018
شقة مينكوراسو الخشبية، الغرفة رقم 201.
هنا تقيم سينجوغاهارا هيتاغي.
تعمدتُ ألّا أتواصل معها مسبقًا، بل جئتُ إلى هنا من دون موعد.
كان ذلك تعبيرًا عن عزمي أيضًا.
لم تكن أبواب غرف شقق مينكوراسو مزودة بأجراس داخلية أنيقة من ذلك النوع، لذا قبضتُ يدي، وطرقتُ الباب بظهر قبضتي.
لم أتلقَّ جوابًا، فطرقتُ مجددًا.
النتيجة نفسها.
وحين جرّبتُ سحب المقبض، اكتشفتُ أن الباب لم يكن مقفلًا.
يا له من إهمال لا مثيل له.
فرغم أن دفاع سينجوغاهارا هيتاغي على المدى القريب محكم إلى درجة يمكن وصفها بالحصين، فإن دفاعها على المدى البعيد ضعيف للغاية في الأساس.
أما سينجوغاهارا نفسها، فكانت…
«…»
في غرفة لا تتجاوز مساحتها ست حصائر تاتامي، منهمكة في بري أقلام الرصاص.
بكل جوارحها.
في حالة من الصفاء الذهني المطلق.
ولم تلاحظ حتى دخولي.
بري أقلام الرصاص… وبالطبع، لا يُقصد بذلك سوى العناية بالأدوات المكتبية، وهو تصرف لا يُفترض أن يخرج عن المألوف بالنسبة إلى طالبة في السنة الثالثة من الثانوية. لكن الكمية الهائلة المتراكمة بجانب الصحف، والتي بلغ عددها نحو مئة قلم، على ما أظن، كانت تبعث على القشعريرة بمجرد النظر إليها.
ولو أردتُ تشبيه المشهد بشيء…
لقلتُ إنها تشبه ساموراي يعمد إلى صيانة سيفه قبل خوض المعركة.
«آه… غاهارا-سان؟»
«أتعلم يا أراراغي-كن؟»
يبدو أن ظني بأنها لم تنتبه إليّ كان خاطئًا. لم تفعل سوى أنها لم تلتفت نحوي، وكأن زيارتي لا تستحق أدنى اهتمام مقارنة بمهمة بري الأقلام.
قالت سينجوغاهارا، وهي لا تزال تتأمل أطراف الأقلام التي انتهت من بريها:
«…حتى لو صادف أن مئة قلم رصاص مدبب كنتُ أحملها معي قد انغرست في جسد شخص ثالث بفعل ظرف ما، فسيُعدّ ذلك حادثًا، أليس كذلك؟»
«بل جريمة!»
جريمة كبرى!
ستتصدر جريمة قتل باستخدام قلم رصاص عناوين الصفحة الأولى من الجرائد!
«ففف. إذًا سأعود إلى بري الأقلام فوق صفحات تلك الجريدة.»
«اهدئي يا سينجوغاهارا! حتى لو كنتِ تبدين بوجه المنتصرة، فعبارتك لم تكن بارعة إلى هذا الحد!»
لا تستهلكي ابتسامتك النادرة والثمينة في شيء كهذا!
فأنتِ صاحبة الوجه الجامد التي لا تبتسم سوى خمس مرات في اليوم بالمعدل!
رفعت قاطعةً ذات شفرة اسودّت تمامًا من فرط بري الأقلام، وعلى الأرجح أنها القاطعة نفسها التي حُشرت يومًا في فمي، ثم جعلت نصلها يلمع في اتجاهي.
لمعانًا أسودَ براقًا.
«على أي حال، اخلع حذاءك وادخل يا أراراغي-كن. لا تقلق، لن أحتجزك رهينة مرة أخرى.»
«…عذرًا على الإزعاج.»
أغلقتُ الباب خلفي، ثم أدرتُ المفتاح في القفل الذي كان مفتوحًا، وخلعتُ حذائي قبل أن أخطو فوق أرضية التاتامي. وبما أن الغرفة لا تتجاوز ست حصائر، فلم تكن هناك حاجة إلى إلقاء نظرة شاملة لأتأكد من أن سينجوغاهارا كانت الوحيدة في الداخل.
«أين والدك؟»
كانت سينجوغاهارا تعيش مع أبيها وحدهما. ولم يكن يبدو أنه يستحم، إذ كان صوت الماء سيصل إلى الخارج بوضوح، لذا بدا أن والدها غير موجود.
سمعتُ أن والد سينجوغاهارا يشغل منصبًا رفيعًا في شركة أجنبية، وأنه يقضي أيامه مشغولًا إلى حد أنه بالكاد يعود إلى المنزل. لكن هل ينطبق ذلك حتى على أيام الأحد؟ لا، لقد سمعتُ أيضًا أن عليه ديونًا هائلة، ولعل الرجل لا يعرف معنى عطلة نهاية الأسبوع أصلًا.
وفي الواقع، أجابتني سينجوغاهارا:
«أبي في العمل.»
«إنه الآن في موقع عمله… في الخارج، أقصد. لقد أُوفد إلى دولة أجنبية. جاء التوقيت مناسبًا، أليس كذلك؟ لا يمكنني اختطاف أبي واحتجازه هو الآخر.»
«…»
أما اختطاف حبيبها واحتجازه فلا مشكلة لديها؟
يا لها من مجرمة محتملة!
«بل إنك لست مجرد مجرمة محتملة، فقد أصبحتُ مجرمة بالفعل منذ أن اختطفتِني واحتجزتِني… على أي حال، هل ستخبرينني إن سألتك عن سبب استعدادك المسلح هذا؟»
«لك مطلق الحرية في السؤال. كما يقول المثل: السؤال عار لحظة، أما أراراغي-كن فعاره أبدي.»
«لا تُدخلي اسمي في الأمثال! وفوق ذلك، اجعلي الأمر أقل إهانةً من فضلك! ما معنى أن يكون عاري أبديًا أصلًا؟!»
«أعني أنك خجول.»
«كذب محض!»
على أي حال…
جلستُ قبالتها، وبيننا صحيفة تتكدس فوقها نشارة أقلام الرصاص حتى ارتفعت ككومة صغيرة.
«سأذهب لتصفية الحساب مع كايكي.»
قالت سينجوغاهارا ذلك.
«ما دمتَ ترفض أن أتولى حمايتك يا أراراغي-كن، فلن يكون أمامي سوى الانتقال إلى الهجوم.»
«لا تعيدي تسمية الاختطاف والاحتجاز بالحماية.»
ومع ذلك، كنتُ أفهم أن هذا هو أسلوب سينجوغاهارا الخاص في حمايتي. ولو لم تصلني رسالة من تسوكيهي، لما فكرتُ أصلًا في رفض حمايتها عن عمد.
«إن أردتِ، هل نجرب احتجازي مرة أخرى؟»
«قلتُ إنني لن أفعل ذلك مجددًا.»
«حسنًا، طالما أنك لن تفعلي. بالمناسبة، تحدثتُ مع هانيكاوا بعد ذلك…»
«ماذا؟ هانيكاوا-ساما… آه، أقصد هانيكاوا-سان. هل قالت شيئًا عني؟»
«…هل قلتِ للتو هانيكاوا-ساما؟»
«لـ… لم أقل ذلك. لا وجود للتنمر في مدرستنا.»
«هل تتعرضين للتنمر؟! أنتِ بالذات؟!»
حسنًا…
ذلك القناع الذي كانت ترتديه سينجوغاهارا، قناع «الطالبة المتفوقة المعتلةِ الصحة» الذي استخدمته لتغطية سطحها «الحصين»، ربما كان لا يزال ذا فائدة أمام زملائها في الصف، لكنه لم يعد يعني شيئًا على الإطلاق بالنسبة إلى هانيكاوا…
ولن تكتفي هانيكاوا بمعاملتها بلطف، على الأرجح.
فهي شخص طيب، لكن كونها طيبة لا يعني أنها تتسامح مع الشر، بل يعني أنها لا تتغاضى عنه.
«من الطبيعي أن تنبهك هانيكاوا إلى أمور كثيرة ما دمتِ تتصرفين على سجيتك، لكن لا تقولي أنك تتعرضين للتنمر. سيُساء فهم الأمر.»
«أنا لم أقل ذلك أصلًا. أما تلميع حذاء هانيكاوا-سان كل صباح، فأنا أفعله برغبتي الشخصية، ويسعدني أن أُكلَّف به.»
«لماذا تتذللين أمام هانيكاوا إلى هذا الحد؟!»
ولو أنني نلتُ واحدًا بالمئة فقط من ذلك الاهتمام!
واحدًا بالمئة من المئة!
«على أي حال… ستذهبين لمقابلة كايكي، أليس كذلك؟»
«بالضبط. لا تقلق. سأحاول حل الأمر بالحوار قدر الإمكان.»
«تقولين ذلك وأنتِ قد أعددتِ كل هذه الكمية الهائلة من أقلام الرصاص… أنا سعيد لأنني جئتُ إلى هنا اليوم. لكن يا سينجوغاهارا، هل تعرفين مكان كايكي أصلًا؟»
«كانت لديّ بطاقة عمله.»
قالت سينجوغاهارا، ثم أخرجت من حقيبتها قصاصة ورق قديمة.
«بطاقة العمل التي أعطاني إياها ذلك الرجل منذ زمن. إنها معجزة أنني لم أمزقها وأتخلص منها حتى الآن. مع أنها لا تحتوي إلا على رقم هاتفه المحمول… لحسن الحظ، لم يتغير الرقم.»
«هممم… أريني إياها قليلًا.»
لم تكن بطاقة العمل مزخرفة بأي شيء. احتوت على اسم «كايكي ديشو»، وطريقة نطقه المكتوبة بجانب الاسم، ورقم هاتفه المحمول لا غير.
لا، كان هناك شيء آخر أيضًا.
المسمى الوظيفي.
«صائد الأشباح».
«…سينجوغاهارا، سأقول الآن أبشع شيء يمكن أن يقوله المرء في العالم، لكن أليس من الطبيعي أن يتحمل من ينخدع بهذه البطاقة بعض اللوم أيضًا؟»
«هذه هي الحيلة. فمن كان ليتوقع أن شخصًا يتخذ لنفسه مسمى وظيفيًا سخيفًا إلى هذا الحد يكون محتالًا بالفعل؟»
«أحقًا؟…»
حسنًا، سمعتُ فعلًا أن التظاهر بالاحتيال عمدًا إحدى الحيل المستخدمة في عمليات النصب.
فحين يتظاهر المحتال بأنه محتال، يجعل الطرف الآخر يعتقد أنه لا يمكن أن يكون كذلك في الحقيقة. كأن يفكر المرء: «لا يمكن أن يكون شيء بهذه الدرجة من الزيف زائفًا فعلًا». وبالطبع، في الظروف العادية، سيُثير ذلك الشكوك وينتهي الأمر عند هذا الحد، لكنه قد يكون أسلوبًا فعالًا إلى حد معقول مع الأشخاص شديدي الحذر.
«ثم إن أوشينو-سان كان مريبًا إلى أقصى حد هو الآخر، أليس كذلك؟ بل إن كايكي بدا لي رجلًا بالغًا أكثر اتزانًا منه.»
«حسنًا، هناك فرق بين قميص هاواي والبدلة الرسمية…»
ربما كان بينهما بعض القواسم المشتركة.
لكن أوشينو لم يكن يعمل تطوعًا أيضًا… وأنا نفسي، على ما أذكر، طُلب مني دفع مبلغ ضخم بلغ خمسة ملايين ين.
ولم أعتبره مبلغًا مبالغًا فيه.
«…إذًا يا سينجوغاهارا، هل اتصلتِ بهذا الرقم وتحدثتِ إلى كايكي؟»
«نعم. لم يتغير ذلك الرجل قيد أنملة. يا له من كئيب! لم أكن أمضي وقتي في اللهو بعد أن أطلقتُ سراحك يا أراراغي-كن. صحيح أنني شعرتُ بالإحباط قليلًا بعدما وبختني هانيكاوا-سان، لكن ذلك لم يستمر سوى خمس ساعات.»
«خمس ساعات كاملة من الإحباط…»
إنها حساسة على نحو غريب في بعض الأمور.
حقًا، يبدو أنها تهاب هانيكاوا.
كان من المفترض أن يتوجس كايكي من استخدام الهاتف المحمول في عمله، بعد أن استُدرج برسالة مزيفة أرسلتها إليه كارين، أو بالأحرى، كانت هانيكاوا هي التي استخدمت تلك الحيلة على ما أظن. ومع ذلك، لم يكن قد تخلى عن هاتفه بعد.
وبالنظر إلى قِدم بطاقة العمل أيضًا، فإن نجاح اتصال سينجوغاهارا بكايكي كان أقرب إلى المعجزة منه إلى مجرد الحظ السعيد.
لكن هل كانت تلك معجزة جيدة أم سيئة؟
«إذًا، يمكنني القول إنك اتصلتِ بكايكي قبل قليل فحسب.»
«هذا صحيح. يا لك من عبقري يا أراراغي-كن، إذ أجريتَ عملية جمع من رقم واحد ذهنيًا.»
«كُفّي عن السخرية مني إلى هذا الحد!»
«ما الذي لا تجيده؟ الضرب وما بعده؟»
«أجيد الرياضيات كلها!»
«ما هذا؟ أتباهي بنفسك؟»
«…!»
نعم، أتباهى بنفسي!
هل لديكِ اعتراض؟!
«حقًا. رجل ظل يركز على قاعدة فلمنغ لليد اليسرى، ولم يعرف حتى وقت قريب أن هناك قاعدة لليد اليمنى أيضًا، ثم يأتي ليتباهى بنفسه؟ يا له من أمر مثير للسخرية. آه، أعتذر، لقد استخدمتُ للتو حرفين صينيين معقدين متتاليين.»
«صحيح أن الفيزياء واللغة اليابانية هما من أضعف موادي، لكن ما المشكلة في أن يعرف المرء نقاط قوته؟!»
«حسنًا، حسنًا، نعم، نعم، بالطبع، أراراغي-كن لا يخطئ في أي شيء أبدًا. أنا وحدي المخطئة دائمًا، أجل!»
«هذا صحيح، فأنتِ المخطئة دائمًا!»
«إذًا، ما الذي تريد أن تسألني عنه بعد أن توصلتَ إلى استنتاجك باستخدام التفاضل والتكامل يا أراراغي-كن؟ هل جئتَ لغاية ما، مستندًا إلى رؤيتك الرياضية التي تعتبر المقلوب والقيمة المطلقة جذورًا تربيعية؟»
«أنتِ مختلة بوصفك إنسانة!»
«ربما أكون مختلة بوصفـي إنسانة، لكنني سليمة بوصفـي امرأة جميلة.»
«أنتِ مختلة من كل النواحي!»
يا إلهي…
أوشك أحيانًا، حين أكون غافلًا، على نسيان السبب الذي يجعلني أواعد هذه الفتاة.
لحظة، أليس لأنني أحبها؟
…ما الذي أحبه فيها تحديدًا؟
«هل يمكنني الذهاب معك؟»
على أي حال، بما أنها هي من سألتني عما أريد، فقد انتهزتُ الفرصة وقلتُ الأمر باقتضاب:
«إذا كنتِ ستذهبين لتصفية الحساب مع كايكي… دعيني أذهب معك.»
«يمكنني أن أتصرف وكأنني لم أسمع ما قلته للتو.»
كما كان متوقعًا، جاء رد سينجوغاهارا باردًا.
وكان صوتها المسطح أكثر جمودًا من المعتاد.
«يا إلهي… هذا ما يسمونه أن يلعق الكلب يد صاحبه.»
«يزعجني وصفك لحبيبك بالكلب الأليف، لكن ما يزعجني أكثر هو أنني أريد أن أصحح لكِ أن الأمر يعني أنه يكتفي بالتودد إليكِ، لا أنه يعض يدكِ… إنها مشكلة مزعجة في طبعي.»
المثل الصحيح هو أن يعض الكلب اليد التي تطعمه.
لقد استهانت بي.
لقد خلطتِ بين المثلين!
«اسحب كلامك السابق إن كنت لا تريد الموت.»
«لقد تضررت أختي من كايكي.»
قلتُ ذلك، من دون أن أسحب كلامي.
بل كان عليّ أن أدعم موقفي بدلًا من التراجع عنه.
«لقد أُلقي عليها بالقوة كايغي غريب لا أفهمه، يُدعى دبور النار المُحاصِر، وهي الآن تعاني حمى شديدة. أحاول في الوقت الحالي معادلة أثر ذلك الكيان بأن أتحمل نصفه تقريبًا، لكنني لا أعرف كيف ستتطور الأمور من الآن فصاعدًا.»
«أنت تتحمل نصفه؟ وهل أنت بخير بعد فعل شيء كهذا يا أراراغي-كن؟»
ظلت سينجوغاهارا بلا تعبير على وجهها.
ومع ذلك، كانت قلقة على جسدي.
كان ذلك أحد مظاهر إنسانيتها التي تظهر بين حين وآخر.
إنسانية مشروطة، لا تكاد تُظهرها في الوقت الراهن لأحد غيري…
«لديّ قدرة مصاص الدماء على التعافي، لذا سأكون بخير. وإن كنت لا أستطيع القول إنني في أفضل حالاتي.»
أشعر بثقل في جسدي، وبالحرارة أيضًا.
ليس الأمر كما لو أنني أحترق، لكنني أشعر وكأن هناك مكواة حامية بالقرب مني.
«فهمت. إذًا لم يعد بإمكانك التراجع الآن… وبما أن الأمر يتعلق بأختك، فمن المستحيل أن تتراجع يا أراراغي-كن.»
«ليس هذا السبب الوحيد.»
«همم؟»
«أنتِ أيضًا طرف في الأمر.»
نظرتُ إلى سينجوغاهارا مباشرةً، وقلتُ:
«من الحماقة أن تواجهي كايكي وحدك من أجلي… أليس كذلك؟»
«…ليس الأمر من أجلك وحدك. أما كايكي، فأنا…»
سينجوغاهارا، التي سبق لها أن تخلت عن شيء عزيز عليها…
«…عليّ أن أحسم معه واحدة من المسائل التي لم تُحسم بعد. مسألة لا يمكنني نسيانها أو تركها معلقة. مسألة يجب أن أنهيها كي أتمكن من المضي قدمًا. ولو لم يعد كايكي إلى هذه المدينة، لكنتُ ذهبتُ للبحث عنه بنفسي.»
«…لماذا كل هذا؟»
على الرغم من أن حزمها قد أربكني إلى حد بعيد، فإنني واصلتُ سؤالها:
«ألم تقولي إن الأمر… لم يكن سوى شيء تافه؟»
«لقد تصرفتُ بتسونديري.»
«تصرفتِ بتسونديري…؟»
هل بدأت تستخدم المصطلح فعلًا كفعل؟ بل إن نطقه صار يشبه اسمًا إيطاليًا، مثل جولييتا…
«أنتِ… هل تنوين الانتقام من المحتالين الخمسة جميعًا؟ لقد انتهى الأمر، أليس كذلك؟ ألا توجد أمور أخرى عليكِ حسمها بدلًا من ذلك؟»
«بالطبع لا. حتى لو كانوا خمسة محتالين، وكما قال أوشينو-سان، فأنا لا أنوي التظاهر بأنني الضحية. لقد لجأتُ إليهم بنفسي، ثم تعرضتُ للخيانة. ليس من طبعي أن أحقد عليهم لمجرد أنني لم أحصل على ما أردت… أما شخصيتي… شخصيتي… شخصيتي، فبغض النظر عن مشكلاتها، لن أخرج عن حدود الإنصاف.»
«…»
إذًا، أنتِ تعترفين بأن شخصيتكِ مشكلة بحد ذاتها.
بل إنكِ تدركين ذلك بنفسكِ.
«لكن كايكي وحده مختلف.»
«لماذا؟»
«لأنه هو من دفع أبي وأمي إلى الطلاق.»
قالت سينجوغاهارا ذلك من دون أن تُظهر أي انفعال.
ولو أنها أضفت إلى كلماتها شيئًا من المشاعر، لما كان من الصعب تخيل النبرة التي كانت ستخرج بها…
«بالطبع، لا يمكنني إلقاء اللوم كله على كايكي، ولا أنوي فعل ذلك، لكن ذلك الرجل تلاعب بعائلتي. وهذا أمر لا أستطيع مسامحته. إن سامحته… فلن أعود أنا نفسي.»
«…»
انفصل والدا سينجوغاهارا بالتراضي، على ما أذكر، في نهاية العام الماضي. وفي ذلك الوقت، انتقلت من المنزل الذي عاشت فيه سنوات طويلة إلى هذه الشقة الخشبية.
ومنذ ذلك الحين…
لم تلتقِ بأمها.
«…أظن أن أبي وأمي كانا سينفصلان حتى لو لم يكن كايكي موجودًا. كانت عائلتنا ستتفكك على أي حال. وأعتقد أيضًا أن اختفاء أمي كان بسببي. لكن يا أراراغي-كن، هل تظن أنني أستطيع مسامحة شخص تعمد إلحاق ذلك بنا بدافع الحقد، لمجرد أن النتيجة كانت ستبقى كما هي؟ هل يمكنني أن أسامحه لأنه فعل ذلك بسوء نية، بحجة أن الأمر لم يكن سوى مسألة وقت، عاجلًا أم آجلًا؟»
«سوء النية…»
«سوء النية اختصاصي الحصري.»
«لا أعرف إن كان ذلك صحيحًا أم لا.»
بسبب «التعاويذ» التي نشرها كايكي، لا بد أن العلاقات بين سينجوغاهارا والأشخاص المحيطين بها قد اضطرت إلى التغير.
سواء كان ذلك نحو الأفضل أم نحو الأسوأ.
من السهل القول إن العلاقات التي تنهار بسبب شيء كهذا كانت ستنهار حتى من دون وجود «التعاويذ». لكنني لا أريد لأحد أن يقول شيئًا كهذا باستخفاف.
وماذا يعني ذلك أصلًا؟
هل يعني أن من سيموت يجوز قتله؟
وأن ما سيختفي على أي حال يجوز محوه؟
وأن ما كان زائفًا لا يستحق الوجود؟
هل هذا ما يقصده المرء؟
«لقد دمّر كايكي عائلتي من أجل المال، مستغلًا أمر السلطعون الذي صادفته. والآن، هل يُفترض بي أن أقول إن النتيجة كانت ستبقى كما هي على أي حال؟»
«…»
«ربما لم يكن أراراغي-كن هو أولويتي الحقيقية في الأصل. ربما كانت حمايتك مجرد ذريعة مناسبة، وفي النهاية، كل ما أفعله هو أنني أكره كايكي.»
«ذريعة…؟»
«لأنني تصرفتُ بتسونديري.»
قالت سينجوغاهارا ذلك بهدوء.
بهدوء شديد.
«لا تسيء الفهم. فأنا لا أفعل هذا من أجل أراراغي-كن، ولا شيء من هذا القبيل.»
«لا أظن… أن الأمر كذلك.»
قلتُ ذلك، مستندًا إلى سبب.
سبب لم أكن أرغب في امتلاكه.
السلطعون.
السلطعون الذي صادفته سينجوغاهارا.
حين كانت مسكونة بذلك السلطعون…
لا بد أن سينجوغاهارا لم تكن قادرة حتى على كراهية كايكي ديشو في ذلك الوقت. فقد كان ذلك من طبيعة ذلك النوع من الكيانات الغريبة.
لعل هذا هو مصدر ندم سينجوغاهارا.
أنها لم تستطع كراهية كايكي ديشو، ذلك الرجل المشؤوم، في الوقت الذي كان يحدث فيه كل شيء أمام عينيها.
ذلك ما ندمت عليه.
ذلك هو ندم سينجوغاهارا هيتاغي.
كما تفعل أراراغي كارين وأراراغي تسوكيهي الآن، مدفوعتين بإحساسهما السطحي بالعدالة، لم تستطع سينجوغاهارا في ذلك الوقت أن تكره كايكي.
كان ينبغي لها، في الظروف الطبيعية…
أن تغضب كطفلة.
كطفلة فقدت أمها.
«لكن هناك أمرًا واحدًا لا أفهمه. من المفترض أن كايكي محتال زائف، أليس كذلك؟ ومع ذلك، من كلامكِ يبدو وكأنه كان مدركًا لوجود السلطعون الذي أصابكِ.»
وفوق ذلك، ما فعله بكارين حين ألقى عليها دبور النار المُحاصِر…
هذا يعني أن…
كايكي حقيقي، في نهاية المطاف.
«من يدري؟ لكن الزائف الذي يمتلك قوة تفوق الأصل أشد إزعاجًا من الأصل نفسه. بالطبع، في ذلك الوقت، ظننته مجرد دجال. لكنني حين أفكر في الأمر الآن، ربما كان يتظاهر بالعجز عمدًا كي ينتزع من أبي مزيدًا من المال.»
«…يبدو أنه يعمل الآن على كسب مصروفه من طلاب المرحلة الإعدادية. أختي هي التي حاولت منعه، ولهذا أصابها ما أصابها.»
«فهمت. إذًا أخت أراراغي-كن من أولئك الذين يلعبون دور أبطال العدالة أيضًا.»
«كفّي عن تسميتهم أبطال العدالة!»
«وبما أنها فتاة، فهل نسميها بطلة العدالة؟»
«هذا المصطلح الذي اخترعتِه أسوأ وقعًا على الأذن مما تتخيلين.»
«فاير سيسترز، من مدرسة تسوغانوكي الإعدادية الثانية… سمعتُ الشائعات عنهما، على أي حال.»
«صحيح، كنتِ تعرفين أمرهما.»
في حالة سينجوغاهارا، ربما كان الأدق أن أقول أنها جمعت معلومات عنهما، لا أنها سمعت الشائعات فحسب.
«مثل هذا الأخ، مثل هذه الأخت. كثيرًا ما أسمعك تتحدث بسوء عن أختيك، يا أراراغي-كن، لكنني الآن أستطيع فهم السبب إلى حد ما. فالعدالة لا تتوافق مع العدالة الأخرى.»
«…إنهما ليستا شيئًا عظيمًا مثل العدالة. إنهما تلعبان دور حارستي العدالة فحسب. لا أعرف ما الذي أكونه أنا، لكنني أيضًا لا أرى نفسي تجسيدًا للعدالة. نحن أشبه بأطفال يتنازعون على قطعة أرض خالية ليلعبوا فيها.»
ومن هذا المنظور، لا يصح أن نستخدم تعبيرات متفلسفة مثل كراهية الذات أو كراهية من يشبهنا.
فهذا ليس سوى…
شجار أخوة عادي، لا أكثر.
«لكن دعني أخبرك بشيء يا أراراغي-كن. بحسب انطباعي، لا تنفع العدالة أمام شؤم كايكي. سأقولها بوضوح: لأنك من أنصار العدالة، فأنت قوي أمام النفاق، لكنك ضعيف أمام الأشرار.»
«…قلتُ لكِ إنني لستُ من أنصار العدالة.»
ومع ذلك، فإن أختَيَّ على حق.
أما أنا…
فحتى الحق ليس من صفاتي.
قد أكون جميلًا، لكنني لستُ محقًا.
شينوبو ضحية عدم استقامتي.
لقد وصلتُ إلى هنا بعدما كررتُ أخطائي مرة بعد أخرى.
«لكن هل يمكنني الوقوف مكتوف اليدين ومشاهدتكِ وأنتِ تتحولين إلى مجرمة؟»
«لا أنوي ارتكاب أي جريمة. كل ما سأفعله هو إنزال العقاب.»
«في المجتمع الحديث، الأمران سيّان.»
يا إلهي.
لو وُلدت هذه الفتاة في عصر الأساطير، لتناقلت الأجيال قصصها بوصفها بطلة خارقة لا مثيل لها… من المؤكد أنها وُلدت في العصر الخطأ.
أو ربما كان العالم نفسه هو الخطأ.
…ومع ذلك.
أنا سعيد لأنكِ وُلدتِ في هذا العالم، وفي هذا العصر.
أنا سعيد حقًا لأنني التقيت بكِ.
«يا سينجوغاهارا، ربما لا تعرفين هذا، لكنني أحبكِ. حتى لو أصبحتِ مجرمة وأُودعتِ السجن، فسأزوركِ كل يوم… لكنني، إن أمكن، أريد أن أبقى معكِ في كل وقت. أحيانًا أكاد أنسى السبب الذي يجعلني أواعدكِ، لكنني أحبكِ إلى درجة لا أحتاج معها إلى أي سبب.»
فأنتِ أيضًا…
من بين الأشياء التي أريد حمايتها.
«إن كنتِ ستذهبين، فلنذهب معًا. احميني أنتِ، وسأحميكِ أنا.»
«…يا إلهي. هذا في غاية الروعة.»
ارتجفت كتفا سينجوغاهارا، بينما بقي وجهها خاليًا من التعبير.
لم أستطع تحديد المشاعر التي تسببت في ذلك.
هل كان هذا رد فعلها الطبيعي؟
«لو كنتُ رجلًا، لقتلتك من شدة الغيرة على رجولتك الطاغية.»
«يا للرعب!»
«لحسن الحظ أنني امرأة. هكذا يمكنني أن أحبك.»
قالت ذلك، ثم…
دفعت بيدها كومة أقلام الرصاص المتراكمة، فبعثرتها على الأرض.
«أراراغي-كن، فهمت. سأفعل ما تقوله.»
«…إذًا، ستأخذينني معك لمقابلة كايكي؟»
«نعم.»
أومأت سينجوغاهارا.
«لكن في المقابل، لديّ طلب واحد.»
«طلب؟»
«إن كنت تكره كلمة طلب لأنها تبدو متساهلة أكثر من اللازم، فيمكننا تسميته شرطًا. إنه شرط للسماح لك بمقابلة كايكي. ما رأيك؟»
كانت نبرتها أشبه بمن يختبرني.
لكن إجابتي كانت محسومة سلفًا.
«سأوافق. مهما كان طلبك، ومهما بلغ عدد الطلبات، فسأقبل بها جميعًا.»
«طلبي واحد فقط.»
ثم قالت سينجوغاهارا بهدوء:
«يا أراراغي-كن، أعتزم أن أضع حدًا للأمر هذه المرة، عندما ألتقي كايكي بعد قليل. تمامًا كما قصّت سيدتي… لا، أقصد هانيكاوا-سان.»
«هذا ليس مجرد زلّة لسان تثير الفضول. لا يمكنني تجاهل ما سمعتُه إطلاقًا.»
«لم أُهدَّد!»
«هل هُددتِ؟! من قِبل هانيكاوا؟!»
«من الطبيعي أن أجلس في وضعية سيزا أمام هانيكاوا-سان، أينما كنا، أليس كذلك؟!»
«أينما كنتما؟!»
«كما أن هانيكاوا-سان…»
تجاهلت سينجوغاهارا مقاطعتي، وعادت إلى نبرتها السابقة.
«كما قصّت هانيكاوا-سان شعرها، ومضت إلى الأمام… سأواجه كايكي لأقطع صلتي بماضيَّ.»
الماضي.
ماضي سينجوغاهارا.
هل كانت تقصد أيام المرحلة الإعدادية؟
أم السنة الأولى من الثانوية؟
أم السنة الثانية؟
أم…
فترة أخرى لا علاقة لها بكل ذلك؟
«سأمضي أنا أيضًا إلى الأمام.»
«…»
لقد كنتِ تنظرين إلى الأمام منذ زمن بعيد.
كدتُ أقول لها ذلك، لكن ربما كان هذا بالذات تدخلًا لا داعي له.
ثم إن النظر إلى الأمام والمضي قدمًا…
ربما ليسا الشيء نفسه.
«…إذًا، ما طلبكِ؟ ماذا عليّ أن أفعل كي تأخذيني معكِ؟»
«لا يمكنني إخبارك الآن.»
«أهو أمر لا يمكنكِ البوح به؟»
«ألم تقل إنك ستوافق على أي طلب؟»
«…بلى، لكن…»
بلى، لكنني خائف.
ليس لأنني جبنتُ أو تراجعتُ، لكن الأمر مخيف حقًا.
إنه أشبه بالتوقيع على عقد فارغ.
وخاصة حين يكون الطرف الآخر هو سينجوغاهارا!
«سأخبرك بعد انتهاء مواجهتي مع كايكي. مهما كانت النتيجة.»
«إذًا، كان بإمكانك إخباري الآن. لن يتغير شيء.»
«لكن حينها لن يكون الأمر تمهيدًا لأحداث لاحقة.»
«تمهيدًا لأحداث لاحقة؟!»
«نعم. بعد موت أراراغي-كن، سأعيش وحدي، نادمةً على أنني لم أذكر طلبي في هذا المشهد.»
«هل تمهّدين لموتي أنا؟!»
«نعم، وفي مشهد الذروة، سيُستخدم تلسكوب فلكي مهم بوصفه عنصرًا أساسيًا في الأحداث، وهو التلسكوب الذي أهداني إياه أراراغي-كن في عيد ميلادي.»
«لا يوجد أي حدث يستدعي استخدام تلسكوب فلكي! أخبريني الآن فحسب! لا يهمني أي تمهيد للأحداث!»
«إن كنت تصر على ذلك، فلن يكون هناك اتفاق.»
«…»
حين قالت ذلك، لم يكن أمامي سوى الموافقة.
إنها امرأة فظة للغاية حين يتعلق الأمر بالمساومة.
«حسنًا… لا بأس بذلك.»
«جيد. إذًا، لنذهب معًا.»
قالت سينجوغاهارا، وأومأت هي الأخرى.
بوجهها الجامد المعتاد.
«لنحمِ بعضنا بعضًا.»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.