Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 4

اسم في قائمة
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

اسم في قائمة

لاحظ أورِن، وهو لا يزال نصف نائم على حافة الوعي، أن صوت مارِن في المطبخ يحمل نشاطًا أكبر من المعتاد في هذه الساعة المبكرة. لم يكن صوت أواني تُغسل أو ماء يُصب، بل شيء أقرب إلى حركة متكررة، خطوات تذهب وتعود، وهمهمة أغنية قصيرة توقفت فجأة حين سمعت باب غرفته يُفتح.

 

 

 

خرج إلى المطبخ فوجدها واقفة أمام الموقد، ظهرها إليه، وشيء ما على الطاولة مغطى بقطعة قماش لم يتعرف عليها.

 

 

فكّر في ذلك للحظة، ولم يجد ما يعترض به.

“صباح الخير،” قالت دون أن تلتفت، بنبرة عادية جدًا لدرجة أثارت شكه أكثر مما لو كانت متوترة.

“حذائي بخير.”

 

“مارِن.”

“صباح الخير.” نظر إلى القماش على الطاولة. “ما هذا؟”

جلسا للعشاء، وتحدثا عن أشياء صغيرة كما يفعلان كل مساء تقريبًا، ولم يشعر بحاجة ملحّة لإخبارها الآن؛ ليس لأنه يخفي الأمر عمدًا، بل لأنه لم يجد بعد الطريقة التي يريد أن يقول بها ذلك، وشعر أن الليلة، بعد يوم كان لا يزال يحمل شيئًا من دفء الأمس، ليست الوقت المناسب.

 

 

“لا شيء. اجلس، الإبريق سيغلي بعد قليل.”

“وأنت؟” سألته بعد قليل. “ألن ترافقني إن ذهبت؟”

 

 

جلس، وواصل النظر إلى القطعة المغطاة، فسحبتها بسرعة ووضعتها على الرف خلفها قبل أن يتمكن من رؤيتها بوضوح. لم يعلّق، لكنه تذكّر، وهو يمد يده إلى الخبز، أن التاريخ اليوم هو نفسه التاريخ الذي كانت والدتهما تحتفل به كل سنة قبل أن تمرض وتموت، حين كان أورِن لا يزال صغيرًا بما يكفي ليصدق أن كعكة صغيرة تكفي لتجعل يومًا مختلفًا عن غيره.

“صباح الخير،” قالت دون أن تلتفت، بنبرة عادية جدًا لدرجة أثارت شكه أكثر مما لو كانت متوترة.

 

 

لم يقل شيئًا، لكنه شعر بابتسامة خفيفة تحاول أن تظهر على وجهه فمنعها.

كان دفترًا. غلافه جلديًا حقيقيًا، أدكن وأثقل من دفتره القديم، بحواف مخيطة بعناية وصفحات أكثر سمكًا من الورق الذي اعتاد الكتابة عليه.

 

“ربما. لا أعرف ماذا سأفعل هناك.”

جلست مارِن أمامه أخيرًا بعد أن صبّت الشاي، وراقبته وهو يأكل بصمت مصطنع لبضع دقائق، قبل أن تنهض فجأة وتقول: “انتظر هنا،” وتختفي إلى غرفتها.

“مارِن.”

 

“لا شيء. اجلس، الإبريق سيغلي بعد قليل.”

عادت بعد لحظات، وفي يدها القطعة نفسها، لكن دون القماش هذه المرة. وضعتها أمامه على الطاولة بحركة سريعة، وكأنها تريد أن تنتهي من اللحظة قبل أن تفكر فيها كثيرًا.

“يبدو غريبًا.”

 

“أنت لا تعرف أبدًا شيئًا،” قالت بضحكة خفيفة، لكنها لم تبدُ ناقمة. “على أي حال، أنا أريد أن أراها. ليس الآن بالضرورة، لكن يومًا ما.”

كان دفترًا. غلافه جلديًا حقيقيًا، أدكن وأثقل من دفتره القديم، بحواف مخيطة بعناية وصفحات أكثر سمكًا من الورق الذي اعتاد الكتابة عليه.

 

 

 

نظر إليه، ثم إليها.

 

 

 

“اشتريته الأسبوع الماضي،” قالت، وهي تتجنب النظر إليه مباشرة، تصلح شيئًا في كمّها لم يكن يحتاج إصلاحًا. “رأيته عند التاجر الذي يبيع الأدوات القادمة من المدينة الكبرى، وفكرت أنك تكتب كل ليلة تقريبًا في تلك الأوراق الرخيصة التي تتمزق أطرافها بعد شهر. رجل يخاف أن ينسى الأشياء لدرجة أنه يكتبها كل ليلة، يستحق شيئًا يدوم أطول من ذلك.”

 

“مارِن.”

أمسك أورِن الدفتر، وقلّب صفحاته الفارغة بإبهامه، ثم رفع عينيه إليها.

 

 

 

“كم دفعتِ فيه؟”

 

 

 

“لا يهم كم دفعت.”

عادت بعد لحظات، وفي يدها القطعة نفسها، لكن دون القماش هذه المرة. وضعتها أمامه على الطاولة بحركة سريعة، وكأنها تريد أن تنتهي من اللحظة قبل أن تفكر فيها كثيرًا.

 

استمر الفرز حتى المساء تقريبًا، ومارتن يتحدث بين الحين والآخر عن أسماء عرفها من قريته أو من قرى مجاورة، بنبرة محايدة أقرب إلى قراءة سجل ضرائب منها إلى الحديث عن أشخاص سيغادرون حياتهم المعتادة قريبًا.

“مارِن.”

“يبدو مذهلاً.” التفتت إليه. “ألا تريد أن ترى شيئًا كهذا مرة واحدة على الأقل؟”

 

 

“لا يهم، قلت لك.” نهضت لتضع كوبها في الحوض، بحركة أسرع من اللازم. “إنه عيد ميلادك. ليس عليك أن تحاسبني.”

لم يضف مارتن شيئًا آخر، وعاد إلى عمله، وكأن هذا النوع من الأخبار لا يحتاج أكثر من إقرار بسيط، لا مواساة ولا تعليقًا إضافيًا.

 

“لا، هذا مهم أكثر.” ضحكت، ومسحت زاوية فمها بظهر يدها. “أنت تعرف الناس من خلال عملك، أرقام وأختام وسجلات. أنا أعرفهم من خلال ما يبيعونه ويحتاجونه ويشتكون منه. هذا يمنحك صورة عن القرية لن تحصل عليها من أي سجل.”

“أنتِ لا تنفقين على نفسك أصلاً. رأيت حذاءك الأسبوع الماضي، الجلد بدأ يتشقق من الأمام.”

 

 

 

“حذائي بخير.”

 

 

لم يكتب أكثر من ذلك. أغلق الدفتر، ووضعه بعناية على الرف الصغير فوق مكتبه، إلى جانب دفتره القديم، ثم أطفأ المصباح، وبقي جالسًا في العتمة لبضع دقائق قبل أن ينهض ليخلد إلى النوم.

“مارِن.”

 

 

“صباح الخير،” قالت دون أن تلتفت، بنبرة عادية جدًا لدرجة أثارت شكه أكثر مما لو كانت متوترة.

استدارت أخيرًا، وعبرت ذراعيها على صدرها بجدية مصطنعة لم تصمد طويلاً. “حسنًا، دفعت أكثر مما كان ينبغي. وإن يكن؟ اشتري لي حذاءً إذن، إن كان الأمر يزعجك لهذه الدرجة.”

 

 

 

“قد أفعل.”

 

 

 

“لن تفعل. ستنسى بحلول الغد.”

“لن تفعل. ستنسى بحلول الغد.”

 

 

“لن أنسى.”

“لست سيئة، هذا صحيح.”

 

فكّر في ذلك للحظة، ولم يجد ما يعترض به.

“سترى.” ابتسمت أخيرًا، ابتسامة كاملة هذه المرة، وعادت لتجلس أمامه. “على أي حال، اعتبرها هدية لنفسي أيضًا. الآن لن أضطر لسماعك تتذمر كل شهر من أن الحبر يتسرب عبر الورقة إلى التي تحتها.”

“وصلت هذا الصباح باكرًا،” قال مارتن حين اقترب أورِن، وأشار برأسه نحو الكومة. “قوائم من المحكمة. علينا أن نصنفها ونحفظها اليوم قبل أن تُعلق نسخة منها في الساحة.”

 

 

ضحك قليلاً، وأمسك الدفتر بكلتا يديه، يتحسس الجلد الأملس، ولم يعرف كيف يشكرها بطريقة لا تبدو مبالغًا فيها، فاكتفى بأن قال: “شكرًا،” بصوت أهدأ مما اعتاد استخدامه، ونظرت إليه للحظة كأنها فهمت أن هذا يكفي.

 

 

جلسا للعشاء، وتحدثا عن أشياء صغيرة كما يفعلان كل مساء تقريبًا، ولم يشعر بحاجة ملحّة لإخبارها الآن؛ ليس لأنه يخفي الأمر عمدًا، بل لأنه لم يجد بعد الطريقة التي يريد أن يقول بها ذلك، وشعر أن الليلة، بعد يوم كان لا يزال يحمل شيئًا من دفء الأمس، ليست الوقت المناسب.

خرجا بعد ذلك إلى السوق دون خطة محددة، كما اعتادا في أيام العطلة، ومارِن تصر على أن اليوم يستحق أن يشتريا شيئًا لذيذًا “أكثر من المعتاد”، حتى لو كان ذلك يعني أن يتشاركا قطعة حلوى واحدة بدل أن يشتري كل منهما قطعته الخاصة.

لم يقل شيئًا، لكنه شعر بابتسامة خفيفة تحاول أن تظهر على وجهه فمنعها.

 

 

توقفا عند دكان صغير يبيع أنواعًا من الحلويات المصنوعة من العسل والمكسرات، تديره امرأة تعرف مارِن جيدًا، وتحيّاها باسمها قبل أن تحيّي أورِن.

“لا يهم كم دفعت.”

 

أمسك القلم، وبقي لحظة لا يكتب شيئاً، ينظر إلى الصفحة الفارغة، ثم إلى الدفتر القديم بجانبها، الذي يحتفظ بين صفحاته بالورقة المطوية التي كتبها لنفسه قبل أسابيع ولم يفهم منها شيئاً حتى الآن.

“أخيرًا جئتِ،” قالت المرأة وهي تخرج صينية من الخلف. “احتفظت لك بالنوع الذي تحبينه، ظننت أنك نسيتِني هذا الأسبوع.”

 

 

 

“لم أنسَك أبدًا، كنت مشغولة فقط.” أشارت مارِن إلى قطعتين صغيرتين. “هاتين، من فضلك.”

“هذا نفسه تقريبًا.”

 

 

“يوم مناسبة؟” سألت المرأة وهي تلف القطعتين بورق أنيق أكثر من المعتاد.

 

 

 

“عيد ميلاد أخي.”

“وأنت؟” سألته بعد قليل. “ألن ترافقني إن ذهبت؟”

 

“يبدو مذهلاً.” التفتت إليه. “ألا تريد أن ترى شيئًا كهذا مرة واحدة على الأقل؟”

نظرت المرأة إلى أورِن بابتسامة عريضة. “إذن يجب أن تحصل على قطعة إضافية، على حسابي.” أضافت قطعة ثالثة قبل أن يعترض أحدهما.

“حذائي بخير.”

 

فكّر في ذلك للحظة، ولم يجد ما يعترض به.

شكراها وابتعدا، ومارِن تمضغ قطعتها بسرعة أكبر مما ينبغي، وكأنها تخشى أن تتغير رأيها في منتصف الطريق وتندم على عدم أكلها ببطء أكبر.

 

 

كتب أخيرًا التاريخ في أعلى الصفحة الجديدة، ثم توقف مرة أخرى قبل أن يضيف، بخط أهدأ من المعتاد:

“تعرفين الجميع هنا،” قال أورِن، وهو يراقبها.

 

 

“مارِن.”

“لا أعرف الجميع. أعرف من يبيع أشياء جيدة، وهذا يختلف.”

“وصلت هذا الصباح باكرًا،” قال مارتن حين اقترب أورِن، وأشار برأسه نحو الكومة. “قوائم من المحكمة. علينا أن نصنفها ونحفظها اليوم قبل أن تُعلق نسخة منها في الساحة.”

 

“لا، هذا مهم أكثر.” ضحكت، ومسحت زاوية فمها بظهر يدها. “أنت تعرف الناس من خلال عملك، أرقام وأختام وسجلات. أنا أعرفهم من خلال ما يبيعونه ويحتاجونه ويشتكون منه. هذا يمنحك صورة عن القرية لن تحصل عليها من أي سجل.”

“هذا نفسه تقريبًا.”

“اشتريته الأسبوع الماضي،” قالت، وهي تتجنب النظر إليه مباشرة، تصلح شيئًا في كمّها لم يكن يحتاج إصلاحًا. “رأيته عند التاجر الذي يبيع الأدوات القادمة من المدينة الكبرى، وفكرت أنك تكتب كل ليلة تقريبًا في تلك الأوراق الرخيصة التي تتمزق أطرافها بعد شهر. رجل يخاف أن ينسى الأشياء لدرجة أنه يكتبها كل ليلة، يستحق شيئًا يدوم أطول من ذلك.”

 

 

“لا، هذا مهم أكثر.” ضحكت، ومسحت زاوية فمها بظهر يدها. “أنت تعرف الناس من خلال عملك، أرقام وأختام وسجلات. أنا أعرفهم من خلال ما يبيعونه ويحتاجونه ويشتكون منه. هذا يمنحك صورة عن القرية لن تحصل عليها من أي سجل.”

“نعم.”

 

“صباح الخير.” نظر إلى القماش على الطاولة. “ما هذا؟”

فكّر في ذلك للحظة، ولم يجد ما يعترض به.

عاد أورِن إلى البيت بعد أن أنهى عمله، والشمس قد غابت تقريبًا، وضوء المصباح يتسرب من نافذة المطبخ إلى الشارع. دخل، فوجدت مارِن تعد العشاء، وسألته عن يومه بصوت عادي، فأجابها بكلمات مقتضبة عن كثرة العمل دون أن يذكر شيئًا آخر.

 

 

مشيا بلا هدف محدد بعد ذلك، حتى وصلا إلى الطرف الذي يطل منه الطريق على الحقول الممتدة خارج القرية، حيث جلسا على جدار حجري منخفض يفصل الطريق عن أول الحقل.

جلسا للعشاء، وتحدثا عن أشياء صغيرة كما يفعلان كل مساء تقريبًا، ولم يشعر بحاجة ملحّة لإخبارها الآن؛ ليس لأنه يخفي الأمر عمدًا، بل لأنه لم يجد بعد الطريقة التي يريد أن يقول بها ذلك، وشعر أن الليلة، بعد يوم كان لا يزال يحمل شيئًا من دفء الأمس، ليست الوقت المناسب.

 

“لن تفعل. ستنسى بحلول الغد.”

“أتعرف ماذا سمعت هذا الأسبوع؟” قالت مارِن بعد صمت قصير، عيناها على الأفق البعيد. “امرأة كانت تتحدث عن مسرح في العاصمة، مبنى كامل مخصص فقط لعرض القصص. الناس يجلسون في صفوف، والممثلون يقفون أمامهم ويؤدون القصة بالكامل، بملابس وأصوات مختلفة، وكأنها تحدث حقًا أمامهم.”

“لا، هذا مهم أكثر.” ضحكت، ومسحت زاوية فمها بظهر يدها. “أنت تعرف الناس من خلال عملك، أرقام وأختام وسجلات. أنا أعرفهم من خلال ما يبيعونه ويحتاجونه ويشتكون منه. هذا يمنحك صورة عن القرية لن تحصل عليها من أي سجل.”

 

“يبدو غريبًا.”

“يبدو غريبًا.”

“صباح الخير،” قالت دون أن تلتفت، بنبرة عادية جدًا لدرجة أثارت شكه أكثر مما لو كانت متوترة.

 

 

“يبدو مذهلاً.” التفتت إليه. “ألا تريد أن ترى شيئًا كهذا مرة واحدة على الأقل؟”

“تعرفين الجميع هنا،” قال أورِن، وهو يراقبها.

 

جلسا صامتين لبضع دقائق بعد ذلك، الريح تحرك أطراف أوراق الحقل القريب، وأورِن يفكر، دون أن يقول شيئًا، أنه لم يسمعها من قبل تتحدث عن الأمر بهذا القدر من الجدية الهادئة، لا كحلم عابر يُذكر ثم يُنسى، بل كشيء بدأت بالفعل تحسب له حسابًا.

“لا أعرف. ربما.”

خرجا بعد ذلك إلى السوق دون خطة محددة، كما اعتادا في أيام العطلة، ومارِن تصر على أن اليوم يستحق أن يشتريا شيئًا لذيذًا “أكثر من المعتاد”، حتى لو كان ذلك يعني أن يتشاركا قطعة حلوى واحدة بدل أن يشتري كل منهما قطعته الخاصة.

 

 

“أنت لا تعرف أبدًا شيئًا،” قالت بضحكة خفيفة، لكنها لم تبدُ ناقمة. “على أي حال، أنا أريد أن أراها. ليس الآن بالضرورة، لكن يومًا ما.”

ضحك قليلاً، وأمسك الدفتر بكلتا يديه، يتحسس الجلد الأملس، ولم يعرف كيف يشكرها بطريقة لا تبدو مبالغًا فيها، فاكتفى بأن قال: “شكرًا،” بصوت أهدأ مما اعتاد استخدامه، ونظرت إليه للحظة كأنها فهمت أن هذا يكفي.

 

“قد أفعل.”

“وماذا ستفعلين هناك؟ بعد أن تريها؟”

 

 

 

فكّرت قليلاً، وكأن أحدًا لم يسألها هذا السؤال بهذا الشكل من قبل. “أولًا سأرى المدينة. بالكامل، الأسواق والمباني وكل شيء.” توقفت، ثم أضافت بابتسامة صغيرة: “وبعدها سأقرر ماذا أفعل بحياتي.”

 

 

جلس، وواصل النظر إلى القطعة المغطاة، فسحبتها بسرعة ووضعتها على الرف خلفها قبل أن يتمكن من رؤيتها بوضوح. لم يعلّق، لكنه تذكّر، وهو يمد يده إلى الخبز، أن التاريخ اليوم هو نفسه التاريخ الذي كانت والدتهما تحتفل به كل سنة قبل أن تمرض وتموت، حين كان أورِن لا يزال صغيرًا بما يكفي ليصدق أن كعكة صغيرة تكفي لتجعل يومًا مختلفًا عن غيره.

“هذه ليست خطة.”

 

 

“كم دفعتِ فيه؟”

“إنها بداية خطة. لدي بالفعل بعض المال جانبًا، ليس كثيرًا، لكنه شيء. وسمعت أن الحائكات الماهرات يجدن عملاً بسهولة هناك، أكثر مما يجدنه هنا على الأقل.” نظرت إلى يديها. “لست سيئة في هذا، أنت تعرف.”

عادت بعد لحظات، وفي يدها القطعة نفسها، لكن دون القماش هذه المرة. وضعتها أمامه على الطاولة بحركة سريعة، وكأنها تريد أن تنتهي من اللحظة قبل أن تفكر فيها كثيرًا.

 

 

“لست سيئة، هذا صحيح.”

 

 

“مارِن.”

“إذن، لا شيء مستحيل في الأمر. فقط يحتاج وقتًا.”

“لا، هذا مهم أكثر.” ضحكت، ومسحت زاوية فمها بظهر يدها. “أنت تعرف الناس من خلال عملك، أرقام وأختام وسجلات. أنا أعرفهم من خلال ما يبيعونه ويحتاجونه ويشتكون منه. هذا يمنحك صورة عن القرية لن تحصل عليها من أي سجل.”

 

 

جلسا صامتين لبضع دقائق بعد ذلك، الريح تحرك أطراف أوراق الحقل القريب، وأورِن يفكر، دون أن يقول شيئًا، أنه لم يسمعها من قبل تتحدث عن الأمر بهذا القدر من الجدية الهادئة، لا كحلم عابر يُذكر ثم يُنسى، بل كشيء بدأت بالفعل تحسب له حسابًا.

“اشتريته الأسبوع الماضي،” قالت، وهي تتجنب النظر إليه مباشرة، تصلح شيئًا في كمّها لم يكن يحتاج إصلاحًا. “رأيته عند التاجر الذي يبيع الأدوات القادمة من المدينة الكبرى، وفكرت أنك تكتب كل ليلة تقريبًا في تلك الأوراق الرخيصة التي تتمزق أطرافها بعد شهر. رجل يخاف أن ينسى الأشياء لدرجة أنه يكتبها كل ليلة، يستحق شيئًا يدوم أطول من ذلك.”

 

عاد أورِن إلى البيت بعد أن أنهى عمله، والشمس قد غابت تقريبًا، وضوء المصباح يتسرب من نافذة المطبخ إلى الشارع. دخل، فوجدت مارِن تعد العشاء، وسألته عن يومه بصوت عادي، فأجابها بكلمات مقتضبة عن كثرة العمل دون أن يذكر شيئًا آخر.

“وأنت؟” سألته بعد قليل. “ألن ترافقني إن ذهبت؟”

لم يشعر بشيء حاد في البداية، لا صدمة ولا خوف واضح، بل توقفًا بسيطًا في حركة يده، وكأن جزءًا منه يحتاج لحظة إضافية ليتأكد أن الحروف أمامه تقول ما يظن أنها تقوله. أعاد قراءة السطر، اسمه كاملاً، ثم رقم القرية، ثم إشارة صغيرة إلى الموعد المتوقع للمراجعة، بعد شهرين تقريبًا.

 

عادت بعد لحظات، وفي يدها القطعة نفسها، لكن دون القماش هذه المرة. وضعتها أمامه على الطاولة بحركة سريعة، وكأنها تريد أن تنتهي من اللحظة قبل أن تفكر فيها كثيرًا.

“ربما. لا أعرف ماذا سأفعل هناك.”

 

 

 

“يمكنك أن تعمل في أرشيف آخر. يجب أن يكون لديهم أرشيف في مكان بحجم العاصمة.”

لاحظ أورِن، وهو لا يزال نصف نائم على حافة الوعي، أن صوت مارِن في المطبخ يحمل نشاطًا أكبر من المعتاد في هذه الساعة المبكرة. لم يكن صوت أواني تُغسل أو ماء يُصب، بل شيء أقرب إلى حركة متكررة، خطوات تذهب وتعود، وهمهمة أغنية قصيرة توقفت فجأة حين سمعت باب غرفته يُفتح.

 

جلسا صامتين لبضع دقائق بعد ذلك، الريح تحرك أطراف أوراق الحقل القريب، وأورِن يفكر، دون أن يقول شيئًا، أنه لم يسمعها من قبل تتحدث عن الأمر بهذا القدر من الجدية الهادئة، لا كحلم عابر يُذكر ثم يُنسى، بل كشيء بدأت بالفعل تحسب له حسابًا.

“ربما.”

 

 

 

ابتسمت، وضربت كتفه بكتفها بلطف. “لست مضطرًا لتقرر الآن. لدينا وقت.”

“لا يهم، قلت لك.” نهضت لتضع كوبها في الحوض، بحركة أسرع من اللازم. “إنه عيد ميلادك. ليس عليك أن تحاسبني.”

 

 

عاد الاثنان إلى البيت قبل الغروب بقليل، وأورِن يشعر بارتياح هادئ نادرًا ما يشعر به بهذا الوضوح، ذلك النوع من الرضا الذي لا يأتي من حدث كبير، بل من تراكم ساعات بسيطة قضاها مع شخص يعرفه جيدًا.

نظر إليه، ثم إليها.

 

جلسا للعشاء، وتحدثا عن أشياء صغيرة كما يفعلان كل مساء تقريبًا، ولم يشعر بحاجة ملحّة لإخبارها الآن؛ ليس لأنه يخفي الأمر عمدًا، بل لأنه لم يجد بعد الطريقة التي يريد أن يقول بها ذلك، وشعر أن الليلة، بعد يوم كان لا يزال يحمل شيئًا من دفء الأمس، ليست الوقت المناسب.

في اليوم التالي، وصل إلى الأرشيف كالمعتاد، ووجد جوًا مختلفًا في القسم الشرقي؛ مارتن يقف عند مدخل الردهة يتحدث بصوت منخفض مع موظف آخر لم يتعرف عليه أورِن، وعلى الطاولة الرئيسية كومة من الأوراق الرسمية، أكثر تنظيمًا وأحدث ختمًا من أي دفعة اعتادوا استلامها.

“إنها بداية خطة. لدي بالفعل بعض المال جانبًا، ليس كثيرًا، لكنه شيء. وسمعت أن الحائكات الماهرات يجدن عملاً بسهولة هناك، أكثر مما يجدنه هنا على الأقل.” نظرت إلى يديها. “لست سيئة في هذا، أنت تعرف.”

 

 

“وصلت هذا الصباح باكرًا،” قال مارتن حين اقترب أورِن، وأشار برأسه نحو الكومة. “قوائم من المحكمة. علينا أن نصنفها ونحفظها اليوم قبل أن تُعلق نسخة منها في الساحة.”

جلست مارِن أمامه أخيرًا بعد أن صبّت الشاي، وراقبته وهو يأكل بصمت مصطنع لبضع دقائق، قبل أن تنهض فجأة وتقول: “انتظر هنا،” وتختفي إلى غرفتها.

 

“أخيرًا جئتِ،” قالت المرأة وهي تخرج صينية من الخلف. “احتفظت لك بالنوع الذي تحبينه، ظننت أنك نسيتِني هذا الأسبوع.”

“قوائم ماذا؟”

 

 

“يبدو غريبًا.”

نظر إليه مارتن نظرة لم تحمل مفاجأة، بل شيئًا أقرب إلى التأكد من أنه سيفهم دون شرح إضافي. “أسماء المراجعة. التجنيد الذي كانوا يتحدثون عنه منذ أسابيع.”

 

 

“يمكنك أن تعمل في أرشيف آخر. يجب أن يكون لديهم أرشيف في مكان بحجم العاصمة.”

جلس أورِن إلى طاولته، وبدأ العمل كالمعتاد، يفرز الأوراق حسب النوع، يطابق الأختام، لكن يده كانت أبطأ قليلاً مما اعتاد، وعقله يتحرك بين الأرقام والأسماء بانتباه لم يكن يمنحه لهذا النوع من العمل من قبل.

“عيد ميلاد أخي.”

 

 

استمر الفرز حتى المساء تقريبًا، ومارتن يتحدث بين الحين والآخر عن أسماء عرفها من قريته أو من قرى مجاورة، بنبرة محايدة أقرب إلى قراءة سجل ضرائب منها إلى الحديث عن أشخاص سيغادرون حياتهم المعتادة قريبًا.

فكّر في ذلك للحظة، ولم يجد ما يعترض به.

 

كتب أخيرًا التاريخ في أعلى الصفحة الجديدة، ثم توقف مرة أخرى قبل أن يضيف، بخط أهدأ من المعتاد:

وصل أورِن إلى الصفحة المخصصة لقريته هو في وقت متأخر من بعد الظهر، حين كان الضوء القادم من النوافذ العالية قد بدأ يميل نحو الاصفرار الذي يسبق الغروب. قرأ الأسماء واحدًا تلو الآخر، بعضها يعرفه جيدًا، شبان رآهم يلعبون في الساحة قبل سنوات قليلة، وبعضها لا يعرفه إلا بالوجه.

لاحظ أورِن، وهو لا يزال نصف نائم على حافة الوعي، أن صوت مارِن في المطبخ يحمل نشاطًا أكبر من المعتاد في هذه الساعة المبكرة. لم يكن صوت أواني تُغسل أو ماء يُصب، بل شيء أقرب إلى حركة متكررة، خطوات تذهب وتعود، وهمهمة أغنية قصيرة توقفت فجأة حين سمعت باب غرفته يُفتح.

 

 

توقفت عيناه عند اسمه.

 

 

 

لم يشعر بشيء حاد في البداية، لا صدمة ولا خوف واضح، بل توقفًا بسيطًا في حركة يده، وكأن جزءًا منه يحتاج لحظة إضافية ليتأكد أن الحروف أمامه تقول ما يظن أنها تقوله. أعاد قراءة السطر، اسمه كاملاً، ثم رقم القرية، ثم إشارة صغيرة إلى الموعد المتوقع للمراجعة، بعد شهرين تقريبًا.

 

 

 

بقي جالسًا، الورقة أمامه، ولم يرفع صوته ولم يستدعِ أحدًا. كان عليه فقط أن يضع الختم المعتاد ويحفظ الصفحة في مكانها، كما فعل مع كل صفحة أخرى طوال اليوم، وهذا ما فعله بالضبط، بحركة آلية لم يشعر أنها تخصه تمامًا.

 

 

عادت بعد لحظات، وفي يدها القطعة نفسها، لكن دون القماش هذه المرة. وضعتها أمامه على الطاولة بحركة سريعة، وكأنها تريد أن تنتهي من اللحظة قبل أن تفكر فيها كثيرًا.

“وجدت اسمك؟” سأل مارتن من طاولته، بنبرة لا تخلو من تعاطف هادئ، دون أن ينظر إليه مباشرة.

 

 

لم يضف مارتن شيئًا آخر، وعاد إلى عمله، وكأن هذا النوع من الأخبار لا يحتاج أكثر من إقرار بسيط، لا مواساة ولا تعليقًا إضافيًا.

“نعم.”

 

 

 

لم يضف مارتن شيئًا آخر، وعاد إلى عمله، وكأن هذا النوع من الأخبار لا يحتاج أكثر من إقرار بسيط، لا مواساة ولا تعليقًا إضافيًا.

“لا يهم، قلت لك.” نهضت لتضع كوبها في الحوض، بحركة أسرع من اللازم. “إنه عيد ميلادك. ليس عليك أن تحاسبني.”

 

لاحظ أورِن، وهو لا يزال نصف نائم على حافة الوعي، أن صوت مارِن في المطبخ يحمل نشاطًا أكبر من المعتاد في هذه الساعة المبكرة. لم يكن صوت أواني تُغسل أو ماء يُصب، بل شيء أقرب إلى حركة متكررة، خطوات تذهب وتعود، وهمهمة أغنية قصيرة توقفت فجأة حين سمعت باب غرفته يُفتح.

عاد أورِن إلى البيت بعد أن أنهى عمله، والشمس قد غابت تقريبًا، وضوء المصباح يتسرب من نافذة المطبخ إلى الشارع. دخل، فوجدت مارِن تعد العشاء، وسألته عن يومه بصوت عادي، فأجابها بكلمات مقتضبة عن كثرة العمل دون أن يذكر شيئًا آخر.

 

 

 

جلسا للعشاء، وتحدثا عن أشياء صغيرة كما يفعلان كل مساء تقريبًا، ولم يشعر بحاجة ملحّة لإخبارها الآن؛ ليس لأنه يخفي الأمر عمدًا، بل لأنه لم يجد بعد الطريقة التي يريد أن يقول بها ذلك، وشعر أن الليلة، بعد يوم كان لا يزال يحمل شيئًا من دفء الأمس، ليست الوقت المناسب.

فكّر في ذلك للحظة، ولم يجد ما يعترض به.

 

“وماذا ستفعلين هناك؟ بعد أن تريها؟”

بعد العشاء، جلس في غرفته، وأشعل المصباح الصغير على مكتبه. رأى الدفتر الجلدي الجديد موضوعًا حيث تركه في الصباح، غلافه الأملس يعكس ضوء المصباح بشكل خفيف، بجانب دفتره القديم الذي لا يزال يستخدم آخر صفحاته المتبقية.

نظر إليه مارتن نظرة لم تحمل مفاجأة، بل شيئًا أقرب إلى التأكد من أنه سيفهم دون شرح إضافي. “أسماء المراجعة. التجنيد الذي كانوا يتحدثون عنه منذ أسابيع.”

 

 

أخذ الدفتر الجديد، وفتحه على الصفحة الأولى، فارغة تمامًا، بيضاء ونظيفة بشكل لم يعتد عليه في أوراقه المعتادة.

أخذ الدفتر الجديد، وفتحه على الصفحة الأولى، فارغة تمامًا، بيضاء ونظيفة بشكل لم يعتد عليه في أوراقه المعتادة.

 

 

أمسك القلم، وبقي لحظة لا يكتب شيئاً، ينظر إلى الصفحة الفارغة، ثم إلى الدفتر القديم بجانبها، الذي يحتفظ بين صفحاته بالورقة المطوية التي كتبها لنفسه قبل أسابيع ولم يفهم منها شيئاً حتى الآن.

“لا شيء. اجلس، الإبريق سيغلي بعد قليل.”

 

لم يقل شيئًا، لكنه شعر بابتسامة خفيفة تحاول أن تظهر على وجهه فمنعها.

كتب أخيرًا التاريخ في أعلى الصفحة الجديدة، ثم توقف مرة أخرى قبل أن يضيف، بخط أهدأ من المعتاد:

“ربما. لا أعرف ماذا سأفعل هناك.”

 

“لم أنسَك أبدًا، كنت مشغولة فقط.” أشارت مارِن إلى قطعتين صغيرتين. “هاتين، من فضلك.”

“اليوم أعطتني مارِن هذا الدفتر. واليوم أيضًا وجدت اسمي في قائمة.”

 

 

 

لم يكتب أكثر من ذلك. أغلق الدفتر، ووضعه بعناية على الرف الصغير فوق مكتبه، إلى جانب دفتره القديم، ثم أطفأ المصباح، وبقي جالسًا في العتمة لبضع دقائق قبل أن ينهض ليخلد إلى النوم.

 

“إذن، لا شيء مستحيل في الأمر. فقط يحتاج وقتًا.”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط