لطفل سيئ الفهم طريقة استخدام آلة حاسبة:
«هذا هو الضغط بعينه──سيدتي تحبك، وأنت تواعد شخصًا آخر، أليس كذلك؟ وفوق ذلك، أنت تُريها ذلك بوضوح──»
«………………»
منذ نحو شهر──الصداع.
هكذا قالت.
وقبل شهر من الآن كان──صحيح، عيد الأم.
اليوم الذي بدأت فيه علاقتي بسينجوغاهارا──وفي ذلك اليوم نفسه، عرفت هانيكاوا الحقيقة──
لا شيء يفوت رئيسة الصف.
إنها تعرف كل شيء.
«لكن هانيكاوا لم تُظهر شيئًا من هذا──بل على العكس، كانت تبدو وكأنها تشجعني أنا وسينجوغاهارا، بل وكانت تستمع إلى مشاكلي──»
«ولهذا بالضبط تراكم الضغط أكثر فأكثر. يا رجل، هل تظن أن شخصية سيدتي تسمح لها باختطاف حبيب شخص آخر؟ إنها صريحة وعادلة، نقية ونزيهة، وتضع الانسجام فوق كل شيء──وتعتبر من الطبيعي أن تضحي بنفسها من أجل الآخرين. ومن المستحيل أن تُظهر ذلك ولو بطرف عين.»
الحب شيء يُنتزع بلا رحمة──
لكن.
هناك من لا يستطيع فعل ذلك.
إذًا، هل كنت أطلب المشورة من شخص كهذا وأجعله يشجعني؟
كان الأمر كذلك مع كانبارو، وصحيح، حتى في المكتبة، لم يكن الحديث عن المسار الدراسي، بل عن سينجوغاهارا──كنت أخبرها أنني أفكر في اختيار الجامعة من أجل سينجوغاهارا──
والصداع لا يتوقف──
بل يزداد سوءًا.
«………………»
أشعر──بالغثيان.
ماذا فعلت أنا…؟
لكن يستحيل أن أكون قد أدركت ذلك… هانيكاوا؟ تلك الفتاة، إذا أخفت مشاعرها حقًا، فلن تتمكن حتى سينجوغاهارا من معرفة ذلك.
لكن.
بليد──إذًا.
فهل كان موضوع المسار الدراسي أيضًا… صحيح أن تأثير أوشينو كان موجودًا بالتأكيد، لكن يمكن أيضًا اعتباره رحلة هانيكاوا تسوباسا الطويلة في أعقاب حب فاشل──لقد أصابها الصداع مباشرة بعد حديثنا عن المسار الدراسي.
وفوق ذلك.
في ذلك الوقت، أغلقت عينيها، ووضعت شفتيها على──
«منذ متى──؟»
«منذ عطلة الربيع. كان ذلك قبل ظهوري، لذا لا أفهم تمامًا التفاصيل الدقيقة لمشاعرها، لكن بالنسبة لسيدتي التي عاشت دائمًا في ظروف خانقة، فإن قصة إنسان ومصاصة دماء بدت بالتأكيد عبثية تمامًا، لكنها في الوقت نفسه بدت وكأنها تملك القوة اللازمة لكسر الوضع الذي كانت تعيش فيه.»
«كسر الوضع──»
ذلك الشيء.
كنت في ذلك الوقت على آخري…
«لكنني لا أظن أنه لم تكن هناك أي علامات على الإطلاق. كانت سيدتي شبه مثالية في تلك الأمور، لكن ربما تراخت قليلًا لأن الموضوع كان متعلقًا بالحب. ألم ترَ أن الأمر غريب؟ هل كانت رئيسة صف شديدة الجدية ستختار شخصًا مثلك نائبًا لها؟ لو فكرنا بالأمر طبيعيًا، فهذا خطأ في اختيار الشخص.»
«آه… لا.»
كان اختيارًا خاطئًا.
لكن كانت هناك أسباب.
«محاولة إصلاحك لأنها ظنت أنك مشاغب تبدو سببًا، لكنها ليست سببًا مقنعًا جدًا، أليس كذلك؟»
«ذلك──»
في ذلك الوقت──في بداية أبريل، أصرت هانيكاوا على ترشيحي، متجاوزةً بعض الاعتراضات التي كانت موجودة، ثم عينتني نائبًا لرئيس الصف──ومن المؤكد أن ذلك الاختيار أثار قدرًا من اعتراضات الصف. لم أكن أراه كذلك لأنني كنت المعني بالأمر، وصدقت كلام هانيكاوا عن أن «الإنسان ينمو حين يوضع في موقع يتحمل فيه المسؤولية»، لكن ألم تكن هانيكاوا تكره قبل أي شيء استخدام السلطة لفرض الأمور بالقوة؟
«إذًا، لماذا؟»
«لأنها أرادت أن تقضي أكبر قدر ممكن من الوقت معك. رئيس الصف ونائبه في النصف الأول من السنة الثالثة يعنيان أنهما سيحضّران معًا آخر مهرجان ثقافي في الحياة المدرسية… حسنًا، واستمرت تلك المحاولات حتى قبل شهر فقط. الحب الذي كانت سيدتي تبنيه شيئًا فشيئًا، شيئًا فشيئًا──انتهى هناك. نياهاها، لا، ربما ينبغي أن أقول إن ذلك كان مجرد بداية البداية؟»
«………………»
في ذلك الوقت، كانت هانيكاوا──سعيدة من أجلي.
هكذا كنت أظن.
لكن──هل كان ذلك أيضًا كذبًا؟
لم تكذب قط──لا.
إذًا، كل ما تقوله كذب، يا هانيكاوا تسوباسا──!
«بصراحة، أظن أن سيدتي كانت غافلة قليلًا أيضًا. لم تتوقع ظهور منافسة على الإطلاق. لو كانت تعرف، كما حدث خلال الأسبوع الذهبي، أنك لطيف مع الجميع──ولو فكرت في احتمال أن يظهر أشخاص آخرون تنقذهم كما أنقذتها هي──فهي ذكية بما يكفي لتتصرف في وقت أبكر. أما الفتاة التي تواعدها الآن، فقد كانت سريعة كالبرق، أليس كذلك؟»
«صحيح…»
سينجوغاهارا──لم تتردد.
ما إن اتخذت قرارها حتى هاجمت دفعة واحدة.
وبمهارة تجعل الشخص العادي يتراجع.
«فتاة نشأت في أسرة باردة. الكائن غير المألوف الذي التقت به لقاءً صادمًا في عطلة الربيع كان زميلًا لها في الصف. شعرت بشيء قدري. مشاعر حب تتزايد في الخفاء. ثم أنقذ حياتها──فتحول الحب إلى يقين. نياهاهاها، هكذا مثلًا. لو كانت هذه مانغا رومانسية للفتيات، لكانت سيدتي هي البطلة بلا شك──لكنها خسرت بطريقة مذهلة، أو بطريقة مثيرة للشفقة، كما لو أن غرابًا خطف قطعة التوفو المقلية من بين يديها.»
«لا أحد يتفوق على سينجوغاهارا في الهجوم المباغت──لذلك تأخرها في البداية لم يكن عائقًا بالنسبة إليها.»
وربما──
كانت سينجوغاهارا قد أدركت وجود مشاعر هانيكاوا إلى درجة جعلتها تلمح لي بالأمر، ولهذا تقدمت في عيد الأم بتلك السرعة التي بدت متعجلة إلى حد ما. إذا فكرت في الأمر بهذه الطريقة، فقد يفسر ذلك المسافة الغريبة التي تضعها سينجوغاهارا بينها وبين هانيكاوا──لكن.
هذا ليس خطأ سينجوغاهارا.
في الأصل، لم تكن المسألة منافسة.
«على أي حال، مهما كان الأمر، فقد فات الأوان. سيدتي ليست من النوع الذي يستطيع سرقة شخص من شخص آخر، لذا تحولت قصة حب كان يفترض أن تكون نقية، مثل قصص المانغا، إلى مجرد حب من طرف واحد. وفي النهاية صار حبًا من طرف واحد، وإعجابًا من طرف واحد… وانتهى بها الأمر بالشعور بالذنب تجاه نفسها.»
«لأنها──جادة.»
ليست من النوع الذي يستطيع أن يمارس بسهولة ذلك النوع من قصص «الحب والعشق» كما فعلت في قضية سينغوكو. لكنها في الوقت نفسه ليست شخصًا يستطيع أن يجد حلًا مريحًا داخل نفسه. وليست من النوع الذي يستطيع أن يساوم نفسه أو يقدم تنازلات لنفسه.
«لا بد أنها ندمت أيضًا──فكرت ربما لو اعترفت بحبها في وقت أبكر. لكن صحيح أن الأمر ليس مسألة من يصل أولًا، والتفكير بهذه الطريقة في حد ذاته دناءة وسخف وابتذال──»
لكن.
لم تُظهر شيئًا من ذلك.
بل شجعتني──واستمعت إلى مشاكلي.
فهمت الآن.
حتى حين كانت تشجعني، وحتى حين كانت تستمع إلى مشاكلي، كانت تتحدث عن نفسها طوال الوقت──
من الطبيعي أن تكون لها آراء راسخة بشأن دقائق العلاقات بين الرجال والنساء.
فإذا كانت هي نفسها فتاة واقعة في الحب──فلا أحد يستطيع فهم مشاعر سينجوغاهارا أكثر منها.
«ولهذا تحديدًا أصبحت أنت أيضًا محفزًا لضغط سيدتي خلال الأسبوع الذهبي. ربما لم تكن تريدك أن تعرف تحديدًا──نيا.»
«إذًا──»
بدلًا من أن أكون موجودًا حين تكون الحاجة إليّ أكبر──
كنت في ذلك الوقت الشخص الذي لا تحتاج إليه أكثر من أي شيء، الشخص المزعج.
«أنت الغافل لم تلاحظ مشاعر سيدتي ولا صراعها، واستمر ضغطها في التراكم──وبالنسبة إليّ، أرى أنها صمدت شهرًا كاملًا بشكل جيد جدًا.»
«لا، انتظري يا قطة. هذا غريب──إذا كنت أنا سبب الضغط كما تقولين──»
ليس مجرد محفز كما حدث في الأسبوع الذهبي──بل رصاصة تمزق أحشاء هانيكاوا نفسها.
«فهذا وحده لا يكفي لظهورك، أليس كذلك؟ أنا مجرد جزء من الأمر، ولا بد أن هناك مسببات ضغط أخرى مهمة──»
«لا. أنت وحدك.»
أكدت بلاك هانيكاوا ذلك بحسم.
«على الأقل، مسألة العائلة──خلال الأسبوع الذهبي، حُسمت إلى حد ما داخل سيدتي. قد يكون هذا شيئًا لا تعرفه.»
«لكن هذا غير منطقي. أليس وجودك تجسيدًا للضغط الذي تراكم لدى هانيكاوا طوال حياتها بسبب عائلتها؟ وأنتِ──بسبب حب استمر بضعة أشهر فقط؟»
«فقط؟»
أضاءت عينا القطة──بشكل غامض.
من دون أن تحاول حتى إخفاء انزعاجها.
«ما الذي يمنع معاناة عائلية تراكمت لأكثر من عشر سنوات من أن تكون أقل من ألم حب تراكم خلال بضعة أشهر؟»
«لم تكن حياتي حتى الآن سعيدة جدًا… لكن حين أفكر في أنني تمكنت من التعرف إلى أراراغي-كن بسبب ذلك تحديدًا، أشعر أنني مستعدة لشطب كل ذلك من الحساب.»
«إذا كان كوني تعيسة هو ما جعلني قادرة على جذب اهتمام أراراغي-كن──فأنا أظن أن الأمر كان يستحق.»
كانت تلك كلمات سينجوغاهارا.
لكن──ومع ذلك.
هل يمكن أن يكون الأمر هكذا فعلًا…؟
«تبدو كأنك لا تفهم شيئًا يا إنسان. …ربما لم تقع في حب شخص بجدية من قبل؟»
«ماذا…!»
«حتى علاقتك بالفتاة التي تواعدها الآن، أليست مجرد أنها دفعتك إلى ذلك؟ إذا كان الأمر كذلك، فانفصل عنها بسرعة وواعد سيدتي. عندها سأختفي. في النهاية، لا يهمك من تكون شريكتك، أليس كذلك؟»
«…………»
ربما كان ينبغي أن أغضب في هذه اللحظة──فقد استفزتني بهذه الصراحة، وربما لم يكن ينبغي أن أصمت. في الواقع، لو لم تكن التي أمامي تحمل شكل هانيكاوا──لفعلت ذلك.
لكن──لأن هانيكاوا هي من قالتها.
شعرت أنني لا أملك حق الغضب.
«…لكن لا أستطيع فعل ذلك يا قطة.»
«هاه؟ لماذا؟ أنت تعتبر سيدتي من أنقذت حياتك، أليس كذلك──إذًا أليس هذا هو الوقت الذي ينبغي أن ترد فيه جميلها؟ في النهاية، هل تفضل حبك الشخصي على الجميل؟»
«لو فعلت ذلك──فسأستغل هانيكاوا بسبب الجميل الذي قدمته لي. لا أستطيع أن أسمح لهانيكاوا بأن تفعل شيئًا كهذا. …لا، هذا غير صحيح. هذه مجرد حجة مريحة. ببساطة، لا أستطيع أن أكذب بشأن مشاعري تجاه سينجوغاهارا. حتى لو كذبت، فهانيكاوا ستعرف الحقيقة على أي حال، أليس كذلك؟»
أنا سيئ في الكذب، وسيئ في إخفاء الأشياء.
سطحي وضعيف.
لا أستطيع خداع هانيكاوا حتى لو أردت──وبالطبع، أنا لا أريد ذلك، لكن توجد في داخلي أيضًا رغبة في أن أستطيع فعل ذلك لو أمكن، ومع ذلك لا أستطيع.
«ليس الأمر أن عليّ أن أتحمل وحدي. هذا شيء لا يمكن تغييره──أليس كذلك؟ حتى هانيكاوا لا يمكن أن تكون سعيدة وهي تواعد شخصًا مثلي──»
«حقًا؟ الآن، بمجرد أن أخبرتك بمشاعر سيدتي، أصبح وجودي أضعف قليلًا──لقد خف الضغط بالتأكيد. سيدتي ليست مكونة من أجزاء نقية تمامًا في أعماقها، كما تعلم. كما أنني موجود في جانبها الآخر. ربما تستطيع الاستمرار ببساطة، والاستمتاع بالأمر دون أن تهتم كثيرًا؟ قد يكون الأمر مؤلمًا في البداية، لكن ربما ستعتاد عليه.»
«حين تعتادين عليه؟ أنتِ التي تقولين ذلك؟ لو كانت المشكلة بهذه البساطة، لما عانت هانيكاوا إلى حد إخراجك أصلًا، أليس كذلك؟ إنها ليست من النوع الذي يستطيع تقديم نفسه على الآخرين. ليست من النوع الذي يستطيع وضع نفسه فوق الآخرين. ولهذا هانيكاوا──أشعر بالامتنان لها. لو كان ذلك قبل عيد الأم، فربما كنت سأستجيب. صحيح أنني كنت أحب هانيكاوا كصديقة. لكن الآن، لم يعد ذلك ممكنًا. مشاعري تجاه سينجوغاهارا استقرت تمامًا. سألتِني إن كنت أفضل الحب على الجميل──لكن لا يمكنني تفضيل أحدهما على الآخر. إنه تعارض مزدوج. ولهذا لا أستطيع اختيار هانيكاوا.»
«في الوضع الطبيعي، أليس من المفترض أن تختار هانيكاوا-سان؟» قالت هاتشيكوجي. «كنت أفكر فجأة في سبب مواعدة أراراغي-سان لسِنجوغاهارا-سان بدلًا من هانيكاوا-سان، ولم أفهم السبب.»
لماذا.
حتى لو سألني أحد ذلك.
«أنا أحب سينجوغاهارا──بما في ذلك شخصيتها.»
قلت الجملة حتى نهايتها بوضوح.
نعم.
أحب كل شيء فيها.
لا يوجد شيء لا أحبه.
«إنها أول مرة في حياتي أحب فيها شخصًا بجدية.»
«همم. فهمت، نيا.»
تراجعت بلاك هانيكاوا ببساطة.
كما لو أنها كانت تعرف إجابتي منذ البداية.
وربما كان الأمر كذلك──فهي هانيكاوا.
ربما تعرف كل شيء.
إنها تعرف كل شيء.
لا──ليس كل شيء؟
بل ما تعرفه فقط.
«وفوق ذلك يا قطة──حتى لو كان ألم الحب الذي تراكم خلال بضعة أشهر مساويًا لمعاناة عائلية تراكمت طوال أكثر من عشر سنوات… فما كان ينبغي لهانيكاوا أن تطلقك. كان عليها أن تتحمل الصداع مهما كلف الأمر. وليس هذه المرة فقط، بل حتى في الأسبوع الذهبي──اعتماد هانيكاوا عليك كان ضعفًا منها.»
حتى لو لم تكن سطحية──فهي ضعيفة.
حتى لو لم تكن النتيجة التي تمنتها.
فالضعف الذي جعلها تعتمد عليك هو ضعف المعتدي.
«الكلمات التي قلتها قبل قليل كان ينبغي أن تقولها لي هانيكاوا، لا أنت──لقد ألقت بالمهمة المؤلمة على عاتقك.»
كما حدث مع ثعبان سينغوكو.
كما فعلت أنا بكانبارو.
تأجيل القرار المرير──وتركه لشخص آخر.
هذا ليس سوى──أخذ الجانب المريح من الأمر.
«القطة المؤذية──غرائب. لكن سبب ظهور تلك الغرائب هو ضعف هانيكاوا. حتى لو لم تحصل عليك لأنها تمنّتك──فما أعطيتِه لهانيكاوا كان ما كانت تريده. ما فعلته أنتِ هو ما فعلته هانيكاوا. بالطبع… لدى هانيكاوا أسبابها. وبما أنني أتحمل أنا أيضًا جزءًا من المسؤولية في كلتا الحالتين، فليس من حقي أن أقول هذا──لكن حتى في الظروف نفسها، لا بد أن هناك أشخاصًا يعيشون تلك الظروف وحدهم من دون الاعتماد على الغرائب. اعتماد هانيكاوا على شيء مثلك هو إهانة لهؤلاء الأشخاص.»
«لديك جرأة في الكلام.»
سخرت بلاك هانيكاوا مني.
«لكن يبدو أن لك الحق في قول ذلك──أظن أن هذا شيء يحق لك قوله. فأنت، من بين كل الناس، شخص طيب إلى درجة أنك ضحيت بنفسك لإنقاذ مصاصة دماء كانت على وشك الموت.»
«…………»
«كونك لطيفًا مع الجميع يعني أنه لا يوجد شخص مميز، أليس كذلك──سيدتي كانت لطيفة مع الجميع أيضًا، ولهذا أفهم الأمر. همف. حسنًا، لا بأس. لا يمكن تغيير مشاعر الإنسان──لقد تعلمت ذلك جيدًا في المرة السابقة. تعلمت──وندمت.»
«هذا يريحني.»
إذًا، لم يبقى أمامي سوى البحث عن شينوبو.
لا توجد طريقة مريحة.
«لكن… ربما هانيكاوا أيضًا هكذا. إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون قاسيًا أن ألومها كما فعلت قبل قليل…»
«هاه؟ ما الذي تتحدث عنه؟»
«عن ذلك الأمر──أنا، رغم أنني أشبه مصاص الدماء فقط، لدي بعض خصائصه، أليس كذلك؟ ومن خصائص مصاص الدماء القدرة على السحر──ولهذا منذ عطلة الربيع أصبحت محبوبًا من الفتيات. أخبرتني هانيكاوا بذلك، لذا فأنت تعرفين أيضًا، أليس كذلك؟»
«المعرفة مشتركة، لكن الذاكرة ليست مشتركة. كما قلت، أنا أعرف فقط ما يتعلق بالضغط.»
«آه، صحيح.»
لكن──حين قابلت هانيكاوا، كنت مصاص دماء فعلًا. ليس مجرد شبيه، بل مصاص دماء حقيقي قبل أن أعود إلى إنسان──ولا بد أن تأثير تلك القدرة كان أقوى بكثير مما هو عليه الآن. لا بد أن هانيكاوا تعرضت له مباشرة.
«هانيكاوا فتاة جادة، لذلك فكرت أنه إذا كانت قد عذبت نفسها بسبب ذلك، فهي ضحية مئة بالمئة──»
«………………»
«ما بك؟ لماذا صمت فجأة؟»
«لا──هذا غير صحيح.»
قالت بلاك هانيكاوا:
«صحيح أن من خصائص مصاص الدماء قدرة تسمى السحر، لكن استخدامها يقتصر على أنواع محدودة من مصاصي الدماء الحقيقيين. لذلك، مصاص الدماء المزيف الذي تحول إليه إنسان مثلك لا يستطيع استخدام السحر أصلًا.»
«ماذا…؟ لكن…»
«وفوق ذلك، السحر ليس قدرة مريحة مثل جرعة حب تظهر في المانغا. الشخص الذي تُستخدم عليه هذه القدرة يفقد وعيه بذاته. إنها قدرة لصنع دمية مطيعة.»
«دمية… مطيعة. أليست أسيرة؟»
«مثلًا، هل تطيع الفتيات من حولك كل ما تقوله طاعة مطلقة؟ هل هناك واحدة تتحرك وفقًا لك من دون أن تعترض على شيء؟»
«………………»
لا توجد واحدة كهذه.
ولا واحدة.
حتى سينغوكو، الأكثر خجلًا، ارتكبت أمام بوابة المدرسة الإعدادية فعلًا لا يمكن تصوره بمنطق العالم، إذ سلمتني ملابسها الرياضية وملابس السباحة المدرسية.
لكن، وفق معرفة هانيكاوا──هل تقول ذلك؟
لأنني سمعت من فم هانيكاوا نفسها──
«قلت أشياء لئيمة، أليس كذلك؟»
آه…
هكذا إذًا.
كذبة.
كذبة──من المفترض أنها لا تكذب.
إذًا، سينجوغاهارا، وبالطبع──هانيكاوا أيضًا.
لكن ربما لم يكن ذلك «لؤمًا» بقدر ما كان، بالنظر إلى الوضع الحالي، صرخة. رغبة هانيكاوا تسوباسا الحزينة في أن يكون الأمر كذلك، حتى لو كان ذلك سيخفف ضغطها قليلًا──لأنها ستتمكن من إلقاء اللوم على شيء ما.
لكن لا يمكنها إلقاء اللوم على شيء.
«لا يمكن تغيير مشاعر الإنسان──نيا. لكن فهمت. لم يكن ذلك يشبه سيدتي. همف. أنا لا أملك عقلًا يستطيع الكذب، لذا كشفت الأمر.»
«وهذا أيضًا يعني أنها ألقت بالمهمة المؤلمة على عاتقك.»
ليس شيئًا جيدًا.
لكن الآن، كان شعوري بالارتياح لأن الأمر لم يكن كذلك أكبر. لم تكن قوة مصاص الدماء أو الغرائب هي التي جعلتني هكذا، بل أنا──
لأنني أراراغي كويومي.
«إذًا──يحق لي أن أفخر بذلك، أليس كذلك؟»
«هاه؟»
«بأن هانيكاوا أحبتني──»
وإذا لم يكن ذلك شرفًا، فما هو الشرف؟
مجرد معرفة ذلك تجعلني أشعر أنني أستطيع الاستمرار في الحياة.
لكن، بحق الجحيم، بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد… ماذا يجب أن أفعل حتى أكون قد رددت الجميل لهانيكاوا؟
«حسنًا، على الأقل علينا الآن أن نجعلك تختفين──تبًا، أين ذهبت شينوبو فعلًا؟ لا تصلني أي رسالة من الأشخاص الذين يساعدونني… آه، يجب أن أعطي سينغوكو أمر الانسحاب قريبًا…»
لكن كيف أفعل ذلك؟
هي لا تملك هاتفًا محمولًا أصلًا.
تبًا، حتى لو كان بإمكانها الاتصال بي من هاتف عمومي، فلا توجد وسيلة لي كي أتصل بها من جهتي… ماذا أفعل؟ إنها عنيدة في أماكن غريبة أيضًا، فإذا لم تجد شيئًا فلن تعود إلى المنزل حتى لو دخل الليل في أعماقه…
كانبارو…؟
ربما أطلب منها إيقاف البحث عن شينوبو مؤقتًا والبحث عن سينغوكو بدلًا منها… شيء من هذا القبيل. آه، لماذا أعتمد عليها دائمًا في اللحظات المهمة؟ هكذا سأصبح فعلًا عاجزًا عن رفع عيني في وجه كانبارو. ربما سأوافق على أي شيء تقوله تلك الصغيرة.
«نيا، يا إنسان.»
قالت بلاك هانيكاوا ذلك وأنا أخرج هاتفي المحمول. كانت نبرتها مختلفة قليلًا عن السابق.
«هناك طريقة أخرى──»
«طريقة أخرى؟»
«خطة لإخفائي بسرعة وكفاءة من دون الاعتماد على مصاصة الدماء──لو ارتبطت بسيدتي لكان ذلك أسرع حل، لكنه ربما ثاني أسرع حل.»
«أتساءل ما نوع الخطة التي يستطيع عقل مثلك ابتكارها… لكنني سأسمعها على أي حال. ما هي؟»
«امشِ قليلًا يا إنسان. إلى مكان تحت مصباح الشارع هناك.»
«هكذا؟»
تحركت كما طلبت.
لا يمكنني أن أتوقع الكثير، لكن في وضع كهذا يجب أن أجرب أي وسيلة متاحة. ومع ذلك، ماذا سيحدث بمجرد أن أتحرك بضعة أمتار؟
«آه، تقدم قليلًا. إذا بقيت هناك فستصبح مباشرة أسفلك.»
«أسفلي؟»
وبينما كنت أميل رأسي حائرًا من كلماتها التي لا تزال بلا معنى، تقدمت خطوة أخرى──وعندها.
احتضنتني من الخلف.
بلا وقع أقدام──وبلا صوت.
حركة قطة تصطاد.
لفت ذراعيها حول جذعي من خلال جانبي──واحتضنتني. حركة أشبه بحركة المصارع التي تضغط على الجذع، لا، ليست كذلك؛ فتلك الحركة تُنفذ من الأمام وتهدف إلى إسقاط الخصم على ركبتيه، لا إلى سحق أعضائه الداخلية──ثم إن…
لم يكن هدفها امتصاص الطاقة.
لكن الطاقة امتصت دفعة واحدة.
الملابس القليلة لا تهم.
ولا الوسادتان الكبيرتان تهمان.
شعرت بجسدي كله يضعف بسرعة.
«قطة──أيتها الوغدة…»
لم أملك حتى القوة لأدير رأسي وأرى من خلفي. ومثلما فعلت هاتشيكوجي حين فعلت أنا بها شيئًا مشابهًا هذا الصباح، لم أستطع حتى إطلاق صرخة.
لم أستطع تحريك خنصر واحد.
لكنني لم أكن بحاجة إلى الالتفات لأتأكد──التي تحتضنني من الخلف كانت بلاك هانيكاوا.
«سأشربك حتى النهاية──نيا.»
كان صوتها مختلفًا.
صوت بلاك هانيكاوا، لكنه لم يكن ساخرًا ولا مرحًا.
«لا يمكنني السماح لك بالبقاء هكذا، يا إنسان.»
«ماذا──؟»
«سأزيل المشكلة من جذورها──سأمحوها.»
لم أفهم.
«أنت وحدك، أيها الإنسان، كافٍ──لا، بل إذا كنت أنت وحدك، فهذا يكفي. لا يمكن تغيير مشاعر الإنسان──لكن يمكن محو وجود الإنسان.»
«ماذا…؟»
امتصاص الطاقة.
حتى لو لم تصل الحالات السابقة إلى الموت──فهذا لا يعني أنها عاجزة عن القتل. عندما تنفد الطاقة والقوة بالكامل، لا يوجد إنسان قادر على الاستمرار حيًا.
لكن أنت… بلاك هانيكاوا، هل تظنين أن سيدتك ستفرح إذا فعلت ذلك؟
«ما أفعله لن يبقى في ذاكرة سيدتي──أليس كذلك؟ لن تظن أنها هي من فعلت ذلك. وبالطبع، إذا اختفيت أنت، فستحزن سيدتي، لكن حتى ذلك──أفضل مما هي عليه الآن. أشعر بذلك──كلما امتصصتك هكذا، أشعر أن وجودي أنا نفسه يضعف…»
«ألم تتعلمي الدرس──في الأسبوع الذهبي؟ لقد هاجمتِ والدي هانيكاوا… ولم ينته الأمر عند ذلك. ضغط الإنسان ليس بهذه البساطة──»
«هذا خطأ──خطئي في ذلك الوقت كان أنني لم أقتل والدي سيدتي. أخطأت حين راعيت مشاعر سيدتي أكثر من اللازم──أخطأت حين حاولت ألا أترك قتيلًا. وقد تعلمت من ذلك. لن أكرر الخطأ نفسه──سأقتلك بالتأكيد.»
«تقتلين──»
يا لها من كلمة.
أن تخرج مثل هذه الكلمة من فم هانيكاوا──لكن ربما يمكن القول أن هذا أيضًا وجه هانيكاوا الآخر، وكلمات هانيكاوا نفسها.
فالوجه الآخر، إذا قلبناه، يصبح وجهًا أيضًا.
إذا كان الأمر كذلك.
فربما هانيكاوا──سعيدة على نحو غير متوقع. ربما قول إن هانيكاوا لا يمكن أن ترغب في شيء كهذا مجرد إسقاط لوهمي عليها. ربما كانت هذه النتيجة التي تمنتها. وربما كانت هديتها التي حصلت عليها لأنها رغبت فيها. وحتى اقتراح القطة المؤذية قبل قليل بأن أرتبط بهانيكاوا، ولو اضطررت إلى الكذب──لا شك أنه وجه هانيكاوا الآخر.
إذا كان الأمر كذلك.
«…هانيكاوا.»
إذا كان الأمر كذلك──فهذه فعلًا طريقة جيدة.
من أنقذت حياتي.
من أجل هانيكاوا، يمكنني فعل أي شيء.
لا يمكنني تغيير مشاعري──
لكنني مستعد للموت.
«اعتبر نفسك سعيدًا──فيمكنك أن تصعد إلى السماء بين ذراعي جسد سيدتي المثير. فلتجف حتى النهاية وأنت تتذوق أقصى درجات السعادة.»
«…………»
بينما كانت الأحاسيس تختفي من جسدي، لم يكن بوسعي الاستمتاع بمثل هذا الشعور، وفوق ذلك، إن أردت الحقيقة، كان الشيء الوحيد الواقعي للغاية هو ألم مخالبها الحادة التي غرستها في عضلات بطني وهي تلف ذراعيها حولي──ومع ذلك.
إذا كان بإمكاني أن أموت من أجل هانيكاوا.
«………………»
لا──هذا خطأ.
هذا لا يجوز.
حدث أمر سينجوغاهارا──ولهذا لا يمكنني أن أسمح لهانيكاوا بقتلي. إذا قتلتني هانيكاوا──أو حتى إذا قتلني جسد هانيكاوا، فسينجوغاهارا ستقتل هانيكاوا بالتأكيد. هذا ليس وهمًا ولا إسقاطًا، بل ستفعل ذلك حتمًا. لقد فهمت سينجوغاهارا الآن، فهي لا تتردد. وفي ذلك الوقت، لن تملك هانيكاوا أي وسيلة للدفاع عن نفسها. سينجوغاهارا لن تمنح هانيكاوا حتى الوقت لتراكم الضغط من جديد.
لذلك──هذا خطأ.
هذه أسوأ وسيلة ممكنة.
«ا… اتركيني.»
«ماذا؟»
«فقط──اتركيني.»
لم يكن لدي وقت للشرح. القطة المؤذية لا تعرف سينجوغاهارا──أو بالأحرى، تعرفها بوصفها معلومة، لكن معرفتها ضعيفة مقارنة بما تعرفه هانيكاوا عن سينجوغاهارا. لا بد من معرفة في مستواي، أو على الأقل في مستوى كانبارو، لفهم خطورة سينجوغاهارا هيتاغي… لكن لو بدأت أشرح ذلك الآن، فسأصبح في أثناء الشرح رقيقًا كورقة.
«تطلب الرحمة؟ لا بأس──إذا قلت أنك ستواعد سيدتي من الآن فصاعدًا، فسأتركك.»
«غ… قلت لك إن ذلك مستحيل──»
«كنت أعرف.»
قالت بلاك هانيكاوا.
وبسهولة──مرة أخرى.
«إذًا انتهى الأمر. مت.»
«………………»
«أم تريد أن تطلب المساعدة من أحد؟ لقد ساعدت عددًا هائلًا من الناس حتى الآن──ربما يساعدك أحدهم.»
«من…؟»
من؟
هاتشيكوجي؟ سينغوكو؟ كانبارو؟ سينجوغاهارا؟
«المساعدة──مستحيلة.»
«مستحيلة؟ لماذا؟»
«لأن الإنسان لا ينقذ إلا نفسه، من تلقاء نفسه…»
«هذه ليست عبارتك أنت، أليس كذلك؟»
قيلت بهدوء.
«إنها مجرد كلمات──وليست شعورك. مجرد تقليد للكلمات يمكن تغييره بسهولة──المهم هو ما تشعر به أنت.»
«…غ، غغ──»
«صحيح أن الإنسان لا ينقذ إلا نفسه من تلقاء نفسه──لكن هل تهم هذه الظروف الشخص الذي يريد إنقاذك؟ سواء أنقذ شخصًا واحدًا أو عشرة──فذلك أمر متروك له، أليس كذلك؟»
قالت القطة.
وهي تخرخر.
«كم شخصًا تعتقد أنه يريد مساعدتك؟ هل سترفضهم جميعًا──دون استثناء؟»
بدأت القوة──تغادر جسدي.
لم أعد قادرًا على الوقوف.
كنت عمليًا أتكئ على ذراعي بلاك هانيكاوا الملفوفتين حول جذعي──بل أسلمت جسدي لهما تمامًا.
بدأ وعيي يتلاشى.
لا يمكن فعل شيء.
وحدي──لا يمكنني فعل شيء.
كدت أضحك، لكن لم تعد لدي القوة حتى لذلك. لم تكن لدي القوة، ومع ذلك──كنت على وشك الضحك.
صحيح.
في النهاية… ستحزن.
هانيكاوا أيضًا… سينجوغاهارا أيضًا.
وكانبارو وسينغوكو.
وربما حتى هاتشيكوجي.
إذا مت.
«…ساعديني.»
عصرت صوتي.
وعصرت ما بقي لدي من قوة──وقلت:
«ساعديني… شينوبو.»
وفي اللحظة نفسها.
خرجت فتاة من ظلي.
شعر أشقر.
خوذة ونظارة واقية.
جسد صغير──لكنها نزعت في لحظة واحدة عناق بلاك هانيكاوا لي. ثم دفعت جسد بلاك هانيكاوا بعيدًا في حركة واحدة. دارت القطة في الهواء؟ لا، لم تستطع حتى أن تدور، فاصطدمت مباشرة بمصباح الشارع على الجانب الآخر من الطريق. لم ينحنِ المصباح إلى درجة الانكسار، لكنه اهتز بقوة من شدة الاصطدام.
ثم هبطت.
أوشينو شينوبو، التي خرجت من ظلي──
هبطت وهي تحرك شعرها الأشقر بعنف كما تشاء.
شينوبو.
كانت هنا طوال الوقت؟
لكن حين أفكر في الأمر──لم يكن أمامها مكان أفضل للاختباء. لا يمكن أن أبحث في هذه المدينة كل هذا الوقت وألا أحصل حتى على شهادة مشاهدة واحدة──ولا يمكن حتى لحاسة شم القطة المؤذية أن تفشل تمامًا في تعقبها.
لذلك.
كان من الطبيعي أن أفترض أنها تستخدم نوعًا من قدرات مصاصي الدماء──لكنني افترضت من تلقاء نفسي أن شينوبو، المقيدة قدراتها، لا يمكنها فعل ذلك.
خطأ.
كان هناك ثغرة في تفكيري.
كنت أعرف أن بإمكانها استخدام قدر من قدراتها إذا كانت بجانبي──إذًا كان عليها ببساطة أن تختبئ بجانبي. هذا كل ما في الأمر.
عمى نفسي──أساس في روايات الغموض.
إذا أردت إخفاء شيء، فأخفه في أكثر مكان ظاهر.
وفوق ذلك، فإن مكان الاختباء هذا فعال جدًا ضد حاسة شم القطة──لأن رائحة شينوبو تختلط برائحتي.
ضعف ظلي──
استغلت شينوبو ذلك.
على الأرجح كان ذلك في النهار──بل في الصباح. حين كنت لا أزال أبحث عنها وحدي، كانت شينوبو قد عثرت عليّ أولًا. وإذا أردت التخمين، فربما كان ذلك قرب مستر دونات. هناك اختبأت شينوبو داخل ظلي. كانت في الأصل من سكان عالم الظلام، لذا فإن الاختباء في الظلال كان من أسهل الأمور بالنسبة إلى مصاصة الدماء──لكن هذا كان في الماضي، والآن ربما كان الظل الوحيد الذي تستطيع شينوبو الاختباء فيه هو ظلي أنا──
آه.
«أسفلي»──هل كانت تقصد ذلك؟
أي أن الظل سيصبح أسفلها──وعندها، أيضًا، حين قالت لي أن أذهب تحت مصباح الشارع… نعم، القطة المؤذية أقوى بكثير من إنسان أشبه بمصاص دماء مثلي، ولم تكن بحاجة إلى مهاجمتي من الخلف أصلًا. كان يمكنها مهاجمتي مباشرة من دون أي حيلة. إذًا──
نظرت إلى بلاك هانيكاوا المنكمشة تحت مصباح الشارع.
ابتسمت بلاك هانيكاوا ابتسامة عريضة.
لكن ذلك لم يستمر إلا لحظة.
شينوبو لا تعرف الرحمة──في النفس التالي بعد هبوطها، قفزت على القطة المؤذية وهاجمتها. مدت أطرافها القصيرة بكل قوتها، ولفتها حول جسد بلاك هانيكاوا──ثم عضت عنقها.
لم يكن هناك وقت للمقاومة.
وامتصت.
إذا كانت خاصية القطة المؤذية هي امتصاص الطاقة──فخاصية مصاص الدماء هي أيضًا امتصاص الطاقة. عين بعين، وسن بسن، وغرائب بغرائب، وامتصاص طاقة بامتصاص طاقة. حتى الآن، لمجرد أن شينوبو تلمس القطة المؤذية، كانت طاقة شينوبو تُمتص منها──لكنها كانت تمتص من القطة طاقة أكثر بكثير.
بوصفها غذاءً خالصًا.
مستوى القطة المؤذية ومصاص الدماء مختلفان بوصفهما غرائب.
جوهر القطة المؤذية ومصاص الدماء مختلف.
كان هذا المشهد إعادة لما حدث في الأسبوع الذهبي──إعادة كاملة. في المرة السابقة، احتاج الأمر إلى معاناة هائلة للوصول إلى هذه الحالة… لكن هذه المرة، بلاك هانيكاوا لم تقاوم.
لم يكن لديها وقت للمقاومة، ولا إرادة للمقاومة.
حتى لو لم يكن بالإمكان منع امتصاص الطاقة المستمر──فالقطة المؤذية الحالية لم تكن تريد قتال شينوبو. من حيث القوة الجسدية والذراعين والقدرة على الحركة، كان بإمكانها، لو أرادت، أن تربك شينوبو الحالية بسهولة──لكنها لم تفعل.
من أجل هانيكاوا.
من أجل سيدتها──
بالطبع، لا ينبغي أن أظن أنني فهمت كل شيء بسبب هذا. لا ينبغي أن أعتاد على القطة المؤذية، ولا أن أتعامل معها بألفة──لا أظن أن القطة المؤذية كانت تستهدف منذ البداية الوصول إلى هذه النتيجة.
صحيح أنه رغم ذكائها في مستوى قطة، أدركت احتمال اختباء شينوبو في ظلي──ومن المؤكد أنها أدركت أيضًا أن إخراج شينوبو يتطلب طريقة لا تعتمد على وسيلة واحدة. ولهذا، إن صح التعبير، جعلت مني طُعمًا ورهينة، ثم قادتني إلى تحت مصباح الشارع حيث يصبح الظل واضحًا ومعزولًا حتى في الليل، وبعدها نفذت امتصاص الطاقة──وهذا أصبح واضحًا الآن.
لكن.
ربما كانت بلاك هانيكاوا مستعدة فعلًا لقتلي في تلك اللحظة. لو لم تكن شينوبو مختبئة في ظلي، ولو كانت الحقيقة أن شينوبو غادرت المدينة بالفعل، لكانت قد استمرت في امتصاص وجودي حتى النهاية، من دون أي مشكلة.
هذه مجرد النتيجة التي حدثت.
لا تملك عقلًا يستطيع الكذب.
كل ما قالته القطة المؤذية──كان صادقًا.
كان شعورها الحقيقي.
وهذا أيضًا──وجه هانيكاوا الآخر.
لقد ألقت الدور البغيض──على القطة المؤذية.
صحيح.
يبدو أن نتيجة مسابقة «أيّنا أكثر غباءً»──قد حُسمت.
«…آه.»
بدأ شعر بلاك هانيكاوا──يكتسب الصبغة تدريجيًا.
تحول إلى الرمادي، ثم البني──ثم الأسود.
أوشكت أذنا القطة على فقدان شكلهما تدريجيًا.
شينوبو تمتص وجود الغرائب──
قاتلة الغرائب.
كان هذا اللقب المهين لشينوبو حتى عطلة الربيع.
سواء كانت القطة المؤذية أو أي شيء آخر، تغرس أنيابها وتمتصه──وتقتطع وجوده نفسه من العالم، ذلك الكائن الغريب المختلف حقًا──
ملك الغرائب، ملك الغرباء──ملك اللا حياة، مصاصة الدماء.
«كفى──كفى يا شينوبو. إذا امتصصتِ المزيد، ستختفي هانيكاوا أيضًا. وأنا──لا أريد ذلك.»
حين قلت ذلك.
ابتعدت شينوبو عن عنق هانيكاوا بسهولة أكبر مما توقعت. وعلى عنق هانيكاوا──بقي أثر أنياب واضح، لكن لا داعي للقلق بشأنه. إنه مختلف عن أثر العضة الموجود على مؤخرة رقبتي. على عكسي، لم تمتص شينوبو القطة المؤذية إلا بوصفها غذاءً──أكلتها فحسب.
مصاص الدماء يمتص دم الإنسان──لكن المعنى يختلف حين يكون الدم غذاءً وحين يكون وسيلة لصنع رفيق.
ولهذا ربما هربت شينوبو.
هكذا قالت القطة المؤذية.
تلك الغرائب الذي امتصت شينوبو وجودها بالكامل قبل لحظات.
بعد أن أنهت شينوبو وجبتها، عادت بخطوات صغيرة إلى مكاني──ثم انزلقت داخل ظلي.
هل أعجبها المكان؟
داخل ظلي.
ثم──
بقيت هانيكاوا ذات الشعر الأسود وأنا في المكان.
لم تكن هانيكاوا واعية──كانت تغمض عينيها وتنام.
من المرجح أنها لن تستيقظ حتى صباح الغد.
«………………»
بهذا انتهت هذه الفوضى.
لكن──بالطبع، لم تختفِ المشكلة نفسها. في النهاية، كل ما فعلناه هو طرد القطة المؤذية، أما بقية الأمور فلم تتغير على الإطلاق──اختفاء القطة المؤذية لا يعني اختفاء الضغط نفسه. وفوق ذلك، كان الضغط هذه المرة قد تشكل خلال بضعة أشهر فقط──أي إن احتمال عودته للسبب نفسه ليس منخفضًا أبدًا. هذا من دون أن ننسى أن لدى هانيكاوا أصلًا مشكلة عائلية تحملها منذ زمن طويل…
لا.
ليس هذا.
بغض النظر عن العائلة.
هذه المرة──مشكلة يمكنني فعل شيء حيالها.
يمكنني، بناءً على تصرفاتي بدءًا من الغد، أن أجعل هانيكاوا تشعر براحة أكبر إلى حد ما. بالطبع، لا يمكنني تغيير مشاعري──لكن رغبتي في رد الجميل لهانيكاوا هي أيضًا شعور حقيقي بداخلي.
أريد مساعدة هانيكاوا.
لا يوجد قانون يمنعني من مساعدة الفتاة التي حُمّلت اسم «تسوباسا»──«الجناح».
مساعدتها──قرار يخصني وحدي.
ومهما قال أي شخص، سأفعل ما أريد.
«آه…»
خرجت مني زفرة.
لكن مع ذلك، لقد كنت متعبًا جدًا هذه المرة… فقد تعرضت لامتصاص الطاقة حتى قاربت حدودي… وحتى جسدي الشبيه بمصاص الدماء سيحتاج إلى وقت طويل ليستعيد عافيته. يبدو أنني لن أستطيع التحرك من هنا حتى صباح الغد… يا لها من ورطة، كنت أريد أن أشكر الجميع الذين ساعدوني…
حسنًا، لا بأس.
على الأقل تمكنت من رؤية هانيكاوا بملابس النوم.
إذا كنا سنتحدث عن الريح الشمالية والشمس، فقد كنت أميل أكثر إلى الريح الشمالية… لكن هانيكاوا ذات الشعر الأسود، النائمة وملابس النوم تكسوها، تحت مصباح الشارع وكأنها تتلقى ضوء كشاف، كانت منظرًا رائعًا إلى أبعد حد. قلت إن فرحتي منقوصة إلى النصف، ثم زادت الآن إلى الضعف. يمكن اعتبار ذلك مكافأة سعيدة على كل ما بذلته اليوم. لا بأس بأن أمضي الليل هنا على جانب الطريق وأنا أنظر إلى هانيكاوا وأقضي الليل إلى جوارها…
فالسماء المرصعة بالنجوم.
جميلة إلى هذا الحد.
«آه… ممم.»
قالت هانيكاوا.
يبدو أنها تتحدث في نومها.
«أراراغي-كن…»
أو ربما لم يكن ذلك حديث نوم بقدر ما كانت حالتها الذهنية ضبابية، فتخرج الكلمات منها بلا وعي. لقد امتصت شينوبو وجود القطة المؤذية وحده، ولذلك ربما لم تُرتب ذكريات بلاك هانيكاوا ووعي هانيكاوا بعد، وربما كانت هانيكاوا الآن في حالة مختلطة من الاثنين.
ولهذا لم يكن حديث نوم──بل الحقيقة.
الحقيقة العارية لهانيكاوا تسوباسا، وهي تتسرب من فمها.
«أن تقول إن رد الجميل لي أهم بكثير من صداقتنا──لا تقل شيئًا حزينًا كهذا.»
«…………»
وعيناها مغمضتان──تمتمت هانيكاوا:
«أراراغي-كن… كن على ما يرام.»
ثم سقطت مجددًا──في نوم عميق.
يا للعجب، حتى وهي نائمة، هذه الفتاة…
إنها──جادة إلى حد يجعل الجدية نفسها تبدو طبيعية عليها.
في حين أنها لا ينبغي أن تكون مشغولة بالاهتمام بالآخرين الآن.
ومع ذلك، أجبت فورًا، وبصدق، وبشكل انعكاسي، على كلمات هانيكاوا. لم أمض شهرين منذ أن أصبحت في السنة الثالثة وأنا أتعلم على يد هانيكاوا عبثًا. حتى في مثل هذه اللحظة، أعرف كيف ينبغي أن أجيب.
«حسنًا.»

«أبحث عنها…؟ هل اختفت؟ تلك… أممم، شينوبو-تشان؟» «أجل.» «ليست مجرد خارجة في نزهة…؟» «لم تعد منذ ليلة كاملة.» «آ، فهمت…» ومن خلف الهاتف──شعرت بتردد. آه، صحيح. لقد نسيت الأمر تمامًا، لكن سينغوكو قالت إن شينوبو كانت تحدق بها طوال الوقت──كانت تخاف من شينوبو غريزيًا. صحيح. كان يفترض بي أن أقرر أن سينغوكو يجب ألا تتورط في أمر الغرائب بعد الآن، مهما كان شكل التورط──فما الذي أفعله بإقحامها بنفسي؟ مهما كانت الظروف… «آسف، سينغوكو. لقد كنت أنانيًا. أنا──» «ل، لا. كويومي أوني-تشان. ليس الأمر كذلك.» «ليس كذلك──» «كنت أفكر فقط أنه لو أجبت فورًا، فسيبدو الأمر وكأنني أكذب… لذلك فقط… دعني أساعدك. أرجوك.» «آه… لكن هل أنتِ متأكدة فعلًا؟» «نعم.» على نحو نادر. وبقوة──قالت سينغوكو ذلك. هل كان السبب لأنها تتحدث عبر الهاتف؟ لأنها لم تكن تواجهني وجهًا لوجه؟ «إذا كان بإمكاني رد الجميل لكويومي أوني-تشان──فهذا يكفيني. أنت تبحث عن شينوبو-تشان تماما كما ساعدت نادِكو، أليس كذلك؟» «؟ …أجل، هذا صحيح.» «إذًا لا يمكنني ألا أساعدك.» قالتها──بهذه البساطة. لا يمكنني ألا أساعدك. «…قد لا يحدث شيء خطير، لكنني لا أستطيع أن أضمن سلامتك تمامًا. حتى وإن كانت قد فقدت معظم قوتها، فهي مصاصة دماء…» «لا بأس.» قالت سينغوكو. سينغوكو الخجولة قالتها بقوة حقيقية. «لا تقلق. دعني أفعل ذلك.» في النهاية، شعرت أنا الذي طلبت منها المساعدة بالحرج أكثر مما ينبغي──لكن يبدو أن سينغوكو خرجت بعد ذلك مباشرة للبحث عن شينوبو. شعرت وقتها بأنني أستطيع أخيرًا أن أتنفس الصعداء. كان التعاون من شخص يعرف شينوبو مباشرة مفيدًا للغاية بالفعل. لكن──مع ذلك، لم يكن الوقت مناسبًا بعد لتنفس الصعداء. فسينغوكو لا تستطيع ركوب الدراجة. بل يبدو أنها لا تملك دراجة أصلًا. وهذا هو سبب عدم استخدامها الدراجة، ولو في جزء من الطريق، حين ذهبت في المرة السابقة إلى ذلك الضريح المهجور. وبالتالي، فإن وسيلة بحثها ستكون المشي، ومن حيث القدرة على الحركة، فهي لا تختلف كثيرًا عن هاتشيكوجي، ولا يمكن الاعتماد عليها كثيرًا. القدرة على الحركة… القدرة على الحركة، يا لها من مشكلة. أشعر بالحرج فعلًا لأنني أطلب المساعدة من الآخرين واحدًا تلو الآخر، لكن بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد، أصبحت مساعدته لا غنى عنها. في الأساس، لا يوجد سوى ستة أشخاص، بمن فيهم أنا، يعرفون مباشرة شكل شينوبو الحالي──ومن بينهم هانيكاوا تسوباسا محتجزة الآن باسم بلاك هانيكاوا ومقيدة، وأوشينو ميمي مكلف بمراقبتها. يبقى أربعة. وباستثنائي أنا وسينغوكو، هناك اثنان. ولا يمكنني ألا أتصل بهذين الاثنين. أولًا، كان عليّ الاتصال بشخص يسهل التعامل معه نسبيًا──كانبارو سوروغا. اخترت اسمها من قائمة جهات الاتصال في هاتفي. لقد انتهى الدوام المدرسي الآن، لذا لا بد أن هاتفها مفتوح حتى لو كانت في المدرسة──لكن كانبارو لم تحصل على هاتف محمول إلا قبل بضعة أيام، لذا من المشكوك فيها أن تكون قد فهمت قواعد المدرسة المتعلقة بهذا الأمر بدقة── «كانبارو سوروغا.» وكعادتها، عرّفت عن نفسها باسمها الكامل. يبدو أن قلقي كان في غير محله. «كانبارو سوروغا. حركتي الخاصة هي B-Dash.»

…(تتواصل مناوشة أراراغي وكانبارو على هذا النحو حتى ينتهي طلبه منها بالبحث عن شينوبو، مع استمرار نكاتها العبثية حول الملابس الداخلية و«التعويض».)… «حسنًا، لكن مهما كان موقفك ومبادئك… من الناحية الواقعية، الشخص الوحيد القادر حاليًا على مواجهة شينوبو في هذا العالم هو أنا──أوشينو أيضًا لديه ظروفه ولا يستطيع التحرك الآن. لذلك…» «فهمت.» «سينغوكو تساعدني أيضًا، فإذا صادفتما بعضكما أثناء البحث، فتبادلا المعلومات. …آه، صحيح يا كانبارو، سينغوكو أعطتني ملابسها الرياضية وملابس السباحة المدرسية.» «آه، صحيح. لم تغسلها، أليس كذلك؟» «بل يبدو أنها غسلتها.» «يا لها من فاجعة!» صرخت. حقًا، شخصيتها هذه… «غبية… إذا غُسلت، فما الفائدة منها أصلًا… أن تسمح بمثل هذا التصرف المشين، هذا لا يشبه أراراغي الأكبر.» «كانبارو، ما الذي يعنيه “ما يشبه أراراغي” بالنسبة لكِ بالضبط…؟ هل يعني ألا تسمحي لتلميذة في المرحلة الإعدادية بغسل ملابسها الرياضية وملابس السباحة التي ارتدتها…؟» «فظيع… كيف استطاعت أن تفعل شيئًا بهذه القسوة… أن تمنحني الأمل ثم تنتزعه مني فورًا… لو كان معي سيانيد البوتاسيوم، لانتحرت بلا تردد…» «لكن افتراض وجود سيانيد البوتاسيوم معك أصلًا يبدو ضربًا من العبث…» هل يستحق الأمر الانتحار؟ هل هذا ما يعنيه أن تكوني أنت؟ «يؤسفني أن أقول لك هذا يا أراراغي الأكبر، لكن يبدو أنه لا مفر من أن تعوّضني عن هذا الفشل.» «………………» لا ذنب لي في شيء من هذا. لكن سيكون من السيئ أن أفسد حماس كانبارو الآن… من يملك القوة فعلًا محظوظ. «حسنًا؟» «نعم نعم… قولي ما تريدين.» «الحب مرة واحدة يا أراراغي الأكبر.» «ما هذه الجملة الرومانسية الغريبة؟!» لم أعد أفهم شيئًا. «على أي حال، سأعوّضك. سأعوّضك فعلًا. ماذا تريدين مني أن أفعل؟» «إذًا، ارتدِ ملابس السباحة المدرسية والملابس الرياضية، ونم بهما ليلة كاملة، واتركهما يتشبعان بعرق نومك، ثم أعدهما إليّ من دون غسلهما. هذا كل ما أريده.» «إذا فعلت ذلك فسأتحول أنا وأنتِ إلى منحرفين لا مثيل لهما! بل أظن أنكِ ستكونين أخطر مني…!» «إذا كنت سأمشي مع أراراغي الأكبر، فحتى ذلك الطريق سيكون ممتعًا.» «آسف يا كانبارو! لن أصل إلى درجة أن أنتحر معك!» «إذا كان الانتحار معًا مستحيلًا، فهناك خيار الانتحار القسري معًا.» «هذه جريمة قتل!» «حسنًا، سنفكر في الأمر لاحقًا.» «لا، أنتِ تحديدًا أعيدي التفكير في الأمر!» «على أي حال، يبدو أن سينغوكو-تشان تساعدك أيضًا. ومن كلامك، يبدو أن هناك──عدة أشخاص آخرين.» «أجل. قد لا يكون لكلامي مصداقية بعد كل هذا الهدر الهائل للوقت في الحديث الفارغ──لكننا في سباق مع كل لحظة وثانية. ساعديني يا كانبارو.» «بالطبع. موافقة إلى درجة أن الدموع تنهمر من عيني. إذا لم أساعدك الآن، فأي نوع من كانبارو أكون؟ افعل بي ما تشاء.» وبهذا، أنهت كانبارو المكالمة. قالت إنها في متجر قريب، لكن في هذه المنطقة لا يوجد سوى متجر واحد يمكن أن ينطبق عليه وصف «متجر قريب» أصلًا… كنت قلقًا بجدية من احتمال أن تكون قد حفرت أرضية المتجر، شريان الحياة في هذه البلدة الريفية، بحركة الـB-Dash الخاصة بها، لكن──باستثناء مثل هذه المخاوف غير الواقعية التي لا معنى لها، كانت كانبارو حليفًا يمكن الاعتماد عليه. ثم بقي الشخص الأخير. آخر شخص يعرف شينوبو مباشرة── اتصلت بسينجوغاهارا هيتاغي. كان صوت الرنين طويلًا على نحو غريب──أظن أنني انتظرت نحو عشرين ثانية. وقبل أن أقلق من أن المكالمة ستنتقل إلى خدمة البريد الصوتي، اتصل الخط أخيرًا. «لن أذهب.» «………………» رفضت من أول كلمة. هل هي عرّافة؟ وفوق ذلك، ترفض… «…يبدو أنك تأخرتِ كثيرًا في الرد على الهاتف. هل حدث شيء؟» «لا؟ لا شيء؟ كنت أشعر بالكسل عن الرد، لذلك لم أتحقق حتى من هو المتصل وتركت الهاتف في جيبي من دون أن أفعل شيئًا، لكنك كنت مزعجًا إلى درجة جعلتني أستسلم وأتحقق من المتصل، وحين وجدت أنه أنت يا أراراغي، فكرت أنه لا داعي للرد على أي حال، فضغطت زر التشغيل لأوقف الرنين، لكنني أخطأت وضغطت زر الرد، فاضطررت إلى الإجابة. على أي حال، ماذا تريد؟» «من يريد شيئًا من شخص مثلك؟!» يا لها من امرأة فظيعة. ولا تقل قسوتها ولو قليلًا عبر الهاتف. «على أي حال، سينجوغاهارا──اسمعيني.» «لا. بل اسمعني أنت. ذهبت منذ فترة مع صديقة إلى متجر لتأجير أشرطة الفيديو…» «أنتِ صاحبة “لنمشِ ونحن نقشر التفاح”؟! وفوق ذلك، التفكير في أنك أرسلتِ قصة مزيفة عن “أنا وصديقتي المقرّبة” إلى فقرة رسائل المستمعين، رغم أنك لم تملكي صديقة واحدة طوال السنوات الأخيرة، يجعل البطاقة التي كان يفترض أن تكون مضحكة تبدو حزينة!» بل ما قصة هذا البرنامج ذي نسبة الاستماع الهائلة؟! الجميع يستمع إليه؟! هل أنا الوحيد الذي لا يستمع إليه؟! تبًا، لقد تخلفت عن موجة العصر! «اسمعيني يا سينجوغاهارا. فقط اسمعيني.» «إذا كنت ستتوسل إليّ على ركبتيك فلا بأس.» «لم أفعل ذلك!» «إذًا، ماذا؟» «…اختفت شينوبو.» «شينوبو──تلك الطفلة الشقراء؟» «أجل.» «همم.» لا تعليق؟ باردة، وجافة. حسنًا، رغم أنها تعرفها، إلا أنها لم تتحدث معها فعلًا، ولم تكن بينهما علاقة──وهذا لا ينطبق على سينجوغاهارا وحدها، بل على كانبارو وسينغوكو أيضًا. الشخص الوحيد الذي يعرف حقيقة شينوبو من بينهم هو أنا وأوشينو──وهانيكاوا. «إذًا──أنت تتغيب عن المدرسة حتى تبحث عنها؟» «أجل. ولهذا أريد منكِ أن تساعديني──فعدد من يعرفون شينوبو مباشرة…» «لكن.» قاطعتني سينجوغاهارا. «ما تسميه أنت “المساعدة الإنسانية” هذا الصباح، ليس هذا، أليس كذلك──أنت لا تسمي تلك الطفلة “إنسانًا” أصلًا.» «…………» «هانيكاوا-سان غائبة عن المدرسة.» واصلت سينجوغاهارا بلهجة مسطحة. لم يتسرب إلى صوتها أي شعور. حتى من خلف الهاتف، استطعت أن أتخيل وجهها الخالي من التعبير كالمعتاد. هل يعقل حقًا أنها اتصلت بكانبارو بنفسها وتحدثت معها طوال الليل عن نفسها…؟ «هل لهذا علاقة بالأمر──آه، لا داعي لأن تجيب. صمتك يكفي بوصفه جوابًا.» «حتى لو كان كذلك، دعيني أجيب بنفسي. أجل، هذا صحيح. هانيكاوا──» «بالمناسبة، أظن أن أوشينو-سان قال شيئًا من هذا القبيل──أن تلك الطفلة أدت عملًا جيدًا حين تعلق الأمر بهانيكاوا-سان، أو شيئًا قريبًا من ذلك. أي أن الأمر هكذا؟ أنت تحتاج إلى قوة تلك الطفلة من أجل هانيكاوا-سان، لكن الطفلة نفسها مختفية لسبب آخر…» «حدسك جيد… وذاكرتك جيدة أيضًا.» «أنا واثقة من ذاكرتي. حتى أنني أتذكر سنة تأسيس حكومة كاماكورا.» «أليست هذه مجرد طريقة لحفظ تاريخ؟…» «أنشأنا كاماكورا، سنة 1192.» «يا لها من طريقة سيئة للحفظ!» «أراراغي-كن.» قالت سينجوغاهارا: «أنت قلق على هانيكاوا-سان وعلى تلك الطفلة بالقدر نفسه، أليس كذلك──تقلق عليهما بالعدل نفسه. رغم أن من الواضح تمامًا أيهما ينبغي أن تعطيه الأولوية──هذا يشبهك تمامًا.» «…………؟» ما الذي تقوله؟ الأولوية؟ هذا ليس الوضع من هذا النوع، أليس كذلك؟ على عكس حالة سينغوكو، لا أعتقد أنني مضطر إلى اختيار الشخص الذي ينبغي إنقاذه── «لن أذهب.» ثم كررت سينجوغاهارا العبارة نفسها. «لن أذهب.» «سينجوغاهارا──» «لأن لديّ تحضيرات المهرجان الثقافي.» «لا… أفهم ذلك، لكن الآن──» «لقد أوكلت إليّ هانيكاوا-سان الأمر.» كانت كلمات قوية. كلمات تحمل إرادة──قوية كالسيف المسلول. «لا يمكنني التخلي عنه──كلما كانت هانيكاوا-سان في مأزق أكبر، وجب عليّ أن أتم هذه المهمة.» صحيح── لم تكن مجرد تحضيرات مهرجان ثقافي. كانت مهمة أوكلتها إليها هانيكاوا وهي محاصرة بالغرائب. لا يمكنني أن أطلب منها أن تتخلى عنها وتبحث عن شينوبو. «بغياب هانيكاوا-سان، وبصراحة، سلسلة الأوامر فوضوية تمامًا──لا شيء يسير كما ينبغي. هل كانت هي من تتولى كل هذه الأمور؟ أن تضع جدولًا زمنيًا فوضويًا كهذا يتطلب عقلًا غير سوي. وفوق ذلك، أنت أيضًا لست هنا لتدعمها──بصراحة، حتى الوقت الذي أهدره الآن في الحديث معك أشعر أنه ضائع.» «حسنًا، كان الأمر في معظمه وكأن هانيكاوا تقوم به وحدها──» كم كانت تبذل من نفسها من أجل الصف. وكم كانت تحرص على ألا تدع زملاءها يدركون ذلك. كانت تخفي عنهم تعبها. كمية العمل التي كانت تتحملها تكفي لإصابتها بالإرهاق التام، ومع ذلك لم تُظهر ولو ذرة من الانشغال، ولم تشتكِ مرة واحدة. كل شيء هكذا معها──ليس المدهش أنها تبذل جهدًا، بل أنها لا تسمح لمن حولها بأن يدركوا أنها تبذل جهدًا. وحتى أنا، الذي كنت إلى جانبها وكرست نفسي لدعمها، لا أستطيع القول أنني كنت أدرك كل ما كانت تتحمله. حقًا. إنها وحدها──حقيقية بكل معنى الكلمة. …………. لكن، لا تقولي أن الوقت الذي تقضينه في الحديث مع حبيبك ضائع أيضًا، يا هيتاغي… «لن أعود اليوم إلا متأخرة جدًا──لا أظن أنني سأتمكن من الالتزام بوقت الانصراف. ربما سأضطر إلى أخذ العمل إلى المنزل وإكماله هناك. حقًا، إنجاز كل هذا العمل ضمن الوقت النظامي أمر يدعو إلى الدهشة. أراراغي-كن، واصل طريقتك المعتادة كما تريد──وأنا سأواصل طريقتي المعتادة.» «صحيح… إذًا…» قلت، بعد أن أدركت الموقف بوضوح. «سأترك المدرسة لك. لنصنع مهرجانًا ثقافيًا جيدًا.» «نعم. أريد ذلك.» نبرتها المسطحة المعتادة. لم تُظهر أي شعور. ومع ذلك، كانت تلك الكلمات، بلا شك، كلمات سينجوغاهارا. «إذًا──سأتصل بك لاحقًا.» «أراراغي-كن، هل تسمح لي بشيء واحد؟» «ماذا؟» «خدمة تسونديري.» وفي النهاية، قالت سينجوغاهارا، بلهجتها المسطحة: «لا تفهم الأمر خطأ، ليس لأنني قلقة عليك أو ما شابه──لكن إن لم تعد، فلن أسامحك.» انقطع الاتصال من جهتها بقطع. شعرت أن وعيي نفسه كاد ينقطع، لكنني تماسكت. آه، حقًا… حقًا… لا توجد كلمات تصفها. في كل مرة أتحدث معها… لا، حتى لو قيل إن مفرداتي محدودة… حقًا، لا توجد كلمات. أنا أحبها أكثر مما ينبغي. إلى درجة لا أستطيع معها فعل شيء. بالطبع──سأعود. ما دامت تنتظرني. «…يمكنني أن أطمئن وأترك الأمر لك.» على أي حال. بهذا، استدعيت كل مساعدة استطعت استدعاءها. في النهاية، إنها شبكة علاقات لا تتجاوز شبكة طالب في السنة الثالثة من الثانوية، ومن منظور أوسع، ربما لم تكن سوى مساعدة تواسي النفس──وربما لم يتغير الوضع كثيرًا، لكن مع ذلك── كان الشعور بالقوة مختلفًا تمامًا. واصلت الضغط على الدواسات، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها، وضغطت عليها──ثم مرت ثلاث ساعات أخرى. مدة البحث حتى الآن: تسع ساعات. الساعة السابعة مساءً. كان الليل قد حل──في غمضة عين. لم آكل شيئًا، ولم أشرب شيئًا. ولم أسترح── حتى أدركت أخيرًا أنني متعب. «ومع ذلك، في ماذا تفكر شينوبو بحق الجحيم…؟» هروب من المنزل. اختفاء. رحلة للبحث عن الذات── مع أنها لا تستطيع الذهاب إلى أي مكان أصلًا… تمامًا مثلي. «……………………» كل شيء──بدأ في عطلة الربيع. بدأ منذ حفل نهاية السنة الدراسية للصف الثاني. والآن، يبدو الأمر وكأنه حدث منذ زمن بعيد. عرفت بوجود الغرائب── ثم أصبحت أنا نفسي منها── ومنذ ذلك الحين، استمرت الأمور على هذا النحو. شيطان. قطة. سلطعون. حلزون. قرد. ثعبان. ثم مجددًا… قطة. قطة متحولة──قطة مؤذية. بلاك هانيكاوا──هانيكاوا تسوباسا أخرى. في معظم الأساطير، القطة المتحولة تتنكر في هيئة إنسان──هناك عدد لا يحصى من الأساطير التي تروي كيف تقتل عجوزًا أولًا، ثم تتنكر في هيئة تلك العجوز، وتقتل كل من يدخل المنزل بعد ذلك. القطة تتنكر في هيئة إنسان. ثم──تأكل البشر. لكن القطة المؤذية مختلفة عن ذلك──أو بالأحرى، ربما هي تفسير آخر للأسطورة نفسها من زاوية مختلفة. ليست القطة هي التي تصبح إنسانًا──بل الإنسان هو الذي يصبح قطة. عندما تتنكر القطة المتحولة في هيئة إنسان، ينكشف أمرها بسبب تصرفاتها غير الطبيعية، لكن القطة المؤذية تتعامل مع تلك التصرفات الغير طبيعية من خلال تفسيرها كنوع من تعدد الشخصيات. وإذا اقتطعنا هذا الجزء وحده، فهي تشبه إلى حد ما حالة تلبس الثعلب. وفي كثير من الحكايات الشعبية عن القطة المؤذية، تأخذ القصة هذا الشكل──زوجة عفيفة تخرج ليلًا كل ليلة إلى المدينة وتتحول إلى امرأة فاجرة──فيقول راهب مسافر، أو محارب، أو صياد، إن هذا من فعل قطة متحولة، ثم يقتلها بضربة واحدة──ليكتشف أن تلك المرأة هي نفسها الزوجة. إذا حكمنا على الأمر من خلال تلك النهاية وحدها، فلن نجد قطة في الأسطورة أصلًا. لا تظهر القطة البيضاء عديمة الذيل إلا كزخرفة، أو كعنصر يضخم إثارة القصة──أما الموضوع الحقيقي والمحور الحقيقي، فهما الإنسان نفسه. وجهان للإنسان. الجانب الآخر من هانيكاوا──هانيكاوا تسوباسا السوداء والشريرة. لا──بل ربما هي البيضاء. وفي كلتا الحالتين، لا يغير ذلك حقيقة أنها تتعرض للافتراس… أود أن أعرف رأي كانبارو في هذا. حين أفكر في الأمر، قد تكون القطة المؤذية والقرد الذي ظهر في حالة كانبارو متشابهين فعلًا──متشابهين فقط، بالطبع، لأنهما في النهاية متشابهان وغير متشابهين. الفرق الأكبر أن القرد لم يفعل سوى تحقيق رغبة كانبارو سوروغا بناءً على عقد شرعي──أما القطة المؤذية، فهي تقف بالكامل، وبلا قيد أو شرط، إلى جانب هانيكاوا تسوباسا. خلال الأسبوع الذهبي، هاجمتني أنا وأوشينو، بل وحتى هانيكاوا نفسها في النهاية بدافع الحقد والعداء──لكن حتى ذلك كان من أجل هانيكاوا. حتى لو لم تكن تلك النتيجة التي أرادتها أو تمنتها هانيكاوا──فالقطة كانت إلى جانب هانيكاوا. بل أكثر من كونها إلى جانبها──كانت هي نفسها. وهنا يكمن الفرق بينها وبين قرد كانبارو. كانبارو الآن لا بد أنها تواصل الركض. ومع ذلك──لا اتصال. لا أحد يتصل. لم نعثر بعد على أي خيط، بل لم نجد حتى موطئ قدم. لا توجد حتى بداية يمكن التمسك بها. ما الذي يحدث؟ طفلة شقراء يجب أن تكون أكثر ما يلفت الأنظار في هذه المدينة الآن──ومع ذلك، لا نحصل حتى على شهادة من شخص رآها. هل يعقل أنها غادرت المدينة بالفعل؟ لا، إنها تمشي على قدمي طفلة… لا بد أن الأمر كذلك. إذا لم أكن إلى جانبها──فلا بد أن شينوبو لا تستطيع فعل شيء. رفعت نظري إلى السماء. ليل. لقد أظلمت السماء تمامًا. سماء مليئة بالنجوم──لا يمكن مقارنتها، بالطبع، بالسماء التي رأيتها ليلة أمس من المرصد الفلكي… لكنها مع ذلك جميلة بما يكفي. أشعر أن النظر إلى السماء هكذا سيصبح عادة لديّ──لأنها ذكرى من ذكرياتي مع سينجوغاهارا. «كل شيء.» قالت. «هذا تقريبًا كل ما أستطيع أن أعطيه لأراراغي-كن──» لكن هذا ليس صحيحًا. ليس هذا ما قصدته. فهي تمنحني الذكريات هكذا، بالفعل. ليس السماء المرصعة بالنجوم فقط──بل منذ أول لقاء لنا عند الدرج وحتى الآن. الذكريات… الذاكرة. ذاكرة هانيكاوا──لن تزول بعد الآن. ومع ذلك، كنت أظن أن ذكريات ارتباطي بالغرائب من الأفضل أن تختفي──لكن ربما كان أوشينو محقًا. وليس بالمعنى الذي قصده أوشينو فقط. أنا أيضًا──لا أريد أن أنسى. تلك العطلة الربيعية. ذلك الجحيم. لأن كل شيء بدأ هناك── «…شينوبو──أوشينو شينوبو.» سأعثر عليك حتمًا. سأعثر عليكِ مهما كلف الأمر. لقد قررت أن أتحمل عبء وجودك طوال حياتي──

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط