شارة السادة
وقف أورِن طويلًا قبل أن يفتح الظرف، وكأن أصابعه كانت تنتظر إذنًا لم يمنحه عقله بعد.
عندما فتحه أخيرًا، وجد ورقة واحدة مطوية، بخط سريع لكنه واضح، خط رجل معتاد على الكتابة القصيرة والمباشرة، لا على الرسائل.
إذا أصررت، فلن أستطيع منعك، ولا أحد سيستطيع. لكنني رأيت ما يكفي لأعرف أنني لا أستطيع مواجهته، وأنت أقل مني خبرة في هذا النوع من المواقف.
بدأ يقرأ.
أورِن،
بقيت أراقب من بعيد. رأيتهم يأخذونها إلى عربة مغلقة، ثم رأيت العربة تتجه خارج الجزء المأهول من القرية، نحو الطريق القديم القريب من الحقول الشرقية. تبعتها من مسافة حتى رأيتها تتوقف عند مخزن كبير هناك، مبنى كان يُستخدم قديمًا لتخزين الحبوب قبل أن يُهجر جزئيًا. رأيت حراسًا عند مدخله بعد ذلك، وحركة لا تشبه مخزنًا فارغًا.
<< إن كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنك عدت إلى القرية أخيرًا، وأن أختك ليست هنا. أكتب لك هذه الكلمات وتركتها لك على الطاولة منذ ليلة الحادثة قبل أسابيع، لأنني غادرت القرية فورًا ولن أعود إليها. سأكون مباشرًا: حرستها كما طلبت للأسبوع الأول بعد رحيلك، لكن في إحدى الليالي، جاء رجل إلى البيت، ومعه أربعة أو خمسة من الجنود. لم يطرقوا الباب. دخلوا مباشرة، كأن البيت ملكهم.>>
استدار الرجل قليلًا نحو ضوء أحد المصابيح، وفي تلك اللحظة، انعكس ضوء المصباح الخافت على شيء معدني يثبّته الرجل فوق ردائه الفاخر، على الجانب الأيسر من صدره مباشرة. كانت شارة معدنية مصقولة بعناية، تحمل رمزًا فريدًا لم يره أورِن من قبل، لكنه عرف فورًا أنها الشارة نفسها التي وصفها المقاتل في رسالته.
سمعت الضجيج من الخارج، حيث كنت أراقب كما اتفقنا. حين وصلت، كانوا يحاولون أخذها بالقوة. كانت تقاوم، تحاول الابتعاد، وواحد منهم أمسك بذراعها.
تدخلت. دفعت أحدهم، وحاولت الوصول إليها.
اصطدم كتفه بفرع شجرة منخفض لم ينتبه له، فتوقف للحظة، ألم خفيف، لكنه لم يعره اهتمامًا. تابع.
لكنني رأيت العلامة على صدر الرجل الذي يقود المجموعة.
لا أستطيع أن أؤكد لك أنها ما زالت هناك. لم أستطع الاقتراب أكثر دون أن أُكتشف. لكن هذا آخر ما رأيته.
توقفت.
قرأ أورِن الرسالة مرة، ثم مرة أخرى، عيناه تتوقفان عند الجملة نفسها في كل مرة: “طبقة السادة”.
أورِن،
لا أعرف إن كنت تعرف ما تعنيه هذه العلامة، لكنني أعرفها جيدًا. الرجل من طبقة السادة. لو لمسته بأذى، أو حتى دفعته بقوة زائدة أمام شهود، فلن يُنظر إلى الأمر كشجار. سيكون اعتداءً على أحد أفراد هذه الطبقة، وهذا نوع من الجرائم لا ينتهي بسجن، بل بإعدام، وربما لا يقتصر الأمر عليّ وحدي.
لم أتراجع لأنني خفت الموت. رأيت أسوأ من هذا في حياتي. تراجعت لأنني عرفت أن موتي في تلك اللحظة لن يغيّر شيئًا. لن يعيدها. لن يوقفهم. فقط سيضيف جثة أخرى إلى الليل.
وجد الباب الجانبي هناك، كما تذكره، أصغر من المدخل الرئيسي، وكان مغلقًا بقفل حديدي صدئ وبزلاج داخلي محكم. لم يكن هناك حارس يقف أمامه، لكن القفل كان عقبة. اقترب أورِن بحذر، أغمض عينيه للثانية، ومدّ يده بتركيز خفيف — مستخدماً قدرته على سحب الأجسام من مسافة قصيرة فشعر بلسان القفل الداخلي يتحرك بصوت مكتوم وينزلق من مكانه دون أن يصدر صريرًا. دفع الباب بما يكفي لجسده أن يمر، وانزلق إلى الداخل بهدوء تام.
بقيت أراقب من بعيد. رأيتهم يأخذونها إلى عربة مغلقة، ثم رأيت العربة تتجه خارج الجزء المأهول من القرية، نحو الطريق القديم القريب من الحقول الشرقية. تبعتها من مسافة حتى رأيتها تتوقف عند مخزن كبير هناك، مبنى كان يُستخدم قديمًا لتخزين الحبوب قبل أن يُهجر جزئيًا. رأيت حراسًا عند مدخله بعد ذلك، وحركة لا تشبه مخزنًا فارغًا.
لا أعرف إن كنت تعرف ما تعنيه هذه العلامة، لكنني أعرفها جيدًا. الرجل من طبقة السادة. لو لمسته بأذى، أو حتى دفعته بقوة زائدة أمام شهود، فلن يُنظر إلى الأمر كشجار. سيكون اعتداءً على أحد أفراد هذه الطبقة، وهذا نوع من الجرائم لا ينتهي بسجن، بل بإعدام، وربما لا يقتصر الأمر عليّ وحدي.
وجد الباب الجانبي هناك، كما تذكره، أصغر من المدخل الرئيسي، وكان مغلقًا بقفل حديدي صدئ وبزلاج داخلي محكم. لم يكن هناك حارس يقف أمامه، لكن القفل كان عقبة. اقترب أورِن بحذر، أغمض عينيه للثانية، ومدّ يده بتركيز خفيف — مستخدماً قدرته على سحب الأجسام من مسافة قصيرة فشعر بلسان القفل الداخلي يتحرك بصوت مكتوم وينزلق من مكانه دون أن يصدر صريرًا. دفع الباب بما يكفي لجسده أن يمر، وانزلق إلى الداخل بهدوء تام.
لا أستطيع أن أؤكد لك أنها ما زالت هناك. لم أستطع الاقتراب أكثر دون أن أُكتشف. لكن هذا آخر ما رأيته.
تركت لك بقية أجر الشهر على الطاولة. لم أكمل عملي، ولا أستحقه.
وقف أورِن طويلًا قبل أن يفتح الظرف، وكأن أصابعه كانت تنتظر إذنًا لم يمنحه عقله بعد.
وأخيرًا، أورِن، سأقول لك ما أعرفه من تجربتي، لا كنصيحة، بل كحقيقة:
لا تذهب خلفه.
بدأ يقرأ.
إذا أصررت، فلن أستطيع منعك، ولا أحد سيستطيع. لكنني رأيت ما يكفي لأعرف أنني لا أستطيع مواجهته، وأنت أقل مني خبرة في هذا النوع من المواقف.
إذا قررت الذهاب رغم كل هذا، فأنت تعرف إلى أين أنت ذاهب>>”.
لم يكن هناك توقيع أكثر من اسم مختصر في الأسفل.
أبطأ حين رأى ضوءًا بعيدًا يتحرك، توقف خلف سياج خشبي منخفض، وانتظر. كان الضوء مشعلًا يحمله جندي يمشي على الطريق الرئيسي، مبتعدًا رويدًا رويدًا. حين اختفى، تابع أورِن طريقه، هذه المرة بحذر أكبر، مبتعدًا عن الطريق المكشوف، ملتصقًا بحافة الحقول حيث الظلام أكثف.
مرّ بجانب رفوف عالية محملة بأكياس قماشية، بعضها ممزق قليلًا، وأخرى مربوطة بإحكام. لم يكن يعرف ماذا بداخلها، ولم يكن هذا مهمًا الآن.
قرأ أورِن الرسالة مرة، ثم مرة أخرى، عيناه تتوقفان عند الجملة نفسها في كل مرة: “طبقة السادة”.
لم يتحرك أورِن. لم يتنفس بصوت مسموع. راقب من مخبئه بين الظلال، والرجل يقف هناك، على مسافة ليست بعيدة، يتحدث بصوت هادئ مع الجندي، بلا استعجال، بلا قلق، كشخص يعرف تمامًا أنه في مكانه الآمن.
لم يكن يعرف هذا المصطلح من قبل، ليس بهذا الشكل. سمع كلمات عن نبلاء وأثرياء وضباط كبار، لكنه لم يسمع من قبل عن طبقة توصف بهذه الطريقة، بثقل يجعل مقاتلًا محترفًا يتراجع عن معركة كان قادرًا على خوضها، لا لأنه جبان، بل لأنه يعرف بالضبط ماذا يعني أن يرفع يده على أحدهم.
لم يتحرك أورِن. لم يتنفس بصوت مسموع. راقب من مخبئه بين الظلال، والرجل يقف هناك، على مسافة ليست بعيدة، يتحدث بصوت هادئ مع الجندي، بلا استعجال، بلا قلق، كشخص يعرف تمامًا أنه في مكانه الآمن.
عندما فتحه أخيرًا، وجد ورقة واحدة مطوية، بخط سريع لكنه واضح، خط رجل معتاد على الكتابة القصيرة والمباشرة، لا على الرسائل.
بقيت الكلمة معلقة في ذهنه، غريبة وثقيلة، دون أن يفهم معناها الكامل. لم يكن هناك وقت لفهمها الآن.
مرّ بجانب رفوف عالية محملة بأكياس قماشية، بعضها ممزق قليلًا، وأخرى مربوطة بإحكام. لم يكن يعرف ماذا بداخلها، ولم يكن هذا مهمًا الآن.
نظر إلى المال الموضوع على الطاولة، كومة صغيرة من العملات لم يلمسها. لم يشعر تجاهها بشيء. لم يفكر فيها ثانية واحدة.
تحرك بمحاذاة جدار المبنى الخارجي، ملتصقًا بالظل، يتوقف كلما سمع صوتًا، يتقدم حين يهدأ. مرّ بجانب نافذة صغيرة مغلقة بألواح خشبية قديمة، ثم استمر حتى وصل إلى الجانب الآخر من المبنى، بعيدًا عن الحراس.
طوى الرسالة، ووضعها في جيبه، ووقف في وسط الغرفة، وقلبه يدق بسرعة لم يعتد عليها.
بدأ يقرأ.
فكر للحظة أن يذهب ليسأل جارًا، ليعرف إن كان أحد قد رأى شيئًا آخر، إن كان هناك تفصيل يمكن أن يساعده. لكن الفكرة اختفت بالسرعة نفسها التي جاءت بها. لم يكن يريد أن يضيع وقتًا في أسئلة قد لا تُجيب. كان يعرف الاتجاه. هذا كان كافيًا.
اتجه نحو الخزانة الصغيرة قرب المطبخ، حيث كان يحتفظ ببعض الأدوات المنزلية. أخرج سكينًا متوسطة الحجم، حادة، استخدمها من قبل لأعمال بسيطة، لا شيء أسطوري فيها، مجرد أداة يمكن لأي شخص في القرية أن يملكها. أدخلها في حزامه، وخرج من البيت دون أن يغلق الباب خلفه بعناية.
وقف أورِن طويلًا قبل أن يفتح الظرف، وكأن أصابعه كانت تنتظر إذنًا لم يمنحه عقله بعد.
بقيت أراقب من بعيد. رأيتهم يأخذونها إلى عربة مغلقة، ثم رأيت العربة تتجه خارج الجزء المأهول من القرية، نحو الطريق القديم القريب من الحقول الشرقية. تبعتها من مسافة حتى رأيتها تتوقف عند مخزن كبير هناك، مبنى كان يُستخدم قديمًا لتخزين الحبوب قبل أن يُهجر جزئيًا. رأيت حراسًا عند مدخله بعد ذلك، وحركة لا تشبه مخزنًا فارغًا.
بدأ يمشي بسرعة، ثم وجد نفسه يركض دون أن يقرر ذلك بوعي.
كانت القرية هادئة كما كانت عند وصوله، مصابيح قليلة تضيء بعض النوافذ، أصوات بعيدة لعائلات تتحضر للنوم. لم ينتبه أحد إليه، أو لم يهتم أحد بجندي يركض في الظلام، فهذا لم يكن مشهدًا غريبًا في زمن الحرب.
عبر أزقة يعرفها، ثم بدأ الطريق يتغير تدريجيًا، البيوت تتباعد، الأرض تتحول من حجارة مرصوفة إلى تراب، والحقول تبدأ في الظهور على الجانبين، مظلمة، ممتدة، تفصل بينه وبين وجهته.
كانت القرية هادئة كما كانت عند وصوله، مصابيح قليلة تضيء بعض النوافذ، أصوات بعيدة لعائلات تتحضر للنوم. لم ينتبه أحد إليه، أو لم يهتم أحد بجندي يركض في الظلام، فهذا لم يكن مشهدًا غريبًا في زمن الحرب.
أبطأ حين رأى ضوءًا بعيدًا يتحرك، توقف خلف سياج خشبي منخفض، وانتظر. كان الضوء مشعلًا يحمله جندي يمشي على الطريق الرئيسي، مبتعدًا رويدًا رويدًا. حين اختفى، تابع أورِن طريقه، هذه المرة بحذر أكبر، مبتعدًا عن الطريق المكشوف، ملتصقًا بحافة الحقول حيث الظلام أكثف.
كانت يداه ترتجفان قليلًا، ليس من البرد. لاحظ ذلك حين حاول أن يمسك بحافة السياج، فشعر بارتعاش خفيف في أصابعه. لم يتوقف ليهدئ نفسه. واصل التقدم.
توقفت.
اصطدم كتفه بفرع شجرة منخفض لم ينتبه له، فتوقف للحظة، ألم خفيف، لكنه لم يعره اهتمامًا. تابع.
بعد مسافة، بدأ يرى المخزن.
<< إن كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنك عدت إلى القرية أخيرًا، وأن أختك ليست هنا. أكتب لك هذه الكلمات وتركتها لك على الطاولة منذ ليلة الحادثة قبل أسابيع، لأنني غادرت القرية فورًا ولن أعود إليها. سأكون مباشرًا: حرستها كما طلبت للأسبوع الأول بعد رحيلك، لكن في إحدى الليالي، جاء رجل إلى البيت، ومعه أربعة أو خمسة من الجنود. لم يطرقوا الباب. دخلوا مباشرة، كأن البيت ملكهم.>>
تراجع بسرعة، انزلق إلى الظل خلف كومة من الصناديق العالية، واختبأ، يحبس أنفاسه قدر استطاعته.
كان مبنى حجريًا كبيرًا، منخفضًا نسبيًا، بسقف واسع، يقع على مسافة من آخر الحقول، شبه معزول. كانت هناك مشاعل موزعة حول مدخله الرئيسي، تلقي ضوءًا أصفر خافتًا على المكان، وظهر شكل حارسين يقفان عند الباب الأمامي، يتحدثان بصوت منخفض لا يصل إليه.
نظر إلى المال الموضوع على الطاولة، كومة صغيرة من العملات لم يلمسها. لم يشعر تجاهها بشيء. لم يفكر فيها ثانية واحدة.
إذا أصررت، فلن أستطيع منعك، ولا أحد سيستطيع. لكنني رأيت ما يكفي لأعرف أنني لا أستطيع مواجهته، وأنت أقل مني خبرة في هذا النوع من المواقف.
توقف أورِن خلف كومة من القش المتروك قرب حافة أحد الحقول، يراقب.
لم يكن يعرف الطريق بالضبط، لكنه عرف القرية بما يكفي ليتذكر أن هناك بابًا جانبيًا صغيرًا يُستخدم قديمًا لنقل أكياس الحبوب مباشرة من الحقول، بعيدًا عن المدخل الرئيسي. لم يكن متأكدًا إن كان لا يزال موجودًا، لكنه كان الاحتمال الوحيد الذي يمكن أن يمنحه فرصة.
ظهر رجلان في الممر. أحدهما جنديًا يرتدي زيًا لم يعرفه أورِن، والآخر رجلًا يرتدي ملابس مختلفة تمامًا، أفضل قماشًا، أنيقة رغم بساطة قطعها الظاهرية، تنبئ عن مكانة لا تحتاج إلى زخرفة لتُعرف.
تحرك بمحاذاة جدار المبنى الخارجي، ملتصقًا بالظل، يتوقف كلما سمع صوتًا، يتقدم حين يهدأ. مرّ بجانب نافذة صغيرة مغلقة بألواح خشبية قديمة، ثم استمر حتى وصل إلى الجانب الآخر من المبنى، بعيدًا عن الحراس.
وجد الباب الجانبي هناك، كما تذكره، أصغر من المدخل الرئيسي، وكان مغلقًا بقفل حديدي صدئ وبزلاج داخلي محكم. لم يكن هناك حارس يقف أمامه، لكن القفل كان عقبة. اقترب أورِن بحذر، أغمض عينيه للثانية، ومدّ يده بتركيز خفيف — مستخدماً قدرته على سحب الأجسام من مسافة قصيرة فشعر بلسان القفل الداخلي يتحرك بصوت مكتوم وينزلق من مكانه دون أن يصدر صريرًا. دفع الباب بما يكفي لجسده أن يمر، وانزلق إلى الداخل بهدوء تام.
كان الداخل مظلمًا، تضيئه مصابيح قليلة معلقة على مسافات متباعدة، تلقي ضوءًا خافتًا على ممرات ضيقة بين أكوام من الصناديق والأكياس. كانت رائحة الغبار والخشب القديم تملأ المكان، ممزوجة برائحة الغبار والرطوبة وشيء آخر أقرب إلى المعدن.
وقف أورِن طويلًا قبل أن يفتح الظرف، وكأن أصابعه كانت تنتظر إذنًا لم يمنحه عقله بعد.
تحرك أورِن ببطء، منحنيًا قليلًا، يلتصق بالظلال بين الصناديق. سمع صوت خطوات في مكان بعيد، منتظمة، خطوات حارس يقوم بجولته المعتادة. توقف، انتظر حتى ابتعد الصوت، ثم تابع.
مرّ بجانب رفوف عالية محملة بأكياس قماشية، بعضها ممزق قليلًا، وأخرى مربوطة بإحكام. لم يكن يعرف ماذا بداخلها، ولم يكن هذا مهمًا الآن.
عندما فتحه أخيرًا، وجد ورقة واحدة مطوية، بخط سريع لكنه واضح، خط رجل معتاد على الكتابة القصيرة والمباشرة، لا على الرسائل.
في مكان ما، سمع صوت رجلين يتحدثان، كلماتهما غير واضحة، لكن نبرتهما عادية، أقرب إلى حديث عابر بين حراسة مملة. اقترب أورِن ببطء من مصدر الصوت، محاولًا أن يفهم أكثر عن تخطيط المكان.
فكر للحظة أن يذهب ليسأل جارًا، ليعرف إن كان أحد قد رأى شيئًا آخر، إن كان هناك تفصيل يمكن أن يساعده. لكن الفكرة اختفت بالسرعة نفسها التي جاءت بها. لم يكن يريد أن يضيع وقتًا في أسئلة قد لا تُجيب. كان يعرف الاتجاه. هذا كان كافيًا.
وجد ممرًا يؤدي إلى جزء أعمق من المبنى، حيث بدت الصناديق أقل كثافة، وكأن هذا الجزء استُخدم لغرض مختلف عن التخزين المعتاد. رأى بابًا خشبيًا مغلقًا في نهاية الممر، عليه قفل بسيط، ليس معقدًا، لكنه كافٍ ليدل على أن هناك شيئًا خلفه يستحق الإغلاق.
لم أتراجع لأنني خفت الموت. رأيت أسوأ من هذا في حياتي. تراجعت لأنني عرفت أن موتي في تلك اللحظة لن يغيّر شيئًا. لن يعيدها. لن يوقفهم. فقط سيضيف جثة أخرى إلى الليل.
اقترب منه بحذر شديد، قلبه يدق بقوة في صدره حتى ظن للحظة أن صوته سيُسمع. وضع يده على الباب، شعر ببرودة الخشب تحت أصابعه المرتجفة.
كان مبنى حجريًا كبيرًا، منخفضًا نسبيًا، بسقف واسع، يقع على مسافة من آخر الحقول، شبه معزول. كانت هناك مشاعل موزعة حول مدخله الرئيسي، تلقي ضوءًا أصفر خافتًا على المكان، وظهر شكل حارسين يقفان عند الباب الأمامي، يتحدثان بصوت منخفض لا يصل إليه.
قبل أن يحاول فتحه، سمع صوت خطوات قادمة من الاتجاه المعاكس، أثقل من خطوات الحراسة العادية، مصحوبة بصوت حديث منخفض بين شخصين.
تراجع بسرعة، انزلق إلى الظل خلف كومة من الصناديق العالية، واختبأ، يحبس أنفاسه قدر استطاعته.
وجد الباب الجانبي هناك، كما تذكره، أصغر من المدخل الرئيسي، وكان مغلقًا بقفل حديدي صدئ وبزلاج داخلي محكم. لم يكن هناك حارس يقف أمامه، لكن القفل كان عقبة. اقترب أورِن بحذر، أغمض عينيه للثانية، ومدّ يده بتركيز خفيف — مستخدماً قدرته على سحب الأجسام من مسافة قصيرة فشعر بلسان القفل الداخلي يتحرك بصوت مكتوم وينزلق من مكانه دون أن يصدر صريرًا. دفع الباب بما يكفي لجسده أن يمر، وانزلق إلى الداخل بهدوء تام.
ظهر رجلان في الممر. أحدهما جنديًا يرتدي زيًا لم يعرفه أورِن، والآخر رجلًا يرتدي ملابس مختلفة تمامًا، أفضل قماشًا، أنيقة رغم بساطة قطعها الظاهرية، تنبئ عن مكانة لا تحتاج إلى زخرفة لتُعرف.
وجد ممرًا يؤدي إلى جزء أعمق من المبنى، حيث بدت الصناديق أقل كثافة، وكأن هذا الجزء استُخدم لغرض مختلف عن التخزين المعتاد. رأى بابًا خشبيًا مغلقًا في نهاية الممر، عليه قفل بسيط، ليس معقدًا، لكنه كافٍ ليدل على أن هناك شيئًا خلفه يستحق الإغلاق.
توقف الرجلان قرب الباب المغلق. تحدث الجندي بشيء منخفض، أومأ الرجل الآخر برأسه دون أن يظهر أي اهتمام خاص، وكأن ما يُقال له لا يستحق أكثر من ذلك.
بقيت الكلمة معلقة في ذهنه، غريبة وثقيلة، دون أن يفهم معناها الكامل. لم يكن هناك وقت لفهمها الآن.
قبل أن يحاول فتحه، سمع صوت خطوات قادمة من الاتجاه المعاكس، أثقل من خطوات الحراسة العادية، مصحوبة بصوت حديث منخفض بين شخصين.
استدار الرجل قليلًا نحو ضوء أحد المصابيح، وفي تلك اللحظة، انعكس ضوء المصباح الخافت على شيء معدني يثبّته الرجل فوق ردائه الفاخر، على الجانب الأيسر من صدره مباشرة. كانت شارة معدنية مصقولة بعناية، تحمل رمزًا فريدًا لم يره أورِن من قبل، لكنه عرف فورًا أنها الشارة نفسها التي وصفها المقاتل في رسالته.
وأخيرًا، أورِن، سأقول لك ما أعرفه من تجربتي، لا كنصيحة، بل كحقيقة:
توقف قلبه للحظة قصيرة.
كان هذا هو الرجل.
تحرك بمحاذاة جدار المبنى الخارجي، ملتصقًا بالظل، يتوقف كلما سمع صوتًا، يتقدم حين يهدأ. مرّ بجانب نافذة صغيرة مغلقة بألواح خشبية قديمة، ثم استمر حتى وصل إلى الجانب الآخر من المبنى، بعيدًا عن الحراس.
لم يتحرك أورِن. لم يتنفس بصوت مسموع. راقب من مخبئه بين الظلال، والرجل يقف هناك، على مسافة ليست بعيدة، يتحدث بصوت هادئ مع الجندي، بلا استعجال، بلا قلق، كشخص يعرف تمامًا أنه في مكانه الآمن.
مرّ بجانب رفوف عالية محملة بأكياس قماشية، بعضها ممزق قليلًا، وأخرى مربوطة بإحكام. لم يكن يعرف ماذا بداخلها، ولم يكن هذا مهمًا الآن.
لم يقل أورِن شيئًا. لم يتحرك من مكانه. بقي هناك، بين الصناديق، عيناه ثابتتان على الرجل الذي أخذ أخته، بينما يداه ترتجفان حول مقبض السكين المخبأة في حزامه، دون أن يستطيع بعد أن يقرر ماذا سيفعل بها.
