المقدمة
” الأُسس. بدماء نقية توهّجت ببريق مجدك الغابر، واتصلت بفتور ببقايا آثارك، غير قادرة رغم هذا من المساس بأصلك العاتي. ارتبط بك عبر هذا الخيط الفاني لأنادي عليك أيها العالي. أُقيم المأدبة إكرامًا لروح ذاتك، وأنتظر منك إكرامًا بردٍ على صوتي المنادي. مستخدمًا ما تبقى من خطوط حياتك كجوهرة مشّعة تدلك علي، مكررًا النداء مستذكرًا ببطولاتك، مجدك، ملكوتك وتراثك. أناديك انا من هنا بإسم إسترديوس من لا يسعك تجاهله، فإن سمعت ندائي أيها البطل، ووعيت محضرك، فاحضر وأجب! ”
بالداخل، يمكنك ان تجد كل قطعة فريدة صُنعت فقط لأجل تزيين منزلك، او كغرض يمكن وضعه بالمطبخ او الحمام او غرف النوم وبمختلف التصاميم والألوان.
بالرغم من نطقه لكل تلك السطور غير المألوفة، ورغم شعوره بذلك الوزن الغريب الذي كان يُثقل على اكتافه، عنقه، اقدامه، وخصوصًا يده اليمنى التي كان يُشهرها ويبسط راحتها أمامه، لم يتوقف ولوا لثانية او يخطئ بحرف واحد. وكأنه تدرب على الأمر طوال فترة طويلة، طويلة كفاية لتسمح له بالوقوف بذلك الشموخ والثبات، بالرغم من أن انفه قد اصبح يسيل دمًا منذ فترة الآن. الا ان ذلك لم يكن كافيًا لكسر عزيمته على ما يبدوا. وكأنه يقوم بشيء لن يقدر على القيام به من جديد، وكأنها فرصة واحدة بحياته التي يبدوا ومن شكل وجهه العام، بأنه لم يعش نصفها الأكبر بعد. واصل الرجل، او الشاب بشكل محدد أكثر، ترديد تلك الكلمات من جديد.
“إن سمعت ندائي..” رغم آلامه المستمرة تلك ” ..بحال وصلك الخيط الفاني” استمر الشاب بكبح صرخاته، ومواصلة ندائه ” ..بإسم إسترديوس ” مستعينًا بإمبراطور السحر ” أناشدك ان تجب!!” أجبرت كلمات الشاب الدائرة السحرية التي كانت أمامه، بأن تشع بضوء أبيض شفاف شديد النصاع بشكل لم يراه من قبل.
_لن أتوقف الآن..ليس بعد ان وصلت لهذا الحد!_
” لن يموت أحد إن قمت بتأخير فحص شحنات القمح الآتية من الخارج، او بالأحرى، هذا ليس عملك من الأساس”
وبينما كان يضغط على عقله ويستمر بتشجيع نفسه بذلك الشكل، واصل كذلك الضغط على جسده الذي ولسبب مجهول، اصبحت مساماته التي كانت وظيفتها الوحيدة هي إخراج قطرات العرق عند الشعور بمقدار معين من التوتر او الحرارة بالأجواء، تخرج قطرات حمراء اللون ذات رائحة كانت مألوفة بالنسبة للشاب.
_لن أتوقف الآن..ليس بعد ان وصلت لهذا الحد!_
الدم. كان الدم هو ما يقطر من تلك المسامات. ولم تكن سوى دماء الفتى بنفسه.
“انا… لا افهم ما تحاول قوله تحديدًا.. ” قالت شيون، بالرغم من انها تعلم تمامًا ما يحاول الملك قوله.
وكأن شيئًا كان يثقب جلده من الخارج متسببًا بخروج تلك القطرات التي غطت معظم وجه الشاب وجسده داخل ثيابه، لم يكن الشاب بالحقيقة يعاني من هذه الظاهرة الغريبة لوحدها، بل كانت كل عظمة من جسده اليافع، تتصدع وتتشقق داخل اللحم. وبينما واصل الفتى بترديد تلك الكلمات لمرة ثالثة وأخيرة، سمع أخيرًا صوت صرير صغير..تبعه صوت تكسر عظيم، لم يصدر سوى من أقدامه التي وصلت لحدودها التحملية القصوى، وتكسرت بتلك الطريقة المخزية متسببةً بإنهيار الشاب على الأرض.
عادةً، قد تحدث مثل تلك الأمور الإعجازية، لأولئك الذين يعانون كثيرًا في حياتهم. من لا يملكون قوت يومهم، من لا يضمنون عيشهم ليوم آخر. لأولئك المخاطرين بحياتهم في ساحة المعركة، او لأولئك الفشلة الذين لطالما تمنوا تغيير واقعهم، والنجاح بشيء لطالما أرادوه.
” أغغه!! اللعنة! ” صرخ الشاب بتلك الكلمات التي صدرت من صوت يافع بالفعل.
” شيون ”
ولكن ومهمًا كان ما قاله، وعلى الرغم من إستمرار دمائه بالهروب من جسده عبر مساماته بسرعة خطيرة، وحتى بعد ان تخلت عنه اقدامه، استطاع الشاب بشكل ما من السقوط والإستقرار بوضعية جالسة، ومازال يُشهر تلك اليد اليُمنى التي كانت اظافرها ناصعة البياض، تُقطر الدماء من اطرافها بغزارة الآن.
تلك، كانت ذكرى بعيدةً ولكن سهلة التذكر داخل عقل شيون. وبالرغم من مرور كل ذلك الوقت، الا انها لازالت تتذكر كل فعل كانت تقوم به الأميرة، وكل مشكلة كانت تثيرها بالقصر، وتجعل الجميع من حولها ينصدمون من افعالها بكل مرة. ولكنهم ورغم ذلك، لم يقولوا يومًا بأنهم يكرهون التواجدة حولها.
“إن سمعت ندائي..” رغم آلامه المستمرة تلك ” ..بحال وصلك الخيط الفاني” استمر الشاب بكبح صرخاته، ومواصلة ندائه ” ..بإسم إسترديوس ” مستعينًا بإمبراطور السحر ” أناشدك ان تجب!!” أجبرت كلمات الشاب الدائرة السحرية التي كانت أمامه، بأن تشع بضوء أبيض شفاف شديد النصاع بشكل لم يراه من قبل.
” ولكن ورغم هذا.. ” وكأنه قد وصل لحقيقة معينة، حقيقة لن يستطيع تصديقها فقط بتلك السهولة. حتى وإن كان هو من يخبر ذاته بذلك، اعاد الرجل النظر إلى الشاب، فقط لكي يجده ساقطًا على وجهه، خار القوى، وفاقد للوعي بالكامل.
” أجبني!! ” صارخًا أخيرًا، بينما يقوم بضييق عينيه حتى لا يتسبب الوهج الشديد بإعمائه، غير مظهر اي رغبة بإنزال يده اليمنى التي لازالت معلقةً بالهواء، غير قادر على تغطية عينيه بيده اليسرى التي كانت الشيء الوحيد الذي يمنع جسده من السقوط على الأرض، واصل الشاب ببطولة ستعجب كل من يرى المشهد أمامه، بمناداة شخص معين بكل ما أوتي من قوة.
ولم تكن للشاب اي ردة فعل سوى ان ارتعش جسده قليلًا من جراء سماعه لتلك الكلمات، ولكن كان ذلك ايضًا، كل ما خرج منه.
والغرفة التي كانت مظلمة منذ دقائق ما عدا من تلك الشمعة الصغيرة التي انطفئت الآن بسبب إشتداد الرياح التي ظهرت من العدم وتسببت بتكوين عاصفة داخل الغرفة، اصبحت الآن تشع بإشراق بذلك الوهج أبيض اللون، والصادر من تلك الدائرة السحرية بمنتصفها.
” لن نبدأ أي مراسم لنقل التاج ملكي. ”
رغم وجود تلك الستائر التي كانت تغطي نوافذ الغرفة، وبالرغم من ان الغرفة نفسها كانت مجرد غرفة آخرى داخل منزل خشبي يقع بمكان مجهول من العالم، الا ان الوهج كان قويًا لدرجة اصبح فيها المنزل بأكمله، يشع من الخارج. وبحال كان هنالك اي شخص بأي مكان بعيد ومرتفع قليلًا عن الأرض، فلن يحتاج سوى للنظر بإتجاه ذلك المنزل، فقط ليرى تلك المساحة البيضاء المتوهجة، والتي كانت تعمل عمل القمر المعلق بالسماء، بشكل أفضل منه.
” سؤال؟ ” ولكن، لا يبدوا بأن الملك يفهم ما تتحدث عنه شيون.
بذلك الشكل، استمرت الدائرة السحرية بإخراج ذلك الضوء الفاقع لفترة من الزمان، ومن بعد مرور بضعة ثوانٍ احسها الشاب كعدة سنوات أبدية، انفجر منتصف الدائرة بطاقة سحرية شديدة الغلظة، ولكن شديدة النقاء، كقنبلة وضعت بالمنتصف، تسبب الإنفجار الصغير بتناثر الغبار داخل الغرفة من كل ركن، وتفجر الرياح التي كانت تحوم حول المكان، وعقب كل ذلك اخيرًا، إنخفاض شدة الوهج الأبيض تدريجيًا حتى استطاع الشاب اخيرًا فتح عينيه ببطئ.
” انت تفهم جلالتك، صحيح؟ بالطبع، انت ولا أحد غيرك، سيستطيع فهم عقلية الأميرة الفريدة، ومعرفة انها هي، من لم توافق على الفحص الجسدي الإسبوعي، فقط لأن الأجهزة المستخدمة في الفحص تصدر بعض الأصوات الإلكترونية المزعجة، ومن رفضت الإشتراك بالمسابقة السنوية الكبرى لأقوى السحرة بالعاصمة شيراين، فقط لأن الجائزة النهائية لم تنال على إعجابها، ومن ارادت ترويض ذلك الريدراغونيون داخل القصر الملكي…ستقوم الآن بالموافقة على أي خطيب عشوائي ستقوم بإختياره انت.”
“..؟!”
ولكن، من سيعلم بأنه وفي يوم ما، سينجح أحد بتغيير تلك القوانين الثابتة، بتحطيم ذلك الجدار الراسخ، وعبور تلك الحدود الحمراء اللانهائية، وتغيير القواعد التي ظن إستريديوس نفسه بأنها قد لا تتغير يومًا.
ومن بعد إرتفاع رموشه المميزة فضية اللون، لم يستطع الشاب رغم ذلك معرفة ما يقبع أمامه، او ما كان ينظر إليه تمامًا. فبسبب ذلك الوهج شديد القوة، والذي يمكن ان يتسبب بفقدان للبصر لأي شخص لم يقم بتعزيز عينيه او جسده بالسحر بتلك اللحظة، تمامًا كما فعل الشاب، رمش الشاب بعينيه لعدة مرات، ومن بعد مرور القليل من الوقت، اتضحت رؤيته المتشتتة أخيرًا.
فمهما كانت الطريقة التي تصفه بها، كان من الواضح ان السحر يسهل الحياة على الكثيرين، ويصعّبها على البعض كذلك. فبينما استمتع اولئك الذين انعم عليهم العالم بالبذرة السحرية، يوجد اولئك مِمَن ولدوا دون تلك البذرات التي تؤهلهم لإستخدام السحر.
” هذا..” وعندما استطاع أخيرًا رؤية ما يقف امامه، كان هذا كل ما استطاع قوله.
والغرفة التي كانت مظلمة منذ دقائق ما عدا من تلك الشمعة الصغيرة التي انطفئت الآن بسبب إشتداد الرياح التي ظهرت من العدم وتسببت بتكوين عاصفة داخل الغرفة، اصبحت الآن تشع بإشراق بذلك الوهج أبيض اللون، والصادر من تلك الدائرة السحرية بمنتصفها.
بأي حال من الأحوال، كان ما يسمى بالسحر، مصطلحًا مشهورًا وشيئًا عاديًا للغاية يمكن ان تراه وتسمعه بأي مكان بهذا العالم. ولكن ورغم هذا، لم يكن السحر نفسه بشيء طبيعي على الإطلاق.
احم، بالنسبة لباقي المتاجر خارج منبع شيراين، فيكفي ان نقول بأن معظمها تأتي بمنتجاتها من المتاجر الموجودة داخل المنبع. وبينما كان سعر المواد ارخص بثلاث مرات على الأقل داخل المنبع، فقد كان العكس يحدث بالمتاجر بالخارج، بالرغم من ان انها تأتي بها من الداخل. وهذا، خلق سببًا إضافيًا للمشتريين حتى يقوموا بقطع كل تلك المسافة لشيراين.
فمهما كانت الطريقة التي تصفه بها، كان من الواضح ان السحر يسهل الحياة على الكثيرين، ويصعّبها على البعض كذلك. فبينما استمتع اولئك الذين انعم عليهم العالم بالبذرة السحرية، يوجد اولئك مِمَن ولدوا دون تلك البذرات التي تؤهلهم لإستخدام السحر.
ولكنها ورغم ذلك، رغم تلك الجدية المفاجئة والتغيير الملحوظ والسريع بمظهر الملك، لم تفكر شيون بداخلها سوى بـ ” هل هو جاد حقًا.. ” وتتنهد بعمق قبل ان تعيد إصلاح وضعية جلوسها من جديد، وتجيب سؤال الملك بشكل ربما لم يتوقعه.
فكما قال إستريديوس ذات مرة، إمبراطور السحر الساقط كما يحب ان يصفه كُتيب معين، ” فإن عنى إنعدام المياه ذبول أرضي، فكذلك يعني إنعدام البذرة لشعبي ”
ولكن وكعادته، لم يكن الملك ليسمح لها بالرحيل إلى الجانب الآخر بتلك السهولة.
كما يمكن لأي شخص ان يفهم من تلك الكلمات، كان هذا الإمبراطور يرى ان لا حياة للأرض بلا ماء، وكذلك، لا حياة للبشر بلا بذرة.
” آه عن ذلك الأمر، كيف يبدوا شكل الرجال الذي تفضله لونا يا ترى..؟ ”
ولكن وبعيدًا عن منطق ذلك الإمبراطور الذي ساعد بتحكيم قواعد السحر للأجيال القادمة، فقد كان السحر فعلًا شيئًا شديد الأهمية بهذا العالم، وفقط من امتلكوا القدرة على إستخدامه وتطويعه، سيعيشون تلك الحياة التي ابتغوها.
لسبب لا يعلمه الكثير، توفت والدة لونا عندما كانت تقوم بعملية ولادة ابنتها، وبينما لم يمتلك الملك اي نساء اخريات او ابناء آخريين، سيكون من المستحيل العثور على اي شخص لتوارث العرش من بعده، او حتى ليلمئ ثغرة الأمير او الأميرة بالقصر.
او هذا ما كان يظنه إستريديوس واغلب سكان العالم قبل بضعة مئات من السنين.
” لن يموت أحد إن قمت بتأخير فحص شحنات القمح الآتية من الخارج، او بالأحرى، هذا ليس عملك من الأساس”
“..أجبني، هل أنت من قام بإستدعائي؟ ” تردد صوت هادئ ثابت، نطق بتلك الكلمات ونشرها بأطراف الغرفة.
ولكن وبعيدًا عن منطق ذلك الإمبراطور الذي ساعد بتحكيم قواعد السحر للأجيال القادمة، فقد كان السحر فعلًا شيئًا شديد الأهمية بهذا العالم، وفقط من امتلكوا القدرة على إستخدامه وتطويعه، سيعيشون تلك الحياة التي ابتغوها.
ولكن ذلك الصوت، تلك النبرة، لم تكن بأي شكل من الأشكال تابعةً لذلك الشاب الذي لم تتطور حباله الصوتية بعد حتى يمتلك مثل هذا الصوت الغليظ. ورغم هذا، فتلك الغرفة التي لم تكن تنيرها سوى ضوء الدائرة السحرية الخافت، لم تحتوي منذ البداية سوى على شخص واحد بها.
وكأن شيئًا كان يثقب جلده من الخارج متسببًا بخروج تلك القطرات التي غطت معظم وجه الشاب وجسده داخل ثيابه، لم يكن الشاب بالحقيقة يعاني من هذه الظاهرة الغريبة لوحدها، بل كانت كل عظمة من جسده اليافع، تتصدع وتتشقق داخل اللحم. وبينما واصل الفتى بترديد تلك الكلمات لمرة ثالثة وأخيرة، سمع أخيرًا صوت صرير صغير..تبعه صوت تكسر عظيم، لم يصدر سوى من أقدامه التي وصلت لحدودها التحملية القصوى، وتكسرت بتلك الطريقة المخزية متسببةً بإنهيار الشاب على الأرض.
ولكن ومهما نظرت الآن، كنت حتمًا سترى ذلك الشاب المليء بالجروح والدماء التي توقفت عن النزيف الآن، جاثمًا الأرض وبالكاد يستطيع الحراك. وامامه تقف صورة ذلك الرجل طويل القامة، عريض الكتفين، أسود الشعر والعينين.
” شيون ”
بخلاف الشاب، من كان يرتدي نوعًا مشهورًا من البذلات التي كانت متداولة بين طبقة النبلاء، فكان الرجل أمامه يرتدي شيئًا كان اشبه بدرع فارس قديم، درع مليء بالخدوش، التشققات والتصدعات، ولكن ورغم كل تلك السلبيات التي ستجعل من اي درع آخر يبدوا وكأنه مجرد قطعة مهترئة عفى عنها الزمان، كان هذا الدرع ولسبب يجهله الشاب، يلمع ببريق جذاب، وينضح بنوع من هالة غامضة لا تفسير لها، كما ويتناسب بلونه الأسود اللامع، مع من كان يرتديه، تاركًا إنطباعًا قويًا يخبرك بأن هذا الدرع بالتحديد، ينتمي لهذا الرجل بالخصوص.
ربما ظن الجميع بأنهم فقدوا الكثير بلحظة فقدان أميرتهم الغالية، وربما كان الملك بنفسه، والذي تغير 180° منذ رحيلها، واصبح يقوم بأعماله تمامًا كما يطلب منه، ويقلل وقت فراغه، ويتوقف عن الهرب من مسؤولياته، كما ويشغل نفسه بمسؤوليات القصر لدرجة اصبحت فيها شيون هي من تترجاه لأجل أخذ قسط من الراحة ولو لقليل من الوقت، قد تلقى القدر الأعظم من الصدمة.
“…اكليوس ” هربت تلك الكلمات بخفة من فم الشاب، الذي غُمر بهالة ذلك الدرع.
بينما كان الملك يعيد حفر تلك الكلمات عميقًا داخله، وتذكر اللحظات والأوقات التي تصرفت فيها ابنته وفقًا لذلك المبدأ، تقريبًا بكل مرة، كانت شيون على الجانب الآخر تفكر بشيء مختلف تمامًا.
وفقط عندما وصلت تلك الكلمات الى اذني صاحب الدرع، توسعت عيناه قليلًا فقط، وكأنه يشعر بالتفاجئ من تلك الكلمات، الأمر الذي دفعه لإنزال بصره للأسفل، والنظر بدرعه الخاص.
ولكن وكما توقعوا، لم تكن محاولة ترويض وتدريب تلك القوة، سوى مجرد تحدي آخر، أشغل المملكة بأكملها آنذاك.
من زاوية نظر الشاب، من كان يقف أمام صاحب الدرع مباشرةً، وينظر الآن الى تعابير الرجل، ظن الشاب للحظة فقط بأنه قد رأى نوعًا من تعابير الحزن التي ظهرت بوجه صاحب الدرع. ولكن وبسرعة ظهور تلك التعابير المجهولة، اختفت تمامًا من ملامحه، وسرعان ما أعاد صاحب الدرع عينيه للتركيز بعيني الشاب مجددًا.
ولم تكن للشاب اي ردة فعل سوى ان ارتعش جسده قليلًا من جراء سماعه لتلك الكلمات، ولكن كان ذلك ايضًا، كل ما خرج منه.
” انا اسألك، هل انت من قام بإستعدائـ—؟” مجددًا، ردد الرجل صاحب الدرع، تلك الكلمات امام وجه الشاب، ولكن هذه المرة، ولسبب ما، لم تخرج الكلمات بشكل كامل من حنجرته كما اراد.
” املك الوقت الكافي لفعل ذلك لذا سأفعله. وبعد كل شيء، إنها مسؤوليتي ان اتأكد من مستوى صحة ما قد يتحول لطعام سيتناوله شعبي. ” بوجه مثل تلك التصريحات التي اعتادت شيون على سماعها تخرج من شخصية الملك الجديدة، لم تستطع بذات الوقت التفكير برد مناسب لمناقضة مثل تلك الأفكار، واكتفت بدفعه نحوا الحشود، والسير رفقتها بالطريق الرئيسي بمدينة شيراين.
وهذه المرة، وبطريقة واضحة أكثر من السابق، لم يمانع صاحب الدرع من إظهار ذلك التعبير المتفاجئ على وجهه. بالرغم من انه كان خافتًا بعض الشيء، الا ان الشاب استطاع رؤية تعابيره بوضوح.
ولكن وبينما كان الملك يسير بجانب شيون، متجهان ناحية مطعم مشهور معين، توقفت أقدام الملك عن السير فجأةً.
” انا ارى..انت لا تملك واحدةً الست كذلك ” وكأنه قام بتحديد شيء فريد بالنسبة له، متسائلًا ولكن غير متسائل بذات الوقت، اشار صاحب الدرع تاليًا، للشيء الذي اجبره على تناسي سؤاله المهم للحظات.
وخلف تلك اللائحة، ستبدأ متاجر الثياب الراقية والأنيقة بملئ عينك من كلا الجانبين، ولم يتوقف الأمر على اطراف الطريق فقط كما نرى بمعظم الأسواق، بل ان الطريق التجاري كان يتوسع أكثر للداخل، داخل الأزقة المنيرة والتي حملت عدة لافتات على أطرافها تشير إلى اين سيقود الطريق. ولكن وبالطبع، كان ما ستجده خلف المنطقة المخصصة للأزياء، المزيد من الثياب والمتاجر الأقل شهرة من سابقيها، ولكنها كذلك تقدم العديد من الأنواع الفريدة والفخمة من الأنسجة الخاصة لحياكة الثياب.
” انت..لا تملك بذرة كما أرى..” قال متيقنًا، وهو يركز ببصره نحوا الشاب، نحوا صدر الشاب مباشرةً.
ولكن ورغم كل تلك الشكوك، فقد امتلك هذا العالم حقًا، نوعًا من العاطفة التي ستحدث نادرًا جدًا، وبمرات قليلة أيضًا. ولكنها ستترك أثرًا لن ينساه كل من سيستمع إلى قصته، دعك ممن أختبروا الأمر بأنفسهم.
ولم تكن للشاب اي ردة فعل سوى ان ارتعش جسده قليلًا من جراء سماعه لتلك الكلمات، ولكن كان ذلك ايضًا، كل ما خرج منه.
بالطبع، هكذا ستكون الحال مالم يطلب منها الملك اي شيء غير مرغوب فيه بالنسبة لها.
السحر شيء فريد بلا شك. وكما وان لكل شيء فريد أثر، فكان للسحر أثره الخاص كذلك. فكما استطاع المفترسون تقفي أثار ضحاياهم عن طريق إتباع روائحهم او خطواتهم، وكما استطاع المقاتل المخضرم من التعرف على أي مقاتل آخر فقط من تركيبة جسده وبنيته العضلية، فكذلك الأمر ينطبق على السحرة بين بعضهم البعض.
ولكنها ورغم ذلك، رغم تلك الجدية المفاجئة والتغيير الملحوظ والسريع بمظهر الملك، لم تفكر شيون بداخلها سوى بـ ” هل هو جاد حقًا.. ” وتتنهد بعمق قبل ان تعيد إصلاح وضعية جلوسها من جديد، وتجيب سؤال الملك بشكل ربما لم يتوقعه.
ومع وجود عدة طرق للتأكد من وجود اي ساحر بالجوار، فكانت افضل واقصر طريقة لفعل ذلك، هي عن طريق النظر إلى منطقة صدره فقط، حيث يقبع القلب، وتمامًا بجواره..تقبع البذرة.
كان السبب الذي جلبهما لهذا القسم بالتحديد، بالطبع يكمن في كونه احد الأقسام المفضلة بالنسبة للملك. وبما أن شيون أرادت جعل الملك يسترخي، فجعله يأتي إلى احد اماكنه المفضلة، وخصوصًا مكان يمكنه ان يملئ فيه بطنه التي اصبح لا يتفضل عليها بالكثير كما السابق، ستجعله يسترخي إلى حد ما.
ولكن ومهما نظر صاحب الدرع، لم يستشعر بأي ذرة طاقة خارجة من صدر ذلك الشاب، وعوضًا عن ذلك، كانت كل الطاقة السحرية، المانا، تصدر من أسفل اقدامه. وتحديدًا من تلك الدائرة السحرية التي يقف بها.
ولكن، من سيعلم بأنه وفي يوم ما، سينجح أحد بتغيير تلك القوانين الثابتة، بتحطيم ذلك الجدار الراسخ، وعبور تلك الحدود الحمراء اللانهائية، وتغيير القواعد التي ظن إستريديوس نفسه بأنها قد لا تتغير يومًا.
“..انا لا أفهم ” مضيقًا بعينيه، ناظرًا إلى الدائرة المشعة أسفله، تمتم صاحب الدرع بتلك الكلمات.
بالنسبة لهذا القطاع كونه يمتلئ عادةً بالمحتالين، فقد صنعت لهم شيراين، قيودهم الخاصة كذلك.
السحر، كان شيئًا رائعًا بحق، شيء سيحقق السعادة لمالكه بلا ادنى شك، ولكن وبالطبع، يمكن ان يتحول كل ذلك، وينعكس ليصبح مجرد شيء مزعج، واداة لا يمكن إيقافها أمكنها الفتك بالعالم.
ولكن، غياب تلك الأميرة عن ذلك القصر، لم يكن سيعني إلا وبشكل لا يصدقه أحد، حضور أميرة آخرى لسد الثغرة التي تركتها السابقة.
ولمنع حدوث مثل تلك الأهوال التي خشيها إمبراطور السحر، قام الأخير بوضع احكام خاصة لاولئك الذين امتلكوا البذرة، احكامًا ستحد من قوتهم كثيرًا بالطبع. وأخبر الذين لا يمتلكون البذرة بأنهم سيعيشون حياة طبيعية فقط، ولن يستطيعوا يومًا استخدام السحر مهما تمنوا.
لن تبالي الأميرة بما يقوله من حولها مهمًا كانوا.
” ولكن ورغم هذا.. ” وكأنه قد وصل لحقيقة معينة، حقيقة لن يستطيع تصديقها فقط بتلك السهولة. حتى وإن كان هو من يخبر ذاته بذلك، اعاد الرجل النظر إلى الشاب، فقط لكي يجده ساقطًا على وجهه، خار القوى، وفاقد للوعي بالكامل.
” اجل. الشيء الذي تحدثت عنه الآن فقط. ”
“….”
ولكن ولهذا السبب، كان التاجر المحنك، ينظر إلى شيون بالتحديد. من كانت تنظر للعاطفة ثانيًا، وللمنطقية أولًا.
برؤيته لذلك المشهد الذي زاد من حيرته فقط، ولكن، جعله يتأكد من افكاره أكثر، لم يفعل صاحب الدرع تاليًا شيئًا سوى المشي خارجًا عن منتصف الدائرة التي تلاشى ضوئها الآن، واستمر بالسير حتى اصبح يقف امام الشاب الساقط.
ولكن، من سيعلم بأنه وفي يوم ما، سينجح أحد بتغيير تلك القوانين الثابتة، بتحطيم ذلك الجدار الراسخ، وعبور تلك الحدود الحمراء اللانهائية، وتغيير القواعد التي ظن إستريديوس نفسه بأنها قد لا تتغير يومًا.
دون تردد وبحذر، مقسمًا على شيء عميقًا بقلبه، انحنى صاحب الدرع للأسفل، قبل ان يقوم برفق وبحذر، بحمل الشاب بين يديه ورفعه عن الأرض.
وحتى وبتلك الحال، لم تكن الأميرة ستفعل شيئًا أكثر من قول ” لا حاجة لذلك ” او ” لا ارغب بفعل ذلك ” وتكرار ذات الكلمات لعدة مرات قبل ان يستسلم الملك.
“..انا حقًا لا أفهم شيئًا ” محتارًا بأفكاره، بينما ينظر إلى جسد الشاب المليء بالإصابات وكأنه قد خرج منتصرًا من ذروة معركة حامية الوطيس، متفحصًا وجهه اليافع والوسيم بشكل ملحوظ، لم يقم الرجل تاليًا سوى بأخذ خطوة للأمام، والسير بإتجاه الباب المؤدي إلى خارج الغرفة.
وحتى وبتلك الحال، لم تكن الأميرة ستفعل شيئًا أكثر من قول ” لا حاجة لذلك ” او ” لا ارغب بفعل ذلك ” وتكرار ذات الكلمات لعدة مرات قبل ان يستسلم الملك.
السحر، دون الحاجة للقول، كان شيئًا مثيرًا شديد التعقيد. يسمح لمن امتلكوا المخيلات الخصبة بخلق وصناعة كل ما يريدون كيفما ارادوا، ويجعل اولئك ممن لم يمتلكوه يشعرون بالضيق والنقص الشديد. وقد كان وإلى يومنا هذا، يقسم العالم إلى قسمين.
منطقة الحرير التجارية بمنبع شيراين، كان وبشكل لا يصدق، أقل منطقة احتوت على قوانين صارمة للبيع والشراء، فبينما كان هذا مجرد قسم إفتتاحي بالسوق، كان الطريق الطويل والملتف بشكل حلزوني فريد، يحتوي على المزيد من الأقسام المتتابعة، والمتشرعة بالداخل.
ولكن، من سيعلم بأنه وفي يوم ما، سينجح أحد بتغيير تلك القوانين الثابتة، بتحطيم ذلك الجدار الراسخ، وعبور تلك الحدود الحمراء اللانهائية، وتغيير القواعد التي ظن إستريديوس نفسه بأنها قد لا تتغير يومًا.
ولكن ومع مرور الوقت، لم يأتي ولا احد من اولئك الجواسيس الذين تقدر اعدادهم بالألاف بأي خبر يسر مسامع الملك، وعوضًا عن ذلك، واصلوا البحث لمدة سنة وشهرين إضافيين، قبل الموافقة الرسمية ومن قبل الملك بنفسه على إعلان مقتل الأميرة بمكان مجهول بهذا العالم.
—
هناك، تحققت لذلك الملك، معجزة.
فقط، من كان ليظن ان هذا العالم، امتلك مفهومًا حقيقيًا للعطف.
” ما أحاول ان اقوله هنا، هو ان الراحة شيء ضروري بلا شك. ولكن العمل يملك نفس الأهمية، وذات الوزن وربما أثقل، ولكن، وعندما تتحول الراحة لتسيب، ويصبح العمل ضاغطًا بسبب هزلي السابق، وإهمالي الذي تسبب بفقداننا للكثير.. ” متذكرًا الحادثة التي لم يلم فيها الملك شخصًا إلا نفسه بعد ان انفجر في البداية وألقى أمرًا معينًا بشكل غير عقلاني رغم حكمته المعروفة، اكمل الملك كلماته التي لم يكن سيجرؤ يومًا على قولها أمام هذه المرأة بالتحديد: ” انا لا احتاج للراحة الآن، ولكن وبما انك لا تفهمين ما اقوله، كحالك الآن تمامًا، ولا تحاولين الفهم ربما، وتستمرين بمحاولة إغوائي ودفعي نحوا الملذات التي غرقت بها ذاتي السابقة، فأنا الآن لست ضعيفًا كما السابق، ولن اسمح لكِ او ايًا كان بالوقوف أمام عملي لأجل شعبي المخلص. ولهذا شيون.. ومنذ اليوم، انا، وبصفتي ملكك الوحيد، أمرك بـ—”
بشكل او بآخر، وطالما وُجد الحزن، ستجد السعادة تأتي بمرحلة ما. كان ذلك شيئًا ثابتًا قد ذُكر كثيرًا بأفواه الحكماء، والذين امتلكوا خبرة في الحياة. ولكن ورغم ذلك، وحتى مع تكرار إستماعنا لتلك القصص التي تكون من بدايتها وإلى قرب نهايتها مليئة بالمآسى والسوداوية، وفقط وبشكل ما نجدها تنتهي بشكل حميد يجعل الجميع يعيشون بسعادة وسلام. بالرغم من حدوث مثل تلك الأمور بعدة أماكن بهذا العالم، الا انه دومًا سنجد ذلك الشك الطفيف وهو يتآكل رؤوس من استمعوا لتلك القصص، جاعلًا إياهم يتسألون عن ما إن كان هذا العالم، يمتلك حقًا مفهومًا للعطف.
برؤيته لذلك المشهد الذي زاد من حيرته فقط، ولكن، جعله يتأكد من افكاره أكثر، لم يفعل صاحب الدرع تاليًا شيئًا سوى المشي خارجًا عن منتصف الدائرة التي تلاشى ضوئها الآن، واستمر بالسير حتى اصبح يقف امام الشاب الساقط.
ولكن ورغم كل تلك الشكوك، فقد امتلك هذا العالم حقًا، نوعًا من العاطفة التي ستحدث نادرًا جدًا، وبمرات قليلة أيضًا. ولكنها ستترك أثرًا لن ينساه كل من سيستمع إلى قصته، دعك ممن أختبروا الأمر بأنفسهم.
” أجبني!! ” صارخًا أخيرًا، بينما يقوم بضييق عينيه حتى لا يتسبب الوهج الشديد بإعمائه، غير مظهر اي رغبة بإنزال يده اليمنى التي لازالت معلقةً بالهواء، غير قادر على تغطية عينيه بيده اليسرى التي كانت الشيء الوحيد الذي يمنع جسده من السقوط على الأرض، واصل الشاب ببطولة ستعجب كل من يرى المشهد أمامه، بمناداة شخص معين بكل ما أوتي من قوة.
عادةً، قد تحدث مثل تلك الأمور الإعجازية، لأولئك الذين يعانون كثيرًا في حياتهم. من لا يملكون قوت يومهم، من لا يضمنون عيشهم ليوم آخر. لأولئك المخاطرين بحياتهم في ساحة المعركة، او لأولئك الفشلة الذين لطالما تمنوا تغيير واقعهم، والنجاح بشيء لطالما أرادوه.
ضامًا يديه معًا، مقاطعًا إياهما، واصل الملك حديثه.
على أي حال من الأحوال، كانت المُعجزة دائمًا ما تأتي لأصحاب تلك الفئة المُجهدة عادةً، ولكن.. هل سيصدق أحد قصةً تتحدث عن معجزة حدثت لملك؟
—
ملك أمتلك كل شيء، كل ما أراد، كل ما تشتهيه ذاته. ملك أمتلك جيوشًا تحت إمرته، خدمًا مستعدين لتحقيق أدنى رغبة من رغباته، وكل رذيلة يتمانها او يطلبها، كانت ستأتي مباشرةً إليه دون تأخير. بأي شكل من الأشكال، لم يكن ذلك الملك اساسًا بمجرد ملك عادي، لا بل كان يُعرف بذكائه، حكمته، ومزاحه وتقربه حتى من خدمه وشعبه. كان ملكًا مثاليًا حكم مملكة مثاليةً أُسست على يد أجداده الذين لازال التاريخ يذكر أسمائهم ويخلدها كونهم هم من ساهموا بنسجه.
” ش-شيون؟ ”
مهما نظرت إلى ذلك الملك، مهما دققت بكل جانب وتفصيلة منه، ستجده لا يحتاج إلا أي شيء. فملك أحب شعبه وتلقى حب شعبه، هو الوحيد الذي قد ينعم بالسخاء الأبدي في هذا العالم.
والمثير للغرائز كذلك.
وكطريقة آخرى لإثبات حظه العظيم، انه امتلك بالفعل، وقتًا إفتراضيًا طويلًا لعيشه، كونه يتبع لفصيل معين، يتصف أتباعه بطول العمر وقوة الجسد، ورجاحة العقل.
” ولكن شيون.. جميعنا نمتلك حدودًا لا يجب ان نقطعها مع أي أحد. وبينما كانت مراعاتك لي في مكانها، في البداية، فالآن انا أجدها مزعجة إلى حد ما. ” تلك الكلمات، كانت تخرج بجدية من فم ذلك الملك، الذي اعتبر من كانت تقف أمامه يومًا، كرفيقة درب ربما لن يستطيع السير بدونها.
اليس ذلك الملك مُنعمًا بما يكفي؟ أجل بلا شك.
ولكن.. من كان يعلم بأنه وحتى وإن قام بفعل كل ما بوسعه، وبذل الغالي والنفيس، فلن يستطيع منع القدر من اخذها بعيدًا عن متناول يديه.
ولكن، هل كان سعيدًا بكل ذلك؟ حسنًا، تلك قصة آخرى.
” انا ارى..انت لا تملك واحدةً الست كذلك ” وكأنه قام بتحديد شيء فريد بالنسبة له، متسائلًا ولكن غير متسائل بذات الوقت، اشار صاحب الدرع تاليًا، للشيء الذي اجبره على تناسي سؤاله المهم للحظات.
كما يعلم جميع من يعملون أسفله، فقد امتلك ملكهم شخصية صادقة مرحة على غير عادة الملوك. ومن جانبه، لم يقم يومًا بإخفاء رغبته عن فعل شيء او الذهاب إلى مكان معين من اجل الإستمتاع بوقته او تحويل مدينة عادية إلى عاصمة للترفيه فقط لأنها كانت تروق له.
أجل لقد كان ذلك الرجل بلا أدنى شك، ملكًا يعلم كيف يستخدم نفوذه، ويستمتع بينما يفعل ذلك. وفوق كل هذا، كان شاكرًا من كل قلبه، للأحداث السعيدة التي تحدث من حوله.
أجل لقد كان ذلك الرجل بلا أدنى شك، ملكًا يعلم كيف يستخدم نفوذه، ويستمتع بينما يفعل ذلك. وفوق كل هذا، كان شاكرًا من كل قلبه، للأحداث السعيدة التي تحدث من حوله.
والآن ومن بعد شراء كل شيء ربما ستحتاجه حتى تشعر بالدفئ، ستأتي متاجر العربات الخاصة، وتليها متاجر الحيوانات الأليفة، ثم تليها متاجر المواد الغذائية، المتاجر التي تأخذ بالحقيقة أكبر قسم من منبع شيراين.
وكما لن يصدق أي أحد حتى وإن قيل هذا لمائة ألف مرة، فقد حدثت معجزة لذلك الملك.
وكطريقة آخرى لإثبات حظه العظيم، انه امتلك بالفعل، وقتًا إفتراضيًا طويلًا لعيشه، كونه يتبع لفصيل معين، يتصف أتباعه بطول العمر وقوة الجسد، ورجاحة العقل.
بوقت غير ببعيد، كان للملك إبنة. إبنة موهوبة للغاية. موهوبة لدرجة استطاعت فيها التحكم بتقنيات ومهارات، احتاج جميع من كانوا بعمرها لسنين طويلة حتى تعلموها. وذلك، لم يكن كل شيء.
ربما كان قتالها مع الملك مليئًا بالملاحظات، والقليل – الكثير – من التساهلات من جانب الملك تحديدًا، الا انها قد واصلت بعد ذلك تحقيق المزيد والمزيد من الإنجازات التي ستجعلها المرشحة الأولى لإعتلاء العرش حتى وإن إمتلكت سبعين شقيقًا غيرها.
بعامها الثالث فقط، اطلقت نيرانًا تسببت بتحويل جسد معلمها رفقة نصف القصر الملكي، إلى رماد تمامًا. وبينما كانت تلك حادثةً مؤسفة وقتها، الا ان ذلك جعل والدها والجميع من حولها، يدركون نوع القوة التي امتلكتها تلك الفتاة بداخلها.
ولكن ورغم كل تلك الشكوك، فقد امتلك هذا العالم حقًا، نوعًا من العاطفة التي ستحدث نادرًا جدًا، وبمرات قليلة أيضًا. ولكنها ستترك أثرًا لن ينساه كل من سيستمع إلى قصته، دعك ممن أختبروا الأمر بأنفسهم.
ولكن وكما توقعوا، لم تكن محاولة ترويض وتدريب تلك القوة، سوى مجرد تحدي آخر، أشغل المملكة بأكملها آنذاك.
ولكنها ورغم ذلك، رغم تلك الجدية المفاجئة والتغيير الملحوظ والسريع بمظهر الملك، لم تفكر شيون بداخلها سوى بـ ” هل هو جاد حقًا.. ” وتتنهد بعمق قبل ان تعيد إصلاح وضعية جلوسها من جديد، وتجيب سؤال الملك بشكل ربما لم يتوقعه.
فمن سحقها لخصوم اعتاد العالم على الإعتراف بقوتهم وصلادتهم، إلى بحوثها المبكرة وأفكارها التي ساعدت بتطوير علوم السحر داخل وخارج المملكة، وجذبها القوي لإهتمام من لم يكن سوى ملك مملكة وسبيريا بنفسه، العبقري أوليفر وايفر. وإلى هزيمتها لوالدها الملك نفسه، فقط بعمر الخامسة عشر.
” سؤال؟ ” ولكن، لا يبدوا بأن الملك يفهم ما تتحدث عنه شيون.
ربما كان قتالها مع الملك مليئًا بالملاحظات، والقليل – الكثير – من التساهلات من جانب الملك تحديدًا، الا انها قد واصلت بعد ذلك تحقيق المزيد والمزيد من الإنجازات التي ستجعلها المرشحة الأولى لإعتلاء العرش حتى وإن إمتلكت سبعين شقيقًا غيرها.
بالطبع، كانت فكرة تمديد النبع غير قابلة للتطبيق. ويكمن السبب بأن تلك المدينة التي امتلكت مساحةً مقدرة وغير صغيرة على الإطلاق، لا وبل انها تعتبر من أكبر المدن داخل مملكة لنديريا، رغم ذلك، امتلكت المدينة اشياءً أخرى مهمة بخلاف السوق، ومنشآت ارادت بنائها او قد تم بنائها بالفعل. ويتمثل ذلك بالمناطق السكنية الواسعة، قطاع التعليم، أكاديمية شيراين، منطقة العائلة الملكية الخاصة، مناطق الترفيه، النقاط البيضاء… وبعض المناطق الأخرى.
ولكن ولسخرية القدر، كانت وحيدة أباها، وكان والدها لا يملك سواها. وأما بالنسبة للأم وزوجة الملك، فتلك لم تكن محظوظة بما تكفي لتنجوا من عملية الولادة التي استغرقت أيامًا وقتها.
ولكن وبعيدًا عن منطق ذلك الإمبراطور الذي ساعد بتحكيم قواعد السحر للأجيال القادمة، فقد كان السحر فعلًا شيئًا شديد الأهمية بهذا العالم، وفقط من امتلكوا القدرة على إستخدامه وتطويعه، سيعيشون تلك الحياة التي ابتغوها.
” نيه شيون.. ألم يحن الوقت بعد لكي أتنحى عن العرش؟ سيحدث ذلك في نهاية المطاف على كل حال لذا لما لا نجعله يحدث الآن؟ ”
ولم تكن للشاب اي ردة فعل سوى ان ارتعش جسده قليلًا من جراء سماعه لتلك الكلمات، ولكن كان ذلك ايضًا، كل ما خرج منه.
“… توقف عن تكرار هذا السؤال من فضلك… هل تفكر حقًا وبجدية بجعل فتاة لم تبلغ السابعة عشرة بعد، تحكم مملكة كاملة؟ ”
بينما كان الملك يعيد حفر تلك الكلمات عميقًا داخله، وتذكر اللحظات والأوقات التي تصرفت فيها ابنته وفقًا لذلك المبدأ، تقريبًا بكل مرة، كانت شيون على الجانب الآخر تفكر بشيء مختلف تمامًا.
كانت تلك المحادثة، تحدث كثيرًا بين ذلك الملك وخادمته المقربة منه. ولأي سبب كان، ومهما كانت ابنته موهوبة ومتفوقة على جميع من حولها، فلم تفهم شيون أبدًا، لما كان الملك يفكر بتمرير العرش لها مبكرًا، خصوصًا وأنها وبالمرة الأولى التي ذكر فيها الملك رغبته بفعل ذلك، لم تكن إبنته سوى مجرد طفلة تبلغ السابعة من العمر.
ولكن ذلك الصوت، تلك النبرة، لم تكن بأي شكل من الأشكال تابعةً لذلك الشاب الذي لم تتطور حباله الصوتية بعد حتى يمتلك مثل هذا الصوت الغليظ. ورغم هذا، فتلك الغرفة التي لم تكن تنيرها سوى ضوء الدائرة السحرية الخافت، لم تحتوي منذ البداية سوى على شخص واحد بها.
ربما كانت شيون أقرب المقربين للملك، الا انها لم ترى حدًا لمدى حب الملك لإبنته. وبوقت ما، كانت تحمل شكوكًا مريبة عن إمتلاك الملك لميول غريبة تجاه إبنته الخاصة، ولم تقوى شيون وقتها سوى ان تقوم بهز رأسها بقوة كلما سمعت صوته وهو يتحدث عنها بشغف كما فعل دائمًا، او ملاحقة نظراته وهو ينظر إلى وجه إبنته.
كانت تلك بالطبع، إحدى المهارات الخاصة التي تتمتع بها شيون.
ولكن ولحسن الحظ، لم تدم تلك الشكوك طويلًا، خصوصًا عندما تحدث الملك وقتها عن موضوع معين.
” ولكن ورغم هذا.. ” وكأنه قد وصل لحقيقة معينة، حقيقة لن يستطيع تصديقها فقط بتلك السهولة. حتى وإن كان هو من يخبر ذاته بذلك، اعاد الرجل النظر إلى الشاب، فقط لكي يجده ساقطًا على وجهه، خار القوى، وفاقد للوعي بالكامل.
” شيون ”
ربما ظن الجميع بأنهم فقدوا الكثير بلحظة فقدان أميرتهم الغالية، وربما كان الملك بنفسه، والذي تغير 180° منذ رحيلها، واصبح يقوم بأعماله تمامًا كما يطلب منه، ويقلل وقت فراغه، ويتوقف عن الهرب من مسؤولياته، كما ويشغل نفسه بمسؤوليات القصر لدرجة اصبحت فيها شيون هي من تترجاه لأجل أخذ قسط من الراحة ولو لقليل من الوقت، قد تلقى القدر الأعظم من الصدمة.
” لن نبدأ أي مراسم لنقل التاج ملكي. ”
ولكن، غياب تلك الأميرة عن ذلك القصر، لم يكن سيعني إلا وبشكل لا يصدقه أحد، حضور أميرة آخرى لسد الثغرة التي تركتها السابقة.
” لا.. ليس هذا ما أتحدث عنه. مع أنني اشعر بالحزن قليلًا من رفضك المباشر هكذا.. ” أجاب الملك بتلك الطريقة التي تجعل شيون والتي كانت تجلس على مكتبها المليء بالورق والمستندات والأعمال غير المنتهية، تتنهد بعمق وتعب شديد.
ولكن ولحسن الحظ، لم تدم تلك الشكوك طويلًا، خصوصًا عندما تحدث الملك وقتها عن موضوع معين.
“.. وما الذي تريد قوله؟ ” سألت بينما تقوم بخلع نظاراتها، وتنظر بعدها نحوا الملك الذي يجلس على أعلى جانب مكتبها وينظر إلى سقف الغرفة.
بذلك الشكل، استمرت الدائرة السحرية بإخراج ذلك الضوء الفاقع لفترة من الزمان، ومن بعد مرور بضعة ثوانٍ احسها الشاب كعدة سنوات أبدية، انفجر منتصف الدائرة بطاقة سحرية شديدة الغلظة، ولكن شديدة النقاء، كقنبلة وضعت بالمنتصف، تسبب الإنفجار الصغير بتناثر الغبار داخل الغرفة من كل ركن، وتفجر الرياح التي كانت تحوم حول المكان، وعقب كل ذلك اخيرًا، إنخفاض شدة الوهج الأبيض تدريجيًا حتى استطاع الشاب اخيرًا فتح عينيه ببطئ.
**لا تجلس على مكتبي من تلقاء نفسك هكذا** فكرت شيون وهي تتمنى من الملك ان يتصرف كما يفعل الملوك عادةً، ويطلب شيئًا ملائمًا للجلوس عليه.
لم يكن ذلك الرجل الذي اصبح يبتسم نادرًا جدًا، كشقيق معين له، يفعل شيئًا سوى البحث بتقارير جنوده عن حلول لبعض المشاكل التي تواجه المملكة، وقد استمر بالعمل على تقديم هذه الحلول طوال الساعات السبع الماضية، قبل ان تدفعه شيون حرفيًا خارج المكتب وخارج القصر، وتذهب به عبر البوابات الناقلة من قصره العائم بالجزر السماوية، إلى مدينته المفضلة شيراين.
” اتسائل عن نوع الرجال الذي تفضله لونا.. ”
ضامًا يديه معًا، مقاطعًا إياهما، واصل الملك حديثه.
“ها…؟ ”
بالنسبة لهذا القسم الغني عن التعريف، قسم المجوهرات، فلن تجد هنا سوى كبار الشخصيات، خصوصًا اولئك الذين يأخذون عناء السفر من منازلهم المريحة في إحدى الممالك المجاورة، وتجاهل اسواقهم الخاصة داخل حدود المملكة، فقط لأجل القدوم إلى هنا وإرضاء تلك الزوجة المزعجة التي لا تنفك تتحدث عن زوج صديقتها الذي جلب لزوجته خاتم ذهب يقدر بثمن منزل فخم، والذي لن تجده سوى بمنبع شيراين.
على وقع سؤال الملك الذي هز كل خلية دماغية داخل عقل شيون، سقط جبل من الأوراق المتراصة على جانب مكتب شيون، على الأرض وانتشر في المكان.
ولكنها ورغم ذلك، رغم تلك الجدية المفاجئة والتغيير الملحوظ والسريع بمظهر الملك، لم تفكر شيون بداخلها سوى بـ ” هل هو جاد حقًا.. ” وتتنهد بعمق قبل ان تعيد إصلاح وضعية جلوسها من جديد، وتجيب سؤال الملك بشكل ربما لم يتوقعه.
“آه.. أعتذر على التسبب بالفوضى بمكانكِ.” اعتذر الملك على شيء ربما لم يكن السبب به. ربما. وواصل بعدما لاحظ تعابير شيون. ” ما الأمر شيون؟ هل تعانين من الإرهاق او شيء كهذا؟ وبالحديث عن الأمر، انتِ لم تأخذي وقت راحة من فترة الآن؟ استطيع رؤية الهالات السوداء حول عينيك بالمناسبة وهذا لا يجوز، كونكِ مساعدة الملك الأولى عليكِ—”
ولمنع حدوث مثل تلك الأهوال التي خشيها إمبراطور السحر، قام الأخير بوضع احكام خاصة لاولئك الذين امتلكوا البذرة، احكامًا ستحد من قوتهم كثيرًا بالطبع. وأخبر الذين لا يمتلكون البذرة بأنهم سيعيشون حياة طبيعية فقط، ولن يستطيعوا يومًا استخدام السحر مهما تمنوا.
” فقط، ما الذي قلته قبل قليل..؟ ” قاطعت شيون كلمات الملك بينما تقوم بفرك عينيها المتورمتان من قلة النوم.
ولكن ولحسن الحظ، لم تدم تلك الشكوك طويلًا، خصوصًا عندما تحدث الملك وقتها عن موضوع معين.
” سؤال؟ ” ولكن، لا يبدوا بأن الملك يفهم ما تتحدث عنه شيون.
بالنسبة للبعض، ربما يعني هذا بأن النبع لازال فارغًا، ويملك المساحة الكافية رغم كل تلك المتاجر، ولكن وبالحقيقة، لم تكن تلك الحال إطلاقًا. وكان من المستحيل تقريبًا، العثور على بقعة فارغة لوضع حجر أساس حتى.
” اجل. الشيء الذي تحدثت عنه الآن فقط. ”
ولكن الآن، كان العكس يحدث تمامًا.
” متى سنسلم العرش؟ ”
تلك، كانت إحدى قوانين القصر الملكي بلنديريا. وكونهم يثقون كامل الثقة بجواسيس المملكة التي تستعيرها الممالك الأخرى بكل حين وآخر، كان عدم عثور اي دليل عن اي شيء مفقود لمدة عام كامل، اشبه بعدم وجود ذلك الدليل، وكأنه لا يوجد شيء للبحث عنه من الأساس.
” لا، بعد ذلك”
“..انا حقًا لا أفهم شيئًا ” محتارًا بأفكاره، بينما ينظر إلى جسد الشاب المليء بالإصابات وكأنه قد خرج منتصرًا من ذروة معركة حامية الوطيس، متفحصًا وجهه اليافع والوسيم بشكل ملحوظ، لم يقم الرجل تاليًا سوى بأخذ خطوة للأمام، والسير بإتجاه الباب المؤدي إلى خارج الغرفة.
” عن الحصول على قسط من الراحة؟ ”
“نصف ضعف تقول.. ” قالت وهي تفكر بالنتائج التي قد يسببها فرض شيء أشبه بعقوبة كزيادة الضرائب على التجار.
” قبل ذلك ”
لهذا وبالنهاية، قرر الملك ختم أوراق اوامر البحث بختم الإلغاء والإغلاق، ورمي المستند عميقًا بدرج المستندات في المخزن.
” عن حصولي على إجازة لحضور إحتفال شيراين السنوي؟ ”
وخلف تلك اللائحة، ستبدأ متاجر الثياب الراقية والأنيقة بملئ عينك من كلا الجانبين، ولم يتوقف الأمر على اطراف الطريق فقط كما نرى بمعظم الأسواق، بل ان الطريق التجاري كان يتوسع أكثر للداخل، داخل الأزقة المنيرة والتي حملت عدة لافتات على أطرافها تشير إلى اين سيقود الطريق. ولكن وبالطبع، كان ما ستجده خلف المنطقة المخصصة للأزياء، المزيد من الثياب والمتاجر الأقل شهرة من سابقيها، ولكنها كذلك تقدم العديد من الأنواع الفريدة والفخمة من الأنسجة الخاصة لحياكة الثياب.
” متى تحدثت عن ذلك؟! وهذا مرفوض كذلك! ”
” اتسائل عن نوع الرجال الذي تفضله لونا.. ”
” إيييه… لماذا تصرخين بوجهي شيون؟ ولما لا أحصل على إجازتي وقد بذلت اليوم جهدًا كبيرًا بتوقيع كل تلك المستندات…” اخرج الملك تلك الكلمات بصوت منزعج اشبه بصوت طفل صغير، وهو ينظر إلى وجه شيون الذي يكاد ينفجر من كمية الغضب المكبوت بداخل قلبها.
على الأغلب، لم تكن ايام الأميرة حافلة او فارغة تمامًا من الأنشطة، ولكنها كانت تتعامل مع كل شيء بدقة وبمثالية لدرجة لن تجدها فيها منزعجة من اي شيء تقريبًا.
الغضب الذي لم تعد تستطيع كبته لمدة أطول على ما يبدوا.
” نيه شيون.. ألم يحن الوقت بعد لكي أتنحى عن العرش؟ سيحدث ذلك في نهاية المطاف على كل حال لذا لما لا نجعله يحدث الآن؟ ”
” لماذا لن أصرخ بوجه أي أحد وانت لم تقم سوى بإنهاء قرائة ملف واحد من إجمالي اربعين ملفًا آخرين.. وترفض قرائة طلبات المشاريع التي راجعتها وعوضُا عن ذلك تقوم بحوامة القصر بأكمله، ومن ثم تأتي إلي وبكل جرائة تمتلكها، وتتحدث عن الخلافة والتكاسل بالأنحاء وتمرير واجباتك وعن نوع الرجال الذي تريده الأميرة؟!!”
” انت..لا تملك بذرة كما أرى..” قال متيقنًا، وهو يركز ببصره نحوا الشاب، نحوا صدر الشاب مباشرةً.
” آه عن ذلك الأمر، كيف يبدوا شكل الرجال الذي تفضله لونا يا ترى..؟ ”
ومن بعد إرتفاع رموشه المميزة فضية اللون، لم يستطع الشاب رغم ذلك معرفة ما يقبع أمامه، او ما كان ينظر إليه تمامًا. فبسبب ذلك الوهج شديد القوة، والذي يمكن ان يتسبب بفقدان للبصر لأي شخص لم يقم بتعزيز عينيه او جسده بالسحر بتلك اللحظة، تمامًا كما فعل الشاب، رمش الشاب بعينيه لعدة مرات، ومن بعد مرور القليل من الوقت، اتضحت رؤيته المتشتتة أخيرًا.
“لا.. لماذا انا احاول أصلًا” واخيرًا، انقطع ثورانها القصير كالعادة، وسقطت بإستسلام على كرسيها، بينما تلقي بجسدها العلوي فوق مكتبها، وتحاول نسيان كل ما يحدث من حولها وربما، الغوص بنوم عميق أبدي.
ملك أمتلك كل شيء، كل ما أراد، كل ما تشتهيه ذاته. ملك أمتلك جيوشًا تحت إمرته، خدمًا مستعدين لتحقيق أدنى رغبة من رغباته، وكل رذيلة يتمانها او يطلبها، كانت ستأتي مباشرةً إليه دون تأخير. بأي شكل من الأشكال، لم يكن ذلك الملك اساسًا بمجرد ملك عادي، لا بل كان يُعرف بذكائه، حكمته، ومزاحه وتقربه حتى من خدمه وشعبه. كان ملكًا مثاليًا حكم مملكة مثاليةً أُسست على يد أجداده الذين لازال التاريخ يذكر أسمائهم ويخلدها كونهم هم من ساهموا بنسجه.
ولكن وكعادته، لم يكن الملك ليسمح لها بالرحيل إلى الجانب الآخر بتلك السهولة.
“نصف ضعف تقول.. ” قالت وهي تفكر بالنتائج التي قد يسببها فرض شيء أشبه بعقوبة كزيادة الضرائب على التجار.
” أخبريني شيون. ” ناظرًا إليها وهي بتلك الوضعية، لم يفكر الملك بالسبب الذي جعل مساعدته مستقيمة الظهر بالعادة، تصبح بهذا الشكل المثير للشفقة.
” املك الوقت الكافي لفعل ذلك لذا سأفعله. وبعد كل شيء، إنها مسؤوليتي ان اتأكد من مستوى صحة ما قد يتحول لطعام سيتناوله شعبي. ” بوجه مثل تلك التصريحات التي اعتادت شيون على سماعها تخرج من شخصية الملك الجديدة، لم تستطع بذات الوقت التفكير برد مناسب لمناقضة مثل تلك الأفكار، واكتفت بدفعه نحوا الحشود، والسير رفقتها بالطريق الرئيسي بمدينة شيراين.
والمثير للغرائز كذلك.
ما تحدث عنه ذلك التاجر وقتها ببساطة، كان خلق شيء اشبه بالدوري، جدول تدرج به لائحة لجميع المتاجر، مقدار دخلها، صرفها، مكاسبها وخسائرها الشهرية، وإجمالي العائد الصافي بكل نهاية شهر.
” هل ستشعر لونا بالغضب إن قمت بإختيار خطيب لها بنفسي؟ ” طرح الملك ذلك السؤال وهو ينظر ناحية شيون هذه المرة، وبتعابير جادة على وجهه.
بنبرة صوتها الثابتة والخالية من المشاعر تمامًا، قالت شيون تلك الكلمات بوجه ملكها الذي بدأ يستوعب ببطئ، الخطأ الذي اقترفه.
ربما لن يبدوا الأمر سهل التصديق في البداية، ولكن كان جميع من بالقصر، جميع من كانوا على إتصال مباشر بأغلب الوقت مع جلالته، يعلمون ان ملكهم المرح عادةً، وغير الكسول سوى أمام شيون بالتحديد، يمتلك ذات الجانب الجاد الذي ستجده لدى أي ملك مؤهل بأي مكان.
“… توقف عن تكرار هذا السؤال من فضلك… هل تفكر حقًا وبجدية بجعل فتاة لم تبلغ السابعة عشرة بعد، تحكم مملكة كاملة؟ ”
وليس الأمر وكأن تعابيره الجادة تعني بالضرورة أنه جاد بشأن ما يقوله او يفعله بذات الوقت، ولكنه وعندما يصبح جادًا بالفعل، ستتمكن من الإحساس بذلك فورًا فقط بالوقوف امامه.
ولكن وكعادته، لم يكن الملك ليسمح لها بالرحيل إلى الجانب الآخر بتلك السهولة.
وذلك الشعور بالتحديد، كان الوحيد الذي تشعر به شيون الآن وهي تنظر بعيني جلالته.
ما تحدث عنه ذلك التاجر وقتها ببساطة، كان خلق شيء اشبه بالدوري، جدول تدرج به لائحة لجميع المتاجر، مقدار دخلها، صرفها، مكاسبها وخسائرها الشهرية، وإجمالي العائد الصافي بكل نهاية شهر.
ولكنها ورغم ذلك، رغم تلك الجدية المفاجئة والتغيير الملحوظ والسريع بمظهر الملك، لم تفكر شيون بداخلها سوى بـ ” هل هو جاد حقًا.. ” وتتنهد بعمق قبل ان تعيد إصلاح وضعية جلوسها من جديد، وتجيب سؤال الملك بشكل ربما لم يتوقعه.
كانت تلك المحادثة، تحدث كثيرًا بين ذلك الملك وخادمته المقربة منه. ولأي سبب كان، ومهما كانت ابنته موهوبة ومتفوقة على جميع من حولها، فلم تفهم شيون أبدًا، لما كان الملك يفكر بتمرير العرش لها مبكرًا، خصوصًا وأنها وبالمرة الأولى التي ذكر فيها الملك رغبته بفعل ذلك، لم تكن إبنته سوى مجرد طفلة تبلغ السابعة من العمر.
” إلهي.. انت حقًا تقوم بطرح سؤال كهذا الآن؟ ”
ولكن الآن، كان العكس يحدث تمامًا.
” ش-شيون؟ ”
ربما ظن الجميع بأنهم فقدوا الكثير بلحظة فقدان أميرتهم الغالية، وربما كان الملك بنفسه، والذي تغير 180° منذ رحيلها، واصبح يقوم بأعماله تمامًا كما يطلب منه، ويقلل وقت فراغه، ويتوقف عن الهرب من مسؤولياته، كما ويشغل نفسه بمسؤوليات القصر لدرجة اصبحت فيها شيون هي من تترجاه لأجل أخذ قسط من الراحة ولو لقليل من الوقت، قد تلقى القدر الأعظم من الصدمة.
” لا على الإطلاق، لن تمانع الأميرة بشيء كهذا، جلالتك. او بالأحرى.. لن تجد الوقت حتى لتستمع لبقية كلماتك إن حاولت فتح موضوع كهذا أمامها كما تعلم. ”
لم يكن الملك الذي اعتاد على المزاح يمزح الآن، بل اصبح يأخذ وقته بالتفكير، يرفع مستويات آمانه وحذره، يشكك بالكثير من الأشياء من حوله، ولا يقبل بإدخال شيء او شخص إلى العاصمة مالم يتلقى فحصًا شاملًا ودقيقًا.
بنبرة صوتها الثابتة والخالية من المشاعر تمامًا، قالت شيون تلك الكلمات بوجه ملكها الذي بدأ يستوعب ببطئ، الخطأ الذي اقترفه.
مهما نظرت إلى ذلك الملك، مهما دققت بكل جانب وتفصيلة منه، ستجده لا يحتاج إلا أي شيء. فملك أحب شعبه وتلقى حب شعبه، هو الوحيد الذي قد ينعم بالسخاء الأبدي في هذا العالم.
” جلالتك، انت تعي عن من تتحدث الست كذلك؟ لا، بالطبع انت تفعل، اعذرني على السؤال غير الضروري ” وكونها يد الملك اليمنى، يده المسيطرة، ستقوم شيون بكل ما تستطيعه حتى تقوم بتصحيح اي خطأ يرتكبه الملك ولا يلاحظه، دون ذرة رحمة من جانبها.
ولم تكن للشاب اي ردة فعل سوى ان ارتعش جسده قليلًا من جراء سماعه لتلك الكلمات، ولكن كان ذلك ايضًا، كل ما خرج منه.
” انا—”
” لا.. ليس هذا ما أتحدث عنه. مع أنني اشعر بالحزن قليلًا من رفضك المباشر هكذا.. ” أجاب الملك بتلك الطريقة التي تجعل شيون والتي كانت تجلس على مكتبها المليء بالورق والمستندات والأعمال غير المنتهية، تتنهد بعمق وتعب شديد.
” انت تفهم جلالتك، صحيح؟ بالطبع، انت ولا أحد غيرك، سيستطيع فهم عقلية الأميرة الفريدة، ومعرفة انها هي، من لم توافق على الفحص الجسدي الإسبوعي، فقط لأن الأجهزة المستخدمة في الفحص تصدر بعض الأصوات الإلكترونية المزعجة، ومن رفضت الإشتراك بالمسابقة السنوية الكبرى لأقوى السحرة بالعاصمة شيراين، فقط لأن الجائزة النهائية لم تنال على إعجابها، ومن ارادت ترويض ذلك الريدراغونيون داخل القصر الملكي…ستقوم الآن بالموافقة على أي خطيب عشوائي ستقوم بإختياره انت.”
بتلك الطريقة، اقترح التاجر منافسةً، اصبحت فيما بعد، الشيء المهم الوحيد، والذي يسمح لأي تاجر بالبقاء، او يقرر طرده.
شيون بالعادة، لا تترك مجالًا للتفاوض عندما يقوم احد بطرح سؤال غبي أمامها. وكون الملك هو الشخص الوحيد الذي قضى وقتًا كافيًا بجانبها ليعلم ذلك بشكل أفضل من اي أحد آخر، سرعان ما اكتشف خطأه الكبير، ولكن من بعد فوات الآوان.
” عن حصولي على إجازة لحضور إحتفال شيراين السنوي؟ ”
لم يكن هنالك شيء سيوقف سخط شيون الآن.
” انا—”
” انا اقف بجانبك جلالتك، انا افعل دائمًا وابدًا، هذا ما اقسمت عليه بأول يوم اتيت به إلى هنا. ولهذا، انا اقبل بسرور عناء تنبيهك لكل تلك الأخطاء الغبية التي قد تسقط بها بشكل لن يصدقه أحد، ولأني الآن اؤمن بأنني اقوم بواجبي بشكل صحيح كما اعتقد، فأتوقع منك ان تقوم بالتصرف الصحيح التالي، وتستمع لصوت العقل ولا تفكر بطرح مثل ذلك السؤال أمام الأميرة من فضلك. ”
وفقط عندما وصلت تلك الكلمات الى اذني صاحب الدرع، توسعت عيناه قليلًا فقط، وكأنه يشعر بالتفاجئ من تلك الكلمات، الأمر الذي دفعه لإنزال بصره للأسفل، والنظر بدرعه الخاص.
“.. آه.. لن أفعل.. اعدك بذلك.. ” دون ان يحتاج للوعد بذلك، الا ان كلمات شيون كانت ذات تأثير واضح كما ما يبدوا، استوعب الملك بقسوة ما تحاول شيون إيصاله.
بنبرة صوتها الثابتة والخالية من المشاعر تمامًا، قالت شيون تلك الكلمات بوجه ملكها الذي بدأ يستوعب ببطئ، الخطأ الذي اقترفه.
لن تبالي الأميرة بما يقوله من حولها مهمًا كانوا.
لسبب لا يعلمه الكثير، توفت والدة لونا عندما كانت تقوم بعملية ولادة ابنتها، وبينما لم يمتلك الملك اي نساء اخريات او ابناء آخريين، سيكون من المستحيل العثور على اي شخص لتوارث العرش من بعده، او حتى ليلمئ ثغرة الأمير او الأميرة بالقصر.
بينما كان الملك يعيد حفر تلك الكلمات عميقًا داخله، وتذكر اللحظات والأوقات التي تصرفت فيها ابنته وفقًا لذلك المبدأ، تقريبًا بكل مرة، كانت شيون على الجانب الآخر تفكر بشيء مختلف تمامًا.
عادةً، كان الملك سيرفض اي إقتراح سيضع التجار بوضع عدم أفضلية، او اي أحد داخل المملكة، كون هذا الشيء جزء لا يتجزأ من شخصيته، فقد كان من المستحيل تقريبًا على التاجر تمرير اي افكار تجارية غير متزنة من خلال الملك.
_’ اعتقد.. بأنه لا يفكر بزواجها بنفسه في نهاية المطاف._ ‘ شاعرةً بالخزي من تفكيرها بتلك الطريقة من بادئ الأمر، لم تقم شيون رغم ذلك بالإعتذار على وقاحتها امام الملك، وتحججت لأحد ما بداخل رأسها، بأن سبب تنامي مثل تلك الأفكار الفاحشية برأسها، كان خطأ الملك منذ البداية.
تلك، كانت إحدى قوانين القصر الملكي بلنديريا. وكونهم يثقون كامل الثقة بجواسيس المملكة التي تستعيرها الممالك الأخرى بكل حين وآخر، كان عدم عثور اي دليل عن اي شيء مفقود لمدة عام كامل، اشبه بعدم وجود ذلك الدليل، وكأنه لا يوجد شيء للبحث عنه من الأساس.
—
” آه عن ذلك الأمر، كيف يبدوا شكل الرجال الذي تفضله لونا يا ترى..؟ ”
تلك، كانت ذكرى بعيدةً ولكن سهلة التذكر داخل عقل شيون. وبالرغم من مرور كل ذلك الوقت، الا انها لازالت تتذكر كل فعل كانت تقوم به الأميرة، وكل مشكلة كانت تثيرها بالقصر، وتجعل الجميع من حولها ينصدمون من افعالها بكل مرة. ولكنهم ورغم ذلك، لم يقولوا يومًا بأنهم يكرهون التواجدة حولها.
ملك أمتلك كل شيء، كل ما أراد، كل ما تشتهيه ذاته. ملك أمتلك جيوشًا تحت إمرته، خدمًا مستعدين لتحقيق أدنى رغبة من رغباته، وكل رذيلة يتمانها او يطلبها، كانت ستأتي مباشرةً إليه دون تأخير. بأي شكل من الأشكال، لم يكن ذلك الملك اساسًا بمجرد ملك عادي، لا بل كان يُعرف بذكائه، حكمته، ومزاحه وتقربه حتى من خدمه وشعبه. كان ملكًا مثاليًا حكم مملكة مثاليةً أُسست على يد أجداده الذين لازال التاريخ يذكر أسمائهم ويخلدها كونهم هم من ساهموا بنسجه.
إن كان هنالك شيء يتفق عليه الجميع بالقصر الملكي، فسيكون حبهم الموحد لتلك الطفلة الفريدة، والتي كانت عادةً تقلب القصر رأسًا على عقب، ولكن وببعض الأحيان، ستجدها تطلب من هذا وذاك، ان يأخذوا قسطًا من الراحة، وانهم ليسوا بحاجة لتنفيذ كل أمر يأمرهم به الملك.
ربما ظن الجميع بأنهم فقدوا الكثير بلحظة فقدان أميرتهم الغالية، وربما كان الملك بنفسه، والذي تغير 180° منذ رحيلها، واصبح يقوم بأعماله تمامًا كما يطلب منه، ويقلل وقت فراغه، ويتوقف عن الهرب من مسؤولياته، كما ويشغل نفسه بمسؤوليات القصر لدرجة اصبحت فيها شيون هي من تترجاه لأجل أخذ قسط من الراحة ولو لقليل من الوقت، قد تلقى القدر الأعظم من الصدمة.
بشكل روتيني احيانًا، سترفض الأميرة اي خدمة تقدمها خادمتها الشخصية لها، وتقوم بكل شيء بمفردها، بينما تطلب منها ان تقوم بأخذ باقي اليوم كراحة لها.
إلى حد لا يمكن رؤيته، اهتمت شيراين على ما يبدوا بكل تفصيلة صغيرة لأجل جذب المشتريين وحتى التجار. وبينما ستظن على الغالب بأن مكانًا كهذا من المستحيل ان يحوي على أي مساحة فارغة بعد الآن حتى يقوم اي تاجر بوضع متجره فيها، فهنا سيأتي مسؤول معين يدعى بلقب “عمدة النبع ” ويخبرك بالقدوم في أول الشهر لكي تتفاجأ بتخصيص مكان مثالي لمتجرك بالنبع.
عند نزولها لنحوا الطابق الأرضي، وفقط عندما تلمح ذلك الخادم وهو يحمل كمية الأوراق المترادفة حتى أعلى رأسه، ستصر على قسم الأوراق وحملها معه إلى حيث ستذهب. ورغم رفض الخادم لمساعدة كبيرة كتلك بشكل مستمر، لن تفعل الأميرة شيئًا وقتها سوى انها ستقول وبكل فخر لديها: ” أميرتك تأمرك بفعل ذلك ” وتنهي النقاش بحمل حصتها من الأوراق.
كما يعلم جميع من يعملون أسفله، فقد امتلك ملكهم شخصية صادقة مرحة على غير عادة الملوك. ومن جانبه، لم يقم يومًا بإخفاء رغبته عن فعل شيء او الذهاب إلى مكان معين من اجل الإستمتاع بوقته او تحويل مدينة عادية إلى عاصمة للترفيه فقط لأنها كانت تروق له.
تاليًا، لا تتفاجأ عندما تجدها تقف امام باب القصر الملكي، وتطلب من الحراس الأساسيين لبوابة القصر، بوضع تلك الرماح الطويلة ارضًا، وإحضار كراسي للجلوس عليها عوضًا عن الوقوف طوال الوقت بلا هدف.
لن تبالي الأميرة بما يقوله من حولها مهمًا كانوا.
” لا أعلم بما يفكر فيه والدي برأسه ذاك، لن يتمكن احد على أي حال من إختراق حاجزنا السحري حتى، دعك من الوصول إلى بوابة القصر هنا. ” كانت تقول ذلك بوجهها الجميل الخالي من التعابير عادةً، وهي تقصد القول بأن إيقاف الحرس هنا، وجعلهم يتمركزون بمكان كهذا وهم يحملون تلك الرماح الثقيلة طوال اليوم، ليس سوى غرض إستعراضي بلا هدف.
ضامًا يديه معًا، مقاطعًا إياهما، واصل الملك حديثه.
من بعد الإنتهاء من توبيخ صورة والدها وإذلال سمعته امام حراسه، ستذهب الأميرة تاليًا من بعد التأكد من إجلاسهم إلى المكتبة للدراسة حتى منتصف الظهيرة، ومن بعد تناول وجبة خفيفة وتقديم شكرها للطباخ كما تفعل عادةً، ستذهب للتدرب على يد مدربها بالساحة الخارجية للقصر حتى إقتراب غروب الشمس، قبل القيام ببعض الأنشطة المتنوعة وغير الثابتة باليوم، ومن ثم تناول وجبة العشاء رفقة والدها.
“… توقف عن تكرار هذا السؤال من فضلك… هل تفكر حقًا وبجدية بجعل فتاة لم تبلغ السابعة عشرة بعد، تحكم مملكة كاملة؟ ”
على الأغلب، لم تكن ايام الأميرة حافلة او فارغة تمامًا من الأنشطة، ولكنها كانت تتعامل مع كل شيء بدقة وبمثالية لدرجة لن تجدها فيها منزعجة من اي شيء تقريبًا.
بأي حال من الأحوال، كان ما يسمى بالسحر، مصطلحًا مشهورًا وشيئًا عاديًا للغاية يمكن ان تراه وتسمعه بأي مكان بهذا العالم. ولكن ورغم هذا، لم يكن السحر نفسه بشيء طبيعي على الإطلاق.
بالطبع، هكذا ستكون الحال مالم يطلب منها الملك اي شيء غير مرغوب فيه بالنسبة لها.
“… توقف عن تكرار هذا السؤال من فضلك… هل تفكر حقًا وبجدية بجعل فتاة لم تبلغ السابعة عشرة بعد، تحكم مملكة كاملة؟ ”
وحتى وبتلك الحال، لم تكن الأميرة ستفعل شيئًا أكثر من قول ” لا حاجة لذلك ” او ” لا ارغب بفعل ذلك ” وتكرار ذات الكلمات لعدة مرات قبل ان يستسلم الملك.
الغضب الذي لم تعد تستطيع كبته لمدة أطول على ما يبدوا.
كانت شخصية الأميرة بلا ادنى شك، غامضة بالنسبة للجميع، فبينما لم يكن من النادر رؤيتها تبتسم او تضحك، كان من النادر جدًا رؤية اي شيء سينال على إعجابها. وكأنها أميرة مدللة إلا انها لم تقبل دلال والدها إطلاقًا، استمتعت بشق طريقها نحوا القمة بطريقتها الخاصة، وبهدوئها وعلى وتيرتها الخاصة كذلك. وبسرعة وثبات، نالت الأميرة لوناماريا على إحترام وحب جميع من كانوا بالقصر وخارجه. وبأي مكان جديد ستضع فيه اقدامها، كانت حتمًا ستنال على إعجاب الجميع.
بالنسبة لمدينة شيراين، المدينة التي كان قلبها عبارة عن مدينة تجارية مصغرة، حيث يتواجد الملك الآن، استقطب مركز العاصمة المثالي العديد من التجار من مختلف انحاء المملكة والعالم كذلك.
كانت تلك الفتاة بلا شك، الوريثة المثالية للعرش. وبينما اقسم الجميع بولائهم للملك، فقد اقسم جميع من التقوا بتلك الأميرة، على تكريس انفسهم لحمايتها رفقة الملك على حد سواء وليس لأن ذلك كان واجبهم فقط، بل لأنهم يرغبون بفعل ذلك من كل قلبهم.
كان السبب الذي جلبهما لهذا القسم بالتحديد، بالطبع يكمن في كونه احد الأقسام المفضلة بالنسبة للملك. وبما أن شيون أرادت جعل الملك يسترخي، فجعله يأتي إلى احد اماكنه المفضلة، وخصوصًا مكان يمكنه ان يملئ فيه بطنه التي اصبح لا يتفضل عليها بالكثير كما السابق، ستجعله يسترخي إلى حد ما.
وبلا شك، كان الملك بيلدورا، يتقدم ذلك الصف الحصين، ويفعل كل ما بوسعه فقط لحماية ذلك الكنز الذي اكتنزته مملكة لنديريا.
ربما يكون هذا كذلك، شيئًا مقبولًا ويمكن تصديقه، ولكنه لا يجيب على السؤال المهم ايضًا. من أين سنأتي بالأرض لأولئك التجار الواعدين والذين يرغبون بإفتتاح متاجرهم داخل النبع؟
ولكن.. من كان يعلم بأنه وحتى وإن قام بفعل كل ما بوسعه، وبذل الغالي والنفيس، فلن يستطيع منع القدر من اخذها بعيدًا عن متناول يديه.
ولكن ومهما نظر صاحب الدرع، لم يستشعر بأي ذرة طاقة خارجة من صدر ذلك الشاب، وعوضًا عن ذلك، كانت كل الطاقة السحرية، المانا، تصدر من أسفل اقدامه. وتحديدًا من تلك الدائرة السحرية التي يقف بها.
” لقد.. اختفت الأميرة ” تلك الكلمات ثقيلة الوزن ومرّة الطعم، لم تصدر سوى من بين شفتي شيون بنفسها.
” أجبني!! ” صارخًا أخيرًا، بينما يقوم بضييق عينيه حتى لا يتسبب الوهج الشديد بإعمائه، غير مظهر اي رغبة بإنزال يده اليمنى التي لازالت معلقةً بالهواء، غير قادر على تغطية عينيه بيده اليسرى التي كانت الشيء الوحيد الذي يمنع جسده من السقوط على الأرض، واصل الشاب ببطولة ستعجب كل من يرى المشهد أمامه، بمناداة شخص معين بكل ما أوتي من قوة.
بوقتها، من بعد إنتهاء الهجوم المفاجئ الذي حدث لعربة ستيلفورد التي كانت تنقل الطلاب بداخلها، وفشل المعلمين بحماية كل من كانوا بداخلها، وإنتشار خبر إختطاف أميرة مملكة لنديريا رفقة طالب لا يعلم احدًاشيئًا عنه. أمر الملك سريعًا جواسيسه الذين اعتبروا الأقوى بالعالم والأفضل مهارةً بالإنتشار والبحث عن أميرتهم الغالية.
عادةً، كان الملك سيرفض اي إقتراح سيضع التجار بوضع عدم أفضلية، او اي أحد داخل المملكة، كون هذا الشيء جزء لا يتجزأ من شخصيته، فقد كان من المستحيل تقريبًا على التاجر تمرير اي افكار تجارية غير متزنة من خلال الملك.
ولكن ومع مرور الوقت، لم يأتي ولا احد من اولئك الجواسيس الذين تقدر اعدادهم بالألاف بأي خبر يسر مسامع الملك، وعوضًا عن ذلك، واصلوا البحث لمدة سنة وشهرين إضافيين، قبل الموافقة الرسمية ومن قبل الملك بنفسه على إعلان مقتل الأميرة بمكان مجهول بهذا العالم.
بالرغم من نطقه لكل تلك السطور غير المألوفة، ورغم شعوره بذلك الوزن الغريب الذي كان يُثقل على اكتافه، عنقه، اقدامه، وخصوصًا يده اليمنى التي كان يُشهرها ويبسط راحتها أمامه، لم يتوقف ولوا لثانية او يخطئ بحرف واحد. وكأنه تدرب على الأمر طوال فترة طويلة، طويلة كفاية لتسمح له بالوقوف بذلك الشموخ والثبات، بالرغم من أن انفه قد اصبح يسيل دمًا منذ فترة الآن. الا ان ذلك لم يكن كافيًا لكسر عزيمته على ما يبدوا. وكأنه يقوم بشيء لن يقدر على القيام به من جديد، وكأنها فرصة واحدة بحياته التي يبدوا ومن شكل وجهه العام، بأنه لم يعش نصفها الأكبر بعد. واصل الرجل، او الشاب بشكل محدد أكثر، ترديد تلك الكلمات من جديد.
**الفشل بالعثور على اي جثة او جزء من جسد فقيد لمدة عام من بعد التبليغ عنه وإنتهاء البحث الشامل، يعني الوفاة.**
” سيدتي المسؤولة عن الخزنة الملكية، انتِ بلا شك تفهمين لما أشير إليه، الستِ كذلك؟ ” قال التاجر الذي توقف عن الإنحناء أمام الملك، واخذ يقف بوضعيته المعتادة، واضعًا يديه خلف ظهره، وشادًا ظهره بإستقامة.
تلك، كانت إحدى قوانين القصر الملكي بلنديريا. وكونهم يثقون كامل الثقة بجواسيس المملكة التي تستعيرها الممالك الأخرى بكل حين وآخر، كان عدم عثور اي دليل عن اي شيء مفقود لمدة عام كامل، اشبه بعدم وجود ذلك الدليل، وكأنه لا يوجد شيء للبحث عنه من الأساس.
ومع وجود عدة طرق للتأكد من وجود اي ساحر بالجوار، فكانت افضل واقصر طريقة لفعل ذلك، هي عن طريق النظر إلى منطقة صدره فقط، حيث يقبع القلب، وتمامًا بجواره..تقبع البذرة.
لهذا وبالنهاية، قرر الملك ختم أوراق اوامر البحث بختم الإلغاء والإغلاق، ورمي المستند عميقًا بدرج المستندات في المخزن.
بوقت غير ببعيد، كان للملك إبنة. إبنة موهوبة للغاية. موهوبة لدرجة استطاعت فيها التحكم بتقنيات ومهارات، احتاج جميع من كانوا بعمرها لسنين طويلة حتى تعلموها. وذلك، لم يكن كل شيء.
وبينما غُطي القصر الملكي بظل شديد السواد خلقه فراق الأميرة عن منزلها، وشعور جميع الخدم الذين كانوا على تواصل مباشر معها بضيق وحزن عميق بصدورهم، مضى عام وتسع اشهر الآن، منذ وقوع تلك الحادثة المأساوية.
—
بالرغم من ان تلك قد تكون قصة حزينة جيدة لكتاب قصير ما، الا ان القدر دائمًا سيحمل في طياته كلمة ” ولكن ” التي تغير الكثير بأقدار هذا العالم.
اليس ذلك الملك مُنعمًا بما يكفي؟ أجل بلا شك.
ولكن، غياب تلك الأميرة عن ذلك القصر، لم يكن سيعني إلا وبشكل لا يصدقه أحد، حضور أميرة آخرى لسد الثغرة التي تركتها السابقة.
” لن يموت أحد إن قمت بتأخير فحص شحنات القمح الآتية من الخارج، او بالأحرى، هذا ليس عملك من الأساس”
لسبب لا يعلمه الكثير، توفت والدة لونا عندما كانت تقوم بعملية ولادة ابنتها، وبينما لم يمتلك الملك اي نساء اخريات او ابناء آخريين، سيكون من المستحيل العثور على اي شخص لتوارث العرش من بعده، او حتى ليلمئ ثغرة الأمير او الأميرة بالقصر.
لم يكن الملك الذي اعتاد على المزاح يمزح الآن، بل اصبح يأخذ وقته بالتفكير، يرفع مستويات آمانه وحذره، يشكك بالكثير من الأشياء من حوله، ولا يقبل بإدخال شيء او شخص إلى العاصمة مالم يتلقى فحصًا شاملًا ودقيقًا.
ربما ظن الجميع بأنهم فقدوا الكثير بلحظة فقدان أميرتهم الغالية، وربما كان الملك بنفسه، والذي تغير 180° منذ رحيلها، واصبح يقوم بأعماله تمامًا كما يطلب منه، ويقلل وقت فراغه، ويتوقف عن الهرب من مسؤولياته، كما ويشغل نفسه بمسؤوليات القصر لدرجة اصبحت فيها شيون هي من تترجاه لأجل أخذ قسط من الراحة ولو لقليل من الوقت، قد تلقى القدر الأعظم من الصدمة.
ربما كان قتالها مع الملك مليئًا بالملاحظات، والقليل – الكثير – من التساهلات من جانب الملك تحديدًا، الا انها قد واصلت بعد ذلك تحقيق المزيد والمزيد من الإنجازات التي ستجعلها المرشحة الأولى لإعتلاء العرش حتى وإن إمتلكت سبعين شقيقًا غيرها.
لم يكن الملك الذي اعتاد على المزاح يمزح الآن، بل اصبح يأخذ وقته بالتفكير، يرفع مستويات آمانه وحذره، يشكك بالكثير من الأشياء من حوله، ولا يقبل بإدخال شيء او شخص إلى العاصمة مالم يتلقى فحصًا شاملًا ودقيقًا.
كانت تلك الفتاة بلا شك، الوريثة المثالية للعرش. وبينما اقسم الجميع بولائهم للملك، فقد اقسم جميع من التقوا بتلك الأميرة، على تكريس انفسهم لحمايتها رفقة الملك على حد سواء وليس لأن ذلك كان واجبهم فقط، بل لأنهم يرغبون بفعل ذلك من كل قلبهم.
لم يكن ذلك الرجل الذي اصبح يبتسم نادرًا جدًا، كشقيق معين له، يفعل شيئًا سوى البحث بتقارير جنوده عن حلول لبعض المشاكل التي تواجه المملكة، وقد استمر بالعمل على تقديم هذه الحلول طوال الساعات السبع الماضية، قبل ان تدفعه شيون حرفيًا خارج المكتب وخارج القصر، وتذهب به عبر البوابات الناقلة من قصره العائم بالجزر السماوية، إلى مدينته المفضلة شيراين.
بخلاف الشاب، من كان يرتدي نوعًا مشهورًا من البذلات التي كانت متداولة بين طبقة النبلاء، فكان الرجل أمامه يرتدي شيئًا كان اشبه بدرع فارس قديم، درع مليء بالخدوش، التشققات والتصدعات، ولكن ورغم كل تلك السلبيات التي ستجعل من اي درع آخر يبدوا وكأنه مجرد قطعة مهترئة عفى عنها الزمان، كان هذا الدرع ولسبب يجهله الشاب، يلمع ببريق جذاب، وينضح بنوع من هالة غامضة لا تفسير لها، كما ويتناسب بلونه الأسود اللامع، مع من كان يرتديه، تاركًا إنطباعًا قويًا يخبرك بأن هذا الدرع بالتحديد، ينتمي لهذا الرجل بالخصوص.
” لن تعود للعمل مالم تقضي ثلاث ساعات على الأقل بإراحة اعصابك هنا، هل هذا واضح؟! ” صارخةً بيأس، بينما تقوم بإلقاء الأوامر على ملكها، بشكل غير مقبول عادةً، القت شيون سريعًا بتعويذة سحرية بسيطة، تهدف للتأثير بعقول من حولها، وتجعل كل من يسير او ينظر إليها رفقة الملك، يراهما كمجرد اشخاص عاديين، ويعاملهم وفق ذلك.
” اجل. الشيء الذي تحدثت عنه الآن فقط. ”
كانت تلك بالطبع، إحدى المهارات الخاصة التي تتمتع بها شيون.
رغم وجود تلك الستائر التي كانت تغطي نوافذ الغرفة، وبالرغم من ان الغرفة نفسها كانت مجرد غرفة آخرى داخل منزل خشبي يقع بمكان مجهول من العالم، الا ان الوهج كان قويًا لدرجة اصبح فيها المنزل بأكمله، يشع من الخارج. وبحال كان هنالك اي شخص بأي مكان بعيد ومرتفع قليلًا عن الأرض، فلن يحتاج سوى للنظر بإتجاه ذلك المنزل، فقط ليرى تلك المساحة البيضاء المتوهجة، والتي كانت تعمل عمل القمر المعلق بالسماء، بشكل أفضل منه.
“.. ليس الأمر وكأنني بحاجة لأي راحة الآن. وبلا شك، لن اشعر بالهدوء والطمأنينة طالما تواجه المملكة اي خطر محتمل. ” قال الملك بنبرة صوت هادئة ومنزعجة بوضوح.
الدم. كان الدم هو ما يقطر من تلك المسامات. ولم تكن سوى دماء الفتى بنفسه.
” لن يموت أحد إن قمت بتأخير فحص شحنات القمح الآتية من الخارج، او بالأحرى، هذا ليس عملك من الأساس”
ولكنه الآن، اصبح يراها بشكل مختلف بوضوح.
” املك الوقت الكافي لفعل ذلك لذا سأفعله. وبعد كل شيء، إنها مسؤوليتي ان اتأكد من مستوى صحة ما قد يتحول لطعام سيتناوله شعبي. ”
بوجه مثل تلك التصريحات التي اعتادت شيون على سماعها تخرج من شخصية الملك الجديدة، لم تستطع بذات الوقت التفكير برد مناسب لمناقضة مثل تلك الأفكار، واكتفت بدفعه نحوا الحشود، والسير رفقتها بالطريق الرئيسي بمدينة شيراين.
ما تحدث عنه ذلك التاجر وقتها ببساطة، كان خلق شيء اشبه بالدوري، جدول تدرج به لائحة لجميع المتاجر، مقدار دخلها، صرفها، مكاسبها وخسائرها الشهرية، وإجمالي العائد الصافي بكل نهاية شهر.
” لن يضر اخذ القليل من الوقت كراحة..! ” قالت وهي تدفعه من الخلف.
والآن ومن بعد شراء كل شيء ربما ستحتاجه حتى تشعر بالدفئ، ستأتي متاجر العربات الخاصة، وتليها متاجر الحيوانات الأليفة، ثم تليها متاجر المواد الغذائية، المتاجر التي تأخذ بالحقيقة أكبر قسم من منبع شيراين.
بالنسبة لمدينة شيراين، المدينة التي كان قلبها عبارة عن مدينة تجارية مصغرة، حيث يتواجد الملك الآن، استقطب مركز العاصمة المثالي العديد من التجار من مختلف انحاء المملكة والعالم كذلك.
” لا أعلم بما يفكر فيه والدي برأسه ذاك، لن يتمكن احد على أي حال من إختراق حاجزنا السحري حتى، دعك من الوصول إلى بوابة القصر هنا. ” كانت تقول ذلك بوجهها الجميل الخالي من التعابير عادةً، وهي تقصد القول بأن إيقاف الحرس هنا، وجعلهم يتمركزون بمكان كهذا وهم يحملون تلك الرماح الثقيلة طوال اليوم، ليس سوى غرض إستعراضي بلا هدف.
في الحقيقة، وبفضل جهود بذلها مهندس معماري معين، من صنع الخارطة المثلى لبناء افضل قطاع تجاري يمكنك ان تراه بأي مكان في المملكة، ستجد لافتة ضخمةً مزخرفة ببداية الطريق التجاري تدل على بداية السوق، وقد كُتب بها ” أهلًا بكم إلى منبع العالم ” كما يبدوا واضحًا، شعر الجميع بثقة زائدة حيال هذا السوق الممتد، لدرجة إعتباره كمنبع غذائي للعالم.
ولكن وكعادته، لم يكن الملك ليسمح لها بالرحيل إلى الجانب الآخر بتلك السهولة.
وخلف تلك اللائحة، ستبدأ متاجر الثياب الراقية والأنيقة بملئ عينك من كلا الجانبين، ولم يتوقف الأمر على اطراف الطريق فقط كما نرى بمعظم الأسواق، بل ان الطريق التجاري كان يتوسع أكثر للداخل، داخل الأزقة المنيرة والتي حملت عدة لافتات على أطرافها تشير إلى اين سيقود الطريق. ولكن وبالطبع، كان ما ستجده خلف المنطقة المخصصة للأزياء، المزيد من الثياب والمتاجر الأقل شهرة من سابقيها، ولكنها كذلك تقدم العديد من الأنواع الفريدة والفخمة من الأنسجة الخاصة لحياكة الثياب.
” متى تحدثت عن ذلك؟! وهذا مرفوض كذلك! ”
كان الشيء المثير للإنتباه هنا، والشيء الذي اعتاد المتسوقين على فعله عادةً، هو الذهاب لشراء الأنسجة الخاصة من المتاجر بالخلف، ومن ثم القدوم للمتاجر الأمامية وطلب حياكة قطع وثياب خاصة بتلك الأنسجة عالية الجودة.
كانت شخصية الأميرة بلا ادنى شك، غامضة بالنسبة للجميع، فبينما لم يكن من النادر رؤيتها تبتسم او تضحك، كان من النادر جدًا رؤية اي شيء سينال على إعجابها. وكأنها أميرة مدللة إلا انها لم تقبل دلال والدها إطلاقًا، استمتعت بشق طريقها نحوا القمة بطريقتها الخاصة، وبهدوئها وعلى وتيرتها الخاصة كذلك. وبسرعة وثبات، نالت الأميرة لوناماريا على إحترام وحب جميع من كانوا بالقصر وخارجه. وبأي مكان جديد ستضع فيه اقدامها، كانت حتمًا ستنال على إعجاب الجميع.
بالطبع، ليس الأمر وكأن اصحاب المتاجر بالواجهة ليسوا قادرين على شراء انسجتهم او حريرهم بأنفسهم، فتلك الثياب المعروضة امام زجاجهم ومحالهم، لم تُخاط سوى بأدوات خامة جلبوها بأنفسهم. ولكن، ما كان يمنعهم من جلب موادهم الخامة الخاصة ونسج الثياب بأنفسهم ومن ثم إحتكار السوق، لم يكن الشيء الوحيد الذي منعهم من تحقيق أرباح خيالية كتلك، سوى قوانين مدينة شيراين التجارية.
هي من دفعته للقدوم، وهي من تدفعه لتناول الأطعمة، وماذا غير ذلك؟ اصبحت الآن تطلب منه البقاء بالرغم من طلباته اللانهائية بالعودة إلى القصر.
فبينما كانت المدينة تمتلك سلطتها القضائية الخاصة، امتلك السوق تحديدًا، سلطته الخاصة كذلك. وكإحدى القوانين التي لم تفرض إلا على عدة متاجر معينة، وعدة اقسام من السوق، فقد نصت القوانين على كون أيٍ من يقوم بتأجير إحدى المتاجر بالقسم الأمامي والمقابل للطريق العام بمنطقة الحرير، او سوق الثياب، فيمنع عليه بيع أي منتجات خامة، بينما يسمح له بيع الثياب الجاهزة فقط.
ولكن ورغم كل تلك الشكوك، فقد امتلك هذا العالم حقًا، نوعًا من العاطفة التي ستحدث نادرًا جدًا، وبمرات قليلة أيضًا. ولكنها ستترك أثرًا لن ينساه كل من سيستمع إلى قصته، دعك ممن أختبروا الأمر بأنفسهم.
ذات الأمر، ولكن بطريقة عكسية، وضع لمن اختاروا وضع متاجرهم بالمنطقة الخلفية. فبينما كان مسموحًا لهم عرض النتائج النهائية والثياب التي يمكن صناعتها من الحرير والقماش الذي يمكنهم تقديمه، يسمح لهم فقط ببيع تلك المواد الخام لا غير.
” متى تحدثت عن ذلك؟! وهذا مرفوض كذلك! ”
بالطبع، لم يوضع ذلك النظام إلا لتحقيق التوازن بين المتاجر، وبتلك الطريقة، لن يحتاج أحد التجار للقتال او الدفع أكثر من اجل وضع متاجرهم بالطريق الرئيسي، هذا مالم تكن المتاجر تبيع ذات الصنف. وقد كان الشيء المثير للإنتباه، هو إمكانية فرض هذا القانون الخاص وسد ثغراته، عن طريق منع المتاجر الرئيسية بالمقدمة من وضع فروع آخرى لها في الجانب الخلفي، وفرض عقوبة الإغلاق المؤبد للتاجر الذي يجرؤ على كسر ذلك القانون بالإضافة لعدة قوانين أخرى صارمة، وضعت لمنع الإختلال بذلك التوازن.
عادةً، كان الملك سيرفض اي إقتراح سيضع التجار بوضع عدم أفضلية، او اي أحد داخل المملكة، كون هذا الشيء جزء لا يتجزأ من شخصيته، فقد كان من المستحيل تقريبًا على التاجر تمرير اي افكار تجارية غير متزنة من خلال الملك.
منطقة الحرير التجارية بمنبع شيراين، كان وبشكل لا يصدق، أقل منطقة احتوت على قوانين صارمة للبيع والشراء، فبينما كان هذا مجرد قسم إفتتاحي بالسوق، كان الطريق الطويل والملتف بشكل حلزوني فريد، يحتوي على المزيد من الأقسام المتتابعة، والمتشرعة بالداخل.
في الحقيقة، وبفضل جهود بذلها مهندس معماري معين، من صنع الخارطة المثلى لبناء افضل قطاع تجاري يمكنك ان تراه بأي مكان في المملكة، ستجد لافتة ضخمةً مزخرفة ببداية الطريق التجاري تدل على بداية السوق، وقد كُتب بها ” أهلًا بكم إلى منبع العالم ” كما يبدوا واضحًا، شعر الجميع بثقة زائدة حيال هذا السوق الممتد، لدرجة إعتباره كمنبع غذائي للعالم.
تاليًا، ومن بعد إختيار ثيابك الخاصة وثياب اطفالك ربما، من النقطة الأولى، حان الوقت لشراء اكسسوارات خاصة لسيدتك، او عشيقتك او بأي حال من الأحوال.. أميرتك.
وبينما غُطي القصر الملكي بظل شديد السواد خلقه فراق الأميرة عن منزلها، وشعور جميع الخدم الذين كانوا على تواصل مباشر معها بضيق وحزن عميق بصدورهم، مضى عام وتسع اشهر الآن، منذ وقوع تلك الحادثة المأساوية.
بالنسبة لهذا القسم الغني عن التعريف، قسم المجوهرات، فلن تجد هنا سوى كبار الشخصيات، خصوصًا اولئك الذين يأخذون عناء السفر من منازلهم المريحة في إحدى الممالك المجاورة، وتجاهل اسواقهم الخاصة داخل حدود المملكة، فقط لأجل القدوم إلى هنا وإرضاء تلك الزوجة المزعجة التي لا تنفك تتحدث عن زوج صديقتها الذي جلب لزوجته خاتم ذهب يقدر بثمن منزل فخم، والذي لن تجده سوى بمنبع شيراين.
وكطريقة آخرى لإثبات حظه العظيم، انه امتلك بالفعل، وقتًا إفتراضيًا طويلًا لعيشه، كونه يتبع لفصيل معين، يتصف أتباعه بطول العمر وقوة الجسد، ورجاحة العقل.
إلهي.
كان الشيء المثير للإنتباه هنا، والشيء الذي اعتاد المتسوقين على فعله عادةً، هو الذهاب لشراء الأنسجة الخاصة من المتاجر بالخلف، ومن ثم القدوم للمتاجر الأمامية وطلب حياكة قطع وثياب خاصة بتلك الأنسجة عالية الجودة.
احم، بالنسبة لباقي المتاجر خارج منبع شيراين، فيكفي ان نقول بأن معظمها تأتي بمنتجاتها من المتاجر الموجودة داخل المنبع. وبينما كان سعر المواد ارخص بثلاث مرات على الأقل داخل المنبع، فقد كان العكس يحدث بالمتاجر بالخارج، بالرغم من ان انها تأتي بها من الداخل. وهذا، خلق سببًا إضافيًا للمشتريين حتى يقوموا بقطع كل تلك المسافة لشيراين.
بوقتها، من بعد إنتهاء الهجوم المفاجئ الذي حدث لعربة ستيلفورد التي كانت تنقل الطلاب بداخلها، وفشل المعلمين بحماية كل من كانوا بداخلها، وإنتشار خبر إختطاف أميرة مملكة لنديريا رفقة طالب لا يعلم احدًاشيئًا عنه. أمر الملك سريعًا جواسيسه الذين اعتبروا الأقوى بالعالم والأفضل مهارةً بالإنتشار والبحث عن أميرتهم الغالية.
تاليًا، ومن بعد إلباس نفسك وشراء إكسسوارتك، حان الوقت لشراء منزلك الخاص ربما، او شراء أثاث خاص بذلك المنزل بقطاع العقارات.
“.. تمنيت أن يصبح جادًا بعمله ولكن هذا… ”
بالنسبة لهذه المنطقة، فلم تكن أكثر من عدة مكاتب مفتوحة على الطريق تهتم بعرض المنازل والأراضي السكنية المعروضة للبيع. وبالقسم الداخلي، ستجد كل الأرفف، الساعات المنزلية، الفرش، الأسرة والأغطية وحتى تصاميم غرف النوم الكاملة، معروضة للبيع هناك.
فقط برؤية كل تلك المنشآت المنتشرة بكل مكان، كان من الصعب توسيع السوق أكثر، ولكن هنا تمامًا، ظهر من اسموه لاحقًا بعمدة النبع، والذي كان مجرد تاجر سابق بالواقع، واقترح على جلالة الملك، اقتراحًا جعل عينيه تلمعان وقتها.
بالداخل، يمكنك ان تجد كل قطعة فريدة صُنعت فقط لأجل تزيين منزلك، او كغرض يمكن وضعه بالمطبخ او الحمام او غرف النوم وبمختلف التصاميم والألوان.
رغم وجود تلك الستائر التي كانت تغطي نوافذ الغرفة، وبالرغم من ان الغرفة نفسها كانت مجرد غرفة آخرى داخل منزل خشبي يقع بمكان مجهول من العالم، الا ان الوهج كان قويًا لدرجة اصبح فيها المنزل بأكمله، يشع من الخارج. وبحال كان هنالك اي شخص بأي مكان بعيد ومرتفع قليلًا عن الأرض، فلن يحتاج سوى للنظر بإتجاه ذلك المنزل، فقط ليرى تلك المساحة البيضاء المتوهجة، والتي كانت تعمل عمل القمر المعلق بالسماء، بشكل أفضل منه.
بالنسبة لهذا القطاع كونه يمتلئ عادةً بالمحتالين، فقد صنعت لهم شيراين، قيودهم الخاصة كذلك.
“آه.. أعتذر على التسبب بالفوضى بمكانكِ.” اعتذر الملك على شيء ربما لم يكن السبب به. ربما. وواصل بعدما لاحظ تعابير شيون. ” ما الأمر شيون؟ هل تعانين من الإرهاق او شيء كهذا؟ وبالحديث عن الأمر، انتِ لم تأخذي وقت راحة من فترة الآن؟ استطيع رؤية الهالات السوداء حول عينيك بالمناسبة وهذا لا يجوز، كونكِ مساعدة الملك الأولى عليكِ—”
والآن ومن بعد شراء كل شيء ربما ستحتاجه حتى تشعر بالدفئ، ستأتي متاجر العربات الخاصة، وتليها متاجر الحيوانات الأليفة، ثم تليها متاجر المواد الغذائية، المتاجر التي تأخذ بالحقيقة أكبر قسم من منبع شيراين.
وذلك الشعور بالتحديد، كان الوحيد الذي تشعر به شيون الآن وهي تنظر بعيني جلالته.
بلا أدنى شك، كان الغذاء هي الحاجة الأولى بالأنفس، ولتعدد انواع المأكولات والأطعمة، وإختلاف مكوناتها، فقد اهتمت مدينة شيراين بتخصيص أكبر قسم من المنبع، فقط للمطاعم المميزة بالقسم الأمامي المطل على الطريق، والتي تقدم الأطعمة الجاهزة بكل أصنافها سواءً كانت اطعمةً بحريةً ام من الخضار واللحوم، وبالداخل، ستجد المتاجر اللانهائية، والتي تبيع كل تلك المواد التي تُخلط مع بعضها البعض لصناعة مثل تلك الأطعمة الشهية.
أجل لقد كان ذلك الرجل بلا أدنى شك، ملكًا يعلم كيف يستخدم نفوذه، ويستمتع بينما يفعل ذلك. وفوق كل هذا، كان شاكرًا من كل قلبه، للأحداث السعيدة التي تحدث من حوله.
من كتب الوصفات لأندر المواد والمُنكّهات، وحتى الفواكه والخضراوات، وصولًا للحوم الأبقار او الماعز وخلاف ذلك من اللحوم، التي انتشرت عنها شائعة فيما مضى عن وجود متجر يبيع لحم الإنسان الحقيقي… وإلى محال التوابل والبهارات اللانهائية، حيث ستجد وببداية الطريق المخصص لمتاجر التوابل، حارسًا يقوم بتوزيع اغطية للأنوف والأفواه وحتى النظارات، التي تمنع الروائح القوية للتوابل من إزعاج اي شخص.
ملك أمتلك كل شيء، كل ما أراد، كل ما تشتهيه ذاته. ملك أمتلك جيوشًا تحت إمرته، خدمًا مستعدين لتحقيق أدنى رغبة من رغباته، وكل رذيلة يتمانها او يطلبها، كانت ستأتي مباشرةً إليه دون تأخير. بأي شكل من الأشكال، لم يكن ذلك الملك اساسًا بمجرد ملك عادي، لا بل كان يُعرف بذكائه، حكمته، ومزاحه وتقربه حتى من خدمه وشعبه. كان ملكًا مثاليًا حكم مملكة مثاليةً أُسست على يد أجداده الذين لازال التاريخ يذكر أسمائهم ويخلدها كونهم هم من ساهموا بنسجه.
إلى حد لا يمكن رؤيته، اهتمت شيراين على ما يبدوا بكل تفصيلة صغيرة لأجل جذب المشتريين وحتى التجار. وبينما ستظن على الغالب بأن مكانًا كهذا من المستحيل ان يحوي على أي مساحة فارغة بعد الآن حتى يقوم اي تاجر بوضع متجره فيها، فهنا سيأتي مسؤول معين يدعى بلقب “عمدة النبع ” ويخبرك بالقدوم في أول الشهر لكي تتفاجأ بتخصيص مكان مثالي لمتجرك بالنبع.
ولكن ولسخرية القدر، كانت وحيدة أباها، وكان والدها لا يملك سواها. وأما بالنسبة للأم وزوجة الملك، فتلك لم تكن محظوظة بما تكفي لتنجوا من عملية الولادة التي استغرقت أيامًا وقتها.
بالنسبة للبعض، ربما يعني هذا بأن النبع لازال فارغًا، ويملك المساحة الكافية رغم كل تلك المتاجر، ولكن وبالحقيقة، لم تكن تلك الحال إطلاقًا. وكان من المستحيل تقريبًا، العثور على بقعة فارغة لوضع حجر أساس حتى.
بالعادة، كان سينطلق بمفرده ويقترح الذهاب إلى منطقة المطاعم، قبل ان يعذب معدة شيون، ويجعلها تجرب كل تلك الأطعمة الغريبة، والوجبات الآتية من خارج المملكة، الحامضة والحارة والحلوة بعدها. وعادةً ما كانت تكره القدوم برفقته إلى هنا، وتتحجج بإنشغالها بأعمالها، وتطلب من الملك الذهاب مع أحد الحراس لتعذيبه عوضًا عنها.
بهذه الطريقة، سيبدوا جليًا ان المتاجر التي ستجدها في المنبع، والذي سيكمل عامه الثلاثين بعد أقل من شهرين، كانت نفس المتاجر التي اغتنمت الفرصة الثمينة منذ البداية، وافتتحت متاجرها بالداخل منذ تسعة وعشرين عامًا وحتى الآن.
“أ-أجل” لسبب ما، شعرت شيون بالإحراج قليلًا، ولكن ذلك لم يكن سبب توترها.
ربما يكون هذا كذلك، شيئًا مقبولًا ويمكن تصديقه، ولكنه لا يجيب على السؤال المهم ايضًا. من أين سنأتي بالأرض لأولئك التجار الواعدين والذين يرغبون بإفتتاح متاجرهم داخل النبع؟
بالنسبة لهذه المنطقة، فلم تكن أكثر من عدة مكاتب مفتوحة على الطريق تهتم بعرض المنازل والأراضي السكنية المعروضة للبيع. وبالقسم الداخلي، ستجد كل الأرفف، الساعات المنزلية، الفرش، الأسرة والأغطية وحتى تصاميم غرف النوم الكاملة، معروضة للبيع هناك.
بالطبع، كانت فكرة تمديد النبع غير قابلة للتطبيق. ويكمن السبب بأن تلك المدينة التي امتلكت مساحةً مقدرة وغير صغيرة على الإطلاق، لا وبل انها تعتبر من أكبر المدن داخل مملكة لنديريا، رغم ذلك، امتلكت المدينة اشياءً أخرى مهمة بخلاف السوق، ومنشآت ارادت بنائها او قد تم بنائها بالفعل. ويتمثل ذلك بالمناطق السكنية الواسعة، قطاع التعليم، أكاديمية شيراين، منطقة العائلة الملكية الخاصة، مناطق الترفيه، النقاط البيضاء… وبعض المناطق الأخرى.
ومع وجود عدة طرق للتأكد من وجود اي ساحر بالجوار، فكانت افضل واقصر طريقة لفعل ذلك، هي عن طريق النظر إلى منطقة صدره فقط، حيث يقبع القلب، وتمامًا بجواره..تقبع البذرة.
فقط برؤية كل تلك المنشآت المنتشرة بكل مكان، كان من الصعب توسيع السوق أكثر، ولكن هنا تمامًا، ظهر من اسموه لاحقًا بعمدة النبع، والذي كان مجرد تاجر سابق بالواقع، واقترح على جلالة الملك، اقتراحًا جعل عينيه تلمعان وقتها.
السحر شيء فريد بلا شك. وكما وان لكل شيء فريد أثر، فكان للسحر أثره الخاص كذلك. فكما استطاع المفترسون تقفي أثار ضحاياهم عن طريق إتباع روائحهم او خطواتهم، وكما استطاع المقاتل المخضرم من التعرف على أي مقاتل آخر فقط من تركيبة جسده وبنيته العضلية، فكذلك الأمر ينطبق على السحرة بين بعضهم البعض.
” إن سمحت لوضيع مثلي بالحصول على شرف الحديث بشكل مباشر مع جلالتك.. فتابعك المخلص هذا، يملك إقتراحًا صغيرًا لا أظن جلالتك قد تغافلت عنه لولا كثرة إنشغالك وإهتمامك بمملكتنا الشريفة. ” بتلك الطريقة التي جعلت شيون تتنهد وقتها لسبب ما، وجعلت الملك يبتسم بسعادة واضحة أمام خدمه الذين فكروا جميعًا بأنهم ربما سيحتاجون لمهرج خاص بالقصر وهم ينظرون إلى التاجر ويستمعون لاسلوب حديثه الفريد مع الملك، لم ينطق التاجر تاليًا، من بعد أخذ الإذن، سوى ما هز عقلية كل من كانوا متواجدين بتلك الغرفة.
لم يكن الملك الذي اعتاد على المزاح يمزح الآن، بل اصبح يأخذ وقته بالتفكير، يرفع مستويات آمانه وحذره، يشكك بالكثير من الأشياء من حوله، ولا يقبل بإدخال شيء او شخص إلى العاصمة مالم يتلقى فحصًا شاملًا ودقيقًا.
” جلالتك.. لما لا نقوم بخلق منافسة صغيرة، بين جميع تجار النبع؟ ”
كما يعلم جميع من يعملون أسفله، فقد امتلك ملكهم شخصية صادقة مرحة على غير عادة الملوك. ومن جانبه، لم يقم يومًا بإخفاء رغبته عن فعل شيء او الذهاب إلى مكان معين من اجل الإستمتاع بوقته او تحويل مدينة عادية إلى عاصمة للترفيه فقط لأنها كانت تروق له.
بتلك الطريقة، اقترح التاجر منافسةً، اصبحت فيما بعد، الشيء المهم الوحيد، والذي يسمح لأي تاجر بالبقاء، او يقرر طرده.
السحر، دون الحاجة للقول، كان شيئًا مثيرًا شديد التعقيد. يسمح لمن امتلكوا المخيلات الخصبة بخلق وصناعة كل ما يريدون كيفما ارادوا، ويجعل اولئك ممن لم يمتلكوه يشعرون بالضيق والنقص الشديد. وقد كان وإلى يومنا هذا، يقسم العالم إلى قسمين.
ما تحدث عنه ذلك التاجر وقتها ببساطة، كان خلق شيء اشبه بالدوري، جدول تدرج به لائحة لجميع المتاجر، مقدار دخلها، صرفها، مكاسبها وخسائرها الشهرية، وإجمالي العائد الصافي بكل نهاية شهر.
بنبرة صوتها الثابتة والخالية من المشاعر تمامًا، قالت شيون تلك الكلمات بوجه ملكها الذي بدأ يستوعب ببطئ، الخطأ الذي اقترفه.
من بعد الإنتهاء من حساب كل ذلك، سيتم بعدها ترتيب المتاجر بناءً على مقدار تلك الأموال العائدة، وعوائد مدينة شيراين الضريبية من كل متجر، وفقط عندما نمتلك ذلك الجدول الذي سيرينا بالتحديد أبرز المتاجر وأفضلها دخلًا، بالإضافة لأقل المتاجر دخلًا، سنقوم بعدها بطرد ادنى عشر متاجر من بعد مرور كل أربع اشهر من كل قسم من اقسام المنبع، وإفراغ محالها لمتاجر آخرى ستأتي من خارج النبع.
ما تحدث عنه ذلك التاجر وقتها ببساطة، كان خلق شيء اشبه بالدوري، جدول تدرج به لائحة لجميع المتاجر، مقدار دخلها، صرفها، مكاسبها وخسائرها الشهرية، وإجمالي العائد الصافي بكل نهاية شهر.
” اوه، انا ارى ما تحاول قوله، ولكن ماذا عن اولئك الذين يقبعون بمقدمة الصف؟ ” سأل احد معاوني الملك ذلك السؤال للتاجر الذي توقع السؤال بدوره، وابتسم إبتسامةً لا تدل إلا على شخص ربح الملايين من قطعة لا تساوي سوى ألفًا واحدة.
بتلك اللحظة، كان الإثنان يتبادلان الحديث امام مدخل ضيق، كان يقود للسوق الداخلي، وبينما كان الناس يسيرون من حولهما، يعبرون ويخرجون من ذلك الزقاق الضيق، استشعر الملك رفقة شيون لحظتها ورغم كل هذا، خروج شيء ما، شخص ما.. طفل او طفلة بالتحديد، ذات لون شعر عسلي حالك، اقرب إلى اللون البني الفاقع، وتلك الأعين بذات لون الشعر.. وهي تمتلئ بالدموع لسبب ما.
” بالنسبة لأولئك، فأنا آرى من وجهة نظري كتاجر، ان نقوم بزيادة معدل الضرائب بنصف ضعف لاولئك الذين سيطروا على المراكز الأولى بالجدول لفترة طويلة… ربما أفضل عشرة؟ ” طرح التاجر ذلك السؤال وهو ينظر إلى شيون، من كانت المسؤولة الأولى عن الأمور الإقتصادية بالمملكة.
” إن سمحت لوضيع مثلي بالحصول على شرف الحديث بشكل مباشر مع جلالتك.. فتابعك المخلص هذا، يملك إقتراحًا صغيرًا لا أظن جلالتك قد تغافلت عنه لولا كثرة إنشغالك وإهتمامك بمملكتنا الشريفة. ” بتلك الطريقة التي جعلت شيون تتنهد وقتها لسبب ما، وجعلت الملك يبتسم بسعادة واضحة أمام خدمه الذين فكروا جميعًا بأنهم ربما سيحتاجون لمهرج خاص بالقصر وهم ينظرون إلى التاجر ويستمعون لاسلوب حديثه الفريد مع الملك، لم ينطق التاجر تاليًا، من بعد أخذ الإذن، سوى ما هز عقلية كل من كانوا متواجدين بتلك الغرفة.
عادةً، كان الملك سيرفض اي إقتراح سيضع التجار بوضع عدم أفضلية، او اي أحد داخل المملكة، كون هذا الشيء جزء لا يتجزأ من شخصيته، فقد كان من المستحيل تقريبًا على التاجر تمرير اي افكار تجارية غير متزنة من خلال الملك.
” ما أحاول ان اقوله هنا، هو ان الراحة شيء ضروري بلا شك. ولكن العمل يملك نفس الأهمية، وذات الوزن وربما أثقل، ولكن، وعندما تتحول الراحة لتسيب، ويصبح العمل ضاغطًا بسبب هزلي السابق، وإهمالي الذي تسبب بفقداننا للكثير.. ” متذكرًا الحادثة التي لم يلم فيها الملك شخصًا إلا نفسه بعد ان انفجر في البداية وألقى أمرًا معينًا بشكل غير عقلاني رغم حكمته المعروفة، اكمل الملك كلماته التي لم يكن سيجرؤ يومًا على قولها أمام هذه المرأة بالتحديد: ” انا لا احتاج للراحة الآن، ولكن وبما انك لا تفهمين ما اقوله، كحالك الآن تمامًا، ولا تحاولين الفهم ربما، وتستمرين بمحاولة إغوائي ودفعي نحوا الملذات التي غرقت بها ذاتي السابقة، فأنا الآن لست ضعيفًا كما السابق، ولن اسمح لكِ او ايًا كان بالوقوف أمام عملي لأجل شعبي المخلص. ولهذا شيون.. ومنذ اليوم، انا، وبصفتي ملكك الوحيد، أمرك بـ—”
ولكن ولهذا السبب، كان التاجر المحنك، ينظر إلى شيون بالتحديد. من كانت تنظر للعاطفة ثانيًا، وللمنطقية أولًا.
“انا… لا افهم ما تحاول قوله تحديدًا.. ” قالت شيون، بالرغم من انها تعلم تمامًا ما يحاول الملك قوله.
“نصف ضعف تقول.. ” قالت وهي تفكر بالنتائج التي قد يسببها فرض شيء أشبه بعقوبة كزيادة الضرائب على التجار.
بالنسبة لهذه المنطقة، فلم تكن أكثر من عدة مكاتب مفتوحة على الطريق تهتم بعرض المنازل والأراضي السكنية المعروضة للبيع. وبالقسم الداخلي، ستجد كل الأرفف، الساعات المنزلية، الفرش، الأسرة والأغطية وحتى تصاميم غرف النوم الكاملة، معروضة للبيع هناك.
” سيدتي المسؤولة عن الخزنة الملكية، انتِ بلا شك تفهمين لما أشير إليه، الستِ كذلك؟ ” قال التاجر الذي توقف عن الإنحناء أمام الملك، واخذ يقف بوضعيته المعتادة، واضعًا يديه خلف ظهره، وشادًا ظهره بإستقامة.
وهذه المرة، وبطريقة واضحة أكثر من السابق، لم يمانع صاحب الدرع من إظهار ذلك التعبير المتفاجئ على وجهه. بالرغم من انه كان خافتًا بعض الشيء، الا ان الشاب استطاع رؤية تعابيره بوضوح.
“هم، ولما تظن ذلك؟ ” قالت شيون بحزم وهي تنظر إلى عيني التاجر بتركيز.
منطقة الحرير التجارية بمنبع شيراين، كان وبشكل لا يصدق، أقل منطقة احتوت على قوانين صارمة للبيع والشراء، فبينما كان هذا مجرد قسم إفتتاحي بالسوق، كان الطريق الطويل والملتف بشكل حلزوني فريد، يحتوي على المزيد من الأقسام المتتابعة، والمتشرعة بالداخل.
” انا لا أقول بأن الجميع هنا ربما لا يفهمون ما أقصده، ولكن انتِ بالتحديد ستكونين على دراية كاملة بما يجري بالمنبع، صحيح؟ انا اعني، من لم يتحدث بالخارج عن مكاسبه داخل المنبع؟ جميعنا كتجار، نعترف بالمعروف الذي صنعه لنا جلالته بخلق مكان مثالي كهذا، وجميعنا كذلك، نعلم عن أمر الكشف العام الذي نشرته المملكة بالعالم، والذي تحدث عن تضاعف أرباح تجار المنبع بثلاث أضعاف على الأقل، عن اولئك الذين يعملون خارجه. وذلك لوحده يعتبر كسبب كافٍ يسمح لكم بخصم نصف فقط او حتى واحد كامل، من تلك الأرباح. لن يتضرر أحد، وستزداد قيمة المدينة الإجمالية بلا شك ”
ولكن ومهما نظرت الآن، كنت حتمًا سترى ذلك الشاب المليء بالجروح والدماء التي توقفت عن النزيف الآن، جاثمًا الأرض وبالكاد يستطيع الحراك. وامامه تقف صورة ذلك الرجل طويل القامة، عريض الكتفين، أسود الشعر والعينين.
دون الحاجة لسرد المزيد عن تلك الذكرى، يكفي ان نقول بأن النقاش لم يدم طويلًا، قبل ان يقوم معاوني الملك، بتسنين النظام وملئ ثغراته، قبل الإعلان عنه رسميًا بالمنبع وإعلان جوزيف آلان، التاجر، كعمدة المنبع.
“لا.. لماذا انا احاول أصلًا” واخيرًا، انقطع ثورانها القصير كالعادة، وسقطت بإستسلام على كرسيها، بينما تلقي بجسدها العلوي فوق مكتبها، وتحاول نسيان كل ما يحدث من حولها وربما، الغوص بنوم عميق أبدي.
” لا ينفك آلان بمفاجئتي حتى اليوم.. ” سائرةً بجانب الملك الآن بعدما نجحت بجعله يتحرك بمفرده، تحدثت شيون إلى الفراغ وهي تنظر إلى كل تلك المتاجر الجديدة بالقسم الداخلي بقسم المطاعم.
” شيون. انا هنا ارى بوضوح ما تحاولين فعله. ” قال الملك بنبرة صوت رزينة وأكمل: ” وأعلم بأنكِ وبخلاف كونها مسؤوليتك، فأنتِ تملكين جانبًا لطيفًا منك، يراعي كل إحتياجاتي الخاصة. ”
كان السبب الذي جلبهما لهذا القسم بالتحديد، بالطبع يكمن في كونه احد الأقسام المفضلة بالنسبة للملك. وبما أن شيون أرادت جعل الملك يسترخي، فجعله يأتي إلى احد اماكنه المفضلة، وخصوصًا مكان يمكنه ان يملئ فيه بطنه التي اصبح لا يتفضل عليها بالكثير كما السابق، ستجعله يسترخي إلى حد ما.
” انا ارى..انت لا تملك واحدةً الست كذلك ” وكأنه قام بتحديد شيء فريد بالنسبة له، متسائلًا ولكن غير متسائل بذات الوقت، اشار صاحب الدرع تاليًا، للشيء الذي اجبره على تناسي سؤاله المهم للحظات.
ولكن وبالنظر إلى تعابير الملك الآن..
ولكن وبينما كان الملك يسير بجانب شيون، متجهان ناحية مطعم مشهور معين، توقفت أقدام الملك عن السير فجأةً.
‘ _إنه لا يبدوا مسترخيًا على الإطلاق_ ‘ قالت شيون داخل قلبها.
هي من دفعته للقدوم، وهي من تدفعه لتناول الأطعمة، وماذا غير ذلك؟ اصبحت الآن تطلب منه البقاء بالرغم من طلباته اللانهائية بالعودة إلى القصر.
بالعادة، كان سينطلق بمفرده ويقترح الذهاب إلى منطقة المطاعم، قبل ان يعذب معدة شيون، ويجعلها تجرب كل تلك الأطعمة الغريبة، والوجبات الآتية من خارج المملكة، الحامضة والحارة والحلوة بعدها. وعادةً ما كانت تكره القدوم برفقته إلى هنا، وتتحجج بإنشغالها بأعمالها، وتطلب من الملك الذهاب مع أحد الحراس لتعذيبه عوضًا عنها.
من زاوية نظر الشاب، من كان يقف أمام صاحب الدرع مباشرةً، وينظر الآن الى تعابير الرجل، ظن الشاب للحظة فقط بأنه قد رأى نوعًا من تعابير الحزن التي ظهرت بوجه صاحب الدرع. ولكن وبسرعة ظهور تلك التعابير المجهولة، اختفت تمامًا من ملامحه، وسرعان ما أعاد صاحب الدرع عينيه للتركيز بعيني الشاب مجددًا.
ولكن الآن، كان العكس يحدث تمامًا.
ربما ظن الجميع بأنهم فقدوا الكثير بلحظة فقدان أميرتهم الغالية، وربما كان الملك بنفسه، والذي تغير 180° منذ رحيلها، واصبح يقوم بأعماله تمامًا كما يطلب منه، ويقلل وقت فراغه، ويتوقف عن الهرب من مسؤولياته، كما ويشغل نفسه بمسؤوليات القصر لدرجة اصبحت فيها شيون هي من تترجاه لأجل أخذ قسط من الراحة ولو لقليل من الوقت، قد تلقى القدر الأعظم من الصدمة.
هي من دفعته للقدوم، وهي من تدفعه لتناول الأطعمة، وماذا غير ذلك؟ اصبحت الآن تطلب منه البقاء بالرغم من طلباته اللانهائية بالعودة إلى القصر.
“.. تمنيت أن يصبح جادًا بعمله ولكن هذا… ”
” شيون علي—”
اليس ذلك الملك مُنعمًا بما يكفي؟ أجل بلا شك.
” عليك الإسترخاء. ”
_لن أتوقف الآن..ليس بعد ان وصلت لهذا الحد!_
بتلك الطريقة، تقوم بمقاطعة كلماته المتوقعة من قبلها، قبا ان تتنهد وتدفعه للدخول إلى المطعم التالي.
ولكن ولسخرية القدر، كانت وحيدة أباها، وكان والدها لا يملك سواها. وأما بالنسبة للأم وزوجة الملك، فتلك لم تكن محظوظة بما تكفي لتنجوا من عملية الولادة التي استغرقت أيامًا وقتها.
“.. تمنيت أن يصبح جادًا بعمله ولكن هذا… ”
تاليًا، لا تتفاجأ عندما تجدها تقف امام باب القصر الملكي، وتطلب من الحراس الأساسيين لبوابة القصر، بوضع تلك الرماح الطويلة ارضًا، وإحضار كراسي للجلوس عليها عوضًا عن الوقوف طوال الوقت بلا هدف.
هذا كثير بلا شك.
إن كان هنالك شيء يتفق عليه الجميع بالقصر الملكي، فسيكون حبهم الموحد لتلك الطفلة الفريدة، والتي كانت عادةً تقلب القصر رأسًا على عقب، ولكن وببعض الأحيان، ستجدها تطلب من هذا وذاك، ان يأخذوا قسطًا من الراحة، وانهم ليسوا بحاجة لتنفيذ كل أمر يأمرهم به الملك.
ولكن وبينما كان الملك يسير بجانب شيون، متجهان ناحية مطعم مشهور معين، توقفت أقدام الملك عن السير فجأةً.
كانت شخصية الأميرة بلا ادنى شك، غامضة بالنسبة للجميع، فبينما لم يكن من النادر رؤيتها تبتسم او تضحك، كان من النادر جدًا رؤية اي شيء سينال على إعجابها. وكأنها أميرة مدللة إلا انها لم تقبل دلال والدها إطلاقًا، استمتعت بشق طريقها نحوا القمة بطريقتها الخاصة، وبهدوئها وعلى وتيرتها الخاصة كذلك. وبسرعة وثبات، نالت الأميرة لوناماريا على إحترام وحب جميع من كانوا بالقصر وخارجه. وبأي مكان جديد ستضع فيه اقدامها، كانت حتمًا ستنال على إعجاب الجميع.
دون ان تنطق بشيء في البداية، ومن بعد ان استشعرت توقف الملك، نظرت شيون خلفها لتجده يحدق بتركيز بعينيها.
” قبل ذلك ”
” شيون. انا هنا ارى بوضوح ما تحاولين فعله. ” قال الملك بنبرة صوت رزينة وأكمل: ” وأعلم بأنكِ وبخلاف كونها مسؤوليتك، فأنتِ تملكين جانبًا لطيفًا منك، يراعي كل إحتياجاتي الخاصة. ”
بالطبع، هكذا ستكون الحال مالم يطلب منها الملك اي شيء غير مرغوب فيه بالنسبة لها.
“أ-أجل” لسبب ما، شعرت شيون بالإحراج قليلًا، ولكن ذلك لم يكن سبب توترها.
بالداخل، يمكنك ان تجد كل قطعة فريدة صُنعت فقط لأجل تزيين منزلك، او كغرض يمكن وضعه بالمطبخ او الحمام او غرف النوم وبمختلف التصاميم والألوان.
” ولكن شيون.. جميعنا نمتلك حدودًا لا يجب ان نقطعها مع أي أحد. وبينما كانت مراعاتك لي في مكانها، في البداية، فالآن انا أجدها مزعجة إلى حد ما. ” تلك الكلمات، كانت تخرج بجدية من فم ذلك الملك، الذي اعتبر من كانت تقف أمامه يومًا، كرفيقة درب ربما لن يستطيع السير بدونها.
ضامًا يديه معًا، مقاطعًا إياهما، واصل الملك حديثه.
ولكنه الآن، اصبح يراها بشكل مختلف بوضوح.
ولم تكن للشاب اي ردة فعل سوى ان ارتعش جسده قليلًا من جراء سماعه لتلك الكلمات، ولكن كان ذلك ايضًا، كل ما خرج منه.
“انا… لا افهم ما تحاول قوله تحديدًا.. ” قالت شيون، بالرغم من انها تعلم تمامًا ما يحاول الملك قوله.
” انا اسألك، هل انت من قام بإستعدائـ—؟” مجددًا، ردد الرجل صاحب الدرع، تلك الكلمات امام وجه الشاب، ولكن هذه المرة، ولسبب ما، لم تخرج الكلمات بشكل كامل من حنجرته كما اراد.
ضامًا يديه معًا، مقاطعًا إياهما، واصل الملك حديثه.
ربما كان قتالها مع الملك مليئًا بالملاحظات، والقليل – الكثير – من التساهلات من جانب الملك تحديدًا، الا انها قد واصلت بعد ذلك تحقيق المزيد والمزيد من الإنجازات التي ستجعلها المرشحة الأولى لإعتلاء العرش حتى وإن إمتلكت سبعين شقيقًا غيرها.
” ما أحاول ان اقوله هنا، هو ان الراحة شيء ضروري بلا شك. ولكن العمل يملك نفس الأهمية، وذات الوزن وربما أثقل، ولكن، وعندما تتحول الراحة لتسيب، ويصبح العمل ضاغطًا بسبب هزلي السابق، وإهمالي الذي تسبب بفقداننا للكثير.. ” متذكرًا الحادثة التي لم يلم فيها الملك شخصًا إلا نفسه بعد ان انفجر في البداية وألقى أمرًا معينًا بشكل غير عقلاني رغم حكمته المعروفة، اكمل الملك كلماته التي لم يكن سيجرؤ يومًا على قولها أمام هذه المرأة بالتحديد: ” انا لا احتاج للراحة الآن، ولكن وبما انك لا تفهمين ما اقوله، كحالك الآن تمامًا، ولا تحاولين الفهم ربما، وتستمرين بمحاولة إغوائي ودفعي نحوا الملذات التي غرقت بها ذاتي السابقة، فأنا الآن لست ضعيفًا كما السابق، ولن اسمح لكِ او ايًا كان بالوقوف أمام عملي لأجل شعبي المخلص. ولهذا شيون.. ومنذ اليوم، انا، وبصفتي ملكك الوحيد، أمرك بـ—”
“..انا لا أفهم ” مضيقًا بعينيه، ناظرًا إلى الدائرة المشعة أسفله، تمتم صاحب الدرع بتلك الكلمات.
فقط باللحظة التي كاد الملك فيها ان ينطق بأمر كان على الغالب سيقطع صلته بينه وبين ذراعه اليمنى، لمح الإثنان ظهور شيء غريب بمحيط عينيهما.
منطقة الحرير التجارية بمنبع شيراين، كان وبشكل لا يصدق، أقل منطقة احتوت على قوانين صارمة للبيع والشراء، فبينما كان هذا مجرد قسم إفتتاحي بالسوق، كان الطريق الطويل والملتف بشكل حلزوني فريد، يحتوي على المزيد من الأقسام المتتابعة، والمتشرعة بالداخل.
بتلك اللحظة، كان الإثنان يتبادلان الحديث امام مدخل ضيق، كان يقود للسوق الداخلي، وبينما كان الناس يسيرون من حولهما، يعبرون ويخرجون من ذلك الزقاق الضيق، استشعر الملك رفقة شيون لحظتها ورغم كل هذا، خروج شيء ما، شخص ما.. طفل او طفلة بالتحديد، ذات لون شعر عسلي حالك، اقرب إلى اللون البني الفاقع، وتلك الأعين بذات لون الشعر.. وهي تمتلئ بالدموع لسبب ما.
هناك، تحققت لذلك الملك، معجزة.
” هل ستشعر لونا بالغضب إن قمت بإختيار خطيب لها بنفسي؟ ” طرح الملك ذلك السؤال وهو ينظر ناحية شيون هذه المرة، وبتعابير جادة على وجهه.
إلهي.
