تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل518

مكشوف

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 25, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 518: مكشوف

 

هدأت الضجة التي أثارتها عودة الأمير إلى مدينة الليل الأبدي (أو لعلها كانت مكبوتة فحسب وتغلي في صدور الناس، تنتظر الضجة التالية). وعلى الأقل لم تعد قاعة ميندس، التي أغلقت أبوابها ورفضت استقبال كل الزوار، مزدحمة كالسوق. وتمكن تاليس من التمتع بلحظة نادرة وثمينة من الهدوء والسكينة.

 

لكن ذلك لا يعني أنه شعر بالراحة.

 

منذ بدء اليوم الثاني، لم يستطع الأمير تاليس أن يتمتع بالسلطة التي جلبتها له مكانة صاحب قاعة ميندس الرفيعة. فقد دخلت قاعة ميندس بانتظام مجموعة التعليم الملكية التي يقودها غيلبرت، أو بالأحرى «شركة تصميم الشخصيات المكلفة بصنع لحم ملكي طازج»، كما وصفها الدوق نفسه بغيظ.

 

أولًا، كان لديه معلم متمكن من اللغة الوطنية للإمبراطورية واللغة المشتركة للإلف لدرس النحو. وكان الرجل مشهورًا في أكاديمية النحو الملكية بوصفه عالمها الأكبر.

 

وكان استقدامه صفقة رابحة بوضوح.

 

أولًا، كان رأس العالم الأكبر بونار الأصلع الأملس يعكس الضوء، فيوفر على قاعة ميندس كمية هائلة من زيت المصابيح، ويتيح لها الحفاظ على مواردها.

 

ثانيًا، كان صوته ناعمًا خافتًا، يتكلم به متقطعًا ومبهمًا. وقد ذكر دي دي بنبرة قاسية أنه كان على وشك الموت يومًا ما، ولذلك لم يعد يجرؤ على الكلام بصوت عالٍ أبدًا. وكان صوته يجبر قاعة ميندس كلها على الحفاظ على صمت مطلق حين يلقي دروسه، فيعود ذلك بفائدة عظيمة على البيئة.

 

ثالثًا، ساعدته معرفته الواسعة العميقة على أن يضغط عمليًّا الدروس الخمسة التي يحتاج الأمير إلى تلقيها، و هي التركيب والمنطق والبلاغة واللغة الوطنية للإمبراطورية القديمة واللغة الإلفية، في درس واحد، مما أتاح لتاليس أن يدرك أجوبة الأسئلة التالية.

 

في حالة اللغة الوطنية المزعجة للإمبراطورية القديمة واللغة الإلفية الملعونة، كان حتى ترتيب الفاعل والفعل والمفعول فيهما مختلفًا تمامًا عن اللغة المشتركة. فكم من التغيير ستجلب هذه البُنى إلى التركيب؟ وكيف ستؤثر في مبادئ المنطق والتعبير؟ وأي تحديات ستجلب إلى اللغة الحالية وأسلوب الكلام، فتغيّر بذلك عادات الإنسان في التفكير؟ وأخيرًا، كيف التهمت بقسوة وبلا رحمة وقت نوم الأمير تاليس الثمين؟

 

«ي-يا صاحب السمو، ت-تقول إنك لا ت-تستطيع تذكر كل ذلك؟ إ-إذن نم ق-قليلًا لوقت أطول… فبعد كل شيء، أنتم أيها الشباب كلكم تكذبون حين تقولون إنكم تنامون مبكرًا. فما إن تصعدوا إلى أسرّتكم حتى تفعلوا كل شيء إلا النوم… ماذا؟ ليس جيدًا لل-لشعر؟ آه، هذا ليس مهمًّا… يا صاحب السمو، هل تعرف ما الباروكة؟ من في القصر لا يلبس باروكات مزيفة وصدورًا مزيفة…؟ ماذا، لن تستطيع أن تطول إن نمتَ متأخرًا؟ تنهد، يا صاحب السمو، ألن تكون طويلًا بما يكفي حين تضع التاج…» كانت هذه كلمات العالم الأكبر بونار المتلعثمة، وقد استطاع بجملة واحدة أن يجعل الأمير يغيّر تعبيره ثلاث مرات.

 

وتولى غيلبرت بنفسه مهمة إلقاء دروس التاريخ. وبالمقارنة مع العالم الأكبر بونار الذي يقتبس نصوصًا من مصادر شتى ويملك رؤية عظيمة، كان لوزير الخارجية السابق هدف بسيط واضح: أن يحوّل الأمير تاليس خلال شهرين إلى الهيئة البشرية لكتاب [من الإمبراطورية القديمة إلى الكوكبة: موسوعة التاريخ الشامل لألفي عام من عمر أمتين].

 

«فهرس! يا صاحب السمو، عليّ أن أرفض مزحتك. فإن كنتَ مجرد فهرس لموسوعة، فلن تستطيع أن تحتـ… أهم، سيكفي لاستعراض معرفتك»، قال غيلبرت الصارم.

 

أما درس الرياضيات، فكان ربما من الدروس القليلة التي جلبت العزاء لدوق بحيرة النجوم. فقد فوجئ العالم خوليو كثيرًا بمستوى تاليس في الهندسة والجبر، وبخاصة في ظل أن الأمير أهدر ست سنوات في «ذلك المكان المنسي، إكستيدت».

 

لكن ما سبّب الصداع لتاليس هو ثقة خوليو المتزايدة به. فقد كان الرجل المتحمس، الذي غايته تعليم أمير رياضيات غير مسبوق، يوسّع منهجه بشغف وسرعة، بعد أن ذكّر تاليس بأن يمنحه المال حين يُتوَّج. وفي الوقت نفسه، كان يقول إن المعادلات المشاكسة جميلة جدًّا ولطيفة أيضًا، وإنها تبدو كأنها تبتسم لتاليس، وهو يشير إلى تاليس وإصبعه الثالث مضغوط برقة على إبهامه.

 

وذات يوم، قرر العالم خوليو أن يجمع درسي الجبر والهندسة معًا. وبدأ يخطط ليجعل تاليس يستخدم المعادلات الجبرية لقياس مسار الأجرام الفلكية والتغيرات في حركاتها.

 

«هذه المعادلات الأساسية لا تناسبها، أليس كذلك؟ فحركات النجم الساطع غريبة جدًّا… ويجب أن تفكر: هل لدينا فرصة لاستيعاب هذه الميكانيكا التي لا تُقاس؟ لقد رأى بعض علماء أكاديمية قبلة التنين أنه ما دامت عملية الحركة تُقسَّم إلى أجزاء مختلفة، فسنتمكن من الوصول إلى إجابة إن واصلنا تقسيمها مرة بعد مرة. دعني أريك التعبيرات الحسابية المختلفة التي اقترحوها كلًّا على حدة… أم، يا  صاحب السمو؟ ماذا أصابك يا صاحب السمو؟ استيقظ، استيقظ يا صاحب السمو! عليك أن تكمل التمرين أولًا قبل أن تُغمى عليك!» صرخ العالم الشاب الموهوب خوليو. وقد شحب وجهه من الفزع.

 

وتوسعت المواد التعليمية التي استخدموها من تمارين الرياضيات في النصوص الكلاسيكية وصولًا إلى الرياضيات التطبيقية المتعلقة بشؤون الدولة وحياة الناس. بل إن خوليو اقترح عدة مرات أن يحاول تاليس حساب الإيرادات السنوية المستقبلية للبلاد بالنظر إلى الإيرادات السنوية السابقة، أو تقييم بيانات الكوكبة بناءً على النمو السكاني في الإقليم الأوسط. وكان لدى تاليس أسباب للشك في أنه لو لم يتظاهر بالغباء قليلًا أو يبطئ إيقاع الدرس، فلن يكون الأمر سوى مسألة وقت قبل أن يظهر في كتبه نوع من منحنى الجرس المرعب، مع سلسلة أخرى من المفاهيم الرياضية.

 

وحمد تاليس حظه حين وصل الأمر إلى دروس الطبيعة. فقد كان اللورد مونتون، الخبير الواسع المعرفة، مرحًا في معظم الأوقات حين يتحدث عن الفلك والجغرافيا والعادات الثقافية للشعوب. وكان الأمر ممتعًا… لو لم يكن الأمير يقاطعه كثيرًا فيشعره بالحرج.

 

«لماذا يقع النجم الساطع في الشرق؟ مم يتكون خام قطرة البلور؟ هل سينفد منا الزيت الأبدي إن قتلنا كل حوت في العالم يومًا ما؟ هل المستذئبون ومصاصو الدماء مخلوقات ملعونة حقًّا؟ وهل لهم صلة بالذئاب والخفافيش؟ إذن، إن كانت أرض قبلة التنين حوضًا، فهل يكون الطقس هناك غريبًا بعض الشيء؟ هل تكوّن الضباب العظيم والدوامة عبر بحري الضباب طبيعيًّا حقًّا؟ ألم يشكّ أحد في شيء حين تزعم أساطير وحوش بحر الشياطين أن عدة أشخاص رأوها من قبل؟ كيف تستطيع معتقدات الغروب والقمر الساطع و معابدهما أن تتعايش؟ إذن، الأزهار آكلة البشر هي في الأساس الشيء نفسه كالتنانين العظمى. فكيف تتعامل مع استهلاكها للطاقة؟ هل عاصمة النصر وموطن الإمبراطورية تقعان فعلًا تحت عين بحر الإبادة؟ كيف تحكم عشيرة الدم في تل المأدبة الكبرى أرضها؟ لا بد أن هناك أنواعًا مختلفة من الطقس والبنى الجغرافية في الجزء الداخلي من الصحراء الكبرى، أليس كذلك؟ هل كاليغري حقيقية؟ لماذا لم يتسبب الاصطدام العظيم، الذي أحدث الشق والغرق العظيمين، في تشكل دوامة تسحب شبه الجزيرتين؟ أين بدأ تفشي الطاعون في الممالك الثلاث في بحر الغموض؟ لماذا كانت الفترة بين ثورتي بركان سانلاست قصيرة إلى هذا الحد؟ هل اتجاه التيار البحري هو السبب الذي يؤثر في سرعة الوصول إلى شبه الجزيرة الشرقية من الموانئ المختلفة؟» كانت هذه كلها أسئلة من الأمير.

 

أما دروس الفنون، فبعد أن رأى المعلم أوهران المرموق اللوحات وسمع عروض العود التي أعدها دوق بحيرة النجوم بعناية، أخبر تاليس برفق أنه لا حاجة بالمرء إلى أن يكون فنانًا ليتعلم الفن. بل يستطيع أيضًا أن يتعلم أن يكون محبًّا للفن. وكان تاليس في رأيه مناسبًا جدًّا ليكون محبًّا للفن يترك اسمه في التاريخ.

 

وبالجملة، لم تترك دورة الإنعاش في ذلك الأسبوع لتاليس أي مجال للتنفس، وأدرك أنه يشتاق إلى الحياة التي كان يعيشها في قصر الأرواح البطولية… باستثناء ذلك الوجه الميت.

 

«لماذا لم أخطف الصغير المشاكس ليحضر الدروس معي حينها؟»

 

كان تاليس يشعر بجسده يُمَصّ حتى الجفاف كل يوم، ففكر في ذلك بصمت وهو يبكي في قلبه.

 

لكان من الأفضل لو تركوه يعود إلى الصحراء.

 

على الأقل، لم يكن الأورك ليجبروه على حفظ قواعد الصرف السبعة، وأقسام الكلام الثلاثة، والأزمنة الأربعة، والأصوات الثلاثة، والأشخاص النحويين الأربعة، وترتيبات الكلمات الخمسة، وأنماط الجمل الثمانية عشر المختلفة التي تتغير صيغتها بحسب الموقف، وقواعد النطق المعقدة في اللغة الوطنية للإمبراطورية القديمة. وبالمقارنة، كانت اللغة الحديثة للإمبراطورية التي يستخدمها ذلك الجنرال عديم الفائدة في المسار الأسود أبسط كثيرًا.

 

ولم يكن عليه أيضًا أن يتقن النغمات الاثنتين والعشرين القابلة للتبادل في اللغة الإلفية. آه… كان ذلك في جوهره درس موسيقى بحد ذاته.

 

شعر تاليس بضغط هائل في قاعة ميندس. حتى إن الوضع جعله ينسى المأدبة التي يفترض أن يحضرها بعد شهرين من الآن، ناهيك عن دوامة السلطة في قصر النهضة.

 

وكان الحال نفسه في بعض الدروس «الخاصة» التي يفترض أن تكون مريحة نوعًا ما، كما هو الآن.

 

«هل تشعر به يا أمير تاليس؟ بصفته سلاحك، إنه قوي ومستقيم وصلب، ومع ذلك لا يفقد متانته ومرونته…»

 

دخل صوت لطيف عفوي إلى أذنه اليسرى ثم وصل ببطء إلى أذنه اليمنى. فجعل أذنيه تحكّانه قليلًا.

 

«ومن ناحية أخرى، هو أيضًا شديد الاندفاع وجامح، وله رغبة لا تنتهي لا يستطيع كبحها. إنه يتوق إلى أن يحرر نفسه، وأن يكون فوضويًّا، وأن يغزو… لكن يجب ألّا تستسلم بسهولة. تحكّم فيه. لا تدع هذا الحصان الجامح يخرج من قفصه بهذه السهولة…»

 

كان وجه تاليس محمرًّا. وكان تنفسه سريعًا. ولم يكن عنده وقت ليكترث بالصوت الذي بجانب أذنيه.

 

«استخدم القوة في خصرك. أمسك السيف بثبات بيديك. هكذا تمامًا، بالضبط. حافظ على الوضعية والاتجاه. حاول أن تبقى مستقيمًا، لا ترتجف…»

 

تقطر العرق على خد تاليس. وفجأة شعر بجسده كله يرتجف.

 

«يا للهول!»

 

صار الصوت صارمًا.

 

«أعرف أن هذا صعب، لكن عليك أن تثابر! شدّ جسدك! قوّم ظهرك! ارفعه عاليًا! لا تدعه يسقط…»

 

لكن تاليس شعر بأنه قد…

 

«لا».

 

كان التخدر الذي لا يمكن السيطرة عليه ينتشر في كل جزء من جسده.

 

«هذا سيئ».

 

لم يعد قادرًا على المثابرة…

 

رأى تاليس العالم أمامه يدور.

 

كان على وشك… على وشك…

 

«آه!»

 

وأخيرًا، وبصوت مكتوم، سقط سيف التدريب الذي كان تاليس يمسكه بيده والثقل المعلق حول مقبضه معًا على الأرض الرملية.

 

كان دوق بحيرة النجوم يلهث. وكانت ذراعه مغمورة بالألم و التخدر،  وقفازاه غارقين بالعرق.

 

ارتفع صوت وقع أقدام. مشى مالوس إليه من الخلف وثبّت عينيه على السيف على الأرض. بدا أنه يفكر في شيء.

 

«الوقت… قصير بعض الشيء، أليس كذلك؟»

 

أرجح تاليس ذراعه المتألمة بإحباط، ودقّ بقدميه على ساحة التدريب التي أُخليت مؤقتًا في الفناء، ليخفف التخدر.

 

«لا بأس»، قال الأمير بحنق. «أنا فقط لم أعتد عليه. فالشماليون لا يعلّمون بهذه الطريقة. إنهم يميلون أكثر إلى… المناورة».

 

أطلق مالوس شخرة خافتة.

 

«إذن لعلك… ينبغي أن تعود إلى الأراضي الشمالية؟»

 

خرس تاليس في اللحظة نفسها.

 

انزلق ضوء الشمس الغاربة إلى فناء قاعة ميندس، فمدّ ظلّي مالوس وتاليس على الأرض.

 

كان دويل واقفًا تحت العمود خلفهما مباشرة. وبدا أنه يتحدث إلى غلوفر عن شيء ما.

 

«يبدو أن أميرنا لم يختبر أي تدريب منهجي من قبل».

 

هزّ دويل رأسه.

 

«يبدو أن قدرات الشمالي المتفوق في المعارك محدودة نوعًا ما».

 

زمّ غلوفر شفتيه.

 

والحق أنه في تلك اللحظة بالذات كان تاليس يحضر بلا حماس درس فنون القتال الذي يلقيه اللورد مالوس بنفسه. فيبدو أن الدوق، بعد أن اختبر يومًا كاملًا من تعذيب دماغه، لم يكن متحمسًا كثيرًا لتلقي درس كامل يقتصر على الحفاظ على وضعيته.

 

لكن مالوس بدا أنه يجد متعة في ذلك.

 

«أسلوب السيف ووضعية السيف جزءان مهمان في تدريب الفرسان القدماء». ظلت على وجه الحارس الأعلى ابتسامة مهذبة. ولم يكن منزعجًا إطلاقًا من إخفاق الأمير و موقفه.

 

«و بخاصة سيوف الفرسان السبعة عشر، المهارة القديمة التقليدية للفرسان. وهي متداولة في القصر منذ عصر الإمبراطورية.

 

«وبعد تشكل الكوكبة، أُصلحت بدراسات دقيقة من أساتذة لا يُحصون قبل أن تبلغ شكلها الحالي».

 

وتحت أنظار بضعة أفراد من الحرس الملكي جاؤوا للمشاركة في التدريب، دخل مالوس الساحة. رفع سيف التدريب المعدني الخاص بالأمير بأناقة. وتردد لحظة قصيرة، لكنه لم يرفع الثقل معه.

 

«كل حركة ووضعية دُرست بعناية وتُحقق منها مرات لا تحصى». أدار مالوس مقبض السيف وناوله إياه. كان لطيفًا أنيقًا، لا يُظهر حتى علامة واحدة من نفاد الصبر.

 

«يُطلب منك أن تركز تمامًا وتتابع حتى النهاية. أدّها حتى أقصى حدودك. دعها تُوسَم في جسدك وسمًا عميقًا وتتحول إلى غرائزك».

 

كان ذهن تاليس لا يزال مثقلًا بترتيبات الكلمات والحالات الإعرابية، و بالصيغ الحسابية، فتنهد وهو يحاول أخذ السيف من مالوس.

 

لكن حين شده تاليس، لم يتحرك السيف الطويل!

 

صُدم تاليس. وأفاق من حالته الخاملة.

 

رفع رأسه ولاحظ أن مقبض السيف مثبت بإحكام في يد مالوس. ولم يتركه.

 

«كل هذا حتى تستطيع أن تعود إلى أكثر الوضعيات أمانًا وألفة لك في أي لحظة أثناء القتال».

 

ركّز مالوس عينيه عليه، وصار جادًّا.

 

«فمثلًا، بغض النظر عن نتيجة المعركة، مع كل ضربة توجهها بسيفك، استعد للدفاع عن نفسك غريزيًّا وابقَ يقظًا».

 

وفي الثانية التالية، أرخى مالوس يده فجأة. فترنح جسد تاليس قليلًا بسبب القصور الذاتي قبل أن يتمكن من الوقوف بثبات.

 

وأمام هذا التذكير غير الودي، أجبر تاليس نفسه على الابتسام وهو يلوّح بسيفه بحركة مألوفة. «حتى حين يكون العدو قد مات بالفعل؟»

 

وفي الأثناء، برد نظر مالوس فجأة. «حتى حين يكون العدو قد مات بالفعل».

 

شعر تاليس ببرودة تسري في عموده الفقري.

 

واصل مالوس الكلام: «دعني أخمّن، الشماليون لم يعلّموك قط عن الضربات المتأخرة، أليس كذلك؟ حتى حين تقطع رأس خصمك، يواصل جسده تأرجح السيف بفعل القصور الذاتي. وقد يتمكن من إكمال الحركة التي كان يؤديها قبل موته مباشرة بعد ثانية من وفاته، كقطع رأسك كما فعلتَ به».

 

ذُهل تاليس قليلًا.

 

«في الحقيقة، لقد علّمني الشماليون ذلك».

 

نظر الدوق الشاب حوله. فلاحظ أن دويل و غلوفر يراقبان من بعيد. بل إن دويل تثاءب دون أن يُظهر له أي احترام.

 

«أنت تعلم أنهم يضطرون إلى مواجهة هجمات مضادة مؤلمة من الأورك». هزّ تاليس كتفيه. وقرر أن ينهي الموضوع وأن يُكمل بسرعة الجزء المخصص لتدريب اليوم. «فإن سمحتَ بهجوم مضاد بهذا الحجم، سواء صددته أم لا، وسواء صددته بنصل قوي أم ضعيف، فسيحدث في لحظة واحدة تقريبًا. ولا معنى كبيرًا للدفاع عن نفسك.

 

«ولذلك يتحدثون عن استخدام الهجوم دفاعًا. ويقدّسون فكرة إخضاع أعدائهم بالموقف ومطاردتهم وهم منتصرون.

 

«ويعتقدون أن أكمل معركة هي التي لا تترك للخصم أي فرصة للرد من البداية إلى النهاية».

 

هزّ تاليس رأسه. «قاتل النجوم نيكولاس، وفارس النار تولجا، وغراب الموت مونتي…»

 

نعم، من بين أساتذة الأراضي الشمالية الذين واجههم من قبل، لم يبدُ أن أيًّا منهم بارع بصورة خاصة في الدفاع.

 

وعلى العكس، في الكوكبة كان هناك أشخاص مثل زهرة الحصن، والجناح الأسطوري، وحتى فارس الحكم في سجن العظام…

 

أما غضب المملكة…

 

حسنًا، فهو أمر مختلف، كيان يخشاه حتى الشماليون.

 

ومع ذلك، ظل مالوس يحدق في تاليس بنظرة عميقة. ثم خطا خطوتين إلى الأمام، وضغط على كتف تاليس، واقترب من أذنه.

 

«إذن الأفضل أن تضع هذا في ذهنك: حياتك أثمن بكثير من حياة معظم الناس. عليك أن تبقى حيًّا يا صاحب السمو، لا أن تموت بعد خصمك بلحظة.

 

«ابقَ حيًّا».

 

بدا مالوس متيقظًا وغامضًا. وأوحى بجو شخص في قصة رعب، فارتجف تاليس لا إراديًّا.

 

«وأيضًا، إن كان معظم الخصوم الذين ستواجههم من الآن فصاعدًا بشرًا، إن وُجد أي منهم أصلًا، فإن اتخاذ وضعيات دفاعية في الوقت المناسب وبذكاء حين تواجه هجماتهم المتأخرة أمر في غاية الأهمية». أفلت مالوس كتف تاليس بوجه خالٍ من التعبير.

 

كانت الابتسامة على وجه مالوس قد اختفت منذ وقت طويل. «فأنت بعد كل شيء تتعلم فنّ السيف، لا فنّ الانتحار».

 

قطّب تاليس حاجبيه. شعر بعدم رضا الطرف الآخر. هل استفزّه عدم انتباهه قبل قليل؟

 

خرج مالوس من الساحة. وفتح فمه ببرود وقال: «عُد إلى وضعية السيف السابقة. ضع الثقل. حاول الصمود نصف ساعة. دع جسدك يتعود عليها».

 

«نصف ساعة؟»

 

مدّ تاليس وجهه الطويل في الحال.

 

من السادسة صباحًا حتى الآن… لقد اختبر لتوّه اثنتي عشرة ساعة كاملة من…

 

هل سيتمكن حتى من تناول العشاء؟

 

لم يدر مالوس رأسه.

 

«أعرف أن هذه العملية مملة جدًّا وجافة جدًّا وصعبة جدًّا. لا خصم ولا هدف. لا يوجد إلا أنت».

 

حملت كلمات الحارس الأعلى معنى باردًا.

 

«الوحدة فقط، والعزلة، وضبط النفس، والمثابرة. لن يكون لك أي مساعدين أو أعداء».

 

زفر تاليس.

 

«في الحقيقة، أعظم أعدائك يعيش تحت إرادتك تلك».

 

استدار مالوس فجأة، وصار صوته حازمًا للغاية.

 

«اقتله.

 

«استعد إرادتك».

 

لم يتمالك تاليس نفسه فرفع حاجبيه.

 

«حقًّا؟

 

«لماذا يبدو كلامه كقصة تحفيزية مع أن هذا مجرد درس تدريب؟»

 

ومع ذلك، وبصرف النظر عن الانتقادات، لم يجد تاليس إلا أن يطيع بخضوع، ويتخذ وضعية منح السيف المعيارية للفارس، ويحاول أن يجعل جسده يبلغ المعايير المطلوبة.

 

ومع ذلك، شرد ذهنه قليلًا.

 

فكّر تاليس باستسلام.

 

لم يطل الأمر. فبعد أقل من عشر دقائق، بدأ رأس سيفه يرتجف. كان تاليس مغطى بالعرق وهو يتطلع إلى اللحظة التي ينتهي فيها الأمر. وبدأت وضعيته تفقد شكلها. وصار من الصعب عليه قليلًا أن يثابر أكثر. لم تكن قوة العضلات يومًا نقطة قوة لتاليس.

 

لكن هذه المرة، استدعى تاليس بهدوء رفيقه الأكثر ألفة.

 

ولم يمضِ وقت طويل حتى أطاع ذلك التيار المألوف أوامره سرًّا بطاعة. فانتشر إلى ذراعه اليمنى، وهدّأ الألم والعبء على عضلاته. كما راح يمدّه باستمرار بقوة جديدة.

 

شدّ تاليس على أسنانه وأطلق نفسًا. «لا بأس، أشعر بتحسن كبير الآن».

 

واستقر رأس السيف المرتجف تدريجيًّا.

 

حاول أن يشدّ جسده ويمدّه ليعود إلى أدق صورة لوضعية منح السيف للفارس.

 

كان مالوس يراقب بدقة خارج الساحة، فلمعت عيناه. وبدأ يومئ برأسه.

 

حتى غلوفر ودويل انجذبا.

 

«واو، لقد قللتُ من شأنه». حكّ دويل رأسه. «ما زالت لدى الشماليين بعض المهارات».

 

ومع أنه لم يستخدم بعد حواس الجحيم، فإنها عززت سمعه، ووصلت تلك الكلمات الصريحة إلى أذني تاليس.

 

رفع الأمير زاويتي فمه.

 

«لا بأس…» دخل مالوس الساحة مليئًا بالاهتمام. «جيد جدًّا يا صاحب السمو. وفي الحقيقة، هذا فاق تقديري بكثير».

 

لم يتمالك تاليس نفسه فمدّ ذراعيه أكثر استقامة، حتى صار رأس السيف مستقيمًا هو الآخر.

 

ثم أومأ مالوس بتفهّم. وابتسم ابتسامة غامضة وقال: «إنها حقًّا ليست سيئة إطلاقًا، قوة الإبادة عندك، أقصد».

 

حدّق الحارس الأعلى في ذراعيه الثابتتين ووضعية تاليس المعيارية. واستخدم أنعم نبرة وأرقّها ليعلن إطراءه.

 

في تلك اللحظة، شعر تاليس، المركّز على الحفاظ على وضعية سيفه، بالرعب!

 

«ماذا… قال؟»

 

ارتجف رأس سيفه قليلًا.

 

نظر غلوفر ودويل أحدهما إلى الآخر من الجانب الآخر، وقد بدا عليهما الحيرة.

 

ابتسم مالوس بلطف.

 

لكنه مدّ يده فجأة وقبض على مقبض سيف تاليس!

 

وفي الحال، انفجرت خطيئة نهر الجحيم، التي كانت تتدفق أصلًا بنشاط في جسد تاليس، وجعلته يسحب معصمه إلى الخلف لا إراديًّا!

 

اندفعت القوة الهائلة إلى الأمام. وتغير تعبير مالوس قبل أن يرفع زاويتي فمه في الحال، ويترك المقبض.

 

بدا أنه اكتشف شيئًا.

 

تراجع تاليس خطوتين بفعل القصور الذاتي. ونظر إلى مالوس بدهشة وحيرة.

 

«طَخ!»

 

سُمع صوت مكتوم آخر. فقد انزلق الثقل عن السيف مرة أخرى إلى الأرض. وتدحرج دحرجته الأخيرة على الأرض الرملية بيأس.

 

حرّك قائد الحرس الشخصي لتاليس ذراعيه بهدوء. وأومأ ببطء لأنه بدا لا يزال يتأمل مباراة القوة التي خاضها مع الأمير قبل لحظة.

 

ومع ذلك، عاد تعبيره بعد ذلك إلى الهدوء، كأنه عرف الحقيقة.

 

وبدا أن تاليس فهم شيئًا حين رأى ذلك. وصار تصديقه أصعب فأصعب.

 

بدأ كل شيء قبل ست سنوات.

 

بدأ منذ المرة الأولى التي استيقظت فيها القوة الغريبة المسماة خطيئة نهر الجحيم داخل جسده…

 

وباستثناء السيف الأسود، الذي يملك القوة نفسها، لم يبادر أحد قط إلى اكتشاف سره.

 

سواء كانوا أعداءه في الأراضي الشمالية أو الصحراء، أو معارفه في وطنه، الكوكبة.

 

إضافة إلى ذلك، كان تاليس راضيًا بإبقائه سرًّا للحفاظ على ورقته الرابحة. وسواء كان ذلك حين قاتل قاتل النجوم، أو غراب الموت، أو درع الظل، فإن ورقته الرابحة، التي كان يكشفها دائمًا في النهاية، كانت تجلب له دائمًا آثارًا جيدة جدًّا.

 

لكن…

 

نظر تاليس إلى مالوس بذهول.

 

واليوم، خطيئة نهر الجحيم… قد اكتُشفت… أخيرًا.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.