Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 18

أخت الجندي
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

أخت الجندي

استيقظ أورِن على رائحة الخبز.

«رجل جاء إلى القرية. لم أره بنفسي في البداية، لكن الجميع تحدث عنه.» توقفت، كأنها تبحث عن الطريقة الصحيحة لتصف ما سمعته. «يلبس ثيابًا لم أرَ مثلها من قبل. ليست ثياب جنود، ولا ثياب تجار. أفخم من ذلك بكثير. وحوله رجال مسلحون، ليسوا من جيشنا، لهم زيّ آخر.»

 

بعد الفطور، خرج ليمشي في القرية قبل أن يتوجه إلى الأرشيف. أراد أن يرى الأماكن بعينيه، لا أن يسمع عنها فقط.

لم يكن قد اعتاد على هذه الرائحة في الأسبوعين الأخيرين، وكاد للحظة أن يظن نفسه ما زال في المعسكر، حيث تُوزَّع الوجبات بصمت وسرعة، ولا أحد يهتم إن كانت ساخنة أو باردة. فتح عينيه على سقف غرفته القديم، بخشبه الذي يعرف كل عقدة فيه، وسمع صوت أواني تتحرك في الغرفة المجاورة.

أدرك أورِن، وهو ما زال جاثيًا على ركبة واحدة في التراب، أنه لا يعرف قواعد هذا الموقف. لا يعرف من هذا الرجل، ولا أي قانون يمنحه هذا الحق، ولا لماذا يقف الجميع من حوله صامتين وكأن الاعتراض نفسه خطأ. كل ما يعرفه أنه لو تقدم خطوة أخرى، فقد لا يكون هو من يدفع الثمن وحده.

 

عندها فقط لمع في عيني الرجل شيء أقرب إلى الفضول منه إلى الغضب، كأنه يعيد النظر إلى أورِن من جديد، لا كعائق، بل كشيء غريب صادفه للتو.

نهض ببطء، لا لأنه متعب، بل لأن جسده ما زال يحمل عادة الحذر التي علّمه إياها الأسبوع الأول في الجبهة؛ أن يتحرك دون ضجيج، أن يستمع قبل أن يخطو. حين وصل إلى المطبخ الصغير وجد مارِن واقفة أمام الموقد، شعرها معقود بعجلة، وكمّاها مرفوعان.

سمع أورِن، أو ظن أنه سمع، صوت الرجل ذي المعطف من مسافة أبعد قليلًا، هادئًا كصوته دائمًا، يسأل شيئًا لم يفهمه بوضوح.

 

لم يُجب. أشار بيده إشارة صغيرة، فتحرك اثنان من الحراس نحو أورِن.

«ظننتُ أنك ستنامين حتى الظهر بعد كل ذلك التعب من استقبالي بالأمس،» قال وهو يجلس.

 

 

سأل آخر، فأجاب بأنه لا يعرف شيئًا، وبدا وكأنه لا يريد أن يعرف.

«وأنا ظننتُ أنك ستتعلم في الجيش كيف تمشي دون أن يسمعك أحد،» ردت دون أن تلتفت. «سمعتك من الباب.»

 

 

هزّ رأسه، يتذكر بالكاد وجهًا صغيرًا خلف سلة زهور.

وضعت أمامه طبقًا فيه خبز ساخن، وبيضًا مقليًا بقطع صغيرة من اللحم المملّح، وقطعة جبن قطعتها بعناية أكبر من المعتاد. إلى جانب الطبق، كوب من شراب دافئ تفوح منه رائحة الأعشاب التي كانت أمهما تجففها كل خريف.

شعر بشيء مألوف يتحرك في صدره، ذلك الثقل نفسه الذي عرفه حين رأى توفِن يسقط أمامه على الطريق، ذلك اليقين البارد بأن الأمور خرجت عن قدرته على تغييرها. لم يكن الأمر نفسه تمامًا، لكنه شعر بصداه.

 

 

«هذا كثير عليّ يا مارِن.»

 

 

 

«هذا عادي. أنت من أصبح يأكل قليلًا.» جلست أمامه وأشارت بذقنها إلى الطبق. «كل. ثم أخبرني كيف يطعمونكم هناك، لأنني متأكدة أنه لا يشبه هذا.»

«لا أعرف يا أورِن.» قالت ذلك بنبرة فيها شيء من الانزعاج من نفسها، كأنها تكره ألا تملك إجابة. «الناس فقط… يتصرفون وكأن هذا أمر لا يمكن فعل شيء حياله.»

 

«هذا عادي. أنت من أصبح يأكل قليلًا.» جلست أمامه وأشارت بذقنها إلى الطبق. «كل. ثم أخبرني كيف يطعمونكم هناك، لأنني متأكدة أنه لا يشبه هذا.»

ابتسم رغمًا عنه. «يشبهه من بعيد. خبز أصلب، وحساء لا طعم له في أغلب الأيام.»

حاول النهوض مرة ثالثة، ويده تلامس التراب، حين أمسك به رجل كبير من أهل القرية، عرفه أورِن كأحد جيران كورِن القدامى، وهمس له بصوت حاد:

 

سمع أورِن، أو ظن أنه سمع، صوت الرجل ذي المعطف من مسافة أبعد قليلًا، هادئًا كصوته دائمًا، يسأل شيئًا لم يفهمه بوضوح.

«إذن فأنت محظوظ بأختٍ مثلي.»

 

 

«ولماذا لم يوقفه أحد؟»

أكل بصمت لدقائق، يستعيد طعم الأشياء البسيطة التي نسيها دون أن يدرك أنه نساها؛ ملح الجبن، دفء الخبز الطازج بين أصابعه، صوت الملعقة على الطبق الفخاري. مارِن راقبته وهي تشرب من كوبها، ثم بدأت تتحدث عن أخبار القرية كما تفعل دائمًا حين يعود، وكأنها تعوّضه عن كل يوم غاب فيه.

 

 

هزّ رأسه، يتذكر بالكاد وجهًا صغيرًا خلف سلة زهور.

أخبرته أن سقف بيت العجوز حِلدين انهار جزئيًا في العاصفة الأخيرة، وأن ابن الخياط تزوج أخيرًا بعد سنتين من التردد، وأن القطيع الذي يملكه آل بيرِن أنجب هذا الموسم عددًا غير معتاد من الصغار. كان أورِن يستمع بابتسامة هادئة، يستعيد الأسماء والوجوه واحدًا تلو الآخر، حتى توقفت مارِن فجأة عن الحديث، وأمسكت كوبها بكلتا يديها، ونظرت إليه بطريقة مختلفة قليلًا.

 

 

 

«هل تعرف شيئًا غريبًا حدث هنا اخر أسبوعين؟»

 

 

 

«ماذا؟»

استقبله اثنان من الموظفين بترحاب صادق، أحدهما ربّت على كتفه وسأله كيف كانت الجبهة، والآخر أراد أن يعرف إن كان قد رأى قتالًا حقيقيًا أو مجرد حراسة طرق. أجابهما بجمل قصيرة، لا يريد أن يتحدث كثيرًا عن الأمر، ووجد راحة غريبة في رائحة الورق القديم والغبار التي ملأت المكان؛ رائحة يعرفها منذ الطفولة تقريبًا.

 

 

«رجل جاء إلى القرية. لم أره بنفسي في البداية، لكن الجميع تحدث عنه.» توقفت، كأنها تبحث عن الطريقة الصحيحة لتصف ما سمعته. «يلبس ثيابًا لم أرَ مثلها من قبل. ليست ثياب جنود، ولا ثياب تجار. أفخم من ذلك بكثير. وحوله رجال مسلحون، ليسوا من جيشنا، لهم زيّ آخر.»

نظر المشرف إليه نظرة أخرى، ثم قال، وكأنه يواصل حديثًا لم يبدأه: «سمعنا هنا عن بعض العمليات في تلك المنطقة. عمليات انسحاب صعبة. كان هناك من…» توقف فجأة، وكأن الجملة تجاوزت الحد الذي أراد الوصول إليه. «كان هناك من قال إن الأمر كان صعبًا، هذا كل ما أعنيه.»

 

لم يرد الرجل ذو المعطف. كان ينظر إلى المشهد بهدوء من يراقب أمرًا اعتياديًا، ثم أشار بإصبعه للحارس أن يواصل.

«تاجر كبير؟»

 

 

هذه الكلمة الوحيدة استقرت في صدره أثقل مما توقع. لو كانت تعرف، لشعر بشيء من الاطمئنان، حتى لو كانت المعرفة سيئة. لكن ألا تعرف، هي التي تعرف كل شيء عن القرية، جعله يدرك أن هذا الرجل ليس جزءًا من عالمهما، بل قادمًا من مكان لا يعرفانه أصلًا.

«لا أعتقد. سمعتُ أنه دخل حانة سيمون، وحدث خلاف بينهما على شيء لا أعرفه، فضربه أمام الجميع.» قالت ذلك بصوت أهدأ، كأنها لا تزال تحاول أن تصدق ما تنقله. «ثم أخذه معه. سيمون. صاحب الحانة نفسه، يا أورِن. لم يعد أحد رآه منذ ذلك اليوم.»

 

 

هزّ الموظف كتفيه. «سمعتُ أنه من جهة أعلى. لا أعرف أكثر من ذلك.»

وضع أورِن قطعة الخبز التي كان يحملها. «ضربه ثم أخذه؟ ولم يوقفه أحد؟»

 

 

 

«لا أعرف. الناس يتحدثون بصوت منخفض عن الأمر، وكأنهم يخافون. كأنه شيء لا يُناقَش بصوت عالٍ.» شربت رشفة أخرى، ثم أضافت بصوت أهدأ حتى من سابقه: «وهناك شيء آخر. تذكر الفتاة التي كانت تبيع الزهور عند السوق؟ تلك التي لها ضفيرتان دائمًا؟»

«هذه شأني،» قال بهدوء، وكأنه يوضح أمرًا بديهيًا لطفل.

 

 

هزّ رأسه، يتذكر بالكاد وجهًا صغيرًا خلف سلة زهور.

أدرك أورِن، وهو ما زال جاثيًا على ركبة واحدة في التراب، أنه لا يعرف قواعد هذا الموقف. لا يعرف من هذا الرجل، ولا أي قانون يمنحه هذا الحق، ولا لماذا يقف الجميع من حوله صامتين وكأن الاعتراض نفسه خطأ. كل ما يعرفه أنه لو تقدم خطوة أخرى، فقد لا يكون هو من يدفع الثمن وحده.

 

 

«اختفت. بعد يومين من ظهور ذلك الرجل. قال بعضهم إنهم رأوها تُؤخذ… مقيدة من رقبتها.» نطقت الجملة الأخيرة بسرعة، كأنها تريد أن تتخلص منها من فمها بأسرع ما يمكن.

لم يفكر كثيرًا. مشى نحو الصوت بخطى سريعة، عبر الأزقة الضيقة بين البيوت، حتى وصل إلى الشارع الذي يقع فيه متجر كورِن.

 

«من يكون هذا الرجل؟» سأل أخيرًا.

ساد صمت قصير بينهما. سمع أورِن صوت النار في الموقد أعلى مما كان قبل قليل.

 

 

التفت الرجال إليه. الرجل ذو المعطف نظر إليه للمرة الأولى، بعينين هادئتين لا يشوبهما غضب ولا استغراب حقيقي، بل شيء أقرب إلى ملاحظة عابرة.

«من يكون هذا الرجل؟» سأل أخيرًا.

 

 

استيقظ أورِن على رائحة الخبز.

«لا أعرف.»

 

 

 

«ولماذا لم يوقفه أحد؟»

 

 

 

«لا أعرف يا أورِن.» قالت ذلك بنبرة فيها شيء من الانزعاج من نفسها، كأنها تكره ألا تملك إجابة. «الناس فقط… يتصرفون وكأن هذا أمر لا يمكن فعل شيء حياله.»

«ظننتُ أنك ستنامين حتى الظهر بعد كل ذلك التعب من استقبالي بالأمس،» قال وهو يجلس.

 

 

لم يجب. أكمل فطوره وهو يفكر، لا باستنتاجات كبيرة، بل بأسئلة بسيطة تدور في رأسه دون أن تجد مكانًا تستقر فيه. رجل يضرب صاحب حانة أمام الناس، ثم يأخذه، وتختفي فتاة بعده، ولا أحد يعرف شيئًا، ولا أحد يسأل بصوت عالٍ.

 

 

«إذن فأنت محظوظ بأختٍ مثلي.»

بعد الفطور، خرج ليمشي في القرية قبل أن يتوجه إلى الأرشيف. أراد أن يرى الأماكن بعينيه، لا أن يسمع عنها فقط.

 

 

 

كانت القرية كما تركها تقريبًا؛ الطريق الترابي نفسه، الدكاكين الخشبية نفسها، رائحة الحطب والخبز والحيوانات ممتزجة في الهواء. لكن حين اقترب من ساحة السوق، رآه.

 

 

 

كان الرجل يمشي ببطء بجانب عربة مغلقة، يرتدي معطفًا طويلًا بلون داكن، مطرزًا بخيوط لم يرَ أورِن مثلها من قبل، تلمع بخفة كلما تحرك القماش. لم يكن يرتدي درعًا، ولم يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكن أربعة رجال يحيطون به من كل جانب، بأزياء موحدة رمادية، تختلف عن زي الجيش الذي يعرفه أورِن.

«هل تعرفين من يكون؟» سألها بصوت منخفض، وعيناه لا تزالان على العربة.

 

«لا أحد يعرف،» أجاب الرجل بسرعة، دون أن يبطئ خطاه.

لم يكن الرجل يصرخ أو يأمر أحدًا. كان يمشي فقط.

هذه الكلمة الوحيدة استقرت في صدره أثقل مما توقع. لو كانت تعرف، لشعر بشيء من الاطمئنان، حتى لو كانت المعرفة سيئة. لكن ألا تعرف، هي التي تعرف كل شيء عن القرية، جعله يدرك أن هذا الرجل ليس جزءًا من عالمهما، بل قادمًا من مكان لا يعرفانه أصلًا.

 

«اختفت. بعد يومين من ظهور ذلك الرجل. قال بعضهم إنهم رأوها تُؤخذ… مقيدة من رقبتها.» نطقت الجملة الأخيرة بسرعة، كأنها تريد أن تتخلص منها من فمها بأسرع ما يمكن.

لكن الناس تحركوا من حوله كما يتحرك الماء حول حجر في نهر. صاحب متجر الحبوب توقف عن الحديث مع زبون وانحنى برأسه قليلًا حين مرّ الرجل من أمام دكانه. امرأة كانت تحمل سلة خضار غيّرت اتجاهها فجأة لتبتعد عن طريقه، دون أن تنظر إليه مباشرة. حتى الأطفال، الذين لا يهابون عادة أحدًا، سكتوا عن اللعب للحظة وراقبوه بصمت غريب.

 

 

 

لم يقل أحد شيئًا عمّا حدث لسيمون. لم يرمِه أحد بنظرة غضب. كأن القرية بأكملها اتفقت على أن تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.

 

 

توجه بعد ذلك إلى الأرشيف، سيرًا في الطريق الذي مشاه مئات المرات قبل أن يُجنَّد. المبنى الحجري القديم بدا أصغر مما تذكره، كما تبدو دائمًا الأماكن التي نكبر بعيدًا عنها.

وقف أورِن عند زاوية أحد البيوت، يراقب دون أن يقترب، حتى مرّت مارِن بجانبه وهي عائدة من السوق بسلة صغيرة.

 

 

حاول أن يتفادى الأول، ونجح للحظة، لكن الثاني أمسك بذراعه من الخلف بقوة دفعته إلى الأمام، فسقط على ركبتيه فوق التراب. حاول النهوض، فدُفع مرة أخرى، هذه المرة بقوة أكبر، حتى ارتطم كتفه بجدار المتجر.

«هل تعرفين من يكون؟» سألها بصوت منخفض، وعيناه لا تزالان على العربة.

 

 

 

نظرت مارِن إلى حيث ينظر، ثم عادت إليه. «لا.»

 

 

نهض ببطء، لا لأنه متعب، بل لأن جسده ما زال يحمل عادة الحذر التي علّمه إياها الأسبوع الأول في الجبهة؛ أن يتحرك دون ضجيج، أن يستمع قبل أن يخطو. حين وصل إلى المطبخ الصغير وجد مارِن واقفة أمام الموقد، شعرها معقود بعجلة، وكمّاها مرفوعان.

هذه الكلمة الوحيدة استقرت في صدره أثقل مما توقع. لو كانت تعرف، لشعر بشيء من الاطمئنان، حتى لو كانت المعرفة سيئة. لكن ألا تعرف، هي التي تعرف كل شيء عن القرية، جعله يدرك أن هذا الرجل ليس جزءًا من عالمهما، بل قادمًا من مكان لا يعرفانه أصلًا.

أكل بصمت لدقائق، يستعيد طعم الأشياء البسيطة التي نسيها دون أن يدرك أنه نساها؛ ملح الجبن، دفء الخبز الطازج بين أصابعه، صوت الملعقة على الطبق الفخاري. مارِن راقبته وهي تشرب من كوبها، ثم بدأت تتحدث عن أخبار القرية كما تفعل دائمًا حين يعود، وكأنها تعوّضه عن كل يوم غاب فيه.

 

استقبله اثنان من الموظفين بترحاب صادق، أحدهما ربّت على كتفه وسأله كيف كانت الجبهة، والآخر أراد أن يعرف إن كان قد رأى قتالًا حقيقيًا أو مجرد حراسة طرق. أجابهما بجمل قصيرة، لا يريد أن يتحدث كثيرًا عن الأمر، ووجد راحة غريبة في رائحة الورق القديم والغبار التي ملأت المكان؛ رائحة يعرفها منذ الطفولة تقريبًا.

توجه بعد ذلك إلى الأرشيف، سيرًا في الطريق الذي مشاه مئات المرات قبل أن يُجنَّد. المبنى الحجري القديم بدا أصغر مما تذكره، كما تبدو دائمًا الأماكن التي نكبر بعيدًا عنها.

سأل آخر، فأجاب بأنه لا يعرف شيئًا، وبدا وكأنه لا يريد أن يعرف.

 

 

استقبله اثنان من الموظفين بترحاب صادق، أحدهما ربّت على كتفه وسأله كيف كانت الجبهة، والآخر أراد أن يعرف إن كان قد رأى قتالًا حقيقيًا أو مجرد حراسة طرق. أجابهما بجمل قصيرة، لا يريد أن يتحدث كثيرًا عن الأمر، ووجد راحة غريبة في رائحة الورق القديم والغبار التي ملأت المكان؛ رائحة يعرفها منذ الطفولة تقريبًا.

 

 

 

وبينما كان يتفقد أحد الرفوف التي اعتاد ترتيبها، خرج المشرف من مكتبه في الطرف الآخر من القاعة.

وضع أورِن قطعة الخبز التي كان يحملها. «ضربه ثم أخذه؟ ولم يوقفه أحد؟»

 

هذه الكلمة الوحيدة استقرت في صدره أثقل مما توقع. لو كانت تعرف، لشعر بشيء من الاطمئنان، حتى لو كانت المعرفة سيئة. لكن ألا تعرف، هي التي تعرف كل شيء عن القرية، جعله يدرك أن هذا الرجل ليس جزءًا من عالمهما، بل قادمًا من مكان لا يعرفانه أصلًا.

توقف أورِن دون أن يقصد.

تراجع. لم يكن قرارًا سهلًا، ولم يشعر فيه بأي نصر، لكنه تذكر درسًا تعلمه في أسبوعه الأول على الجبهة، حين رأى جنديًا يندفع دون حساب فيسقط قبل أن يُكمل خطوته الثالثة؛ أن الشجاعة دون فهم للموقف ليست شجاعة، بل مقامرة بحياة الآخرين أيضًا.

 

 

كان المشرف كما هو، رجلًا نحيلًا في الخمسينيات، يرتدي نظارة تنزلق دائمًا إلى طرف أنفه، وله طريقة في المشي تجعل خطواته تبدو أخف من وزنه الحقيقي. نظر إلى أورِن للحظة أطول من العادة، وشيء في عينيه ارتجف بسرعة قبل أن يستقر مرة أخرى، مثل شعلة تعرضت لهواء مفاجئ ثم عادت لتشتعل بثبات.

 

 

 

«عدتَ إذن،» قال أخيرًا، وهو يقترب.

 

 

نظر إلى كورِن، الذي توقف عن الصراخ الآن، ووقف صامتًا، منهارًا، وكأنه يعرف من زمن طويل أن هذه اللحظة قد تأتي، وأنه لا يملك ما يمنعها.

«عدتُ، لأسبوع فقط.»

 

 

كانت العربة نفسها التي رآها في الصباح متوقفة أمام باب المتجر، وحولها الرجال الأربعة، وبينهم الرجل ذو المعطف الداكن، واقفًا بهدوء تام وسط كل هذا الاضطراب.

«الجيش جعلك أطول.» ابتسم المشرف ابتسامة معتادة، لكنها لم تصل تمامًا إلى عينيه. «كيف كانت الأمور هناك؟»

 

 

«وأنت؟» سأل بصوت لا يعلو ولا يخفض.

«لا بأس بها.»

وبينما كان يتفقد أحد الرفوف التي اعتاد ترتيبها، خرج المشرف من مكتبه في الطرف الآخر من القاعة.

 

 

نظر المشرف إليه نظرة أخرى، ثم قال، وكأنه يواصل حديثًا لم يبدأه: «سمعنا هنا عن بعض العمليات في تلك المنطقة. عمليات انسحاب صعبة. كان هناك من…» توقف فجأة، وكأن الجملة تجاوزت الحد الذي أراد الوصول إليه. «كان هناك من قال إن الأمر كان صعبًا، هذا كل ما أعنيه.»

 

 

 

« مجرد تبديل دوري للوحدات، لكن الأيام هناك صعبة على أي حال.»

«اتركوها،» صرخ كورِن، صوته يتكسر بين الغضب والعجز. «هي كل ما تبقى لي!»

 

«اتركوها،» صرخ كورِن، صوته يتكسر بين الغضب والعجز. «هي كل ما تبقى لي!»

مرّ صمت قصير غريب بينهما، لم يفهم أورِن سببه، لكنه شعر به مع ذلك، كشيء يتحرك تحت سطح ماء هادئ. ثم سأله المشرف عن مارِن، وعن القرية، وتحول الحديث إلى أمور عادية، حتى نسي أورِن تمامًا ذلك التوتر الصغير الذي مرّ للحظة.

 

 

لم يرد الرجل ذو المعطف. كان ينظر إلى المشهد بهدوء من يراقب أمرًا اعتياديًا، ثم أشار بإصبعه للحارس أن يواصل.

قبل أن يغادر، سأل أحد الموظفين الأصغر سنًا، من باب الفضول لا أكثر، عن الرجل الغريب الذي رآه في السوق.

 

 

وضع أورِن قطعة الخبز التي كان يحملها. «ضربه ثم أخذه؟ ولم يوقفه أحد؟»

هزّ الموظف كتفيه. «سمعتُ أنه من جهة أعلى. لا أعرف أكثر من ذلك.»

 

 

أكل بصمت لدقائق، يستعيد طعم الأشياء البسيطة التي نسيها دون أن يدرك أنه نساها؛ ملح الجبن، دفء الخبز الطازج بين أصابعه، صوت الملعقة على الطبق الفخاري. مارِن راقبته وهي تشرب من كوبها، ثم بدأت تتحدث عن أخبار القرية كما تفعل دائمًا حين يعود، وكأنها تعوّضه عن كل يوم غاب فيه.

سأل آخر، فأجاب بأنه لا يعرف شيئًا، وبدا وكأنه لا يريد أن يعرف.

أغلق الباب خلفه.

 

 

حين مرّ بجانب مكتب المشرف في طريقه للخروج، سأله السؤال نفسه. توقف المشرف عن الكتابة للحظة، دون أن يرفع عينيه عن الورق.

 

 

 

«رجال من هذا النوع يأتون ويذهبون. لا تشغل نفسك بهم.» ثم أضاف بسرعة، كأنه يريد إغلاق الموضوع: «أفضل ألا نتحدث عنهم كثيرًا هنا.»

نظر إلى الرجل ذا المعطف، الذي عاد إلى مراقبة المشهد كأن شيئًا لم يحدث، وكأن مقاومة أورِن لم تكن أكثر من عارض بسيط يستحق النسيان بمجرد انتهائه.

 

 

لم يفهم أورِن سبب هذه العجلة، لكنه لم يُلحّ. شكره وخرج.

«جندي. عائد من الجبهة.»

 

 

قضى بقية النهار في أمور بسيطة؛ مرّ على متجر الأدوات الجلدية ليصلح حزامًا تمزق طرفه، وتحدث مع صاحبه، رجل هادئ يُدعى كورِن، عن جودة الجلد هذا الموسم. اشترى من السوق بعض الفاكهة المجففة لمارِن لأنها كانت تحبها في صغرها. مرّ بحانة سيمون، فوجد بابها موصدًا، ونافذتها مغطاة من الداخل بقطعة قماش.

 

 

نظر المشرف إليه نظرة أخرى، ثم قال، وكأنه يواصل حديثًا لم يبدأه: «سمعنا هنا عن بعض العمليات في تلك المنطقة. عمليات انسحاب صعبة. كان هناك من…» توقف فجأة، وكأن الجملة تجاوزت الحد الذي أراد الوصول إليه. «كان هناك من قال إن الأمر كان صعبًا، هذا كل ما أعنيه.»

سأل رجلًا يمر بجانبه عن سيمون.

نظر إلى الرجل ذا المعطف، الذي عاد إلى مراقبة المشهد كأن شيئًا لم يحدث، وكأن مقاومة أورِن لم تكن أكثر من عارض بسيط يستحق النسيان بمجرد انتهائه.

 

 

«لا أحد يعرف،» أجاب الرجل بسرعة، دون أن يبطئ خطاه.

 

 

عندها فقط لمع في عيني الرجل شيء أقرب إلى الفضول منه إلى الغضب، كأنه يعيد النظر إلى أورِن من جديد، لا كعائق، بل كشيء غريب صادفه للتو.

لم يكرر السؤال. شعر أن هناك سؤالًا لا يريد أحد أن يجيب عنه، لا لأنهم يخفون شيئًا معقدًا، بل لأنهم أنفسهم لا يفهمون تمامًا، أو يفضلون ألا يفهموا.

 

 

«جندي. عائد من الجبهة.»

في المساء، بعد عشاء هادئ مع مارِن تحدثا فيه عن أشياء أخف، لم يستطع أورِن النوم. جسده ما زال يحمل ساعة الجيش الداخلية، تلك التي تجعله يستيقظ عند أدنى صوت وتبقيه متيقظًا حتى وقت متأخر. خرج إلى الحوش الخلفي للبيت، يتنفس هواء الليل البارد، حين سمعها.

«إذن فأنت محظوظ بأختٍ مثلي.»

 

«الجيش جعلك أطول.» ابتسم المشرف ابتسامة معتادة، لكنها لم تصل تمامًا إلى عينيه. «كيف كانت الأمور هناك؟»

صرخة، بعيدة، لكن واضحة.

 

 

«اتركوها،» صرخ كورِن، صوته يتكسر بين الغضب والعجز. «هي كل ما تبقى لي!»

لم يفكر كثيرًا. مشى نحو الصوت بخطى سريعة، عبر الأزقة الضيقة بين البيوت، حتى وصل إلى الشارع الذي يقع فيه متجر كورِن.

«هل تعرفين من يكون؟» سألها بصوت منخفض، وعيناه لا تزالان على العربة.

 

 

كانت العربة نفسها التي رآها في الصباح متوقفة أمام باب المتجر، وحولها الرجال الأربعة، وبينهم الرجل ذو المعطف الداكن، واقفًا بهدوء تام وسط كل هذا الاضطراب.

سمع أورِن، أو ظن أنه سمع، صوت الرجل ذي المعطف من مسافة أبعد قليلًا، هادئًا كصوته دائمًا، يسأل شيئًا لم يفهمه بوضوح.

 

كان الرجل يمشي ببطء بجانب عربة مغلقة، يرتدي معطفًا طويلًا بلون داكن، مطرزًا بخيوط لم يرَ أورِن مثلها من قبل، تلمع بخفة كلما تحرك القماش. لم يكن يرتدي درعًا، ولم يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكن أربعة رجال يحيطون به من كل جانب، بأزياء موحدة رمادية، تختلف عن زي الجيش الذي يعرفه أورِن.

كورِن كان ممسكًا من ذراعيه بأحد الحراس، يحاول التقدم دون جدوى. وأمامه، تُمسك ابنته، فتاة في السادسة عشرة تقريبًا، عرفها أورِن من زياراته السابقة للمتجر، من يد أحد الحراس الآخرين، بحبل رفيع مربوط حول رسغها لا رقبتها، لكن المشهد بأكمله كان يحمل الشيء نفسه الذي وصفته مارِن عن الفتاة التي اختفت؛ إنسان يُؤخذ كما تُؤخذ بضاعة.

تراجع. لم يكن قرارًا سهلًا، ولم يشعر فيه بأي نصر، لكنه تذكر درسًا تعلمه في أسبوعه الأول على الجبهة، حين رأى جنديًا يندفع دون حساب فيسقط قبل أن يُكمل خطوته الثالثة؛ أن الشجاعة دون فهم للموقف ليست شجاعة، بل مقامرة بحياة الآخرين أيضًا.

 

 

«اتركوها،» صرخ كورِن، صوته يتكسر بين الغضب والعجز. «هي كل ما تبقى لي!»

 

 

كان الرجل يمشي ببطء بجانب عربة مغلقة، يرتدي معطفًا طويلًا بلون داكن، مطرزًا بخيوط لم يرَ أورِن مثلها من قبل، تلمع بخفة كلما تحرك القماش. لم يكن يرتدي درعًا، ولم يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكن أربعة رجال يحيطون به من كل جانب، بأزياء موحدة رمادية، تختلف عن زي الجيش الذي يعرفه أورِن.

لم يرد الرجل ذو المعطف. كان ينظر إلى المشهد بهدوء من يراقب أمرًا اعتياديًا، ثم أشار بإصبعه للحارس أن يواصل.

لم يفهم أورِن سبب هذه العجلة، لكنه لم يُلحّ. شكره وخرج.

 

وبينما كان يتفقد أحد الرفوف التي اعتاد ترتيبها، خرج المشرف من مكتبه في الطرف الآخر من القاعة.

تحرك أورِن دون أن يخطط لذلك.

 

 

بعد الفطور، خرج ليمشي في القرية قبل أن يتوجه إلى الأرشيف. أراد أن يرى الأماكن بعينيه، لا أن يسمع عنها فقط.

«ما الذي يحدث هنا؟» قالها بصوت عالٍ، وهو يقترب بخطى ثابتة.

 

 

التفت الرجال إليه. الرجل ذو المعطف نظر إليه للمرة الأولى، بعينين هادئتين لا يشوبهما غضب ولا استغراب حقيقي، بل شيء أقرب إلى ملاحظة عابرة.

هزّ الموظف كتفيه. «سمعتُ أنه من جهة أعلى. لا أعرف أكثر من ذلك.»

 

 

«وأنت؟» سأل بصوت لا يعلو ولا يخفض.

 

 

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، لا سخرية فيها ولا احتقار، بل شيء أشبه بالتسلية. «إذن أنت تعرف كيف تُطاع الأوامر.» أدار وجهه قليلًا نحو الحارس الذي يمسك بالفتاة. «استمر.»

«جندي. عائد من الجبهة.»

 

 

 

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، لا سخرية فيها ولا احتقار، بل شيء أشبه بالتسلية. «إذن أنت تعرف كيف تُطاع الأوامر.» أدار وجهه قليلًا نحو الحارس الذي يمسك بالفتاة. «استمر.»

 

 

 

«اتركوها،» قال أورِن مرة أخرى، وخطا خطوة إضافية. «إنها إنسانة.»

شعر بشيء مألوف يتحرك في صدره، ذلك الثقل نفسه الذي عرفه حين رأى توفِن يسقط أمامه على الطريق، ذلك اليقين البارد بأن الأمور خرجت عن قدرته على تغييرها. لم يكن الأمر نفسه تمامًا، لكنه شعر بصداه.

 

أغلق الباب خلفه.

توقف الرجل عن الحركة، ونظر إليه نظرة فيها استغراب حقيقي، لا مصطنعًا، كمن يسمع جملة لا معنى لها في سياقها.

حين عاد أورِن إلى البيت، وجد مارِن واقفة عند الباب، لفّت حول كتفيها شالًا خفيفًا، عيناها متسعتان من القلق.

 

 

«هذه شأني،» قال بهدوء، وكأنه يوضح أمرًا بديهيًا لطفل.

 

 

«ما الذي يحدث هنا؟» قالها بصوت عالٍ، وهو يقترب بخطى ثابتة.

«ليست ملكًا لك.»

 

 

بعد الفطور، خرج ليمشي في القرية قبل أن يتوجه إلى الأرشيف. أراد أن يرى الأماكن بعينيه، لا أن يسمع عنها فقط.

عندها فقط لمع في عيني الرجل شيء أقرب إلى الفضول منه إلى الغضب، كأنه يعيد النظر إلى أورِن من جديد، لا كعائق، بل كشيء غريب صادفه للتو.

«ظننتُ أنك ستنامين حتى الظهر بعد كل ذلك التعب من استقبالي بالأمس،» قال وهو يجلس.

 

 

لم يُجب. أشار بيده إشارة صغيرة، فتحرك اثنان من الحراس نحو أورِن.

 

 

«لا أعرف. الناس يتحدثون بصوت منخفض عن الأمر، وكأنهم يخافون. كأنه شيء لا يُناقَش بصوت عالٍ.» شربت رشفة أخرى، ثم أضافت بصوت أهدأ حتى من سابقه: «وهناك شيء آخر. تذكر الفتاة التي كانت تبيع الزهور عند السوق؟ تلك التي لها ضفيرتان دائمًا؟»

حاول أن يتفادى الأول، ونجح للحظة، لكن الثاني أمسك بذراعه من الخلف بقوة دفعته إلى الأمام، فسقط على ركبتيه فوق التراب. حاول النهوض، فدُفع مرة أخرى، هذه المرة بقوة أكبر، حتى ارتطم كتفه بجدار المتجر.

 

 

«رجل جاء إلى القرية. لم أره بنفسي في البداية، لكن الجميع تحدث عنه.» توقفت، كأنها تبحث عن الطريقة الصحيحة لتصف ما سمعته. «يلبس ثيابًا لم أرَ مثلها من قبل. ليست ثياب جنود، ولا ثياب تجار. أفخم من ذلك بكثير. وحوله رجال مسلحون، ليسوا من جيشنا، لهم زيّ آخر.»

شعر بشيء مألوف يتحرك في صدره، ذلك الثقل نفسه الذي عرفه حين رأى توفِن يسقط أمامه على الطريق، ذلك اليقين البارد بأن الأمور خرجت عن قدرته على تغييرها. لم يكن الأمر نفسه تمامًا، لكنه شعر بصداه.

 

 

«عدتَ إذن،» قال أخيرًا، وهو يقترب.

حاول النهوض مرة ثالثة، ويده تلامس التراب، حين أمسك به رجل كبير من أهل القرية، عرفه أورِن كأحد جيران كورِن القدامى، وهمس له بصوت حاد:

 

 

 

«توقف.»

«لا أعرف.»

 

 

«لماذا؟» سأل أورِن، وهو يحاول التحرر من قبضته. «إنهم يأخذونها أمامنا!»

«تاجر كبير؟»

 

بقيت الجملة معلقة في الهواء أمامه. لم يفهمها للحظة، ثم فهم جزءًا منها فقط، جزءًا كافيًا ليشعر ببرودة تسري في يديه لا علاقة لها بالليل. لم يسمع من قبل أن إنسانًا يمكن أن يكون «حقًا» لإنسان آخر، بالطريقة نفسها التي يكون فيها حقل أرض أو حصان حقًا لصاحبه.

«لأنها من حقه،» قال الرجل، بصوت منخفض، كأنه يقول شيئًا يعرفه الجميع سواه. «توقف، يا فتى. لن تنجو من هذا.»

«عدتَ إذن،» قال أخيرًا، وهو يقترب.

 

«إذن فأنت محظوظ بأختٍ مثلي.»

بقيت الجملة معلقة في الهواء أمامه. لم يفهمها للحظة، ثم فهم جزءًا منها فقط، جزءًا كافيًا ليشعر ببرودة تسري في يديه لا علاقة لها بالليل. لم يسمع من قبل أن إنسانًا يمكن أن يكون «حقًا» لإنسان آخر، بالطريقة نفسها التي يكون فيها حقل أرض أو حصان حقًا لصاحبه.

«جندي. عائد من الجبهة.»

 

 

نظر إلى كورِن، الذي توقف عن الصراخ الآن، ووقف صامتًا، منهارًا، وكأنه يعرف من زمن طويل أن هذه اللحظة قد تأتي، وأنه لا يملك ما يمنعها.

 

 

 

نظر إلى الفتاة، التي لم تعد تقاوم، بل نظرت إلى أبيها نظرة أخيرة قبل أن يُدفَع بها نحو العربة.

 

 

 

نظر إلى الرجل ذا المعطف، الذي عاد إلى مراقبة المشهد كأن شيئًا لم يحدث، وكأن مقاومة أورِن لم تكن أكثر من عارض بسيط يستحق النسيان بمجرد انتهائه.

«هذا كثير عليّ يا مارِن.»

 

لم يقل أحد شيئًا عمّا حدث لسيمون. لم يرمِه أحد بنظرة غضب. كأن القرية بأكملها اتفقت على أن تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.

أدرك أورِن، وهو ما زال جاثيًا على ركبة واحدة في التراب، أنه لا يعرف قواعد هذا الموقف. لا يعرف من هذا الرجل، ولا أي قانون يمنحه هذا الحق، ولا لماذا يقف الجميع من حوله صامتين وكأن الاعتراض نفسه خطأ. كل ما يعرفه أنه لو تقدم خطوة أخرى، فقد لا يكون هو من يدفع الثمن وحده.

نظر إلى كورِن، الذي توقف عن الصراخ الآن، ووقف صامتًا، منهارًا، وكأنه يعرف من زمن طويل أن هذه اللحظة قد تأتي، وأنه لا يملك ما يمنعها.

 

وضع أورِن قطعة الخبز التي كان يحملها. «ضربه ثم أخذه؟ ولم يوقفه أحد؟»

تراجع. لم يكن قرارًا سهلًا، ولم يشعر فيه بأي نصر، لكنه تذكر درسًا تعلمه في أسبوعه الأول على الجبهة، حين رأى جنديًا يندفع دون حساب فيسقط قبل أن يُكمل خطوته الثالثة؛ أن الشجاعة دون فهم للموقف ليست شجاعة، بل مقامرة بحياة الآخرين أيضًا.

 

 

« مجرد تبديل دوري للوحدات، لكن الأيام هناك صعبة على أي حال.»

أُغلق باب العربة. تحرك الحصان. مضت العربة في الطريق الترابي، وخلفها الحراس سيرًا، وكورِن يقف وحيدًا أمام بابه، ينظر إلى الظلام الذي ابتلع ابنته دون أن يتحرك، وكأن جسده نفسه توقف عن معرفة كيف يتحرك.

«توقف.»

 

 

اقترب أورِن منه، لا يعرف ماذا يقول. وضع يده على كتفه فقط. لم يقل كورِن شيئًا. لم يبكِ أمامه. وقف فقط، ينظر إلى الطريق الفارغ.

«هل تعرفين من يكون؟» سألها بصوت منخفض، وعيناه لا تزالان على العربة.

 

 

حين عاد أورِن إلى البيت، وجد مارِن واقفة عند الباب، لفّت حول كتفيها شالًا خفيفًا، عيناها متسعتان من القلق.

حاول أن يتفادى الأول، ونجح للحظة، لكن الثاني أمسك بذراعه من الخلف بقوة دفعته إلى الأمام، فسقط على ركبتيه فوق التراب. حاول النهوض، فدُفع مرة أخرى، هذه المرة بقوة أكبر، حتى ارتطم كتفه بجدار المتجر.

 

نظر إلى كورِن، الذي توقف عن الصراخ الآن، ووقف صامتًا، منهارًا، وكأنه يعرف من زمن طويل أن هذه اللحظة قد تأتي، وأنه لا يملك ما يمنعها.

«سمعتُ صراخًا،» قالت. «خرجتُ لأرى.»

 

 

 

«لا شيء،» قال، وهو يعرف أن الجملة لا تكفي، لكنه لم يجد غيرها في تلك اللحظة.

«هذا عادي. أنت من أصبح يأكل قليلًا.» جلست أمامه وأشارت بذقنها إلى الطبق. «كل. ثم أخبرني كيف يطعمونكم هناك، لأنني متأكدة أنه لا يشبه هذا.»

 

 

لم تُصدقه تمامًا، لكنها لم تُلحّ أيضًا. أخذته من ذراعه نحو الداخل بهدوء أمّي أقرب إلى غريزتها منه إلى تفكيرها، وكأنها تعرف أن بعض الليالي تحتاج فقط إلى أن تنتهي.

لكن قبل أن يغلق الباب خلفهما، التفت أورِن للحظة إلى طرف الشارع، حيث كانت العربة قد اختفت منذ دقائق.

 

لم يقل شيئًا لمارِن.

لكن قبل أن يغلق الباب خلفهما، التفت أورِن للحظة إلى طرف الشارع، حيث كانت العربة قد اختفت منذ دقائق.

لم يكن قد اعتاد على هذه الرائحة في الأسبوعين الأخيرين، وكاد للحظة أن يظن نفسه ما زال في المعسكر، حيث تُوزَّع الوجبات بصمت وسرعة، ولا أحد يهتم إن كانت ساخنة أو باردة. فتح عينيه على سقف غرفته القديم، بخشبه الذي يعرف كل عقدة فيه، وسمع صوت أواني تتحرك في الغرفة المجاورة.

 

رجل واحد من الحراس تأخر قليلًا عن الباقين، واقفًا بجانب سياج البيت المجاور، ينظر في اتجاههما.

رجل واحد من الحراس تأخر قليلًا عن الباقين، واقفًا بجانب سياج البيت المجاور، ينظر في اتجاههما.

«سمعتُ صراخًا،» قالت. «خرجتُ لأرى.»

 

لم يكن الرجل يصرخ أو يأمر أحدًا. كان يمشي فقط.

سمع أورِن، أو ظن أنه سمع، صوت الرجل ذي المعطف من مسافة أبعد قليلًا، هادئًا كصوته دائمًا، يسأل شيئًا لم يفهمه بوضوح.

حين عاد أورِن إلى البيت، وجد مارِن واقفة عند الباب، لفّت حول كتفيها شالًا خفيفًا، عيناها متسعتان من القلق.

 

 

ورد الحارس، بصوت وصل إليه محمولًا على هواء الليل الساكن:

 

 

 

«أخت الجندي.»

 

 

صرخة، بعيدة، لكن واضحة.

ثم سؤال آخر، أخفت المسافة كلماته، لكن أورِن أدرك، من طريقة وقوف الحارس، ومن الصمت الذي تلا الجملة، أن أحدًا هناك، في ذلك الظلام الهادئ، كان يسأل عن اسمها.

لم يكن الرجل يصرخ أو يأمر أحدًا. كان يمشي فقط.

 

«أخت الجندي.»

أغلق الباب خلفه.

هذه الكلمة الوحيدة استقرت في صدره أثقل مما توقع. لو كانت تعرف، لشعر بشيء من الاطمئنان، حتى لو كانت المعرفة سيئة. لكن ألا تعرف، هي التي تعرف كل شيء عن القرية، جعله يدرك أن هذا الرجل ليس جزءًا من عالمهما، بل قادمًا من مكان لا يعرفانه أصلًا.

 

ابتسم رغمًا عنه. «يشبهه من بعيد. خبز أصلب، وحساء لا طعم له في أغلب الأيام.»

لم يقل شيئًا لمارِن.

 

 

 

جلس بجانبها في الظلام الدافئ للبيت الذي عرفه طوال حياته، والذي بدا له فجأة أصغر مما تذكره، وأكثر هشاشة مما ظن.

«ما الذي يحدث هنا؟» قالها بصوت عالٍ، وهو يقترب بخطى ثابتة.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط