أشياء صغيرة
استيقظ أورِن قبل أن يصدر الجرس صوته بقليل، كما اعتاد في القرية حين كان عليه أن يفتح الأرشيف قبل وصول أحد. بقي مستلقيًا للحظة ينظر إلى سقف الخيمة، يستمع إلى أنفاس المجندين النائمين من حوله، قبل أن يتذكر أن اليوم مختلف عن كل يوم سبقه منذ وصوله إلى المعسكر.
اليوم سيبدأ التدريب على المسار.
حين خرج من الخيمة، وجد سيلِن يجلس على صندوق خشبي قرب المدخل، يربط حذاءه بتركيز غير معتاد منه.
تحركت القطعة.
“وما الذي يكفي؟”
“لم تنم؟” سأله أورِن.
“أنا مارك،” قال دون مقدمات. “سأدربكم على أساسيات مسار السرقة. لن أشرح لكم فلسفة المسار أو تاريخه، لأن هذا لن يفيدكم في شيء الآن. ما يفيدكم هو أن تفهموا كيف تبدأون.”
“نمت، لكن قليلًا.” رفع سيلِن رأسه وابتسم ابتسامة متعبة. “ظللت أفكر طوال الليل: ماذا لو لم أفهم شيئًا؟ ماذا لو كان الربط صعبًا جدًا؟ ماذا لو…”
“ماذا لو ماذا؟”
“ماذا لو ماذا؟”
في محاولته الرابعة أو الخامسة، شعر أورِن بالوخزة نفسها التي شعر بها سابقًا، لكن هذه المرة أطول قليلًا، وكأن شيئًا في داخله يمتد نحو القطعة النحاسية دون أن يعرف كيف يصفه. حاول ألا يفكر في الأمر بشكل مباشر، بل واصل التركيز على القطعة كما فعل سابقًا، محاولًا أن يستحضر ذلك الشعور نفسه دون أن يجبره.
“لا أعرف.” ضحك سيلِن بصوت خافت. “هذا ما يقلقني، أنني لا أعرف حتى ما الذي يجب أن أخاف منه.”
في محاولته الرابعة أو الخامسة، شعر أورِن بالوخزة نفسها التي شعر بها سابقًا، لكن هذه المرة أطول قليلًا، وكأن شيئًا في داخله يمتد نحو القطعة النحاسية دون أن يعرف كيف يصفه. حاول ألا يفكر في الأمر بشكل مباشر، بل واصل التركيز على القطعة كما فعل سابقًا، محاولًا أن يستحضر ذلك الشعور نفسه دون أن يجبره.
انضم إليهما دارِن وهو يحمل حصته من الخبز، وسار الثلاثة معاً نحو خيمة الطعام.
“مرة أخرى،” قال مارك، الذي كان قد لاحظ الحركة من مكانه، دون أن يبدي أي انطباع خاص. “لا تتوقف عند نجاح صغير. كرره.”
وما إن أنهوا فطورهم تجمّع المجندون في الساحة الرئيسية بعد الفطور، وسط ضجيج معتاد من أصوات الأحذية على الحصى وصياح الضباط الصغار الذين ينظمون الصفوف. لكن هذه المرة، بدل أن يُقسَّموا إلى مجموعات حسب الفرقة أو الرتبة، نودي عليهم بحسب المسار الذي اختاروه بالأمس.
“وأنت؟” سأل أورِن دارِن.
“مجموعة الربط، إلى الجهة الشرقية!”
“أنا مارك،” قال دون مقدمات. “سأدربكم على أساسيات مسار السرقة. لن أشرح لكم فلسفة المسار أو تاريخه، لأن هذا لن يفيدكم في شيء الآن. ما يفيدكم هو أن تفهموا كيف تبدأون.”
انقسم الثلاثة دون أن يقولوا شيئًا يستحق الذكر، فقط نظرة سريعة بينهم، ثم سار كل واحد في اتجاهه.
“مجموعة التحول، نحو الساحة الخلفية!”
حاول أورِن أن يستعيد الشعور نفسه، وبعد محاولتين فاشلتين، نجح في تحريك القطعة مرة أخرى، هذه المرة بمسافة أكبر قليلًا، لكنها لم تصل بعد إلى الحجر الثاني.
“مجموعة السرقة، هنا، خلفي!”
استمر التمرين لساعة تقريبًا، تتخللها محاولات فاشلة أكثر مما يُحصى. سقطت بعض القطع عن حجارتها. تحرّكت أخرى قليلًا في الاتجاه الخاطئ. واحد من المجندين، رجل ضخم البنية بدا أقرب إلى مصارع منه إلى ساحر، أمسك بقطعته أخيرًا من فرط الإحباط وحاول رميها بيده نحو الحجر الثاني، فصاح به مارك دون أن يرفع صوته كثيرًا: “لن يفيدك هذا. ضعها في مكانها وابدأ من جديد.”
جلس أورِن أمام قطعته النحاسية، ينظر إليها كما لو أن النظر وحده كفيل بأن يحرّكها. حاول أن يتذكر كلمة “سرقة” وما تعنيه، حاول أن يستحضر شعورًا، رغبة، أي شيء يشبه ما توقعه من فعل سحري. لم يحدث شيء. بقيت القطعة في مكانها، لامعة وبلا حراك، كأنها تسخر من محاولته الصامتة.
انقسم الثلاثة دون أن يقولوا شيئًا يستحق الذكر، فقط نظرة سريعة بينهم، ثم سار كل واحد في اتجاهه.
لم يحدث شيء لوقت طويل، وبدا الإحباط يتسلل إلى وجهه أكثر من مرة، لكنه، خلافًا لعادته، ظل صامتًا أثناء المحاولة، وكأن الكلام نفسه كان يشتته عن التركيز. حين حاول أخيرًا أن يتحدث إلى المعلم بصوت أهدأ من المعتاد، سائلًا عن تفصيل صغير في طريقة الإمساك بالحجرين، حصل على إجابة مقتضبة ساعدته أكثر من كل محاولاته السابقة مجتمعة.
كانت مجموعة السرقة أصغر مما توقع أورِن، لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة عشر مجندًا، تجمعوا في ساحة صغيرة محاطة بجدار حجري منخفض، بعيدًا عن ضجيج بقية المعسكر. وقف أمامهم رجل نحيل في منتصف عمره، بذراعين طويلتين وعينين ضيقتين تتحرك بسرعة بين الوجوه، وكأنه يحصي كل واحد منهم قبل أن يبدأ.
“أنا مارك،” قال دون مقدمات. “سأدربكم على أساسيات مسار السرقة. لن أشرح لكم فلسفة المسار أو تاريخه، لأن هذا لن يفيدكم في شيء الآن. ما يفيدكم هو أن تفهموا كيف تبدأون.”
نظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم أخرج من جيبه قطعة نقدية نحاسية صغيرة ووضعها على حجر مسطح أمامه.
“مسار السرقة، ببساطة، يسمح لكم بنقل شيء من مكان إلى آخر دون أن تلمسوه بأيديكم. هذا كل ما تحتاجون معرفته الآن عن تعريفه. الباقي ستتعلمونه بالممارسة، لا بالكلام.”
لم تمدحه أكثر من ذلك، ولم توضح شيئًا إضافيًا، لكن دارِن شعر بشيء أشبه بالرضا الهادئ، ذلك النوع من الرضا الذي يعرفه جيدًا حين يرى معدنًا يستجيب أخيرًا لطرقاته بعد مقاومة طويلة.
سأل أحد المجندين: “أي شيء يمكن نقله؟”
“لم تنم؟” سأله أورِن.
“في البداية، أشياء صغيرة وخفيفة وقريبة منكم. لا تفكروا الآن في أبعد من ذلك.” كانت نبرته حاسمة، تغلق الباب أمام أي سؤال يتجاوز هذا الحد. “لن أجيب عن أسئلة تخص ما هو ممكن لاحقًا. الآن، فقط جربوا.”
“مجموعة التحول، نحو الساحة الخلفية!”
وزّع مارك على كل مجند قطعة نقدية مشابهة، ووضع أمامهم حجرًا مسطحًا آخر على بعد نصف ذراع تقريبًا.
اليوم سيبدأ التدريب على المسار.
“التحول،” قالت بصوت جاف لا يحتمل الأسئلة الزائدة، “يعني تغيير طبيعة شيء ما، جزئيًا وبشكل محدود جدًا في البداية. لن تحوّلوا حجرًا إلى ذهب، ولن تحوّلوا خشبًا إلى حديد. في هذه المرحلة، أقصى ما يمكن أن تفعلوه هو تغيير بسيط جدًا في خاصية واحدة من خصائص الشيء: لونه، ملمسه، صلابته، شيء من هذا النوع.”
“المطلوب بسيط: انقلوا القطعة من الحجر الأول إلى الحجر الثاني، دون أن تلمسوها. هذا كل شيء.”
على بعد مسافة من ساحة السرقة، كانت مجموعة التحول تتدرب في ساحة خلفية أوسع قليلًا، محاطة بأكوام من الحجارة الصغيرة والقطع الخشبية المتفرقة. وقفت المجموعة، ومن بينها دارِن، أمام مدربة قصيرة القامة، بشعر رمادي مربوط بإحكام، تحمل عصا رفيعة تستخدمها للإشارة أكثر مما تستخدمها للضرب.
جلس أورِن أمام قطعته النحاسية، ينظر إليها كما لو أن النظر وحده كفيل بأن يحرّكها. حاول أن يتذكر كلمة “سرقة” وما تعنيه، حاول أن يستحضر شعورًا، رغبة، أي شيء يشبه ما توقعه من فعل سحري. لم يحدث شيء. بقيت القطعة في مكانها، لامعة وبلا حراك، كأنها تسخر من محاولته الصامتة.
“يبدو إنجازًا ضخمًا مقارنة بي.” ضحك سيلِن. “أنا فقط شعرت بشيء يشبه الاهتزاز مرة واحدة، ولا أعرف حتى إن كان حقيقيًا أو أنني تخيلته.”
نظر حوله، فوجد أغلب المجندين في الحال نفسها؛ وجوه مركزة، عيون محدقة، وأيدٍ ثابتة على الركب دون أن تتحرك القطع أمامهم قيد أنملة. واحد منهم فقط، شاب نحيل يجلس في الطرف البعيد، بدا وكأن قطعته اهتزت قليلًا قبل أن تسقط عن الحجر بدل أن تنتقل إلى الحجر الآخر.
“جيد،” قال مارك وهو يمر من جانبه. “الآن تعرف كيف تبدأ. المسافة والدقة ستأتيان بالممارسة.”
“كيف كان يومك؟” سأل سيلِن أورِن.
مرّ مارك بينهم، متوقفًا عند كل واحد للحظة، دون أن يشرح كثيرًا.
حين وصل إلى أورِن، قال بصوت هادئ: “أنت تحاول أن تريدها أن تتحرك. هذا لا يكفي.”
“وما الذي يكفي؟”
لم تمدحه أكثر من ذلك، ولم توضح شيئًا إضافيًا، لكن دارِن شعر بشيء أشبه بالرضا الهادئ، ذلك النوع من الرضا الذي يعرفه جيدًا حين يرى معدنًا يستجيب أخيرًا لطرقاته بعد مقاومة طويلة.
عاد الثلاثة إلى الخيمة عند المساء، متعبين بطريقة لم يعتادوها من قبل، تعب لا علاقة له بالعضلات بقدر ما له علاقة بشيء أعمق، وكأن أجسادهم استُنزفت من مكان لا يمكن تحديده بدقة.
“لا أستطيع أن أخبرك بكلمات. لكن جرب أن تركز على القطعة نفسها، لا على النتيجة التي تريدها.”
لم تمدحه أكثر من ذلك، ولم توضح شيئًا إضافيًا، لكن دارِن شعر بشيء أشبه بالرضا الهادئ، ذلك النوع من الرضا الذي يعرفه جيدًا حين يرى معدنًا يستجيب أخيرًا لطرقاته بعد مقاومة طويلة.
“أحاول أن أفهمها قبل أن أطلب منها أن تتغير.” أجاب دارِن دون أن يرفع عينيه.
لم يفهم أورِن الفرق تمامًا، لكنه حاول. أغلق عينيه للحظة، ثم فتحهما، ونظر إلى القطعة النحاسية بتمعن أكبر، محاولًا أن يرى تفاصيلها الصغيرة: الخدش على حافتها، اللمعان الخفيف عند مركزها، الطريقة التي يسقط بها الضوء عليها. لم يفكر في نقلها، بل حاول فقط أن يعرف كل شيء عنها في تلك اللحظة.
كانت حركة بسيطة جدًا، بالكاد تُذكر، انزلاق طفيف نحو الأمام بمقدار إصبع واحد تقريبًا، لكنه كافٍ ليشعر أورِن بشيء يشبه الصدمة الخفيفة. رفع نظره فورًا، متأكدًا للحظة أنه تخيّل الأمر، لكن القطعة كانت قد تحركت فعلًا من مكانها الأصلي.
شعر بشيء غريب، خفيف جدًا، أشبه بوخزة بعيدة في مكان لا يستطيع تحديده بدقة، لا في يده ولا في رأسه، بل في مكان ما بينهما. ثم لا شيء. بقيت القطعة كما هي.
“لا أعرف.” ضحك سيلِن بصوت خافت. “هذا ما يقلقني، أنني لا أعرف حتى ما الذي يجب أن أخاف منه.”
“حاول مرة أخرى،” قال مارك دون أن ينتظر رد فعل أورِن، ثم انتقل إلى المجند التالي.
“وما الذي يكفي؟”
استمر التمرين لساعة تقريبًا، تتخللها محاولات فاشلة أكثر مما يُحصى. سقطت بعض القطع عن حجارتها. تحرّكت أخرى قليلًا في الاتجاه الخاطئ. واحد من المجندين، رجل ضخم البنية بدا أقرب إلى مصارع منه إلى ساحر، أمسك بقطعته أخيرًا من فرط الإحباط وحاول رميها بيده نحو الحجر الثاني، فصاح به مارك دون أن يرفع صوته كثيرًا: “لن يفيدك هذا. ضعها في مكانها وابدأ من جديد.”
في محاولته الرابعة أو الخامسة، شعر أورِن بالوخزة نفسها التي شعر بها سابقًا، لكن هذه المرة أطول قليلًا، وكأن شيئًا في داخله يمتد نحو القطعة النحاسية دون أن يعرف كيف يصفه. حاول ألا يفكر في الأمر بشكل مباشر، بل واصل التركيز على القطعة كما فعل سابقًا، محاولًا أن يستحضر ذلك الشعور نفسه دون أن يجبره.
“مجموعة الربط، إلى الجهة الشرقية!”
لم يفهم أورِن الفرق تمامًا، لكنه حاول. أغلق عينيه للحظة، ثم فتحهما، ونظر إلى القطعة النحاسية بتمعن أكبر، محاولًا أن يرى تفاصيلها الصغيرة: الخدش على حافتها، اللمعان الخفيف عند مركزها، الطريقة التي يسقط بها الضوء عليها. لم يفكر في نقلها، بل حاول فقط أن يعرف كل شيء عنها في تلك اللحظة.
تحركت القطعة.
جلس أورِن ينظر إلى القطعة أمامه، يشعر بتعب خفيف لم يعتده من قبل، ليس في عضلاته، بل في مكان أعمق من ذلك، أشبه بتعب يعقب تركيزًا طويلًا على شيء دقيق. فكّر أن هذا ربما هو الثمن الذي يتحدث عنه الناس حين يتكلمون عن السحر في الحكايات، لكنه لم يتوسع في التفكير أكثر من ذلك. كان عليه أن يجرب مرة أخرى.
كانت حركة بسيطة جدًا، بالكاد تُذكر، انزلاق طفيف نحو الأمام بمقدار إصبع واحد تقريبًا، لكنه كافٍ ليشعر أورِن بشيء يشبه الصدمة الخفيفة. رفع نظره فورًا، متأكدًا للحظة أنه تخيّل الأمر، لكن القطعة كانت قد تحركت فعلًا من مكانها الأصلي.
مرت المدربة، ألقت نظرة سريعة، وقالت: “بداية غير سيئة. استمر.”
بدأ سيلِن، كعادته، بسلسلة من الأسئلة قبل أن يجرب: “هل يجب أن يكون الحجران من النوع نفسه؟ هل تؤثر المسافة بينهما؟ وإذا كسرت أحدهما بعد الربط، ماذا يحدث للآخر؟”
“مرة أخرى،” قال مارك، الذي كان قد لاحظ الحركة من مكانه، دون أن يبدي أي انطباع خاص. “لا تتوقف عند نجاح صغير. كرره.”
“مجموعة السرقة، هنا، خلفي!”
حاول أورِن أن يستعيد الشعور نفسه، وبعد محاولتين فاشلتين، نجح في تحريك القطعة مرة أخرى، هذه المرة بمسافة أكبر قليلًا، لكنها لم تصل بعد إلى الحجر الثاني.
“ماذا لو ماذا؟”
“التحول،” قالت بصوت جاف لا يحتمل الأسئلة الزائدة، “يعني تغيير طبيعة شيء ما، جزئيًا وبشكل محدود جدًا في البداية. لن تحوّلوا حجرًا إلى ذهب، ولن تحوّلوا خشبًا إلى حديد. في هذه المرحلة، أقصى ما يمكن أن تفعلوه هو تغيير بسيط جدًا في خاصية واحدة من خصائص الشيء: لونه، ملمسه، صلابته، شيء من هذا النوع.”
“جيد،” قال مارك وهو يمر من جانبه. “الآن تعرف كيف تبدأ. المسافة والدقة ستأتيان بالممارسة.”
بحلول نهاية التمرين، لم يكن قد نجح في الربط الكامل بين الحجرين، لكنه شعر مرة واحدة بأن أحدهما “استجاب” بشكل طفيف حين حرّك الآخر، اهتزازة خفيفة جدًا لم يكن متأكدًا تمامًا من أنها حقيقية، لكنها كانت كافية لتجعله يبتسم بثقة أكبر من التي بدأ بها الصباح.
نظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم أخرج من جيبه قطعة نقدية نحاسية صغيرة ووضعها على حجر مسطح أمامه.
لم يشرح أكثر من ذلك، ولم يفسر لماذا نجحت المحاولة هذه المرة بينما فشلت المحاولات السابقة. ترك أورِن يواصل تجربته، وانتقل إلى مجند آخر يحتاج إلى تصحيح.
“غريب.” فكّر أورِن قليلًا قبل أن يتابع. “حرّكت قطعة نقدية بضعة أصابع عن مكانها. هذا كل ما فعلته طوال اليوم تقريبًا.”
جلس أورِن ينظر إلى القطعة أمامه، يشعر بتعب خفيف لم يعتده من قبل، ليس في عضلاته، بل في مكان أعمق من ذلك، أشبه بتعب يعقب تركيزًا طويلًا على شيء دقيق. فكّر أن هذا ربما هو الثمن الذي يتحدث عنه الناس حين يتكلمون عن السحر في الحكايات، لكنه لم يتوسع في التفكير أكثر من ذلك. كان عليه أن يجرب مرة أخرى.
أعطى كل مجند حجرين صغيرين متطابقين تقريبًا في الحجم.
على بعد مسافة من ساحة السرقة، كانت مجموعة التحول تتدرب في ساحة خلفية أوسع قليلًا، محاطة بأكوام من الحجارة الصغيرة والقطع الخشبية المتفرقة. وقفت المجموعة، ومن بينها دارِن، أمام مدربة قصيرة القامة، بشعر رمادي مربوط بإحكام، تحمل عصا رفيعة تستخدمها للإشارة أكثر مما تستخدمها للضرب.
جلس أورِن ينظر إلى القطعة أمامه، يشعر بتعب خفيف لم يعتده من قبل، ليس في عضلاته، بل في مكان أعمق من ذلك، أشبه بتعب يعقب تركيزًا طويلًا على شيء دقيق. فكّر أن هذا ربما هو الثمن الذي يتحدث عنه الناس حين يتكلمون عن السحر في الحكايات، لكنه لم يتوسع في التفكير أكثر من ذلك. كان عليه أن يجرب مرة أخرى.
وزّعت على كل مجند قطعة خشب صغيرة مسطحة.
“التحول،” قالت بصوت جاف لا يحتمل الأسئلة الزائدة، “يعني تغيير طبيعة شيء ما، جزئيًا وبشكل محدود جدًا في البداية. لن تحوّلوا حجرًا إلى ذهب، ولن تحوّلوا خشبًا إلى حديد. في هذه المرحلة، أقصى ما يمكن أن تفعلوه هو تغيير بسيط جدًا في خاصية واحدة من خصائص الشيء: لونه، ملمسه، صلابته، شيء من هذا النوع.”
وزّعت على كل مجند قطعة خشب صغيرة مسطحة.
سأل أحد المجندين: “أي شيء يمكن نقله؟”
“المطلوب: غيّروا لون هذه القطعة، ولو بدرجة بسيطة. هذا كل شيء.”
“في البداية، أشياء صغيرة وخفيفة وقريبة منكم. لا تفكروا الآن في أبعد من ذلك.” كانت نبرته حاسمة، تغلق الباب أمام أي سؤال يتجاوز هذا الحد. “لن أجيب عن أسئلة تخص ما هو ممكن لاحقًا. الآن، فقط جربوا.”
أمسك دارِن قطعة الخشب بين أصابعه، يتفحصها بعناية كما لو كان يفحص قطعة معدن قبل أن يضعها في الفرن. لم يحاول فورًا أن “يريد” شيئًا كما فعل بعض من حوله، بل قلّبها بين أصابعه، يشعر بنسيج الخشب، بحبيباته الدقيقة، بالطريقة التي تتغير بها كثافته من طرف إلى آخر.
أجاب المعلّم بصبر، دون أن يبدي ضيقًا: “التشابه يساعد في البداية، نعم. المسافة تؤثر، لكن ليس بالقدر الذي تتخيله الآن. أما ما يحدث عند الكسر، فهذا سؤال لتجربة أخرى، ليس اليوم.”
“ماذا تفعل؟” سأله مجند بجانبه، لاحظ أنه لم يبدأ بعد.
“ماذا تفعل؟” سأله مجند بجانبه، لاحظ أنه لم يبدأ بعد.
نظر حوله، فوجد أغلب المجندين في الحال نفسها؛ وجوه مركزة، عيون محدقة، وأيدٍ ثابتة على الركب دون أن تتحرك القطع أمامهم قيد أنملة. واحد منهم فقط، شاب نحيل يجلس في الطرف البعيد، بدا وكأن قطعته اهتزت قليلًا قبل أن تسقط عن الحجر بدل أن تنتقل إلى الحجر الآخر.
“أحاول أن أفهمها قبل أن أطلب منها أن تتغير.” أجاب دارِن دون أن يرفع عينيه.
حين وصل إلى أورِن، قال بصوت هادئ: “أنت تحاول أن تريدها أن تتحرك. هذا لا يكفي.”
استغرق الأمر منه وقتًا أطول من أغلب من حوله قبل أن يشعر بأي شيء، لكن حين شعر أخيرًا بتلك الوخزة الخفيفة في عمق تركيزه والتي بدت له كبداية اتصال حقيقي مع خامات الخشب وجد نفسه يركّز، لا على أن يجبر الخشب على التغير، بل على تفاصيله كما هي، محاولًا أن يفهم أين يمكن أن يتحول لونه دون أن يفقد طبيعته.
بعد عدة محاولات، لاحظ ظلًا خفيفًا جدًا يتسلل إلى حافة القطعة، بالكاد يميّزه العين المجردة، لكنه كان تغيرًا حقيقيًا مع ذلك.
مرت المدربة، ألقت نظرة سريعة، وقالت: “بداية غير سيئة. استمر.”
“مرة أخرى،” قال مارك، الذي كان قد لاحظ الحركة من مكانه، دون أن يبدي أي انطباع خاص. “لا تتوقف عند نجاح صغير. كرره.”
بدأ سيلِن، كعادته، بسلسلة من الأسئلة قبل أن يجرب: “هل يجب أن يكون الحجران من النوع نفسه؟ هل تؤثر المسافة بينهما؟ وإذا كسرت أحدهما بعد الربط، ماذا يحدث للآخر؟”
لم تمدحه أكثر من ذلك، ولم توضح شيئًا إضافيًا، لكن دارِن شعر بشيء أشبه بالرضا الهادئ، ذلك النوع من الرضا الذي يعرفه جيدًا حين يرى معدنًا يستجيب أخيرًا لطرقاته بعد مقاومة طويلة.
انقسم الثلاثة دون أن يقولوا شيئًا يستحق الذكر، فقط نظرة سريعة بينهم، ثم سار كل واحد في اتجاهه.
في الجهة الشرقية من المعسكر، كانت مجموعة الربط أصغر عددًا من المجموعتين الأخريين، تتدرب في ظل شجرة وحيدة كبيرة، بعيدًا عن الضجيج. وقف أمامهم رجل عجوز، أقرب إلى معلم قرية منه إلى ضابط، يتحدث بصوت هادئ لا يرتفع أبدًا مهما كثرت الأسئلة.
“الربط هو خلق صلة بين شيئين،” قال. “ليست صلة تخيلية أو معنوية، بل صلة حقيقية، بحيث ما يحدث لأحدهما ينعكس، بشكل بسيط جدًا في البداية، على الآخر.”
نظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم أخرج من جيبه قطعة نقدية نحاسية صغيرة ووضعها على حجر مسطح أمامه.
عاد الثلاثة إلى الخيمة عند المساء، متعبين بطريقة لم يعتادوها من قبل، تعب لا علاقة له بالعضلات بقدر ما له علاقة بشيء أعمق، وكأن أجسادهم استُنزفت من مكان لا يمكن تحديده بدقة.
أعطى كل مجند حجرين صغيرين متطابقين تقريبًا في الحجم.
“حاولوا أن تربطوا بينهما، بحيث لو حرّكتم أحدهما قليلًا، يتحرك الآخر بالقدر نفسه تقريبًا. لن ينجح الأمر من أول محاولة، وربما لن ينجح اليوم على الإطلاق. هذا طبيعي.”
استمر التمرين لساعة تقريبًا، تتخللها محاولات فاشلة أكثر مما يُحصى. سقطت بعض القطع عن حجارتها. تحرّكت أخرى قليلًا في الاتجاه الخاطئ. واحد من المجندين، رجل ضخم البنية بدا أقرب إلى مصارع منه إلى ساحر، أمسك بقطعته أخيرًا من فرط الإحباط وحاول رميها بيده نحو الحجر الثاني، فصاح به مارك دون أن يرفع صوته كثيرًا: “لن يفيدك هذا. ضعها في مكانها وابدأ من جديد.”
بدأ سيلِن، كعادته، بسلسلة من الأسئلة قبل أن يجرب: “هل يجب أن يكون الحجران من النوع نفسه؟ هل تؤثر المسافة بينهما؟ وإذا كسرت أحدهما بعد الربط، ماذا يحدث للآخر؟”
بحلول نهاية التمرين، لم يكن قد نجح في الربط الكامل بين الحجرين، لكنه شعر مرة واحدة بأن أحدهما “استجاب” بشكل طفيف حين حرّك الآخر، اهتزازة خفيفة جدًا لم يكن متأكدًا تمامًا من أنها حقيقية، لكنها كانت كافية لتجعله يبتسم بثقة أكبر من التي بدأ بها الصباح.
أجاب المعلّم بصبر، دون أن يبدي ضيقًا: “التشابه يساعد في البداية، نعم. المسافة تؤثر، لكن ليس بالقدر الذي تتخيله الآن. أما ما يحدث عند الكسر، فهذا سؤال لتجربة أخرى، ليس اليوم.”
هز سيلِن رأسه، غير مقتنع تمامًا لكنه بدأ التجربة مع ذلك. أمسك بالحجرين، أحدهما في كل يد، وحاول أن يشعر بينهما بشيء، أي شيء يشبه الخيط الذي وصفه المعلم بكلمات مبسطة قبل قليل.
لم يحدث شيء لوقت طويل، وبدا الإحباط يتسلل إلى وجهه أكثر من مرة، لكنه، خلافًا لعادته، ظل صامتًا أثناء المحاولة، وكأن الكلام نفسه كان يشتته عن التركيز. حين حاول أخيرًا أن يتحدث إلى المعلم بصوت أهدأ من المعتاد، سائلًا عن تفصيل صغير في طريقة الإمساك بالحجرين، حصل على إجابة مقتضبة ساعدته أكثر من كل محاولاته السابقة مجتمعة.
أعطى كل مجند حجرين صغيرين متطابقين تقريبًا في الحجم.
بحلول نهاية التمرين، لم يكن قد نجح في الربط الكامل بين الحجرين، لكنه شعر مرة واحدة بأن أحدهما “استجاب” بشكل طفيف حين حرّك الآخر، اهتزازة خفيفة جدًا لم يكن متأكدًا تمامًا من أنها حقيقية، لكنها كانت كافية لتجعله يبتسم بثقة أكبر من التي بدأ بها الصباح.
حين خرج من الخيمة، وجد سيلِن يجلس على صندوق خشبي قرب المدخل، يربط حذاءه بتركيز غير معتاد منه.
عاد الثلاثة إلى الخيمة عند المساء، متعبين بطريقة لم يعتادوها من قبل، تعب لا علاقة له بالعضلات بقدر ما له علاقة بشيء أعمق، وكأن أجسادهم استُنزفت من مكان لا يمكن تحديده بدقة.
لم يشرح أكثر من ذلك، ولم يفسر لماذا نجحت المحاولة هذه المرة بينما فشلت المحاولات السابقة. ترك أورِن يواصل تجربته، وانتقل إلى مجند آخر يحتاج إلى تصحيح.
جلسوا خارج الخيمة، على المقاعد الخشبية المعتادة، ينظرون إلى نار صغيرة أوقدها بعض المجندين قريبًا منهم.
“كأننا جميعًا حققنا أشياء صغيرة جدًا،” قال سيلِن، “لكنها تبدو أكبر مما هي عليه لأننا لم نكن نتوقع أي شيء أصلًا.”
“مرة أخرى،” قال مارك، الذي كان قد لاحظ الحركة من مكانه، دون أن يبدي أي انطباع خاص. “لا تتوقف عند نجاح صغير. كرره.”
“كيف كان يومك؟” سأل سيلِن أورِن.
“التحول،” قالت بصوت جاف لا يحتمل الأسئلة الزائدة، “يعني تغيير طبيعة شيء ما، جزئيًا وبشكل محدود جدًا في البداية. لن تحوّلوا حجرًا إلى ذهب، ولن تحوّلوا خشبًا إلى حديد. في هذه المرحلة، أقصى ما يمكن أن تفعلوه هو تغيير بسيط جدًا في خاصية واحدة من خصائص الشيء: لونه، ملمسه، صلابته، شيء من هذا النوع.”
“غريب.” فكّر أورِن قليلًا قبل أن يتابع. “حرّكت قطعة نقدية بضعة أصابع عن مكانها. هذا كل ما فعلته طوال اليوم تقريبًا.”
أعطى كل مجند حجرين صغيرين متطابقين تقريبًا في الحجم.
“يبدو إنجازًا ضخمًا مقارنة بي.” ضحك سيلِن. “أنا فقط شعرت بشيء يشبه الاهتزاز مرة واحدة، ولا أعرف حتى إن كان حقيقيًا أو أنني تخيلته.”
انقسم الثلاثة دون أن يقولوا شيئًا يستحق الذكر، فقط نظرة سريعة بينهم، ثم سار كل واحد في اتجاهه.
“وأنت؟” سأل أورِن دارِن.
“غيّرت لون قطعة خشب قليلًا.” قال دارِن بهدوئه المعتاد. “ظل غامق قليلًا عند إحدى الحواف. لا شيء أكثر من ذلك.”
“أنا مارك،” قال دون مقدمات. “سأدربكم على أساسيات مسار السرقة. لن أشرح لكم فلسفة المسار أو تاريخه، لأن هذا لن يفيدكم في شيء الآن. ما يفيدكم هو أن تفهموا كيف تبدأون.”
وما إن أنهوا فطورهم تجمّع المجندون في الساحة الرئيسية بعد الفطور، وسط ضجيج معتاد من أصوات الأحذية على الحصى وصياح الضباط الصغار الذين ينظمون الصفوف. لكن هذه المرة، بدل أن يُقسَّموا إلى مجموعات حسب الفرقة أو الرتبة، نودي عليهم بحسب المسار الذي اختاروه بالأمس.
“كأننا جميعًا حققنا أشياء صغيرة جدًا،” قال سيلِن، “لكنها تبدو أكبر مما هي عليه لأننا لم نكن نتوقع أي شيء أصلًا.”
استغرق الأمر منه وقتًا أطول من أغلب من حوله قبل أن يشعر بأي شيء، لكن حين شعر أخيرًا بتلك الوخزة الخفيفة في عمق تركيزه والتي بدت له كبداية اتصال حقيقي مع خامات الخشب وجد نفسه يركّز، لا على أن يجبر الخشب على التغير، بل على تفاصيله كما هي، محاولًا أن يفهم أين يمكن أن يتحول لونه دون أن يفقد طبيعته.
لم يعلّق أورِن على ذلك مباشرة، بل نظر إلى النار أمامه، يفكر في القطعة النحاسية التي تحركت بضعة أصابع عن مكانها، وفي تلك الوخزة الخفيفة التي رافقت الحركة، محاولًا أن يفهم شيئًا لم يكن يملك بعد الكلمات الكافية لوصفه.
لم يكن يعرف إلى أين سيقوده هذا المسار. لم يكن يعرف حدوده، ولا حقيقة ما يمكن أن يفعله يومًا ما بهذه القدرة التي بدأت للتو تتشكل بين أصابعه. كل ما عرفه في تلك اللحظة أن شيئًا في داخله قد تغيّر قليلًا اليوم، بمقدار بسيط جدًا، أشبه بانزلاق قطعة نقدية بضعة أصابع عن مكانها، لكنه تغيّر حقيقي مع ذلك.
وما إن أنهوا فطورهم تجمّع المجندون في الساحة الرئيسية بعد الفطور، وسط ضجيج معتاد من أصوات الأحذية على الحصى وصياح الضباط الصغار الذين ينظمون الصفوف. لكن هذه المرة، بدل أن يُقسَّموا إلى مجموعات حسب الفرقة أو الرتبة، نودي عليهم بحسب المسار الذي اختاروه بالأمس.
أطفأ أحد المجندين الآخرين النار قبل موعد النوم، وسار الثلاثة نحو خيامهم دون أن يقولوا الكثير، متعبين بما يكفي ليتركوا بقية الأسئلة لليوم التالي.
جلس أورِن ينظر إلى القطعة أمامه، يشعر بتعب خفيف لم يعتده من قبل، ليس في عضلاته، بل في مكان أعمق من ذلك، أشبه بتعب يعقب تركيزًا طويلًا على شيء دقيق. فكّر أن هذا ربما هو الثمن الذي يتحدث عنه الناس حين يتكلمون عن السحر في الحكايات، لكنه لم يتوسع في التفكير أكثر من ذلك. كان عليه أن يجرب مرة أخرى.
