طرق منفصلة
كان أورِن يعقد رباط حذائه في الصباح حين وقعت عيناه على القلادة التي نزعها قبل أن ينام والمعلقة على حافة الصندوق الخشبي بجانب سريره. لم يكن قد نظر إليها بانتباه منذ أيام، رغم أنه يحملها معه أينما ذهب، معلقة تحت قميصه كعادته منذ أن أعطته إياها مارِن قبل رحيله.
مدّ يده وأمسك بها للحظة، يتحسس النسيج الخشن بأصابعه. كانت قد خاطتها بنفسها من بقايا قماش قديم، ولم تكن جميلة بالمعنى الذي يستحق الثناء، لكنها كانت من صنعها، وهذا كان يكفي.
فكّر فيها فجأة، لا بسبب حدث كبير، بل لأن أحد المجندين مرّ بجانبه في تلك اللحظة يحمل صحن فطور فيه بيضة مسلوقة، وتذكّر كيف كانت مارِن تُصرّ دائمًا على تقشير بيضته له في الصباحات الباردة، بحجة أنه بطيء جدًا في ذلك وسيتأخر عن عمله في الأرشيف. لم تكن ذكرى مهمة بحد ذاتها، لكنها كفت لتجعله يشعر بمسافة القرية عنه، لا كخط على خريطة، بل كشيء يعيش الآن فقط في التفاصيل الصغيرة.
حدثت قصة مضحكة الأسبوع الماضي: بقرة الجار كسرت باب حظيرتها وهربت إلى السوق، وركض نصف الرجال خلفها وهم يصرخون، بينما وقفت النساء يضحكن. انتهى الأمر بأن أمسكتها ابنة الحداد الصغيرة وحدها، بقطعة خبز مدّتها لها.
قرر في تلك اللحظة أن يكتب لها.
“لماذا ينجح أحيانًا ويفشل أحيانًا أخرى رغم أنني أفعل الشيء نفسه؟” سأل معلمه ذات مرة.
وجد مكتب البريد في الطرف الشمالي من المعسكر، خيمة أكبر من المعتاد يتوسطها طاولات خشبية طويلة، وخلفها موظف عجوز يرتدي نظارة صغيرة، يفرز أكوامًا من الأوراق بحركة آلية اعتاد عليها منذ زمن بعيد.
بحث أورِن عن اسمه بين الأسطر الطويلة، ووجده أخيرًا: أورِن، إلى جانب رقم وحدة ورمز لم يفهم معناه بعد.
“أريد إرسال رسالة،” قال أورِن وهو يقترب.
قرأ أورِن الرسالة مرتين، ببطء في المرة الثانية، كمن يحاول أن يستمع إلى صوتها بين السطور. لم تكن الرسالة طويلة، لكنها حملت من التفاصيل ما جعله يشعر، للحظة، أنه عاد إلى القرية، يجلس في المطبخ يستمع إليها وهي تحكي عن يومها بحماسها المعتاد.
رفع الموظف نظره ببطء. “اسمك ورقم فرقتك؟”
«أعرف أنني وعدتك بالكتابة كل يوم، لكن هنا لا يمكن إرسال أكثر من رسالة في الأسبوع. سأكتب لك كلما استطعت. أخبريني عن البيت، عن القرية، عن عملك. وإن احتجت شيئًا، اكتبي لي به مباشرة.»
أعطاه أورِن المعلومات، فسجّلها الرجل في دفتر أمامه دون أن يبدي أي اهتمام يتجاوز الروتين.
“هل أرسلت رسالة من قبل هذا الأسبوع؟”
“جيد. رسالة واحدة في الأسبوع لكل مجند، لا أكثر. إذا أرسلتها اليوم، لن تستطيع إرسال رسالة أخرى قبل الأسبوع القادم، حتى لو دفعت أكثر.”
وجد مكتب البريد في الطرف الشمالي من المعسكر، خيمة أكبر من المعتاد يتوسطها طاولات خشبية طويلة، وخلفها موظف عجوز يرتدي نظارة صغيرة، يفرز أكوامًا من الأوراق بحركة آلية اعتاد عليها منذ زمن بعيد.
“لا، هذه أول رسالة لي.”
أما سيلِن، فقد أحرز تقدمًا لافتًا في تدريب الربط، رغم أنه ظل الأكثر إثارة للضحك بين المجموعات الثلاث بسبب أسئلته الكثيرة. استطاع أخيرًا أن يربط بين حجرين بشكل واضح، بحيث إذا حرّك أحدهما بضعة أصابع، تحرك الآخر بالقدر نفسه تقريبًا، وإن كان الأمر ما زال يستهلك منه جهدًا كبيرًا ويفشل أحيانًا دون سبب واضح.
“جيد. رسالة واحدة في الأسبوع لكل مجند، لا أكثر. إذا أرسلتها اليوم، لن تستطيع إرسال رسالة أخرى قبل الأسبوع القادم، حتى لو دفعت أكثر.”
وصلت رسالتك أخيرًا! لم أكن أعرف أن البريد بهذه السرعة، ظننت أنني سأنتظر أسابيع قبل أن أسمع خبرًا منك.
“وإذا أردت إرسال رسالة أطول؟”
“ستُعلَّق قوائم توزيع الوحدات على هذا اللوح،” أعلن بصوت مرتفع. “تحققوا من أسمائكم اليوم بعد الظهر. من ورد اسمه، فتدريبه الأساسي انتهى، وسيلتحق بوحدته المحددة خلال ثلاثة أيام.”
عملي في السوق مستمر، وبدأت أخيرًا أدّخر قليلًا من المال. ما زلت أحلم بالعاصمة، وربما الآن سأشعر أنني أعرفها أكثر بعد أن رأيتها أنت! صفها لي في رسالتك القادمة إن استطعت.
“هناك حد للطول أيضًا، يعتمد على السعر الذي تدفعه. لكن مهما دفعت، لا يمكنك تجاوز رسالة واحدة أسبوعيًا. هذا نظام إمبراطوري، وليس قرارًا مني.” قالها بنبرة من اعتاد تكرار الجملة نفسها لعشرات المجندين من قبله.
“وكم يستغرق وصولها؟”
“من أين أنت؟” سأله سيلِن بفضوله المعتاد.
“إلى أين؟”
كان هذا صحيحًا. في اليوم السابق، حين حاول أورِن تنفيذ التمرين نفسه بينما كان اثنان من المجندين يتجادلان بصوت مرتفع خلفه، فشل في تحريك القطعة أكثر من مرة، وشعر بإحباط لم يعتده.
“قرية صغيرة، شمال شرق العاصمة، قرب النهر.”
«أورِن،
فكّر الرجل قليلًا، ثم قال: “يومان ، وربما أقل إن خرجت في أول عربة. شبكة البريد الإمبراطورية تمر بمحطات منظمة على الطرق الرئيسية. أسرع بكثير مما كانت عليه قبل عشر سنوات.”
بدأ الحديث بين المجندين يتغير تدريجيًا. لم يعد يقتصر على التذمر من التدريب أو المقارنة بين المسارات، بل أخذ يتسلل إليه أسئلة أكثر جدية: كم بقي على انتهاء التدريب الأساسي؟ إلى أين تُرسل الوحدات الجديدة عادة؟ هل صحيح أن هناك خسائر كبيرة في الجبهة الشمالية هذا الشهر؟
أومأ أورِن، وجلس على أحد المقاعد الخشبية القريبة، وأخذ ورقة وقلمًا من الموظف.
“لماذا ينجح أحيانًا ويفشل أحيانًا أخرى رغم أنني أفعل الشيء نفسه؟” سأل معلمه ذات مرة.
“لا، هذه أول رسالة لي.”
جلس ينظر إلى الورقة البيضاء لوقت أطول مما توقع. لم يكن قد كتب رسالة من قبل في حياته إلا رسائل رسمية بسيطة أثناء عمله في الأرشيف، جمل قصيرة ومباشرة لا تحتاج إلى تفكير طويل. لكن هذه مختلفة.
بحث أورِن عن اسمه بين الأسطر الطويلة، ووجده أخيرًا: أورِن، إلى جانب رقم وحدة ورمز لم يفهم معناه بعد.
كتب أولًا:
طوى الرسالة بعناية، ووضعها في جيب داخلي قريب من مكان القلادة، ثم جلس قليلًا، ينظر إلى المعسكر من حوله، محاولًا أن يستوعب المسافة بين هذا المكان وبين البقرة التي هربت من حظيرتها في القرية.
«وصلت إلى العاصمة بخير. أنا الآن في معسكر تدريب.»
“لأنك لا تفعل الشيء نفسه تمامًا، حتى لو ظننت ذلك. حالتك تتغير من يوم لآخر، وهذا يؤثر.” أجاب المعلم العجوز بهدوئه المعتاد. “ستتعلم كيف تلاحظ هذا الفرق بنفسك مع الوقت.”
توقف. نظر إلى الجملتين، شعر أنهما جافتان أكثر مما ينبغي، لكنه لم يعرف كيف يضيف إليهما شيئًا أكثر دفئًا دون أن يبدو الأمر مصطنعًا. فكّر في مارِن وهي تقرأ هاتين الجملتين فقط، فقرر أن يتابع.
«يوجد هنا شيء لم أكن أتوقعه. يعلموننا استخدام السحر. لا أعرف كيف أشرح لك الأمر بشكل جيد، لكنه حقيقي، ونحن نتدرب عليه كل يوم. اخترت مسارًا يسمى السرقة، وهو يسمح لي بنقل أشياء صغيرة من مكان إلى آخر دون لمسها. ما زلت مبتدئًا جدًا، لا تتخيلي شيئًا كبيرًا.»
“جيد،” قال مارك في أحد الأيام، وهو يراقب أورِن ينقل قطعة معدنية من طاولة إلى أخرى بعيدة قليلًا عن سابقتها. “أصبحت أسرع. لكن انتبه، ما زلت تفشل حين يشتت انتباهك أي شيء.”
«التقيت هنا بدارِن وسيلِن، تتذكرينهما من القرية. دارِن ما زال كما هو، هادئ ولا يتكلم كثيرًا إلا عن الحدادة. سيلِن لم يتغير أبدًا، يتحدث مع كل شخص يقابله وكأنه يعرفه منذ سنوات.»
في ثاني يوم بعد إرسال رسالته، جاء أورِن إلى مكتب البريد صباحًا ليجد رسالة بانتظاره، بخط يعرفه جيدًا.
ابتسم قليلًا وهو يكتب هذا الجزء، ثم تابع:
«أورِن،
كتب أولًا:
«يوجد هنا شيء لم أكن أتوقعه. يعلموننا استخدام السحر. لا أعرف كيف أشرح لك الأمر بشكل جيد، لكنه حقيقي، ونحن نتدرب عليه كل يوم. اخترت مسارًا يسمى السرقة، وهو يسمح لي بنقل أشياء صغيرة من مكان إلى آخر دون لمسها. ما زلت مبتدئًا جدًا، لا تتخيلي شيئًا كبيرًا.»
حدثت قصة مضحكة الأسبوع الماضي: بقرة الجار كسرت باب حظيرتها وهربت إلى السوق، وركض نصف الرجال خلفها وهم يصرخون، بينما وقفت النساء يضحكن. انتهى الأمر بأن أمسكتها ابنة الحداد الصغيرة وحدها، بقطعة خبز مدّتها لها.
توقف مرة أخرى، يقرأ ما كتبه، متسائلًا إن كان يجب أن يشرح أكثر أو أن هذا القدر كافٍ. قرر أن يترك الأمر كما هو وينتقل إلى شيء آخر.
لم يقل أحد منهم شيئًا لوقت طويل، يقرؤون الأسماء والأرقام كأنهم يحاولون التأكد أنهم لم يخطئوا القراءة.
«الطعام هنا مختلف عن طعامنا، لكنه ليس سيئًا كما سمعت من قبل. رأيت العاصمة قليلًا في الطريق إلى هنا، أكبر بكثير مما تخيلت، شوارع لا تنتهي ومبانٍ أعلى من أي شيء رأيته في حياتي.»
بدأ الحديث بين المجندين يتغير تدريجيًا. لم يعد يقتصر على التذمر من التدريب أو المقارنة بين المسارات، بل أخذ يتسلل إليه أسئلة أكثر جدية: كم بقي على انتهاء التدريب الأساسي؟ إلى أين تُرسل الوحدات الجديدة عادة؟ هل صحيح أن هناك خسائر كبيرة في الجبهة الشمالية هذا الشهر؟
فكّر للحظة في كيفية إنهاء الرسالة. تذكّر وعده لها بأن يكتب كل يوم، ووجه لام رفضها الهادئ حين ودّعته عند الطريق، ذلك التعبير على وجهها الذي حاول أن يخفي قلقها. كتب:
«أعرف أنني وعدتك بالكتابة كل يوم، لكن هنا لا يمكن إرسال أكثر من رسالة في الأسبوع. سأكتب لك كلما استطعت. أخبريني عن البيت، عن القرية، عن عملك. وإن احتجت شيئًا، اكتبي لي به مباشرة.»
بعد الظهر، توجه أورِن مع دارِن وسيلِن إلى اللوح، حيث تجمّع بالفعل عدد كبير من المجندين يتدافعون بهدوء متوتر ليقرؤوا الأسماء.
قرأ الرسالة كاملة مرة أخيرة، شعر أنها ناقصة بطريقة ما، أقل مما تستحقه مارِن، لكنه لم يجد كلمات إضافية يضيفها دون أن تبدو مقحمة. طوى الورقة، وسلمها للموظف، ودفع الرسوم المطلوبة من القليل الذي يملكه.
وحدات مختلفة.
“ستصلها بعد غد على الأرجح،” قال الرجل وهو يختم الظرف. “التالي.”
“لماذا يبدو المعدن أصعب من الخشب؟” سأل دارِن في أحد الأيام.
“وكم يستغرق وصولها؟”
خرج أورِن من الخيمة بشعور غريب، مزيج من الارتياح والفراغ، كأن جزءًا صغيرًا منه بقي معلقًا في تلك الورقة التي ستسافر الآن بعيدًا عنه، نحو مكان لم يعد يعرف متى سيراه مرة أخرى.
“وكم يستغرق وصولها؟”
لم يعلّق أورِن ولا دارِن، لكن الصمت الذي أعقب الجملة كان كافيًا ليقول ما لم يقله أحد.
مرّت الأيام التالية بإيقاعها المعتاد: الاستيقاظ قبل الفجر بقليل، الفطور السريع، التدريب، الطعام، تنظيف المعدات، النوم. بدأ أورِن يلاحظ أن جسده اعتاد أخيرًا على هذا الجدول، بعد أن كان كل شيء فيه يبدو غريبًا في الأيام الأولى.
“لا، هذه أول رسالة لي.”
“لأن طبيعته أكثر صلابة وأقل مرونة. التغيير فيه يحتاج جهدًا أكبر.” أجابت المدربة دون أن تتوسع أكثر. “ستتعلم لاحقًا كيف تتعامل مع هذا الفرق. الآن، فقط استمر.”
في التدريب، بدأ يشعر بفرق واضح عن أيامه الأولى. لم تعد القطعة النحاسية تتطلب منه ذلك الجهد المرهق الذي شعر به في المرة الأولى؛ استطاع تحريكها الآن مسافة أكبر بوضوح، وأحيانًا كان يستطيع تكرار المحاولة أكثر من مرة متتالية دون أن يشعر بذلك التعب العميق الذي أنهكه في البداية.
“جيد،” قال مارك في أحد الأيام، وهو يراقب أورِن ينقل قطعة معدنية من طاولة إلى أخرى بعيدة قليلًا عن سابقتها. “أصبحت أسرع. لكن انتبه، ما زلت تفشل حين يشتت انتباهك أي شيء.”
فكّر للحظة في كيفية إنهاء الرسالة. تذكّر وعده لها بأن يكتب كل يوم، ووجه لام رفضها الهادئ حين ودّعته عند الطريق، ذلك التعبير على وجهها الذي حاول أن يخفي قلقها. كتب:
في اليوم التالي، غاب أحد مدربي مجموعة التحول دون تفسير واضح، وحلّ مكانه مدرب آخر أقل خبرة بدا مرهقًا من الانتقال المفاجئ. سمع دارِن أحد الضباط يذكر أن المدرب السابق “استُدعي إلى الجبهة الشمالية” بشكل عاجل.
كان هذا صحيحًا. في اليوم السابق، حين حاول أورِن تنفيذ التمرين نفسه بينما كان اثنان من المجندين يتجادلان بصوت مرتفع خلفه، فشل في تحريك القطعة أكثر من مرة، وشعر بإحباط لم يعتده.
“جيد،” قال مارك في أحد الأيام، وهو يراقب أورِن ينقل قطعة معدنية من طاولة إلى أخرى بعيدة قليلًا عن سابقتها. “أصبحت أسرع. لكن انتبه، ما زلت تفشل حين يشتت انتباهك أي شيء.”
فكّر فيها فجأة، لا بسبب حدث كبير، بل لأن أحد المجندين مرّ بجانبه في تلك اللحظة يحمل صحن فطور فيه بيضة مسلوقة، وتذكّر كيف كانت مارِن تُصرّ دائمًا على تقشير بيضته له في الصباحات الباردة، بحجة أنه بطيء جدًا في ذلك وسيتأخر عن عمله في الأرشيف. لم تكن ذكرى مهمة بحد ذاتها، لكنها كفت لتجعله يشعر بمسافة القرية عنه، لا كخط على خريطة، بل كشيء يعيش الآن فقط في التفاصيل الصغيرة.
“كيف أتجاهل ما حولي؟” سأل.
حاول أورِن مع الحجر، ووجد الأمر أصعب قليلًا في البداية، وكأن كل شيء جديد يتطلب منه أن يعيد فهم العلاقة بينه وبين الشيء الذي يحاول تحريكه من الصفر. لم يفكر في السبب طويلًا، فقط واصل المحاولة حتى نجح أخيرًا.
“لن تتجاهله تمامًا في البداية. ستتعلم أن تجعله أقل أهمية، شيئًا فشيئًا.” أجاب مارك دون أن يتوسع أكثر، ثم أضاف: “جرب مع هذا.” ووضع أمامه حجرًا صغيرًا مختلفًا عن القطع النحاسية المعتادة.
في صباح اليوم التالي، نودي على جميع المجندين للتجمع في الساحة الرئيسية، بدون سابق إنذار، وبنبرة أكثر جدية من المعتاد في نداء الضابط المسؤول. وقف المجندون في صفوف طويلة، بينما خرج ضابط أعلى رتبة يحمل لوحة خشبية كبيرة مثبت عليها ورق.
عملي في السوق مستمر، وبدأت أخيرًا أدّخر قليلًا من المال. ما زلت أحلم بالعاصمة، وربما الآن سأشعر أنني أعرفها أكثر بعد أن رأيتها أنت! صفها لي في رسالتك القادمة إن استطعت.
حاول أورِن مع الحجر، ووجد الأمر أصعب قليلًا في البداية، وكأن كل شيء جديد يتطلب منه أن يعيد فهم العلاقة بينه وبين الشيء الذي يحاول تحريكه من الصفر. لم يفكر في السبب طويلًا، فقط واصل المحاولة حتى نجح أخيرًا.
كان يعرف أن ما يفعله محدود جدًا، مجرد نقل أشياء صغيرة لمسافات قصيرة، لا شيء يشبه الحكايات التي سمعها في طفولته عن السحرة القادرين على تحريك الجبال أو اختفاء المدن. لكنه لم يفكر في الأمر بقلق أو استغراب كبيرين؛ كان مبتدئًا، وهذا كل ما توقعه لنفسه في هذه المرحلة.
طوى الرسالة بعناية، ووضعها في جيب داخلي قريب من مكان القلادة، ثم جلس قليلًا، ينظر إلى المعسكر من حوله، محاولًا أن يستوعب المسافة بين هذا المكان وبين البقرة التي هربت من حظيرتها في القرية.
في مجموعة التحول، كان دارِن يواصل تدريبه بالطريقة نفسها التي بدأ بها: صبر هادئ، وتكرار، وملاحظة دقيقة لكل تفصيل. استطاع الآن أن يغيّر لون قطعة الخشب بشكل أوضح من محاولته الأولى، وبدأ يجرب مع مواد أخرى بإذن من مدربته، قطعة معدن صغيرة، حجر ناعم.
“وكم يستغرق وصولها؟”
وحدات مختلفة.
“لماذا يبدو المعدن أصعب من الخشب؟” سأل دارِن في أحد الأيام.
سار الثلاثة معًا نحو الخيمة في صمت غير معتاد، والضجيج المعتاد للمعسكر يبدو أبعد مما هو عليه فعلًا. توقف أورِن للحظة عند مدخل الخيمة، أخرج رسالة مارِن من جيبه، ونظر إليها للحظة قبل أن يعيدها إلى مكانها بجانب القلادة.
“لأن طبيعته أكثر صلابة وأقل مرونة. التغيير فيه يحتاج جهدًا أكبر.” أجابت المدربة دون أن تتوسع أكثر. “ستتعلم لاحقًا كيف تتعامل مع هذا الفرق. الآن، فقط استمر.”
كان هذا كافيًا لدارِن. لم يكن يحتاج شرحًا طويلًا؛ كان يفضل أن يكتشف الفرق بنفسه من خلال المحاولة، تمامًا كما كان يفعل في ورشة والده حين يجرب أنواعًا مختلفة من المعادن دون أن يسأل عن كل تفصيل مسبقًا.
انتشرت همهمة سريعة بين الصفوف، أُسكتت بنظرة حادة من الضابط قبل أن يستمر في تعليماته اليومية المعتادة كأن شيئًا لم يُقل للتو.
أما سيلِن، فقد أحرز تقدمًا لافتًا في تدريب الربط، رغم أنه ظل الأكثر إثارة للضحك بين المجموعات الثلاث بسبب أسئلته الكثيرة. استطاع أخيرًا أن يربط بين حجرين بشكل واضح، بحيث إذا حرّك أحدهما بضعة أصابع، تحرك الآخر بالقدر نفسه تقريبًا، وإن كان الأمر ما زال يستهلك منه جهدًا كبيرًا ويفشل أحيانًا دون سبب واضح.
مارِن»
“لماذا ينجح أحيانًا ويفشل أحيانًا أخرى رغم أنني أفعل الشيء نفسه؟” سأل معلمه ذات مرة.
“جيد،” قال مارك في أحد الأيام، وهو يراقب أورِن ينقل قطعة معدنية من طاولة إلى أخرى بعيدة قليلًا عن سابقتها. “أصبحت أسرع. لكن انتبه، ما زلت تفشل حين يشتت انتباهك أي شيء.”
“لأنك لا تفعل الشيء نفسه تمامًا، حتى لو ظننت ذلك. حالتك تتغير من يوم لآخر، وهذا يؤثر.” أجاب المعلم العجوز بهدوئه المعتاد. “ستتعلم كيف تلاحظ هذا الفرق بنفسك مع الوقت.”
لم يفتحها فورًا، بل حملها معه إلى مكان هادئ خلف إحدى الخيام، جلس على صندوق فارغ، وفتح الظرف بحذر.
في المساء، حين يجتمع الثلاثة، كان الحديث غالبًا يدور حول التدريب، لا بمنافسة، بل بفضول متبادل. سأل سيلِن أورِن مرارًا عن تفاصيل السرقة، وسأل دارِن عن التحول، وكان كل واحد منهم يجد في تجربة الآخرين ما يجعله يفكر في تجربته الخاصة من زاوية مختلفة.
“وكم يستغرق وصولها؟”
في ثاني يوم بعد إرسال رسالته، جاء أورِن إلى مكتب البريد صباحًا ليجد رسالة بانتظاره، بخط يعرفه جيدًا.
جلس ينظر إلى الورقة البيضاء لوقت أطول مما توقع. لم يكن قد كتب رسالة من قبل في حياته إلا رسائل رسمية بسيطة أثناء عمله في الأرشيف، جمل قصيرة ومباشرة لا تحتاج إلى تفكير طويل. لكن هذه مختلفة.
في المساء، حين يجتمع الثلاثة، كان الحديث غالبًا يدور حول التدريب، لا بمنافسة، بل بفضول متبادل. سأل سيلِن أورِن مرارًا عن تفاصيل السرقة، وسأل دارِن عن التحول، وكان كل واحد منهم يجد في تجربة الآخرين ما يجعله يفكر في تجربته الخاصة من زاوية مختلفة.
لم يفتحها فورًا، بل حملها معه إلى مكان هادئ خلف إحدى الخيام، جلس على صندوق فارغ، وفتح الظرف بحذر.
«أورِن،
وصلت رسالتك أخيرًا! لم أكن أعرف أن البريد بهذه السرعة، ظننت أنني سأنتظر أسابيع قبل أن أسمع خبرًا منك.
وحدات مختلفة.
كل شيء هنا كما هو تقريبًا. الحياة في القرية تسير كالمعتاد، الأسعار ارتفعت قليلًا في السوق، خصوصًا سعر القمح، لكن لا شيء يستحق القلق. أم دارِن سألت عنه أكثر من مرة، أخبرها والده أنه بخير حسب آخر ما سمعناه، لكنها تريد أن تسمع منه بنفسه، فإذا رأيته أخبره أن يكتب لأهله أيضًا.
«أعرف أنني وعدتك بالكتابة كل يوم، لكن هنا لا يمكن إرسال أكثر من رسالة في الأسبوع. سأكتب لك كلما استطعت. أخبريني عن البيت، عن القرية، عن عملك. وإن احتجت شيئًا، اكتبي لي به مباشرة.»
عملي في السوق مستمر، وبدأت أخيرًا أدّخر قليلًا من المال. ما زلت أحلم بالعاصمة، وربما الآن سأشعر أنني أعرفها أكثر بعد أن رأيتها أنت! صفها لي في رسالتك القادمة إن استطعت.
حدثت قصة مضحكة الأسبوع الماضي: بقرة الجار كسرت باب حظيرتها وهربت إلى السوق، وركض نصف الرجال خلفها وهم يصرخون، بينما وقفت النساء يضحكن. انتهى الأمر بأن أمسكتها ابنة الحداد الصغيرة وحدها، بقطعة خبز مدّتها لها.
سعيدة جدًا أنك التقيت دارِن وسيلِن، على الأقل لست وحدك تمامًا هناك. السحر الذي تتحدث عنه يبدو غريبًا، لكن إذا كان يجعلك أقوى، فهذا جيد. لا تقلق كثيرًا بشأن أن تكون بارعًا فيه من أول محاولة، أنت لم تجد صعوبة في أي شيء تعلمته من قبل حين أعطيت نفسك وقتًا كافيًا.
اكتب لي كلما استطعت. لن أنسى أنك وعدتني، حتى لو كانت رسالة واحدة في الأسبوع. أنتظرها.
مارِن»
لم يعلّق أورِن ولا دارِن، لكن الصمت الذي أعقب الجملة كان كافيًا ليقول ما لم يقله أحد.
قرأ أورِن الرسالة مرتين، ببطء في المرة الثانية، كمن يحاول أن يستمع إلى صوتها بين السطور. لم تكن الرسالة طويلة، لكنها حملت من التفاصيل ما جعله يشعر، للحظة، أنه عاد إلى القرية، يجلس في المطبخ يستمع إليها وهي تحكي عن يومها بحماسها المعتاد.
“كيف أتجاهل ما حولي؟” سأل.
طوى الرسالة بعناية، ووضعها في جيب داخلي قريب من مكان القلادة، ثم جلس قليلًا، ينظر إلى المعسكر من حوله، محاولًا أن يستوعب المسافة بين هذا المكان وبين البقرة التي هربت من حظيرتها في القرية.
انتشرت همهمة سريعة بين الصفوف، أُسكتت بنظرة حادة من الضابط قبل أن يستمر في تعليماته اليومية المعتادة كأن شيئًا لم يُقل للتو.
توقف. نظر إلى الجملتين، شعر أنهما جافتان أكثر مما ينبغي، لكنه لم يعرف كيف يضيف إليهما شيئًا أكثر دفئًا دون أن يبدو الأمر مصطنعًا. فكّر في مارِن وهي تقرأ هاتين الجملتين فقط، فقرر أن يتابع.
لكن بحلول نهاية الأسبوع، بدأ شيء في المعسكر يتغير بطريقة لم يكن أورِن وحده من لاحظها.
سار الثلاثة معًا نحو الخيمة في صمت غير معتاد، والضجيج المعتاد للمعسكر يبدو أبعد مما هو عليه فعلًا. توقف أورِن للحظة عند مدخل الخيمة، أخرج رسالة مارِن من جيبه، ونظر إليها للحظة قبل أن يعيدها إلى مكانها بجانب القلادة.
في أحد الأيام، وصلت قافلة من العربات العسكرية أكبر من المعتاد، محملة بصناديق معدنية ثقيلة، وترافقها حراسة أكبر من أي قافلة سابقة. توقف التدريب لبضع دقائق فقط بينما مرت العربات عبر الساحة الرئيسية، والمجندون ينظرون إليها بصمت غير معتاد.
في اليوم التالي، غاب أحد مدربي مجموعة التحول دون تفسير واضح، وحلّ مكانه مدرب آخر أقل خبرة بدا مرهقًا من الانتقال المفاجئ. سمع دارِن أحد الضباط يذكر أن المدرب السابق “استُدعي إلى الجبهة الشمالية” بشكل عاجل.
توقف مرة أخرى، يقرأ ما كتبه، متسائلًا إن كان يجب أن يشرح أكثر أو أن هذا القدر كافٍ. قرر أن يترك الأمر كما هو وينتقل إلى شيء آخر.
بدأ الحديث بين المجندين يتغير تدريجيًا. لم يعد يقتصر على التذمر من التدريب أو المقارنة بين المسارات، بل أخذ يتسلل إليه أسئلة أكثر جدية: كم بقي على انتهاء التدريب الأساسي؟ إلى أين تُرسل الوحدات الجديدة عادة؟ هل صحيح أن هناك خسائر كبيرة في الجبهة الشمالية هذا الشهر؟
“أول مرة أرى جنديًا حقيقيًا عاد من هناك،” قال سيلِن بصوت أهدأ من المعتاد.
في إحدى الأمسيات، جلس الثلاثة قرب النار المعتادة، حين مرّ بجانبهم مجند أكبر سنًا، بدا عليه التعب الشديد وأثر ضمادة حديثة على ذراعه.
لم يفتحها فورًا، بل حملها معه إلى مكان هادئ خلف إحدى الخيام، جلس على صندوق فارغ، وفتح الظرف بحذر.
“من أين أنت؟” سأله سيلِن بفضوله المعتاد.
“عائد من الجبهة، إصابة بسيطة، سأعود خلال أسبوعين.” أجاب الرجل بصوت جاف، دون أن يتوقف عن السير.
“إلى أين؟”
لكن بحلول نهاية الأسبوع، بدأ شيء في المعسكر يتغير بطريقة لم يكن أورِن وحده من لاحظها.
ساد صمت قصير بينهم بعد أن ابتعد الرجل.
“أول مرة أرى جنديًا حقيقيًا عاد من هناك،” قال سيلِن بصوت أهدأ من المعتاد.
وصلت رسالتك أخيرًا! لم أكن أعرف أن البريد بهذه السرعة، ظننت أنني سأنتظر أسابيع قبل أن أسمع خبرًا منك.
مدّ يده وأمسك بها للحظة، يتحسس النسيج الخشن بأصابعه. كانت قد خاطتها بنفسها من بقايا قماش قديم، ولم تكن جميلة بالمعنى الذي يستحق الثناء، لكنها كانت من صنعها، وهذا كان يكفي.
لم يعلّق أورِن ولا دارِن، لكن الصمت الذي أعقب الجملة كان كافيًا ليقول ما لم يقله أحد.
“لماذا يبدو المعدن أصعب من الخشب؟” سأل دارِن في أحد الأيام.
في صباح اليوم التالي، نودي على جميع المجندين للتجمع في الساحة الرئيسية، بدون سابق إنذار، وبنبرة أكثر جدية من المعتاد في نداء الضابط المسؤول. وقف المجندون في صفوف طويلة، بينما خرج ضابط أعلى رتبة يحمل لوحة خشبية كبيرة مثبت عليها ورق.
“ستُعلَّق قوائم توزيع الوحدات على هذا اللوح،” أعلن بصوت مرتفع. “تحققوا من أسمائكم اليوم بعد الظهر. من ورد اسمه، فتدريبه الأساسي انتهى، وسيلتحق بوحدته المحددة خلال ثلاثة أيام.”
انتشرت همهمة سريعة بين الصفوف، أُسكتت بنظرة حادة من الضابط قبل أن يستمر في تعليماته اليومية المعتادة كأن شيئًا لم يُقل للتو.
«أعرف أنني وعدتك بالكتابة كل يوم، لكن هنا لا يمكن إرسال أكثر من رسالة في الأسبوع. سأكتب لك كلما استطعت. أخبريني عن البيت، عن القرية، عن عملك. وإن احتجت شيئًا، اكتبي لي به مباشرة.»
سعيدة جدًا أنك التقيت دارِن وسيلِن، على الأقل لست وحدك تمامًا هناك. السحر الذي تتحدث عنه يبدو غريبًا، لكن إذا كان يجعلك أقوى، فهذا جيد. لا تقلق كثيرًا بشأن أن تكون بارعًا فيه من أول محاولة، أنت لم تجد صعوبة في أي شيء تعلمته من قبل حين أعطيت نفسك وقتًا كافيًا.
بعد الظهر، توجه أورِن مع دارِن وسيلِن إلى اللوح، حيث تجمّع بالفعل عدد كبير من المجندين يتدافعون بهدوء متوتر ليقرؤوا الأسماء.
عملي في السوق مستمر، وبدأت أخيرًا أدّخر قليلًا من المال. ما زلت أحلم بالعاصمة، وربما الآن سأشعر أنني أعرفها أكثر بعد أن رأيتها أنت! صفها لي في رسالتك القادمة إن استطعت.
بحث أورِن عن اسمه بين الأسطر الطويلة، ووجده أخيرًا: أورِن، إلى جانب رقم وحدة ورمز لم يفهم معناه بعد.
بحث أورِن عن اسمه بين الأسطر الطويلة، ووجده أخيرًا: أورِن، إلى جانب رقم وحدة ورمز لم يفهم معناه بعد.
نظر بعينيه إلى أعلى قليلًا، فوجد اسم دارِن في سطر مختلف، مع رقم وحدة آخر، ثم اسم سيلِن في سطر ثالث، برقم مختلف تمامًا عن الاثنين.
وحدات مختلفة.
لم يقل أحد منهم شيئًا لوقت طويل، يقرؤون الأسماء والأرقام كأنهم يحاولون التأكد أنهم لم يخطئوا القراءة.
مارِن»
كان يعرف أن ما يفعله محدود جدًا، مجرد نقل أشياء صغيرة لمسافات قصيرة، لا شيء يشبه الحكايات التي سمعها في طفولته عن السحرة القادرين على تحريك الجبال أو اختفاء المدن. لكنه لم يفكر في الأمر بقلق أو استغراب كبيرين؛ كان مبتدئًا، وهذا كل ما توقعه لنفسه في هذه المرحلة.
“إذن هذا هو الأمر،” قال سيلِن أخيرًا، بصوت أهدأ من أي وقت مضى منذ أن عرفه أورِن.
كتب أولًا:
لم يجب دارِن، فقط أومأ برأسه ببطء، عيناه ما زالتا مثبتتين على اللوح.
«يوجد هنا شيء لم أكن أتوقعه. يعلموننا استخدام السحر. لا أعرف كيف أشرح لك الأمر بشكل جيد، لكنه حقيقي، ونحن نتدرب عليه كل يوم. اخترت مسارًا يسمى السرقة، وهو يسمح لي بنقل أشياء صغيرة من مكان إلى آخر دون لمسها. ما زلت مبتدئًا جدًا، لا تتخيلي شيئًا كبيرًا.»
وصلت رسالتك أخيرًا! لم أكن أعرف أن البريد بهذه السرعة، ظننت أنني سأنتظر أسابيع قبل أن أسمع خبرًا منك.
سار الثلاثة معًا نحو الخيمة في صمت غير معتاد، والضجيج المعتاد للمعسكر يبدو أبعد مما هو عليه فعلًا. توقف أورِن للحظة عند مدخل الخيمة، أخرج رسالة مارِن من جيبه، ونظر إليها للحظة قبل أن يعيدها إلى مكانها بجانب القلادة.
«وصلت إلى العاصمة بخير. أنا الآن في معسكر تدريب.»
في إحدى الأمسيات، جلس الثلاثة قرب النار المعتادة، حين مرّ بجانبهم مجند أكبر سنًا، بدا عليه التعب الشديد وأثر ضمادة حديثة على ذراعه.
من بعيد، سمع صوت عربات جديدة تدخل المعسكر، محملة بشيء لم يستطع تمييزه من مسافته، تتحرك ببطء نحو الطرف الشرقي حيث تتجمع الوحدات المستعدة للتحرك.
“جيد. رسالة واحدة في الأسبوع لكل مجند، لا أكثر. إذا أرسلتها اليوم، لن تستطيع إرسال رسالة أخرى قبل الأسبوع القادم، حتى لو دفعت أكثر.”
أعطاه أورِن المعلومات، فسجّلها الرجل في دفتر أمامه دون أن يبدي أي اهتمام يتجاوز الروتين.
ظل أورِن واقفًا لحظة، ثم أعاد الرسالة إلى جيبه، وسمع من الطرف الآخر للساحة صوت ضابط ينادي أسماء وحدات جديدة، بينما كانت العربات تواصل تحركها على الحصى.
مرّت الأيام التالية بإيقاعها المعتاد: الاستيقاظ قبل الفجر بقليل، الفطور السريع، التدريب، الطعام، تنظيف المعدات، النوم. بدأ أورِن يلاحظ أن جسده اعتاد أخيرًا على هذا الجدول، بعد أن كان كل شيء فيه يبدو غريبًا في الأيام الأولى.
أعطاه أورِن المعلومات، فسجّلها الرجل في دفتر أمامه دون أن يبدي أي اهتمام يتجاوز الروتين.
خرج أورِن من الخيمة بشعور غريب، مزيج من الارتياح والفراغ، كأن جزءًا صغيرًا منه بقي معلقًا في تلك الورقة التي ستسافر الآن بعيدًا عنه، نحو مكان لم يعد يعرف متى سيراه مرة أخرى.
