Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 35

ثلاثة أيام
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

ثلاثة أيام

لم ينتظر أورن حتى الصباح ليطرح الأمر. وجد فاليريوس في القاعة نفسها التي غيّر فيها وجهه قبل ساعات، جالسًا خلف طاولته الخشبية وكأنه لم يغادرها قط.

لم يكن مستعدًا للفوز. لم يخدع نفسه بهذا الوهم. لكنه، للمرة الأولى منذ تلك الليلة في المنشأة، كان يملك شيئًا غير اليأس: فرصة واحدة، ضيقة، محسوبة بدقة قدر استطاعته، لكنها فرصة حقيقية للوصول إلى مارِن.

 

“وأنا أعرف السرقة.” قال سيدريك. “نقل الأشياء دون لمسها.”

“أريد إنقاذ أختي الآن.”

 

 

“إذن علّمني.”

لم يرفع فاليريوس عينيه عن الأوراق أمامه فورًا. “لن يحدث لها شيء خلال الأيام الثلاثة القادمة.”

“أنت تحاول أن تحرك العملة.” قال فاليريوس، من دون أن يظهر أي انزعاج من بطء تلميذه. “لكنك لا تحدد ما تريده منها بوضوح كافٍ. أين تريدها؟ ماذا تريد أن يحدث لها بالضبط؟ المسار لا يقرأ رغبتك العامة؛ يحتاج قصدًا محددًا.”

 

لم يشعر أنه أقوى مما كان قبل ثلاثة أيام، ولا أن جسده تغيّر بشكل جوهري. كان لا يزال ذلك الرجل نفسه الذي فشل أمام النبيل الأول، الذي رأى مارِن مقيدة ولم يستطع فعل شيء. لكنه الآن يعرف شيئًا لم يعرفه تلك الليلة: أين، ومتى، وكيف، وأن هناك ثانية واحدة قد تكون كافية إن استخدمها جيدًا.

“وكيف تعرف ذلك؟”

أطفأ المصباح، وأمسك بالسكين وهو يستلقي، غير قادر على النوم، يعيد في ذهنه كل تفصيل صغير علّمه إياه فاليريوس، وينتظر أن يحين الوقت.

 

فشل في المحاولة الأولى؛ لم يشعر بشيء سوى صداع خفيف خلف عينيه. فشل في الثانية أيضًا، والثالثة، حتى بدأ يشعر بإحباط يتراكم فوق إرهاقه القديم.

هذه المرة رفع عينيه، بهدوء لا يحمل استخفافًا بالسؤال. “لا أعرف كل شيء. أعرف فقط أن موتها الآن لن يخدم الغرض الذي أخذها من أجله.”

 

 

 

لم يطمئن أورن لهذا الجواب، لكنه لم يجد فيه كذبًا واضحًا أيضًا. “غرض؟ أي غرض؟”

 

 

“هذا لك الآن.”

“هذا ما ستحتاج إلى معرفته لاحقًا، لا الآن.” قالها فاليريوس بنبرة تغلق الباب على المزيد من الإلحاح. “ما تحتاج معرفته الليلة هو أن أمامك ثلاثة أيام. إن أردت أن تصل إليها، أو إلى الرجل الذي أخذها، فعليك أن تستخدم هذا الوقت جيدًا، لا أن تضيعه في مواجهتي بأسئلة لا أملك لها إجابات كاملة.”

 

 

 

جلس أورن أخيرًا، لا رضًا بل إدراكًا أن لا خيار أمامه سوى الثقة الحذرة بهذا الرجل، على الأقل لثلاثة أيام.

نظر إليه فاليريوس بصمت لحظة أطول من المعتاد، وكأنه يزن شيئًا في ذهنه قبل أن يجيب. “المسار أخذ ثمنًا. هذا يحدث أحيانًا؛ لا تختار أنت الثمن، ولا تعرف مسبقًا حجمه.”

 

 

“إذن علّمني.”

توقف فاليريوس لحظة قبل أن يجيب. “توجد أشياء لا ينبغي أن تفكر فيها قبل أن تصل إلى مستويات لا تزال بعيدة عنك جدًا. اكتفِ الآن بما تحتاجه لتصل إلى ثلاثة أيام من الآن حيًا، ومستعدًا.”

 

ابتسم فاليريوس ابتسامة أوضح هذه المرة. “هذا كل ما تحتاجه. ليس قوة تهزم بها نبيلاً، بل ثانية واحدة لا يستطيع فيها أن يفعل ما اعتاد فعله.”

بدأ فاليريوس، دون مقدمات طويلة، بشرح ما أسماه هيكل المسارات: كل مسار، ومنها السرقة، يتألف من اثني عشر مستوى، وكل مستوى ينقسم بدوره إلى ثلاث رتب، دنيا ومتوسطة وعليا. سيدريك الآن في المستوى الأول، الرتبة الدنيا، أضعف نقطة ممكنة على هذا السلّم.

 

 

فتح يده، فوجد العملة هناك.

“في ثلاثة أيام،” قال فاليريوس، “قد تصل إلى الرتبة العليا من المستوى الأول، وربما تلمس بداية الثاني. لن تصبح خبيرًا. الانتقال بين الرتب لا يُقاس بالوقت وحده، بل بما تفهمه فعلًا، وما تفعله بيديك، لا بما تسمعه مني.”

ابتسم فاليريوس ابتسامة صغيرة، الابتسامة نفسها التي رآها سيدريك حين تحدثا عن تعريف المسار في القاعة الأولى. “هذا صحيح. لكنه تعريف كافٍ لمبتدئ يحمل سكينًا صغيرًا، لا لمن يريد الوصول إلى نبيل محاط بحراسه.”

 

 

لم يشرح أكثر من ذلك، ولم يذكر أسماء المستويات الأخرى أو تفاصيلها، وكأن هذا القدر من المعرفة يكفي لسيدريك الآن، ولا داعي لإثقاله بما لن يحتاجه قريبًا.

 

 

 

“وأنا أعرف السرقة.” قال سيدريك. “نقل الأشياء دون لمسها.”

 

 

وقف، واقترب من طاولته، وأخذ منها سكينًا بسيطًا، ووضعه على الأرض بينهما. “أنت تظن أن الشيء المسروق يجب أن يكون موضوعًا كهذا، شيئًا تراه وتلمسه.” نظر إلى سيدريك مباشرة. “لكن الإنسان يملك أشياء لا يمسكها بيده. انتباهه. توازنه. صوته. حتى بعض ما يظنه جزءًا ثابتًا من نفسه.”

ابتسم فاليريوس ابتسامة صغيرة، الابتسامة نفسها التي رآها سيدريك حين تحدثا عن تعريف المسار في القاعة الأولى. “هذا صحيح. لكنه تعريف كافٍ لمبتدئ يحمل سكينًا صغيرًا، لا لمن يريد الوصول إلى نبيل محاط بحراسه.”

 

 

 

وقف، واقترب من طاولته، وأخذ منها سكينًا بسيطًا، ووضعه على الأرض بينهما. “أنت تظن أن الشيء المسروق يجب أن يكون موضوعًا كهذا، شيئًا تراه وتلمسه.” نظر إلى سيدريك مباشرة. “لكن الإنسان يملك أشياء لا يمسكها بيده. انتباهه. توازنه. صوته. حتى بعض ما يظنه جزءًا ثابتًا من نفسه.”

“أنت لا تستعد لقتاله في مواجهة مباشرة.” قال فاليريوس. “لن تفوز بذلك، ولن تحاول ذلك أصلًا. أنت تستعد لخلق ثانية واحدة لا يستطيع فيها أن يفعل ما اعتاد فعله. تدخل، تستخدم السكين مرة، وتنسحب إن فشلت الطعنة الأولى. لا تكرر المحاولة في المكان نفسه.”

 

“عندما يتحرك أحدهم ليضربك، هناك جزء صغير جدًا من الزمن يسبق الضربة، لحظة يستعد فيها جسده. يمكنك أن تسرق هذه اللحظة، أن تجعل الضربة تصل متأخرة جزءًا بسيطًا، كافيًا لتفلت أو لترد.”

قبل أن يستطيع أورن أن يسأل عمّا يعنيه بالضبط، شعر بشيء غريب، خفيف جدًا، كأن انتباهه انزلق عن المكان لجزء من ثانية، ثم عاد فجأة، وكأن يدًا غير مرئية سحبت تركيزه بعيدًا للحظة ثم أعادته. لم يتحرك فاليريوس من مكانه.

 

 

لم يكن مستعدًا للفوز. لم يخدع نفسه بهذا الوهم. لكنه، للمرة الأولى منذ تلك الليلة في المنشأة، كان يملك شيئًا غير اليأس: فرصة واحدة، ضيقة، محسوبة بدقة قدر استطاعته، لكنها فرصة حقيقية للوصول إلى مارِن.

“سرقت انتباهك للحظة.” قال، بصوت لا يحمل فخرًا زائدًا. “وأعدته. هذا أيضًا سرقة، وإن كانت أبسط أنواعها.”

فحص سيدريك النصل، وزنه، وحافته، وأدرك أن هذا السلاح لن يجعله مقاتلاً لا يُقهر، بل فقط يمنحه هامشًا صغيرًا، ربما كافيًا، ربما لا.

 

بدأ فاليريوس، دون مقدمات طويلة، بشرح ما أسماه هيكل المسارات: كل مسار، ومنها السرقة، يتألف من اثني عشر مستوى، وكل مستوى ينقسم بدوره إلى ثلاث رتب، دنيا ومتوسطة وعليا. سيدريك الآن في المستوى الأول، الرتبة الدنيا، أضعف نقطة ممكنة على هذا السلّم.

جلس اورن بصمت، محاولًا استيعاب أن ما يظنه ملموسًا فقط قد لا يكون كذلك في هذا المسار.

لم يشعر أنه أقوى مما كان قبل ثلاثة أيام، ولا أن جسده تغيّر بشكل جوهري. كان لا يزال ذلك الرجل نفسه الذي فشل أمام النبيل الأول، الذي رأى مارِن مقيدة ولم يستطع فعل شيء. لكنه الآن يعرف شيئًا لم يعرفه تلك الليلة: أين، ومتى، وكيف، وأن هناك ثانية واحدة قد تكون كافية إن استخدمها جيدًا.

 

لم يرفع فاليريوس عينيه عن الأوراق أمامه فورًا. “لن يحدث لها شيء خلال الأيام الثلاثة القادمة.”

“هل تستطيع سرقة… أفكار؟ ذكريات؟ حياة رجل؟”

لم يكن مستعدًا للفوز. لم يخدع نفسه بهذا الوهم. لكنه، للمرة الأولى منذ تلك الليلة في المنشأة، كان يملك شيئًا غير اليأس: فرصة واحدة، ضيقة، محسوبة بدقة قدر استطاعته، لكنها فرصة حقيقية للوصول إلى مارِن.

 

توقف فاليريوس لحظة قبل أن يجيب. “توجد أشياء لا ينبغي أن تفكر فيها قبل أن تصل إلى مستويات لا تزال بعيدة عنك جدًا. اكتفِ الآن بما تحتاجه لتصل إلى ثلاثة أيام من الآن حيًا، ومستعدًا.”

“وأنا أعرف السرقة.” قال سيدريك. “نقل الأشياء دون لمسها.”

 

نظر إلى انعكاسه، إلى الوجه الغريب الذي لا يزال يشعر أنه لا يخصه تمامًا، ثم إلى السكين في يده.

اليوم الأول كان بسيطًا في ظاهره، ومرهقًا في حقيقته. وضع فاليريوس عملة معدنية على الطاولة، وطلب من سيدريك أن ينقلها إلى يده دون أن يلمسها.

 

 

 

فشل في المحاولة الأولى؛ لم يشعر بشيء سوى صداع خفيف خلف عينيه. فشل في الثانية أيضًا، والثالثة، حتى بدأ يشعر بإحباط يتراكم فوق إرهاقه القديم.

 

 

 

“أنت تحاول أن تحرك العملة.” قال فاليريوس، من دون أن يظهر أي انزعاج من بطء تلميذه. “لكنك لا تحدد ما تريده منها بوضوح كافٍ. أين تريدها؟ ماذا تريد أن يحدث لها بالضبط؟ المسار لا يقرأ رغبتك العامة؛ يحتاج قصدًا محددًا.”

لم يقتنع سيدريك بالإجابة تمامًا، لكنه لم يجد ما يضيفه. بقي الفراغ هناك، صغيرًا، هادئًا، مرعبًا بطريقته الخاصة أكثر من أي ألم جسدي شعر به تلك الليلة في الزنزانة.

 

جلس اورن بصمت، محاولًا استيعاب أن ما يظنه ملموسًا فقط قد لا يكون كذلك في هذا المسار.

حاول سيدريك مرة أخرى، هذه المرة وهو يحدد في ذهنه بدقة: العملة، من مكانها على الطاولة، إلى راحة يده. شعر ببرودة خفيفة تسري في أصابعه، أشبه بتلك التي عرفها ليلة استدعاء فاليريوس، لكن أضعف بكثير هذه المرة، ثم شعر بثقل معدني مفاجئ في راحته.

نظر إليه فاليريوس بصمت لحظة أطول من المعتاد، وكأنه يزن شيئًا في ذهنه قبل أن يجيب. “المسار أخذ ثمنًا. هذا يحدث أحيانًا؛ لا تختار أنت الثمن، ولا تعرف مسبقًا حجمه.”

 

 

فتح يده، فوجد العملة هناك.

“استخدامه أكثر من مرة واحدة في مواجهة واحدة قد يكلفك أكثر مما تتخيل. لا تستخدمه إلا حين تكون واثقًا أن هذه هي اللحظة التي تحتاجها فعلًا، لا قبلها.”

 

“إذن علّمني.”

لم يحتفل فاليريوس بالنجاح، لكنه أومأ برأسه، إشارة صغيرة كافية. كرر التمرين بأشياء أخرى، مفتاح، سكين صغير، حتى بدأ سيدريك يشعر أن الأمر أقرب إلى تعلم لغة جديدة منه إلى استخدام قوة سحرية مبهرة.

“وأنا أعرف السرقة.” قال سيدريك. “نقل الأشياء دون لمسها.”

 

في الليلة الثالثة، وقف سيدريك في غرفته أمام المرآة نفسها، والسكين الجديد في يده، يلمس نصله بحذر بأصابعه.

في اليوم الثاني، أعطاه فاليريوس سكينًا حقيقيًا، وطلب منه أن يقف على مسافة معينة منه.

 

 

 

“هاجمني.”

 

 

 

تردد سيدريك، ثم تقدم بحذر، وحاول أن يستخدم المسار ليقرّب المسافة بينهما، لكن حركته كانت متسرعة وغير واضحة القصد، فتفاداه فاليريوس بسهولة، وأمسك بمعصمه بحركة واحدة هادئة، بلا عنف زائد.

 

 

نظر إلى انعكاسه، إلى الوجه الغريب الذي لا يزال يشعر أنه لا يخصه تمامًا، ثم إلى السكين في يده.

“السكين لا يجعلك أقوى تلقائيًا.” قال، وهو يترك يده. “يمنحك فرصة، إن عرفت متى تستخدمها. المسار والسلاح يجب أن يعملا معًا، لا أن يحل أحدهما مكان الآخر.”

وسط أحد تمارين اليوم الثاني، حين حاول أورن سرقة شيء أعقد قليلًا، أحس بشيء مختلفًا تمامًا عن البرد المعتاد.

 

 

كرر التمرين مرات عديدة، يعلّمه متى يقرّب مسافة صغيرة، ومتى يترك يده تعمل وحدها دون تدخل المسار، حتى بدأ سيدريك يشعر بفارق طفيف بين محاولاته الأولى المتعثرة وقدرته الآن على تحديد لحظة واحدة يستخدم فيها السرقة بدقة أكبر.

في مساء اليوم الثالث، وضع فاليريوس على الطاولة سكينًا مختلفًا عن ذلك الذي تدرب به سيدريك طوال اليومين السابقين. نصل قصير، معدنه داكن يميل إلى الرمادي العميق، مقبضه من خشب صلب محفور بخطوط بسيطة لا تحمل زخرفة مبالغًا فيها.

 

 

وسط أحد تمارين اليوم الثاني، حين حاول أورن سرقة شيء أعقد قليلًا، أحس بشيء مختلفًا تمامًا عن البرد المعتاد.

اليوم الأول كان بسيطًا في ظاهره، ومرهقًا في حقيقته. وضع فاليريوس عملة معدنية على الطاولة، وطلب من سيدريك أن ينقلها إلى يده دون أن يلمسها.

 

لم يشعر أنه أقوى مما كان قبل ثلاثة أيام، ولا أن جسده تغيّر بشكل جوهري. كان لا يزال ذلك الرجل نفسه الذي فشل أمام النبيل الأول، الذي رأى مارِن مقيدة ولم يستطع فعل شيء. لكنه الآن يعرف شيئًا لم يعرفه تلك الليلة: أين، ومتى، وكيف، وأن هناك ثانية واحدة قد تكون كافية إن استخدمها جيدًا.

شعر بفراغ صغير يفتح في مكان ما داخله، لا ألمًا، بل غيابًا مفاجئًا لشيء لم يكن يفكر فيه قبل لحظة. حاول أن يتذكر صوت جدته، تلك المرأة التي ربّته سنوات طويلة قبل أن تموت وهو صبي صغير، فوجد وجهها حاضرًا بوضوح في ذاكرته، تجاعيدها، طريقتها في الجلوس، لكن حين حاول أن يسمع صوتها ينادي اسمه كما اعتادت، لم يجد شيئًا. فراغ تام، وكأن الصوت نفسه أُخذ من مكانه، بينما بقي كل شيء آخر عنها سليمًا.

استمع سيدريك بتركيز، يحفظ كل تفصيل، ويعرف أن هذه المعلومات، لا أي قوة سحرية مفاجئة، هي ما يمنحه فرصة حقيقية.

 

تردد سيدريك، ثم تقدم بحذر، وحاول أن يستخدم المسار ليقرّب المسافة بينهما، لكن حركته كانت متسرعة وغير واضحة القصد، فتفاداه فاليريوس بسهولة، وأمسك بمعصمه بحركة واحدة هادئة، بلا عنف زائد.

توقف عن الحركة، وجلس على الأرض، محاولًا مرة أخرى أن يستدعي ذلك الصوت، فلم ينجح.

لم يحتفل فاليريوس بالنجاح، لكنه أومأ برأسه، إشارة صغيرة كافية. كرر التمرين بأشياء أخرى، مفتاح، سكين صغير، حتى بدأ سيدريك يشعر أن الأمر أقرب إلى تعلم لغة جديدة منه إلى استخدام قوة سحرية مبهرة.

 

جرّب سيدريك ذلك مرارًا، وفشل في أغلبها، لكن في إحدى المحاولات، حين اندفع فاليريوس نحوه بحركة تدريبية بطيئة عمدًا، شعر سيدريك بشيء ينفصل للحظة، كأن الزمن حوله تلعثم جزءًا صغيرًا جدًا، ونجح في التراجع قبل أن تصله ضربة كانت ستصيبه.

“ماذا حدث؟” سأل بصوت أقل ثباتًا مما أراد.

“أريد إنقاذ أختي الآن.”

 

 

نظر إليه فاليريوس بصمت لحظة أطول من المعتاد، وكأنه يزن شيئًا في ذهنه قبل أن يجيب. “المسار أخذ ثمنًا. هذا يحدث أحيانًا؛ لا تختار أنت الثمن، ولا تعرف مسبقًا حجمه.”

ابتسم فاليريوس ابتسامة أوضح هذه المرة. “هذا كل ما تحتاجه. ليس قوة تهزم بها نبيلاً، بل ثانية واحدة لا يستطيع فيها أن يفعل ما اعتاد فعله.”

 

شعر بفراغ صغير يفتح في مكان ما داخله، لا ألمًا، بل غيابًا مفاجئًا لشيء لم يكن يفكر فيه قبل لحظة. حاول أن يتذكر صوت جدته، تلك المرأة التي ربّته سنوات طويلة قبل أن تموت وهو صبي صغير، فوجد وجهها حاضرًا بوضوح في ذاكرته، تجاعيدها، طريقتها في الجلوس، لكن حين حاول أن يسمع صوتها ينادي اسمه كما اعتادت، لم يجد شيئًا. فراغ تام، وكأن الصوت نفسه أُخذ من مكانه، بينما بقي كل شيء آخر عنها سليمًا.

“لماذا صوتها بالذات؟”

لم ينتظر أورن حتى الصباح ليطرح الأمر. وجد فاليريوس في القاعة نفسها التي غيّر فيها وجهه قبل ساعات، جالسًا خلف طاولته الخشبية وكأنه لم يغادرها قط.

 

“هذا ما ستحتاج إلى معرفته لاحقًا، لا الآن.” قالها فاليريوس بنبرة تغلق الباب على المزيد من الإلحاح. “ما تحتاج معرفته الليلة هو أن أمامك ثلاثة أيام. إن أردت أن تصل إليها، أو إلى الرجل الذي أخذها، فعليك أن تستخدم هذا الوقت جيدًا، لا أن تضيعه في مواجهتي بأسئلة لا أملك لها إجابات كاملة.”

لم يجب فاليريوس مباشرة. نظر إلى سيدريك نظرة بدت أطول قليلًا مما تستحقه الإجابة البسيطة التي قالها بعد ذلك: “الثمن لا يُختار، ولا يُفسَّر دائمًا.”

 

 

“عندما يتحرك أحدهم ليضربك، هناك جزء صغير جدًا من الزمن يسبق الضربة، لحظة يستعد فيها جسده. يمكنك أن تسرق هذه اللحظة، أن تجعل الضربة تصل متأخرة جزءًا بسيطًا، كافيًا لتفلت أو لترد.”

لم يقتنع سيدريك بالإجابة تمامًا، لكنه لم يجد ما يضيفه. بقي الفراغ هناك، صغيرًا، هادئًا، مرعبًا بطريقته الخاصة أكثر من أي ألم جسدي شعر به تلك الليلة في الزنزانة.

 

 

لم يشرح أكثر من ذلك، ولم يذكر أسماء المستويات الأخرى أو تفاصيلها، وكأن هذا القدر من المعرفة يكفي لسيدريك الآن، ولا داعي لإثقاله بما لن يحتاجه قريبًا.

في اليوم الثالث، طلب منه فاليريوس أن يحاول سرقة شيء أصعب: لحظة من حركة خصمه.

 

 

لم يشرح أكثر من ذلك، ولم يذكر أسماء المستويات الأخرى أو تفاصيلها، وكأن هذا القدر من المعرفة يكفي لسيدريك الآن، ولا داعي لإثقاله بما لن يحتاجه قريبًا.

“عندما يتحرك أحدهم ليضربك، هناك جزء صغير جدًا من الزمن يسبق الضربة، لحظة يستعد فيها جسده. يمكنك أن تسرق هذه اللحظة، أن تجعل الضربة تصل متأخرة جزءًا بسيطًا، كافيًا لتفلت أو لترد.”

لم يشرح أكثر من ذلك، ولم يذكر أسماء المستويات الأخرى أو تفاصيلها، وكأن هذا القدر من المعرفة يكفي لسيدريك الآن، ولا داعي لإثقاله بما لن يحتاجه قريبًا.

 

 

جرّب سيدريك ذلك مرارًا، وفشل في أغلبها، لكن في إحدى المحاولات، حين اندفع فاليريوس نحوه بحركة تدريبية بطيئة عمدًا، شعر سيدريك بشيء ينفصل للحظة، كأن الزمن حوله تلعثم جزءًا صغيرًا جدًا، ونجح في التراجع قبل أن تصله ضربة كانت ستصيبه.

لم يرفع فاليريوس عينيه عن الأوراق أمامه فورًا. “لن يحدث لها شيء خلال الأيام الثلاثة القادمة.”

 

 

ابتسم فاليريوس ابتسامة أوضح هذه المرة. “هذا كل ما تحتاجه. ليس قوة تهزم بها نبيلاً، بل ثانية واحدة لا يستطيع فيها أن يفعل ما اعتاد فعله.”

 

 

 

في مساء اليوم الثالث، وضع فاليريوس على الطاولة سكينًا مختلفًا عن ذلك الذي تدرب به سيدريك طوال اليومين السابقين. نصل قصير، معدنه داكن يميل إلى الرمادي العميق، مقبضه من خشب صلب محفور بخطوط بسيطة لا تحمل زخرفة مبالغًا فيها.

توقف عن الحركة، وجلس على الأرض، محاولًا مرة أخرى أن يستدعي ذلك الصوت، فلم ينجح.

 

لم ينتظر أورن حتى الصباح ليطرح الأمر. وجد فاليريوس في القاعة نفسها التي غيّر فيها وجهه قبل ساعات، جالسًا خلف طاولته الخشبية وكأنه لم يغادرها قط.

“هذا لك الآن.”

“هذا لك الآن.”

 

وسط أحد تمارين اليوم الثاني، حين حاول أورن سرقة شيء أعقد قليلًا، أحس بشيء مختلفًا تمامًا عن البرد المعتاد.

أمسك سيدريك به، وشعر بثقل غريب فيه، أثقل مما توحي به أبعاده الصغيرة.

“ماذا حدث؟” سأل بصوت أقل ثباتًا مما أراد.

 

 

“له قدرة واحدة.” قال فاليريوس. “حين تطعن به، يستطيع أن يسرق جزءًا صغيرًا من المسافة بين النصل والهدف، يجعل الطعنة تصل أقرب مما ينبغي لها أن تصل، لجزء ضئيل جدًا من الوقت. هذا كافٍ أحيانًا ليجعل ضربة كانت ستُصد تصل فعلًا.”

 

 

لم يقتنع سيدريك بالإجابة تمامًا، لكنه لم يجد ما يضيفه. بقي الفراغ هناك، صغيرًا، هادئًا، مرعبًا بطريقته الخاصة أكثر من أي ألم جسدي شعر به تلك الليلة في الزنزانة.

“وثمنها؟”

 

 

“لماذا صوتها بالذات؟”

“استخدامه أكثر من مرة واحدة في مواجهة واحدة قد يكلفك أكثر مما تتخيل. لا تستخدمه إلا حين تكون واثقًا أن هذه هي اللحظة التي تحتاجها فعلًا، لا قبلها.”

 

 

نظر إليه فاليريوس بصمت لحظة أطول من المعتاد، وكأنه يزن شيئًا في ذهنه قبل أن يجيب. “المسار أخذ ثمنًا. هذا يحدث أحيانًا؛ لا تختار أنت الثمن، ولا تعرف مسبقًا حجمه.”

فحص سيدريك النصل، وزنه، وحافته، وأدرك أن هذا السلاح لن يجعله مقاتلاً لا يُقهر، بل فقط يمنحه هامشًا صغيرًا، ربما كافيًا، ربما لا.

 

 

 

جلسا معًا بعد ذلك أمام الطاولة، وخريطة مبسطة رسمها فاليريوس بخطوط سريعة لموقع يعرفه، مسارات حراسة، أوقات تناوب، ونافذة صغيرة من الوقت يكون فيها الرجل الذي أخذ مارِن أقل حراسة من المعتاد، أثناء انتقاله بين جناحين في مبنى ليس هو المنشأة نفسها، بل مكانًا آخر يتردد عليه بانتظام.

 

 

جرّب سيدريك ذلك مرارًا، وفشل في أغلبها، لكن في إحدى المحاولات، حين اندفع فاليريوس نحوه بحركة تدريبية بطيئة عمدًا، شعر سيدريك بشيء ينفصل للحظة، كأن الزمن حوله تلعثم جزءًا صغيرًا جدًا، ونجح في التراجع قبل أن تصله ضربة كانت ستصيبه.

“أنت لا تستعد لقتاله في مواجهة مباشرة.” قال فاليريوس. “لن تفوز بذلك، ولن تحاول ذلك أصلًا. أنت تستعد لخلق ثانية واحدة لا يستطيع فيها أن يفعل ما اعتاد فعله. تدخل، تستخدم السكين مرة، وتنسحب إن فشلت الطعنة الأولى. لا تكرر المحاولة في المكان نفسه.”

 

 

 

استمع سيدريك بتركيز، يحفظ كل تفصيل، ويعرف أن هذه المعلومات، لا أي قوة سحرية مفاجئة، هي ما يمنحه فرصة حقيقية.

 

 

 

“لن أنفذ هذا بدلًا منك.” أضاف فاليريوس، وكأنه يقرأ سؤالًا لم يُطرح بعد. “أعطيك الطريق والمعرفة. القرار، والمخاطرة، لك وحدك.”

“السكين لا يجعلك أقوى تلقائيًا.” قال، وهو يترك يده. “يمنحك فرصة، إن عرفت متى تستخدمها. المسار والسلاح يجب أن يعملا معًا، لا أن يحل أحدهما مكان الآخر.”

 

 

في الليلة الثالثة، وقف سيدريك في غرفته أمام المرآة نفسها، والسكين الجديد في يده، يلمس نصله بحذر بأصابعه.

 

 

 

لم يشعر أنه أقوى مما كان قبل ثلاثة أيام، ولا أن جسده تغيّر بشكل جوهري. كان لا يزال ذلك الرجل نفسه الذي فشل أمام النبيل الأول، الذي رأى مارِن مقيدة ولم يستطع فعل شيء. لكنه الآن يعرف شيئًا لم يعرفه تلك الليلة: أين، ومتى، وكيف، وأن هناك ثانية واحدة قد تكون كافية إن استخدمها جيدًا.

 

 

 

نظر إلى انعكاسه، إلى الوجه الغريب الذي لا يزال يشعر أنه لا يخصه تمامًا، ثم إلى السكين في يده.

 

 

“وثمنها؟”

لم يكن مستعدًا للفوز. لم يخدع نفسه بهذا الوهم. لكنه، للمرة الأولى منذ تلك الليلة في المنشأة، كان يملك شيئًا غير اليأس: فرصة واحدة، ضيقة، محسوبة بدقة قدر استطاعته، لكنها فرصة حقيقية للوصول إلى مارِن.

شعر بفراغ صغير يفتح في مكان ما داخله، لا ألمًا، بل غيابًا مفاجئًا لشيء لم يكن يفكر فيه قبل لحظة. حاول أن يتذكر صوت جدته، تلك المرأة التي ربّته سنوات طويلة قبل أن تموت وهو صبي صغير، فوجد وجهها حاضرًا بوضوح في ذاكرته، تجاعيدها، طريقتها في الجلوس، لكن حين حاول أن يسمع صوتها ينادي اسمه كما اعتادت، لم يجد شيئًا. فراغ تام، وكأن الصوت نفسه أُخذ من مكانه، بينما بقي كل شيء آخر عنها سليمًا.

 

 

أطفأ المصباح، وأمسك بالسكين وهو يستلقي، غير قادر على النوم، يعيد في ذهنه كل تفصيل صغير علّمه إياه فاليريوس، وينتظر أن يحين الوقت.

فشل في المحاولة الأولى؛ لم يشعر بشيء سوى صداع خفيف خلف عينيه. فشل في الثانية أيضًا، والثالثة، حتى بدأ يشعر بإحباط يتراكم فوق إرهاقه القديم.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط