الذكريات (1)
الفصل 260. الذكريات (1)
«هناك تلف دماغي… عجز دائم.»
«سأفوز بذهبية الأولمبياد.»
عاش مع جدته في أحياء الصفيح الفقيرة والتحق بالمدارس في كوريا دون نبوغ أكاديمي؛ وكان العثور على أمل في عيشة كهذه ضرباً من المستحيل، لولا أن الرماية غدت ملاذه الوحيد.
عقب تلك العبارة المقتضبة، ترجل سانغهيون عن منصة التتويج.
أدرك سانغهيون واقعه أفضل من أي شخص آخر.
اقترب منه صحفيون يمثلون صحفاً محلية صغيرة.
«معذرة.»
«هل تسمح لنا بمقابلة سريعة؟ وسامتك لافتة حقاً! سنفرد لك مساحة كبرى في ملحقنا الرياضي.»
ساد المكان جو ثقيل يعجز اللسان عن وصفه؛ فلا حديث يدور، واكتفى الأغلبية بتقديم واجب العزاء بخشوع ثم الانصراف بصمت.
«رجاءً، خصص لنا بضع دقائق. أعدك بكتابة مقال مميز عنك!»
شهقات متقطعة تخرج من صدره بمرارة وحرقة…
«كيف التقيت بمدربك؟»
«كيف وصلت إلى هنا؟»
بدا كثير من المراسلين متلهفين، بل وفضوليين لدرجة الفجاجة، بيد أن سانغهيون اقتصد في كلماته لأقصى حد.
احتار سانغهيون أمام إصرار مدربه السابق.
قال ما أراد قوله بالفعل؛ واستحضر نصيحة مدربه بتجنب الغرور حين يبلغ القمة.
‘علي شكر الحظ لنجاته… ما زال حياً يرزق…’
كبح رغبته في مطالبتهم بالتنحي عن طريقه، واكتفى بانحناءة مهذبة:
ربت المدرب على رأسه ضاحكاً:
«معذرة.»
أثناء تناول الطعام، يلتقط المعزون طعامهم بحذر مفرط تفادياً لقرقعة عيدان الأكل؛ ونظرات الكبار ترمقه بعيون ملؤها الأسى والشفقة.
استقبله مدربه بعد تجاوزه طوق الصحفيين: «أراك عازماً بحق على خوض معترك الأولمبياد، أليس كذلك؟»
خرجت الممرضة من الغرفة.
بدا المدرب مبتهجاً بدماثة سانغهيون ورزانة سلوكه خلال المقابلة.
«أعلم ذلك.»
ارتسمت على محيا سانغهيون ملامح امتعاض طفيف؛ فلم ترق له تلك الإشادة بالأخلاق.
«لعلكم سمعتم بالشلل الدماغي؛ يعايشه المرضى عادة كخلل في النمو مرافق للحالة، لكن…»
ربت المدرب على رأسه ضاحكاً:
«بالتأكيد يا سيدتي؛ بوليصة التأمين تغطي كل شيء.»
«أحسنت صنعاً؛ ذكرت ذلك سلفاً، لكن إنجازك اليوم خارق للعادة بحق.»
تلك هي الحقيقة المجردة؛ أمل غامض أشبه بمسألة رياضية استعصت على الحل.
«شكراً لك.»
شهقة… شهقة…
تطلع دوماً للثناء على موهبته ورمياته، لا على وسامته أو تهذيبه؛ واعتبر الاكتراث بنظرات الآخرين شيمة الضعفاء فحسب.
عجز سانغهيون عن تقبل شكرها؛ ففي نظره لم يستحق أدنى امتنان، بل اعتبر نفسه المتسبب الأول في تلك المأساة المفجعة.
اقترح المدرب مازحاً ذات يوم مبادلة الوجوه معه، غير أن سانغهيون لم يجبه عن ذلك قط.
«هناك تلف دماغي… عجز دائم.»
«يو سانغهيون!»
«زميل دراسة؟»
انطلق صوت فتاة ذات شعر طويل من خلف المدرب تنادي اسمه بفرح غامر؛ مرتدية الزي الأبيض ذاته ومعتمرة قبعة دلو. وبفعل سرعتها، طارت القبعة لتسطع خيوط الشمس فوق وجهها النضر.
«آه… يا للمصيبة…»
اقتربت بملامح تفيض بالبهجة.
لم تكن طاقة العضلات ما يشحذ عزيمته.
طخ!
أما الآن، فوجد سانغهيون نفسه يرتاد هذا المكان من زاوية أولئك الكبار ذاتها، مدركاً استحالة لومهم بعد اليوم.
أمسكت بيده وهزتها بحماس:
‘كنت واثقاً من ذلك.’
«إنجاز أسطوري حقاً! إنه رقم غير رسمي!»
مخصص لسانغهيون الذي استحال عليه الاستمرار كرامٍ محترف؛ منحة تعاطف نابعة من خالص التضامن.
قهقه المدرب لفرط صخبها.
«شلل…»
ركضت نحوه كأنها تهم بمعانقته، لكنها اكتفت بالإمساك بيده في النهاية؛ ففي المحصلة، لا يزالان طالبين بالمرحلة الثانوية.
«بل هو رياضي مقيد رسمياً.» قاطع رجل اقتحم الغرفة حوارهم بحزم.
«إنه غير رسمي.»
«معذرة.»
لم تُعتمد أرقام البطولة رسمياً، فالعلامة الكاملة في رميات العشرات سجلها رماة آخرون سابقاً؛ غير أن ما قصدته هان سويون بالرقم غير الرسمي كان تتويج سانغهيون كأصغر رامي يحقق ذلك في التاريخ.
طخ!
«رغم ذلك! ستجعله رقماً رسمياً في المرة المقبلة حتماً!»
«أعلم ذلك.»
عجز سانغهيون عن كبح حماس سويون الفياض.
بدت السيدة خالة سويون؛ تشبه والدتها ملامحاً، وقادته إلى الداخل وسط تصاعد وتيرة النحيب.
تدخل بقية أعضاء الفريق معلقين على تألق سانغهيون.
أثناء تناول الطعام، يلتقط المعزون طعامهم بحذر مفرط تفادياً لقرقعة عيدان الأكل؛ ونظرات الكبار ترمقه بعيون ملؤها الأسى والشفقة.
«وااو، يا سانغهيون، مستواك لا يصدق؛ أما أنا فتعثرت تماماً. يبدو أن فجوة الموهبة عصية على الردم.»
«سويون…»
تهادى دونغسو بخطواته المتكاسلة المعتادة.
سماع كلمات الطبيب جعل جدته على وشك الصراخ هلعاً.
ظن سانغهيون أنه إن وجد شخص يشعر بالرضا الدائم، فهو دونغسو تحديداً.
«بل هو رياضي مقيد رسمياً.» قاطع رجل اقتحم الغرفة حوارهم بحزم.
«دونغسو، أنت لا تتمرن نصف ما يتمرنه سانغهيون ورغم ذلك تشارك بالبطولة؛ ألست صاحب الموهبة الحقيقية إذن؟» ردت هيونجو التي لحقت بهم بحزم.
«سيستعيد حتماً قدرته على تدبير شؤون حياته اليومية.»
الطالبة الوحيدة بالصف الأول التي تشارك في هذه المنافسة.
إنها والدة سويون، شديدة الشبه بابنتها الراحلة.
«ولمَ لا أتمرن؟ الأمر لا يفلح معي فحسب، حسناً؟ لا يفلح! حين كنت بالصف الأول…»
برع فيها باقتدار مدهش؛ وحينها فقط استشعر عدالة هذا العالم، ظاناً أنه منحه تلك الموهبة ليعين نفسه وجدته على نوائب الدهر.
«حسناً يا رفاق، ما رأيكم بالذهاب لتناول الطعام الآن؟» قاطع المدرب ثرثرة دونغسو مشيراً نحو السيارة.
تردد سانغهيون حائراً، غير أن جدته لم تطق صمته فهوت بيدها فوق كتفه معاتبة:
«ما رأيكم بنودلز الفاصولياء السوداء؟»
ربت المدرب على رأسه ضاحكاً:
لم يكترث سانغهيون لنوع الطعام، غير أن الجميع اعترضوا على هذا المقترح بإجماع.
«بالتأهيل الطبي المكثف، سيغدو قادراً على ممارسة حياته اليومية المعتادة. حالياً، تعاني يده اليمنى من اعتلال عصبي يفاقم الرجفة، بيد أن العلاج التأهيلي كفيل بالحد منه.»
«ماذا؟! يو سانغهيون توج بطلاً اليوم!»
خارت قوى سانغهيون بغتة فهوى جاثياً على ركبتيه.
«مستحيل! نودلز فاصولياء؟!»
عجز عن النهوض مجدداً.
«أترانا من كوريا الشمالية يا مدرب؟!»
بدت السيدة خالة سويون؛ تشبه والدتها ملامحاً، وقادته إلى الداخل وسط تصاعد وتيرة النحيب.
تراجع المدرب بملامح مرحة مصححاً: «كنت أمزح فقط؛ سنتناول لحم الواغيو اليوم على حسابي.»
يقتربون من سانغهيون الصغير بكلمات مواساة عابرة ثم يمضون، دون أن يراهم مجدداً؛ وحين كان صغيراً، وجد هؤلاء الناس مزعجين وبغيضين.
دوت صيحة ابتهاج عارمة ملأت المكان.
لم يشغل بال سانغهيون مدة بقائه بالمستشفى، بل إمكانية الإمساك بقوسه مجدداً.
ابتسم سانغهيون ابتسامة عريضة، غير دارٍ بما يخبئه له القدر في الساعات القادمة.
أدركت الممرضة صعوبة مجادلته، فتمتمت:
←↓↑→
«عضلاتك تفقد قواها من فرط الإنهاك.»
«هناك تلف دماغي… عجز دائم.»
«وحتى لو تحققت المعجزة، فلن تعود لسابق عهدك أبداً.»
سماع كلمات الطبيب جعل جدته على وشك الصراخ هلعاً.
«فماذا ستفعل إذن؟»
«ماذا؟ أرجوك يا دكتور! لا تقل هذا! أتقول إن هذا… عجز دائم؟!»
بدا أصغر من أن يستوعب هول الفاجعة وقتها، بيد أن الأجواء خلدت في وجدانه بوضوح.
«لعلكم سمعتم بالشلل الدماغي؛ يعايشه المرضى عادة كخلل في النمو مرافق للحالة، لكن…»
«سأفوز بذهبية الأولمبياد.»
«شلل…»
«عليك اتخاذ قرارك بروية بالغة؛ فهذا المبلغ بمثابة تعويض وترضية في حقيقته.»
«حالات شلل دماغي عديدة تصيب جزءاً محدداً من الجسد؛ ويسعكم اعتبار أعراض سانغهيون مماثلة لحالات الشلل الدماغي المكتسب إثر صدمة الحادث.»
ظن سانغهيون أنه إن وجد شخص يشعر بالرضا الدائم، فهو دونغسو تحديداً.
«آه… يا للمصيبة…»
←↓↑→
انهارت جدة سانغهيون فوق الأرض وانخرطت في بكاء مرير.
«تفضل لتقديم واجب العزاء؛ شكراً لقدومك، كانت محظوظة بزميل وسيم ووفي مثلك.»
لمَ طفت ذكريات ذلك اليوم في ذهنه الآن؟ حتى لحم البقر يومها لم يكن بتلك اللذة.
«أموال التأمين مقيدة بنفقات الاستشفاء حصراً، أما هذه الإعانة فسيولة نقدية يسعكم التصرف بها في شؤون معيشتكم. ولتعلم فحسب، وبناءً على ما أبلغني به الطبيب، فإن احتمالية شفائك التام لا تتجاوز 0.2%.»
تأمل سانغهيون ذراعه اليمنى المرتجفة متسائلاً بحيرة.
تمالكت الجدة نفسها واستمعت للممرضة، بينما شرد سانغهيون ببصره نحو النافذة مذهولاً.
ابتل كمه بالدموع حتى عجز قماشه عن امتصاص قطرة إضافية.
أما الآن، فوجد سانغهيون نفسه يرتاد هذا المكان من زاوية أولئك الكبار ذاتها، مدركاً استحالة لومهم بعد اليوم.
شهقة… شهقة…
خارت قوى سانغهيون بغتة فهوى جاثياً على ركبتيه.
مع ذلك، واصلت عبراته الانهمار دون توقف.
احتار سانغهيون أمام إصرار مدربه السابق.
«بالتأهيل الطبي المكثف، سيغدو قادراً على ممارسة حياته اليومية المعتادة. حالياً، تعاني يده اليمنى من اعتلال عصبي يفاقم الرجفة، بيد أن العلاج التأهيلي كفيل بالحد منه.»
دوت صيحة ابتهاج عارمة ملأت المكان.
فقدت جدته القدرة على الكلام، مستنزفة طاقتها في كتم نحيبها؛ فاضطر سانغهيون للسؤال بنفسه.
«سـ… سانغهيون، أهذا أنت؟»
التقت عيناه الغارقتان بالدموع بعيني الطبيب:
أراد الطبيب بث بصيص أمل، غير أن سانغهيون فسرها في قرارة نفسه: ‘لا أحد يدري كيف يعالج حالتك.’
«… ألن أتمكن من مواصلة الرماية؟»
«كيف ترحلين وتتركيننا هكذا…»
عدل الطبيب نظارته ووضع كفه برفق فوق كتف الفتى:
أما الآن، فوجد سانغهيون نفسه يرتاد هذا المكان من زاوية أولئك الكبار ذاتها، مدركاً استحالة لومهم بعد اليوم.
«لا أحد يملك علماً يقينياً.»
«ماذا؟! يو سانغهيون توج بطلاً اليوم!»
أراد الطبيب بث بصيص أمل، غير أن سانغهيون فسرها في قرارة نفسه: ‘لا أحد يدري كيف يعالج حالتك.’
لم يتيقن سانغهيون من مشاعره؛ لم يبح بشيء قط وربما لم يدرك الأمر تماماً وقتها. غدت الرماية عالمه بأسره.
تلك هي الحقيقة المجردة؛ أمل غامض أشبه بمسألة رياضية استعصت على الحل.
سماع كلمات الطبيب جعل جدته على وشك الصراخ هلعاً.
عجز الطبيب عن التحديق المباشر في عيني الفتى، فاستدار وغادر الغرفة مطأطئ الرأس.
«… صحيح.»
دخلت الممرضة لاحقاً لتشرح الخطوات التالية بإيجاز:
ركضت نحوه كأنها تهم بمعانقته، لكنها اكتفت بالإمساك بيده في النهاية؛ ففي المحصلة، لا يزالان طالبين بالمرحلة الثانوية.
«تكفلت شركة تأمين سيارة الأجرة بتغطية نفقات الاستشفاء كاملة.»
عجز عن النظر المباشر نحو سانغهيون، فشخص ببصره نحو النافذة متأملاً الأفق.
تمالكت الجدة نفسها واستمعت للممرضة، بينما شرد سانغهيون ببصره نحو النافذة مذهولاً.
لم تُعتمد أرقام البطولة رسمياً، فالعلامة الكاملة في رميات العشرات سجلها رماة آخرون سابقاً؛ غير أن ما قصدته هان سويون بالرقم غير الرسمي كان تتويج سانغهيون كأصغر رامي يحقق ذلك في التاريخ.
تراءت له زرقة السماء الصافية وتفاصيل الصخور الوعرة على قمة الجبل البعيد؛ فحدة بصره الكاملة غدت على الدوام سلاحه الأمضى في الرماية.
ارتسمت على محيا سانغهيون ملامح امتعاض طفيف؛ فلم ترق له تلك الإشادة بالأخلاق.
«أيسعه البقاء بالمستشفى للمدة التي يحتاجها؟»
عجز سانغهيون عن كبح حماس سويون الفياض.
«بالتأكيد يا سيدتي؛ بوليصة التأمين تغطي كل شيء.»
«تفضل لتقديم واجب العزاء؛ شكراً لقدومك، كانت محظوظة بزميل وسيم ووفي مثلك.»
لم يشغل بال سانغهيون مدة بقائه بالمستشفى، بل إمكانية الإمساك بقوسه مجدداً.
«وااو، يا سانغهيون، مستواك لا يصدق؛ أما أنا فتعثرت تماماً. يبدو أن فجوة الموهبة عصية على الردم.»
«سيستعيد حتماً قدرته على تدبير شؤون حياته اليومية.»
أدرك سانغهيون واقعه أفضل من أي شخص آخر.
تنفست الجدة الصعداء بابتهاج:
إنها والدة سويون، شديدة الشبه بابنتها الراحلة.
‘علي شكر الحظ لنجاته… ما زال حياً يرزق…’
هز المدرب رأسه نافياً: «لا، الأمر معقد للأسف.»
ردد الجميع حوله وجوب شعوره بالارتياح لمجرد بقائه حياً.
لم تُعتمد أرقام البطولة رسمياً، فالعلامة الكاملة في رميات العشرات سجلها رماة آخرون سابقاً؛ غير أن ما قصدته هان سويون بالرقم غير الرسمي كان تتويج سانغهيون كأصغر رامي يحقق ذلك في التاريخ.
‘أأشعر بذلك حقاً؟’
بدا المدرب مبتهجاً بدماثة سانغهيون ورزانة سلوكه خلال المقابلة.
لم يتيقن سانغهيون من مشاعره؛ لم يبح بشيء قط وربما لم يدرك الأمر تماماً وقتها. غدت الرماية عالمه بأسره.
«ولمَ لا أتمرن؟ الأمر لا يفلح معي فحسب، حسناً؟ لا يفلح! حين كنت بالصف الأول…»
عاش مع جدته في أحياء الصفيح الفقيرة والتحق بالمدارس في كوريا دون نبوغ أكاديمي؛ وكان العثور على أمل في عيشة كهذه ضرباً من المستحيل، لولا أن الرماية غدت ملاذه الوحيد.
بدت السيدة خالة سويون؛ تشبه والدتها ملامحاً، وقادته إلى الداخل وسط تصاعد وتيرة النحيب.
برع فيها باقتدار مدهش؛ وحينها فقط استشعر عدالة هذا العالم، ظاناً أنه منحه تلك الموهبة ليعين نفسه وجدته على نوائب الدهر.
أمسكت بيده وهزتها بحماس:
اعتقد حينها… أن ثمة دوماً سبيلاً للنجاة في هذا العالم.
يقتربون من سانغهيون الصغير بكلمات مواساة عابرة ثم يمضون، دون أن يراهم مجدداً؛ وحين كان صغيراً، وجد هؤلاء الناس مزعجين وبغيضين.
«لكن… نفقات التأهيل الرياضي الاحترافي لا يشملها تأمين الحوادث.» حولت الممرضة مجرى الحديث نحو النقطة الجوهرية.
أراد الطبيب بث بصيص أمل، غير أن سانغهيون فسرها في قرارة نفسه: ‘لا أحد يدري كيف يعالج حالتك.’
لم يتيقن سانغهيون إن يجدر به التمسك بالرماية؛ فربما بدا اختفاؤه أهون على الجميع.
«… صحيح.»
عانت جدته الأمرين في تربيته، متسلقة أدراجاً تنهك عزم الشباب الأصحاء؛ فتآكلت مفاصل ركبتيها حتى العظم دون أن تبثه شكواها يوماً.
شهقة… شهقة…
«العلاج الرامي للأنشطة الحياتية مغطى بالكامل، أما التأهيل الرياضي فيتطلب تأمين رياضيين منفصلاً؛ والفتى غير مسجل رسمياً كرياضي محترف بعد.»
شهقات متقطعة تخرج من صدره بمرارة وحرقة…
لم يُسجل سانغهيون كرياضي رسمي بعد؛ إذ يتوجب عليه التأهل للأولمبياد لنيل رعاية الاتحاد والتأمين التخصصي.
«حقاً؟ حين دققت في السجلات—»
«بل هو رياضي مقيد رسمياً.» قاطع رجل اقتحم الغرفة حوارهم بحزم.
«أموال التأمين مقيدة بنفقات الاستشفاء حصراً، أما هذه الإعانة فسيولة نقدية يسعكم التصرف بها في شؤون معيشتكم. ولتعلم فحسب، وبناءً على ما أبلغني به الطبيب، فإن احتمالية شفائك التام لا تتجاوز 0.2%.»
إنه مدرب سانغهيون.
«حصد الميدالية الذهبية ببطولة الجمهورية قبل أسبوع واحد؛ أتظنين حقاً أن بطلاً كهذا غير مسجل باتحاد اللعبة؟»
«إنه رياضي مسجل؛ رجاءً، وفروا له برامج التأهيل التخصصي.»
«مـ… من الذي… مات؟»
بدت الممرضة حائرة:
عقب تلك العبارة المقتضبة، ترجل سانغهيون عن منصة التتويج.
«حقاً؟ حين دققت في السجلات—»
مع ذلك، واصلت عبراته الانهمار دون توقف.
«حصد الميدالية الذهبية ببطولة الجمهورية قبل أسبوع واحد؛ أتظنين حقاً أن بطلاً كهذا غير مسجل باتحاد اللعبة؟»
«لعلكم سمعتم بالشلل الدماغي؛ يعايشه المرضى عادة كخلل في النمو مرافق للحالة، لكن…»
«حسناً…»
«؟»
أدركت الممرضة صعوبة مجادلته، فتمتمت:
لم تكن تلك الزيارة الأولى لسانغهيون لسرادق عزاء؛ ففي ذاكرته بقايا مشهد وقوفه متصدراً صفوف المعزين يوم رحل والداه عن الدنيا.
«سأعيد التحقق من الأمر فوراً.»
‘كنت واثقاً من ذلك.’
خرجت الممرضة من الغرفة.
شهقة…
←↓↑→
انحنى المدرب محيياً جدة سانغهيون باحترام، ثم جلس إلى جوار الفتى.
انحنى المدرب محيياً جدة سانغهيون باحترام، ثم جلس إلى جوار الفتى.
«وحتى لو تحققت المعجزة، فلن تعود لسابق عهدك أبداً.»
‘…’
قهقه المدرب لفرط صخبها.
عجز عن النظر المباشر نحو سانغهيون، فشخص ببصره نحو النافذة متأملاً الأفق.
«دبرت لك إعانة مالية خاصة من الاتحاد.»
«أأنا مسجل حقاً وسيتكفل التأمين بنفقات علاجي؟» سأل سانغهيون بنبرة ملؤها الشك.
لم تكن تلك الزيارة الأولى لسانغهيون لسرادق عزاء؛ ففي ذاكرته بقايا مشهد وقوفه متصدراً صفوف المعزين يوم رحل والداه عن الدنيا.
هز المدرب رأسه نافياً: «لا، الأمر معقد للأسف.»
شهقات متقطعة تخرج من صدره بمرارة وحرقة…
‘كنت واثقاً من ذلك.’
بدت السيدة خالة سويون؛ تشبه والدتها ملامحاً، وقادته إلى الداخل وسط تصاعد وتيرة النحيب.
أدرك سانغهيون واقعه أفضل من أي شخص آخر.
ذلك ما اعتقد سانغهيون ثباته عليه، حتى تناول سماعة الهاتف في منتصف جلسة علاجه.
«سجلتك في قيود الاتحاد للتو، ولم أسدد اشتراك التأمين بعد؛ ولن تغطي الشركة حادثاً وقع قبل سداد الرسوم.»
«لعلكم سمعتم بالشلل الدماغي؛ يعايشه المرضى عادة كخلل في النمو مرافق للحالة، لكن…»
«فما الذي قصدته إذن؟»
«سأعيد التحقق من الأمر فوراً.»
احتار سانغهيون أمام إصرار مدربه السابق.
مع ذلك، واصلت عبراته الانهمار دون توقف.
«دبرت لك إعانة مالية خاصة من الاتحاد.»
«بالتأهيل الطبي المكثف، سيغدو قادراً على ممارسة حياته اليومية المعتادة. حالياً، تعاني يده اليمنى من اعتلال عصبي يفاقم الرجفة، بيد أن العلاج التأهيلي كفيل بالحد منه.»
«؟»
«كيف التقيت بمدربك؟»
رمق المدرب الفتى بنظرة وقورة وحزينة:
«لعلكم سمعتم بالشلل الدماغي؛ يعايشه المرضى عادة كخلل في النمو مرافق للحالة، لكن…»
«عليك اتخاذ قرارك بروية بالغة؛ فهذا المبلغ بمثابة تعويض وترضية في حقيقته.»
أمسكت بيده وهزتها بحماس:
مخصص لسانغهيون الذي استحال عليه الاستمرار كرامٍ محترف؛ منحة تعاطف نابعة من خالص التضامن.
«؟»
«أموال التأمين مقيدة بنفقات الاستشفاء حصراً، أما هذه الإعانة فسيولة نقدية يسعكم التصرف بها في شؤون معيشتكم. ولتعلم فحسب، وبناءً على ما أبلغني به الطبيب، فإن احتمالية شفائك التام لا تتجاوز 0.2%.»
←↓↑→
«أعلم ذلك.»
خاض سانغهيون جلسات العلاج الطبيعي يومياً دون انقطاع؛ فتحسنت ذراعه تحسناً طفيفاً، متقلصة رجفتها للحد الذي يسمح بتدبير حاجاته الأساسية.
«وحتى لو تحققت المعجزة، فلن تعود لسابق عهدك أبداً.»
تطلع دوماً للثناء على موهبته ورمياته، لا على وسامته أو تهذيبه؛ واعتبر الاكتراث بنظرات الآخرين شيمة الضعفاء فحسب.
«… صحيح.»
بدا كثير من المراسلين متلهفين، بل وفضوليين لدرجة الفجاجة، بيد أن سانغهيون اقتصد في كلماته لأقصى حد.
«فماذا ستفعل إذن؟»
«… صحيح.»
تردد سانغهيون حائراً، غير أن جدته لم تطق صمته فهوت بيدها فوق كتفه معاتبة:
«إنه رياضي مسجل؛ رجاءً، وفروا له برامج التأهيل التخصصي.»
«فيمَ تفكر بحق السماء؟! بالطبع ستخضع للعلاج! إن استسلمت الآن انتهى كل شيء! أيها المدرب، أنبدأ إجراءات العلاج فوراً؟»
«؟»
هكذا خضع سانغهيون للعلاج مستعيناً بإعانة الاتحاد وتأمين الحادث؛ وعقد العزم على تكريس أيامه للتأهيل، منقطعاً عن مقاعد الدراسة للتركيز على استعادة عافيته.
«عضلاتك تفقد قواها من فرط الإنهاك.»
خاض سانغهيون جلسات العلاج الطبيعي يومياً دون انقطاع؛ فتحسنت ذراعه تحسناً طفيفاً، متقلصة رجفتها للحد الذي يسمح بتدبير حاجاته الأساسية.
لم يكترث سانغهيون لنوع الطعام، غير أن الجميع اعترضوا على هذا المقترح بإجماع.
«سانغهيون، أنت تجهد نفسك فوق طاقتها؛ جسدك يحتاج للراحة…»
«فما الذي قصدته إذن؟»
أشفق المعالج الفيزيائي على حماسه المستميت.
«ولمَ لا أتمرن؟ الأمر لا يفلح معي فحسب، حسناً؟ لا يفلح! حين كنت بالصف الأول…»
«عضلاتك تفقد قواها من فرط الإنهاك.»
تلك هي الحقيقة المجردة؛ أمل غامض أشبه بمسألة رياضية استعصت على الحل.
لم تكن طاقة العضلات ما يشحذ عزيمته.
خارت قوى سانغهيون بغتة فهوى جاثياً على ركبتيه.
«لم أنجز حصة اليوم بعد.»
زميل؟ أجل، تلك هي التسمية الدقيقة؛ فعلاقتهما انقطعت عند حدود الزمالة فحسب.
إنها قوة إرادته الخالصة؛ رجل خسر كل شيء ولم يتبق له سوى بصيص غاية أخيرة، مستعد للمخاطرة بكل ما يملك في سبيلها.
تطلع دوماً للثناء على موهبته ورمياته، لا على وسامته أو تهذيبه؛ واعتبر الاكتراث بنظرات الآخرين شيمة الضعفاء فحسب.
«سانغهيون، وردك اتصال مهم؛ اتصلوا هنا لأنك لم تجب على هاتفك الشخصي.»
بدا كثير من المراسلين متلهفين، بل وفضوليين لدرجة الفجاجة، بيد أن سانغهيون اقتصد في كلماته لأقصى حد.
ذلك ما اعتقد سانغهيون ثباته عليه، حتى تناول سماعة الهاتف في منتصف جلسة علاجه.
عجز عن النهوض مجدداً.
«مـ… من الذي… مات؟»
بدا المدرب مبتهجاً بدماثة سانغهيون ورزانة سلوكه خلال المقابلة.
←↓↑→
«سـ… سانغهيون، أهذا أنت؟»
لم تكن تلك الزيارة الأولى لسانغهيون لسرادق عزاء؛ ففي ذاكرته بقايا مشهد وقوفه متصدراً صفوف المعزين يوم رحل والداه عن الدنيا.
سماع كلمات الطبيب جعل جدته على وشك الصراخ هلعاً.
بدا أصغر من أن يستوعب هول الفاجعة وقتها، بيد أن الأجواء خلدت في وجدانه بوضوح.
بدت الممرضة حائرة:
أصوات بكاء ونحيب تتردد في كل زاوية.
«آه… يا للمصيبة…»
«مستحيل…»
«رغم ذلك! ستجعله رقماً رسمياً في المرة المقبلة حتماً!»
«سويون… يا سويون…»
عانت جدته الأمرين في تربيته، متسلقة أدراجاً تنهك عزم الشباب الأصحاء؛ فتآكلت مفاصل ركبتيها حتى العظم دون أن تبثه شكواها يوماً.
«كيف ترحلين وتتركيننا هكذا…»
«عضلاتك تفقد قواها من فرط الإنهاك.»
ساد المكان جو ثقيل يعجز اللسان عن وصفه؛ فلا حديث يدور، واكتفى الأغلبية بتقديم واجب العزاء بخشوع ثم الانصراف بصمت.
«أأنا مسجل حقاً وسيتكفل التأمين بنفقات علاجي؟» سأل سانغهيون بنبرة ملؤها الشك.
أثناء تناول الطعام، يلتقط المعزون طعامهم بحذر مفرط تفادياً لقرقعة عيدان الأكل؛ ونظرات الكبار ترمقه بعيون ملؤها الأسى والشفقة.
عجز عن رفع رأسه والتطلع نحو وجه سويون، المبتسمة ببراءة وجمال في صورتها المحاطة بأكاليل الوداع.
يقتربون من سانغهيون الصغير بكلمات مواساة عابرة ثم يمضون، دون أن يراهم مجدداً؛ وحين كان صغيراً، وجد هؤلاء الناس مزعجين وبغيضين.
تنفست الجدة الصعداء بابتهاج:
أما الآن، فوجد سانغهيون نفسه يرتاد هذا المكان من زاوية أولئك الكبار ذاتها، مدركاً استحالة لومهم بعد اليوم.
ركضت نحوه كأنها تهم بمعانقته، لكنها اكتفت بالإمساك بيده في النهاية؛ ففي المحصلة، لا يزالان طالبين بالمرحلة الثانوية.
عجز عن اجتراح كلمات تعزي المفجوعين بموت سويون، واستثقل المبادرة بالحديث.
مع انحنائه أمام المذبح، استعصى عليه كبح دموعه المنهمرة.
شعر بثقل لا يطاق إن حاول تقديم مواساة لعجز لا يملك تحمله؛ أكان ذلك الحمل ذاته ما أثقل كواهل الكبار حين واسوه صغيراً؟
«سويون…»
كز سانغهيون على أسنانه وتقدم بخطوات مترددة.
مع انحنائه أمام المذبح، استعصى عليه كبح دموعه المنهمرة.
«كيف وصلت إلى هنا؟»
«تكفلت شركة تأمين سيارة الأجرة بتغطية نفقات الاستشفاء كاملة.»
«سويون…»
«معذرة.»
«زميل دراسة؟»
تدخل بقية أعضاء الفريق معلقين على تألق سانغهيون.
زميل؟ أجل، تلك هي التسمية الدقيقة؛ فعلاقتهما انقطعت عند حدود الزمالة فحسب.
«فما الذي قصدته إذن؟»
أومأ سانغهيون برأسه.
خارت قوى سانغهيون بغتة فهوى جاثياً على ركبتيه.
«تفضل لتقديم واجب العزاء؛ شكراً لقدومك، كانت محظوظة بزميل وسيم ووفي مثلك.»
«حقاً؟ حين دققت في السجلات—»
بدت السيدة خالة سويون؛ تشبه والدتها ملامحاً، وقادته إلى الداخل وسط تصاعد وتيرة النحيب.
«حقاً؟ حين دققت في السجلات—»
التقت عيناه بوجه مألوف.
«تفضل لتقديم واجب العزاء؛ شكراً لقدومك، كانت محظوظة بزميل وسيم ووفي مثلك.»
إنها والدة سويون، شديدة الشبه بابنتها الراحلة.
أدرك سانغهيون واقعه أفضل من أي شخص آخر.
«سـ… سانغهيون، أهذا أنت؟»
بدا المدرب مبتهجاً بدماثة سانغهيون ورزانة سلوكه خلال المقابلة.
«جدتي تعمل حالياً، لذا بادرت بالحضور أولاً.»
مع انحنائه أمام المذبح، استعصى عليه كبح دموعه المنهمرة.
«شـ… شكراً لك.»
«أترانا من كوريا الشمالية يا مدرب؟!»
عجز سانغهيون عن تقبل شكرها؛ ففي نظره لم يستحق أدنى امتنان، بل اعتبر نفسه المتسبب الأول في تلك المأساة المفجعة.
«كيف ترحلين وتتركيننا هكذا…»
خارت قوى سانغهيون بغتة فهوى جاثياً على ركبتيه.
«فيمَ تفكر بحق السماء؟! بالطبع ستخضع للعلاج! إن استسلمت الآن انتهى كل شيء! أيها المدرب، أنبدأ إجراءات العلاج فوراً؟»
شهقة…
خاض سانغهيون جلسات العلاج الطبيعي يومياً دون انقطاع؛ فتحسنت ذراعه تحسناً طفيفاً، متقلصة رجفتها للحد الذي يسمح بتدبير حاجاته الأساسية.
مع انحنائه أمام المذبح، استعصى عليه كبح دموعه المنهمرة.
«رجاءً، خصص لنا بضع دقائق. أعدك بكتابة مقال مميز عنك!»
شهقات متقطعة تخرج من صدره بمرارة وحرقة…
«إنجاز أسطوري حقاً! إنه رقم غير رسمي!»
عجز عن النهوض مجدداً.
«… ألن أتمكن من مواصلة الرماية؟»
عجز عن رفع رأسه والتطلع نحو وجه سويون، المبتسمة ببراءة وجمال في صورتها المحاطة بأكاليل الوداع.
«كيف ترحلين وتتركيننا هكذا…»
————————
«فيمَ تفكر بحق السماء؟! بالطبع ستخضع للعلاج! إن استسلمت الآن انتهى كل شيء! أيها المدرب، أنبدأ إجراءات العلاج فوراً؟»
اللهم ارزقنا الثبات في القول والعمل، وانصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، وارحم شهداءنا واشفِ جرحانا.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.«سـ… سانغهيون، أهذا أنت؟»
هز المدرب رأسه نافياً: «لا، الأمر معقد للأسف.»
