كلمة ختامية من الكاتب
هذا أمرٌ يشغل تفكيري كثيرًا في الآونة الأخيرة: البشر ليسوا كائنات أحادية الجانب، بل كائنات متعددة الأبعاد، وهذا بالطبع ما يجعلهم معقدين إلى هذا الحد، ومتباينين على نطاق واسع. فالشخص الذي أراه بعينيّ يختلف عمليًا عن الشخص ذاته كما تراه عينا شخص آخر، وهذا وحده كفيل بأن يصيبني بالصداع. ويمكننا المضي أبعد من ذلك والقول إن الشخص الذي تعرفه أنت بوصفه ذاتك، والشخص الذي يعرفه الآخرون بوصفه أنت، ليسا الشخص نفسه أيضًا. ثم إن الصورة التي يراك بها الآخرون ليست صورة واحدة، بل مجموعة من الصور المتراكمة فوق بعضها، وكل شخص يحمل صورة مختلفة عن سواها. وهذا أشبه بالقول إنهم غرباء عن بعضهم بعضًا، لذا يصعب عليّ ألّا أتعاطف مع الشباب الذين يتساءلون: «من أنا؟!» ثم ينطلقون في رحلات لاكتشاف ذواتهم. قد يكون من السهل القول إنهم مخطئون، لكن من الواضح أن عينين لا تريان الشيء نفسه، ومن المستحيل رفض هذه الظاهرة رفضًا قاطعًا. إن كون زيف أحدهم حقيقةً لدى غيره، وكون حقيقة أحدهم زيفًا لدى غيره، أمر شائع في كوننا هذا؛ ولعل الخطأ الحقيقي هو أن نتكلف عناء مناقشة أمر شامل كهذا من الأساس. وقبل كل شيء، البشر كائنات تتصرف على نحو مختلف تبعًا للشخص الذي تتعامل معه، ولذلك يبدو أن اختلاف الأحكام التي يصدرها الآخرون عليك، بحسب من تتعامل معه، هو أكثر الأمور طبيعية في العالم. وهذا يعني، ربما، أن الشخص الأقدر على تقييمك هو أنت نفسك. لكن أليس في ذلك ما يعادل القول إن معرفة المرء لنفسه تعني معرفة مكانه؟
وهكذا أقدّم إليكم النصف الأول من تتمة باكيمونوغاتاري، نيسيمونوغاتاري، التي تظهر فيها أخيرًا أختا أراراغي اللتان طال انتظارهما، واللتان أثارتا ضجة في بعض الأوساط منذ صدور باكيمونوغاتاري الأصلية وسابقتها كيزومونوغاتاري. ولأكشف لكم بعضًا مما جرى خلف الكواليس، لم تكن هذه الرواية معدّة للنشر أصلًا، بل إنني لم أخبر أحدًا بوجودها لبعض الوقت بعد أن انتهيت من كتابتها. كنت أنوي ترك هذا العمل مدفونًا في طيّ النسيان، دون أن أطبع منه نسخة واحدة حتى؛ أي أن أحتفظ به لنفسي فحسب، أو بعبارة أخرى، كتبته بدافع الهواية وحدها، وبنسبة مئتي بالمئة! إن العمل على رواية بحرية تامة، دون قيود مزعجة أو أغلال تكبّلني، أمر ممتع للغاية. قد يتساءل البعض عن نوعية العقلية التي يتبناها كاتب محترف كهذه، لكن الروح الهاوية، بالمعنى الإيجابي للكلمة، شيء لا أرغب شخصيًا في فقدانه أبدًا. وهكذا نصل إلى «الفصل السادس: نحلة كارين»، من نيسيمونوغاتاري: الجزء الأول.
لقد أبدع الرسام VOFAN هذه المرة حقًا. إن رسمته لكارين أراراغي مذهلة بحق، ولا أجد بوصفي المؤلف كلمات أعبّر بها عن امتناني له. ولكم أنتم، أيها القراء الأعزاء، أتقدم بالشكر أيضًا على تقبّلكم رغبتي في كتابة عمل روائي يفيض بهذا القدر من الثرثرة العبثية.
آمل أن نلتقي مجددًا في النصف الثاني من نيسيمونوغاتاري، مع قصة تكميلية أخرى، هذه المرة عن تسوكيهي أراراغي؛ وذلك، بالطبع، إن قررت أن أخرجها إلى العلن.
NISIOISIN
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.