رحيل سيلن
رأى أورِن يدًا أولًا.
انتهى الأمر خلال ثوانٍ.
يدًا ممتدة في الهواء، أصابعها منفرجة كأنها تحاول الإمساك بشيء غير موجود، ثم جزءًا من قماش داكن، ثم كتفًا يعرفه، ثم صوت دارِن، خافتًا، مختلفًا عن أي صوت سمعه منه من قبل.
لم يجب دارِن.
«سيلِن.»
اسم واحد، بلا صراخ، وكأن دارِن نفسه لم يصدق ما تراه عيناه.
حاول سيلِن أن يبتسم ابتسامة باهتة نصف مكتملة، وقال بنبرة تزداد ضعفاً: «ازرعوا… بصلًا… إن سبقتكم…»
اقترب أورِن، والدخان ما زال يلف المكان، فرأى الجسم المتشابك أمامه بوضوح أكبر؛ العدو ممددًا على جانبه، والسكين لا تزال في يده، وسيلِن واقفًا بالكاد، منحنيًا قليلًا إلى الأمام، يده اليمنى تضغط على الجهة اليسرى من صدره، حيث بدأت بقعة داكنة تتسع بسرعة على قماش زيه، قريبة من القلب.
لم يفهم أورِن في البداية. نظر إلى دارِن، الذي وقف مسمرًا، بندقيته المعطلة لا تزال معلقة على كتفه، ونظر إلى العدو الساقط، ثم إلى سيلِن مرة أخرى، وشيء في داخله رفض أن يربط بين الأشياء الثلاثة.
في الخارج كانت الانفجارات تتعاقب دون انقطاع، والجنود يركضون بين سحب الدخان، والأوامر تتقاطع فوق أصوات البنادق المتلاحقة، وعاد أورِن، بخطى ثقيلة ووجه لا يزال يحمل أثر دموعه، إلى الحرب.
انهار سيلِن على ركبتيه.
تحرك دارِن أخيرًا، أمسك به قبل أن يصل جسده إلى الأرض بالكامل، وأسنده إلى صدره، بينما رفع أورِن يده ليلمس مكان الجرح، فشعرت أصابعه بالدفء الرطب قبل أن تصل عيناه إلى فهم ما تراه.
تحرك دارِن أخيرًا، أمسك به قبل أن يصل جسده إلى الأرض بالكامل، وأسنده إلى صدره، بينما رفع أورِن يده ليلمس مكان الجرح، فشعرت أصابعه بالدفء الرطب قبل أن تصل عيناه إلى فهم ما تراه.
لم يمر وقت طويل قبل أن يتحرك دارِن مرة أخرى، هذه المرة نحو العدو الساقط، الذي بدأ يتحرك، يحاول النهوض بيد جريحة، سلاحه ملقى بجانبه.
“لا أستطيع تركك هنا.”
لم يفكر دارِن. أخرج السكين الصغيرة التي كان يحملها منذ سفره، تلك التي شحذها بيديه في نُزل بعيد عن هذا المكان بأسابيع لا تكفي لتغيير أي شيء، واندفع نحو الرجل بحركة سريعة، غاضبة، بلا مهارة واضحة، فقط بقوة الخوف التي تسبق التفكير.
وبعدها انهار تمامًا.
وبعدها انهار تمامًا.
انتهى الأمر خلال ثوانٍ.
“لا،” قالها أول مرة كمن يرفض أمرًا صدر إليه، ثم كررها، أخفت وأثقل، “لا.”
لم ينظر دارِن إلى الجسد بعدها. عاد فورًا إلى سيلِن، ركع بجانبه، ووضع يده على الجرح بقوة، محاولًا إيقاف شيء لا يعرف كيف يوقفه.
ظل صامتًا لحظة، ثم همس:
«سننقله،» قال، بصوت أراده حازمًا فبدا مرتجفًا رغمًا عنه. علينا أن نوصله إلى الممرض،» قال أورِن بصوت حاد يصارع الضجيج.
“سيلِن؟” قالها بصوت لم يتوقع هو نفسه أن يخرج بهذا الهدوء المصطنع، واقترب خطوة، ووضع يده على كتفه، وهزّه برفق أولًا، ثم بقوة أكبر حين لم يستجب الجسد تحت يده. “سيلِن.”
«سيلِن.»
رفضا سيلِن بينهما، فأمسك به دارِن من تحت ذراعيه، وأورِن من الجهة الأخرى. لم يقطع سيلِن أي خطوة؛ ارتخى جسده تماماً كوزن ميت، وسُحبت قدماه على التراب، ويده الملطخة بالدم تشد بوهن على ثوب دارِن.
كان سيلِن يتنفس بصعوبة بالغة، ودماء الرئة تظهر على شفتيه مع كل حشرجة. أمال دارِن رأسه نحو فمه ليسمع كلماته المتقطعة وسط دوي القصف.
اندفعا به عبر الممر المشتعل، والصفير الحاد للرصاص يمر فوق رؤوسهما ليصطدم بالجدران الطينية. هزّ انفجار قريب الأرض تحت أقدامهم، فتساقطت شظايا الحصى على ظهورهم، مما أجبر أورِن على الانحناء بجسده ليحمي رأس سيلِن.
يمرون بين سحب دخان الكبريت الكثيف بجنود يصرخون طلباً للذخيرة، وجثث ملقاة لم يعد لديهم وقت للنظر إليها. تعثر دارِن بجسد ملقى في الظلام، وكادا أن يسقطا بالثلاثة، لكن صرخة ضابط قريب يطالب بفتح الطريق دفعتهم للاستمرار بالجري بلا توقف.
كان سيلِن يتنفس بصعوبة بالغة، ودماء الرئة تظهر على شفتيه مع كل حشرجة. أمال دارِن رأسه نحو فمه ليسمع كلماته المتقطعة وسط دوي القصف.
وبعدها انهار تمامًا.
«دارِن…» همس سيلِن بصوت خافت تبلعه الانفجارات، «البيت… الحقل الذي… تحدثت عنه…»
رفع دارِن عينيه إليه أخيرًا، ووجهه لا يزال مبللاً بالدموع، ونظر إلى أورِن نظرة لم تحمل غضبًا بقدر ما حملت استنزافًا كاملًا. “أورِن… اتركني وحدي.”
بقي أورِن واقفًا أمامه لحظة إضافية، ثم نظر إلى سيلِن مرة أخيرة، واقترب، ووضع يده على كتفه للحظة قصيرة قبل أن يسحبها. “سأعود،” قالها، دون أن يعرف بنفسه إن كان يصدق هذا الوعد أم يقوله لأنه العبارة الوحيدة التي بقيت له.
«ستزرعه بنفسك!» صرخ دارِن بحدة ليعطيه أملاً، ودموعه تختلط بالغبار على وجهه، «امسك بنا فقط! ستزرعه!»
“لا أستطيع تركك هنا.”
حاول سيلِن أن يبتسم ابتسامة باهتة نصف مكتملة، وقال بنبرة تزداد ضعفاً: «ازرعوا… بصلًا… إن سبقتكم…»
«لن تسبقنا،» قال أورِن وهو يشد قبضته عليه، وشعر برأس سيلِن يميل على كتفه بثقل أكبر. «انظر إليّ، بقي القليل!»
اقترب أورِن منه. “دارِن.” لم يردّ. “علينا أن نذهب.”
فتح سيلِن عينيه بصعوبة بالغة وسط الدخان، ونظر إلى أورِن لثانية، قبل أن تضعف أنفاسه أكثر، ويهمس بصوت كاد يختفي: «غريب… لا أريد البصل الآن… أريد فقط… أن أعود…»
هزّ دارِن رأسه رفضًا. “اذهب أنت.”
لم يجد أحدهما كلاماً يرد به، فقط واصلا الركض به عبر الأزقة المنهدمة والدخان يعمي أبصارهما، حتى لاحت أمامهما خيمة العلاج.
يمرون بين سحب دخان الكبريت الكثيف بجنود يصرخون طلباً للذخيرة، وجثث ملقاة لم يعد لديهم وقت للنظر إليها. تعثر دارِن بجسد ملقى في الظلام، وكادا أن يسقطا بالثلاثة، لكن صرخة ضابط قريب يطالب بفتح الطريق دفعتهم للاستمرار بالجري بلا توقف.
لم يجب دارِن.
وصلوا أخيرًا إلى خيمة العلاج، حيث كان الممرض منشغلًا بجندي آخر، لكنه ترك ما بيده حين رآهم يقتربون، وأشار لهم بسرعة نحو مساحة فارغة على الأرض.
اقترب أورِن، والدخان ما زال يلف المكان، فرأى الجسم المتشابك أمامه بوضوح أكبر؛ العدو ممددًا على جانبه، والسكين لا تزال في يده، وسيلِن واقفًا بالكاد، منحنيًا قليلًا إلى الأمام، يده اليمنى تضغط على الجهة اليسرى من صدره، حيث بدأت بقعة داكنة تتسع بسرعة على قماش زيه، قريبة من القلب.
وقف أورِن أمامهما عاجزًا عن أي حركة أو كلمة. نظر إلى وجه سيلِن الساكن، ثم إلى دارِن المنهار بجانبه، وشعر بعينيه تحترقان قبل أن يدرك أنه هو الآخر قد بدأ يبكي، بلا صوت تقريبًا، دمعة تلو أخرى تنزل بينما يقف بلا حراك.
«ضعوه هنا.»
«ستزرعه بنفسك!» صرخ دارِن بحدة ليعطيه أملاً، ودموعه تختلط بالغبار على وجهه، «امسك بنا فقط! ستزرعه!»
وضعاه بحذر، وبدأ الممرض يفحص الجرح بسرعة، يداه تتحركان بخبرة رجل رأى إصابات كثيرة من قبل، لكن شيئًا في تعبير وجهه، حين لمس الجرح ونظر إلى موضعه، جعل أورِن يشعر بشيء يسقط في داخله.
ظل صامتًا لحظة، ثم همس:
وقف أورِن أمامهما عاجزًا عن أي حركة أو كلمة. نظر إلى وجه سيلِن الساكن، ثم إلى دارِن المنهار بجانبه، وشعر بعينيه تحترقان قبل أن يدرك أنه هو الآخر قد بدأ يبكي، بلا صوت تقريبًا، دمعة تلو أخرى تنزل بينما يقف بلا حراك.
«يمكنك إنقاذه؟» سأل دارِن، بصوت يترجى أكثر مما يسأل.
لم يفهم أورِن في البداية. نظر إلى دارِن، الذي وقف مسمرًا، بندقيته المعطلة لا تزال معلقة على كتفه، ونظر إلى العدو الساقط، ثم إلى سيلِن مرة أخرى، وشيء في داخله رفض أن يربط بين الأشياء الثلاثة.
لم يجب الممرض فورًا. نظر إلى الجرح مرة أخرى، ثم إلى الدم الذي غطى يديه ويدي دارِن، ثم قال، بصوت هادئ:
فتح سيلِن عينيه بصعوبة بالغة وسط الدخان، ونظر إلى أورِن لثانية، قبل أن تضعف أنفاسه أكثر، ويهمس بصوت كاد يختفي: «غريب… لا أريد البصل الآن… أريد فقط… أن أعود…»
«ابقوا معه.»
انخفض رأس دارِن ببطء، وبقي على هذه الحال لثوانٍ طويلة، صامتًا تمامًا، قبل أن تخرج منه شهقة حادة بدت وكأنها انتُزعت من صدره انتزاعًا. رفع وجهه أخيرًا، وكانت عيناه قد امتلأتا بالدموع دون أن يشعر باللحظة التي بدأتا فيها بالانهمار.
نظر سيلِن إلى أورِن ودارِن، عيناه نصف مفتوحتين، ملامح وجهه أضعف مما كانت قبل دقائق قليلة.
اقترب منهما أخيرًا، وانحنى نحو دارِن الذي لم يعد قادرًا حتى على الجلوس مستقيمًا، وأمسكه من كتفيه، ثم جذبه إليه دون أن يقاوم دارِن ذلك. دفن الأخير وجهه في كتف أورِن، وانفجر بنحيب أشد مما سبق، يرتفع ثم ينخفض مع كل محاولة فاشلة لالتقاط أنفاسه، ويداه تشدان على ثوب أورِن وكأنهما تبحثان عن شيء يمنعانه من السقوط.
لم يفهم دارِن في البداية ما الذي يحدث بالضبط. ظل واقفًا بجانب الفراش، ينتظر أن يتحرك صدر سيلِن مرة أخرى، أن يفتح عينيه كعادته، أن يسعل أو يشتكي من شيء تافه كما كان يفعل دائمًا، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
«هل… وصلنا؟» سأل بصعوبة.
لم يفكر دارِن. أخرج السكين الصغيرة التي كان يحملها منذ سفره، تلك التي شحذها بيديه في نُزل بعيد عن هذا المكان بأسابيع لا تكفي لتغيير أي شيء، واندفع نحو الرجل بحركة سريعة، غاضبة، بلا مهارة واضحة، فقط بقوة الخوف التي تسبق التفكير.
لم يفكر دارِن. أخرج السكين الصغيرة التي كان يحملها منذ سفره، تلك التي شحذها بيديه في نُزل بعيد عن هذا المكان بأسابيع لا تكفي لتغيير أي شيء، واندفع نحو الرجل بحركة سريعة، غاضبة، بلا مهارة واضحة، فقط بقوة الخوف التي تسبق التفكير.
«نعم،» قال دارِن، ودموعه لا تزال تنزل دون توقف. «وصلنا. فقط استرح.»
أدار أورِن وجهه إلى الأمام، ومشى.
نظر سيلِن إليه للحظة، وكأن الكلمات وصلت إليه من مسافة بعيدة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، خافتة.
«ستزرعه بنفسك!» صرخ دارِن بحدة ليعطيه أملاً، ودموعه تختلط بالغبار على وجهه، «امسك بنا فقط! ستزرعه!»
«جيد،» قال.
“أنتما،” قال. “نحتاجكما في الخط. القتال مستمر، والضباط طلبوا عودة جميع أفراد الدعم.”
ظل صامتًا لحظة، ثم همس:
«جيد،» قال.
«أريد أن أعود إلى البيت.»
وتوقفت عيناه عن الحركة.
لم يجب الممرض فورًا. نظر إلى الجرح مرة أخرى، ثم إلى الدم الذي غطى يديه ويدي دارِن، ثم قال، بصوت هادئ:
لم يتحرك أحد لثوانٍ. الممرض توقف عن حركة يديه، ونظر إلى وجه سيلِن، ثم إلى نبضه، ثم أبعد يديه ببطء، دون أن يقول شيئًا.
«ابقوا معه.»
لم يفهم دارِن في البداية ما الذي يحدث بالضبط. ظل واقفًا بجانب الفراش، ينتظر أن يتحرك صدر سيلِن مرة أخرى، أن يفتح عينيه كعادته، أن يسعل أو يشتكي من شيء تافه كما كان يفعل دائمًا، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
رأى أورِن يدًا أولًا.
“سيلِن؟” قالها بصوت لم يتوقع هو نفسه أن يخرج بهذا الهدوء المصطنع، واقترب خطوة، ووضع يده على كتفه، وهزّه برفق أولًا، ثم بقوة أكبر حين لم يستجب الجسد تحت يده. “سيلِن.”
لم يحاول هذه المرة أن يخفي بكاءه كما فعل في مناسبات أخرى أقل قسوة. خرج منه نحيب متقطع ارتجف معه جسده كله، وأمسك بكتفي سيلِن بكلتا يديه، وكأن الإبقاء عليه قريبًا يستطيع، بمعجزة ما، أن يعيد إليه ما فقده منذ لحظات.
لم يتحرك شيء.
اقترب منهما أخيرًا، وانحنى نحو دارِن الذي لم يعد قادرًا حتى على الجلوس مستقيمًا، وأمسكه من كتفيه، ثم جذبه إليه دون أن يقاوم دارِن ذلك. دفن الأخير وجهه في كتف أورِن، وانفجر بنحيب أشد مما سبق، يرتفع ثم ينخفض مع كل محاولة فاشلة لالتقاط أنفاسه، ويداه تشدان على ثوب أورِن وكأنهما تبحثان عن شيء يمنعانه من السقوط.
انخفض رأس دارِن ببطء، وبقي على هذه الحال لثوانٍ طويلة، صامتًا تمامًا، قبل أن تخرج منه شهقة حادة بدت وكأنها انتُزعت من صدره انتزاعًا. رفع وجهه أخيرًا، وكانت عيناه قد امتلأتا بالدموع دون أن يشعر باللحظة التي بدأتا فيها بالانهمار.
هزّ دارِن رأسه رفضًا. “اذهب أنت.”
“لا،” قالها أول مرة كمن يرفض أمرًا صدر إليه، ثم كررها، أخفت وأثقل، “لا.”
“لا،” قالها أول مرة كمن يرفض أمرًا صدر إليه، ثم كررها، أخفت وأثقل، “لا.”
“كان معنا،” تكسرت الكلمات بين شهقاته وهو ينحني فوقه أكثر، “كان معنا قبل قليل فقط… كان يتكلم…” توقف، وارتجفت يده فوق كتف صديقه، ثم أكمل بصوت كاد يختنق فيه: “كان يتكلم عن البصل.”
وبعدها انهار تمامًا.
«سيلِن.»
لم يحاول هذه المرة أن يخفي بكاءه كما فعل في مناسبات أخرى أقل قسوة. خرج منه نحيب متقطع ارتجف معه جسده كله، وأمسك بكتفي سيلِن بكلتا يديه، وكأن الإبقاء عليه قريبًا يستطيع، بمعجزة ما، أن يعيد إليه ما فقده منذ لحظات.
لم ينظر دارِن إلى الجسد بعدها. عاد فورًا إلى سيلِن، ركع بجانبه، ووضع يده على الجرح بقوة، محاولًا إيقاف شيء لا يعرف كيف يوقفه.
“كان معنا،” تكسرت الكلمات بين شهقاته وهو ينحني فوقه أكثر، “كان معنا قبل قليل فقط… كان يتكلم…” توقف، وارتجفت يده فوق كتف صديقه، ثم أكمل بصوت كاد يختنق فيه: “كان يتكلم عن البصل.”
جلس أخيرًا إلى جانب الفراش، وأسند جبهته إلى كتف سيلِن، واستسلم للبكاء دون أي محاولة أخرى للتماسك.
«سننقله،» قال، بصوت أراده حازمًا فبدا مرتجفًا رغمًا عنه. علينا أن نوصله إلى الممرض،» قال أورِن بصوت حاد يصارع الضجيج.
وقف أورِن أمامهما عاجزًا عن أي حركة أو كلمة. نظر إلى وجه سيلِن الساكن، ثم إلى دارِن المنهار بجانبه، وشعر بعينيه تحترقان قبل أن يدرك أنه هو الآخر قد بدأ يبكي، بلا صوت تقريبًا، دمعة تلو أخرى تنزل بينما يقف بلا حراك.
بعد وقت لم يستطع أورِن تقدير طوله، ابتعد دارِن قليلاً، ومسح وجهه بيد لا تزال ترتجف، ونظر إلى سيلِن نظرة طويلة لم تنتهِ حتى حين قال أخيرًا، بصوت مبحوح بالكاد يخرج: “أريد أن أبقى معه.”
اقترب منهما أخيرًا، وانحنى نحو دارِن الذي لم يعد قادرًا حتى على الجلوس مستقيمًا، وأمسكه من كتفيه، ثم جذبه إليه دون أن يقاوم دارِن ذلك. دفن الأخير وجهه في كتف أورِن، وانفجر بنحيب أشد مما سبق، يرتفع ثم ينخفض مع كل محاولة فاشلة لالتقاط أنفاسه، ويداه تشدان على ثوب أورِن وكأنهما تبحثان عن شيء يمنعانه من السقوط.
لم يجب الممرض فورًا. نظر إلى الجرح مرة أخرى، ثم إلى الدم الذي غطى يديه ويدي دارِن، ثم قال، بصوت هادئ:
بقي أورِن يبكي بصمت، وحلقه يؤلمه من ثقل ما لا يستطيع قوله، لكنه ظل ممسكًا بدارِن، يضغط عليه بذراعيه دون أن يجد كلمة واحدة تستحق أن تُقال. لم يقل له إن سيلِن بخير، لأن هذا لم يعد صحيحًا. ولم يقل له إن كل شيء سيكون على ما يرام، لأنه لم يكن يعرف ذلك أصلاً. بقي فقط، جسدًا آخر قريبًا في لحظة لا يملك فيها أحد ما يكفي من الكلمات.
انخفض رأس دارِن ببطء، وبقي على هذه الحال لثوانٍ طويلة، صامتًا تمامًا، قبل أن تخرج منه شهقة حادة بدت وكأنها انتُزعت من صدره انتزاعًا. رفع وجهه أخيرًا، وكانت عيناه قد امتلأتا بالدموع دون أن يشعر باللحظة التي بدأتا فيها بالانهمار.
بعد وقت لم يستطع أورِن تقدير طوله، ابتعد دارِن قليلاً، ومسح وجهه بيد لا تزال ترتجف، ونظر إلى سيلِن نظرة طويلة لم تنتهِ حتى حين قال أخيرًا، بصوت مبحوح بالكاد يخرج: “أريد أن أبقى معه.”
كان سيلِن يتنفس بصعوبة بالغة، ودماء الرئة تظهر على شفتيه مع كل حشرجة. أمال دارِن رأسه نحو فمه ليسمع كلماته المتقطعة وسط دوي القصف.
لم يجب أورِن. وفي تلك اللحظة دوّى انفجار قريب هزّ جدران الخيمة قليلاً، وتبعه صوت خطوات سريعة قبل أن يدخل جندي يحمل بندقيته، وينظر إليهما بنظرة سريعة لا تحتمل تفصيلاً إضافيًا.
لم ينظر دارِن إلى الجسد بعدها. عاد فورًا إلى سيلِن، ركع بجانبه، ووضع يده على الجرح بقوة، محاولًا إيقاف شيء لا يعرف كيف يوقفه.
“أنتما،” قال. “نحتاجكما في الخط. القتال مستمر، والضباط طلبوا عودة جميع أفراد الدعم.”
لم يتحرك أحد لثوانٍ. الممرض توقف عن حركة يديه، ونظر إلى وجه سيلِن، ثم إلى نبضه، ثم أبعد يديه ببطء، دون أن يقول شيئًا.
رفع أورِن رأسه، لكن دارِن لم يتحرك، ولم ينظر حتى إلى الجندي؛ بقيت عيناه على سيلِن وحده، وكأن العالم خارج هذا الفراش قد توقف عن الوجود بالنسبة له.
اقترب أورِن منه. “دارِن.” لم يردّ. “علينا أن نذهب.”
«جيد،» قال.
هزّ دارِن رأسه رفضًا. “اذهب أنت.”
لم يفهم أورِن في البداية. نظر إلى دارِن، الذي وقف مسمرًا، بندقيته المعطلة لا تزال معلقة على كتفه، ونظر إلى العدو الساقط، ثم إلى سيلِن مرة أخرى، وشيء في داخله رفض أن يربط بين الأشياء الثلاثة.
نظر سيلِن إليه للحظة، وكأن الكلمات وصلت إليه من مسافة بعيدة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، خافتة.
“لا أستطيع تركك هنا.”
يمرون بين سحب دخان الكبريت الكثيف بجنود يصرخون طلباً للذخيرة، وجثث ملقاة لم يعد لديهم وقت للنظر إليها. تعثر دارِن بجسد ملقى في الظلام، وكادا أن يسقطا بالثلاثة، لكن صرخة ضابط قريب يطالب بفتح الطريق دفعتهم للاستمرار بالجري بلا توقف.
“كان معنا،” تكسرت الكلمات بين شهقاته وهو ينحني فوقه أكثر، “كان معنا قبل قليل فقط… كان يتكلم…” توقف، وارتجفت يده فوق كتف صديقه، ثم أكمل بصوت كاد يختنق فيه: “كان يتكلم عن البصل.”
رفع دارِن عينيه إليه أخيرًا، ووجهه لا يزال مبللاً بالدموع، ونظر إلى أورِن نظرة لم تحمل غضبًا بقدر ما حملت استنزافًا كاملًا. “أورِن… اتركني وحدي.”
بقي أورِن واقفًا أمامه لحظة إضافية، ثم نظر إلى سيلِن مرة أخيرة، واقترب، ووضع يده على كتفه للحظة قصيرة قبل أن يسحبها. “سأعود،” قالها، دون أن يعرف بنفسه إن كان يصدق هذا الوعد أم يقوله لأنه العبارة الوحيدة التي بقيت له.
لم يجب دارِن.
«سننقله،» قال، بصوت أراده حازمًا فبدا مرتجفًا رغمًا عنه. علينا أن نوصله إلى الممرض،» قال أورِن بصوت حاد يصارع الضجيج.
استدار أورِن وخرج من الخيمة، والجندي ينتظره عند المدخل، ثم تحركا معًا نحو الخط. بعد خطوات قليلة، التفت أورِن إلى الخلف، فرأى دارِن لا يزال جالسًا بجانب سيلِن، وحده، لا ينظر إلى شيء سوى الجسد الساكن أمامه.
اسم واحد، بلا صراخ، وكأن دارِن نفسه لم يصدق ما تراه عيناه.
أدار أورِن وجهه إلى الأمام، ومشى.
لم يفكر دارِن. أخرج السكين الصغيرة التي كان يحملها منذ سفره، تلك التي شحذها بيديه في نُزل بعيد عن هذا المكان بأسابيع لا تكفي لتغيير أي شيء، واندفع نحو الرجل بحركة سريعة، غاضبة، بلا مهارة واضحة، فقط بقوة الخوف التي تسبق التفكير.
في الخارج كانت الانفجارات تتعاقب دون انقطاع، والجنود يركضون بين سحب الدخان، والأوامر تتقاطع فوق أصوات البنادق المتلاحقة، وعاد أورِن، بخطى ثقيلة ووجه لا يزال يحمل أثر دموعه، إلى الحرب.
