الفصل 520: ليست قوة الإبادة وحدها
«أنا خادمك المتواضع، ليو بروكا، يا صاحب السمو».
بدا أن فرد الحرس الملكي الذي خرج من المجموعة في الأربعينيات من عمره. كانت له لحية على ذقنه تجعله يبدو مضحكًا نوعًا ما. وانحنى باحترام أمام تاليس.
«أنا مجرد ضابط إمداد متواضع وعادي في فريقك.
«ويشرفني أن أخدمك شريكًا لك في المبارزة التدريبية».
لم يرد تاليس فورًا.
ظل مرتابًا وهو يثبت عينيه على مالوس الواقف بجانب الساحة.
ولم يكترث بروكا أيضًا. فقد اختار سيف تدريب مناسبًا من رف الأسلحة بجدية، واختبره على قفازيه، ونكز الرمل قليلًا ليتأكد أن السيف غير حاد.
«كما يُتوقع من أمير. استطاع أن يحظى بتشكيلة حراس عظيمة كهذه لا لشيء سوى أن يتأكد الآخرون من قوة الإبادة لديه…»
نظر دويل إلى رفاقه من الحرس الملكي الواقفين حول المكان. كانوا إما حائرين وإما جادّين. ثم ألقى نظرة حسد على الأمير الشارد في وسط الساحة.
«حين استيقظت قوة الإبادة لدي، لم يكن الفارس العجوز الذي كنتُ أخدمه يعرف عنها شيئًا على الإطلاق. فقد ظل يرهقني ذلك اليوم حتى الإنهاك، ولم أستطع سوى أن أئنّ وأنا مستلقٍ على الأرض، مستنزفًا تمامًا…
«ثم بعد سنة، أدرك أن فنون القتال لدى تابعه الشخصي تحسنت كثيرًا، وأن ذلك التابع صار قادرًا على قتاله ندًّا لند…»
بقي غلوفر، الذي بجانبه، صامتًا. واكتفى بمراقبة الساحة.
كان دويل معتادًا على لا مبالاة الرجل. فتنهد بصمت. «لكن لحسن الحظ، ما زال مالوس يعلم أن الأمير قليل الخبرة. فلم يختر لقتاله إلا أفرادًا من قسم الإمداد. ومهارات بروكا عادية».
ثبّت غلوفر عينيه على بروكا الذي كان يؤدي بعض تمارين الإحماء البسيطة. وعبس قليلًا.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا. والتفت إلى مالوس المسترخي المظهر، وهو يحاول تجنب أعين كل حراس بحيرة النجوم الحاضرين في المحيط.
«ماذا ينبغي أن… ماذا ينبغي أن أفعل؟»
واصل مالوس ابتسامته، وقال: «اهجم يا صاحب السمو. أطلق قوتك كاملة، وبخاصة قوة الإبادة التي لا تفهمها، سواء انطلقت تلقائيًّا أو يدويًّا بحسب الظروف.
«بهذه الطريقة ستتاح لنا فرصة لفهم نوعها وفكرتها العامة.
«وستُظهر لنا أيضًا قوتك، مما يسهل علينا ترتيب حراسك في المستقبل».
«أطلق قوتي كاملة؟»
زفر تاليس. لم يكن راغبًا.
«هل يمكنني الرفض؟»
لكن كل أفراد الحرس الملكي المراقبين كانوا قد ركّزوا انتباههم عليه.
قبل زمن طويل، قال له السيف الأسود إن الأفضل ألّا يستمد من قوة خطيئة نهر الجحيم. فهو لا يستطيع تحمّل ثمن الموت في كل مرة.
وفي أثناء وجوده في معسكر أنياب النصل، قال له ريكي أن يزيد قوة خطيئة نهر الجحيم لديه، وكان يتطلع إلى الأعالي التي يمكن أن يبلغها تاليس. بل طلب منه أن يدفع الباب ويفتحه.
«إذن، من المحق ومن المخطئ؟»
أي نوع من الأسرار يختبئ وراء خطيئة نهر الجحيم؟
والأهم، هل يمكن أن تهتم دائرة الاستخبارات السرية للمملكة، بل وذلك الشخص في قصر النهضة، بهذا السر؟
وما مدى اهتمامهم بهذا مقارنةً باهتمامهم بالطاقة الغامضة والكوارث؟
لم يتمالك تاليس نفسه فابتلع ريقه في اللحظة التي تذكّر فيها مشهد مطاردة زاكريل له.
«لا». حسم تاليس أمره.
رفع دوق بحيرة النجوم رأسه ونظر مباشرة إلى خصمه أمامه.
لا يجوز أن يعلموا.
«يا صاحب السمو، لا تتحفّظ». كان بروكا قد وقف في وسط ساحة التدريب. وكان رأس سيفه موجهًا إلى الأرض. وظل محترمًا كما كان من قبل. «لا داعي لأن تقلق عليّ. فهذه وظيفتي أصلًا».
أومأ تاليس بوجه خالٍ من التعبير.
«لا يجوز أن يعلموا».
وتحت أنظار الجميع، اختار الأمير درعًا من رف الأسلحة وربطه بإحكام على ذراعه اليسرى بسير جلدي.
«لا يجوز».
مشى تاليس ببطء إلى وسط الساحة.
وفي اللحظة الأخيرة، ألقى نظرة سريعة على مالوس، الذي ظل هادئًا و رابط الجأش. بدا مسترخيًا وذراعاه مطويتان أمام صدره. أما قوة الإبادة لديه فكانت تتألق ببريق ساطع.
«تفضّل بأخذ موقع الهجوم أولًا». أومأ بروكا برأسه قليلًا.
صار تعبير الشاب جادًّا.
وصار الحراس المحيطون في المكان جادّين أيضًا. وكانت أعينهم كلها مثبتة على الأمير وحده.
كان هذا شيئًا يهتم به كثيرون أكثر من المظهر المشرق اللطيف والبلاغة العظيمة.
وفي الثانية التالية، اندفع تاليس إلى الأمام. استخدم الوضعية الأكثر ألفة له وشنّ هجومه الأول على بروكا بسيفه.
لم يرتبك بروكا ولم يتحرك ببطء. بل تراجع فحسب. وحوّل رأس سيفه وصدّ هجوم تاليس بسهولة.
ومع ذلك، لم يتوقف الشاب. فقد أرجح الدرع في ذراعه اليسرى مستخدمًا الزخم الذي اكتسبه.
واصطدم الدرع ببروكا بعنف!
«أستطيع أن أعرف من نظرة واحدة أن هذا أسلوب شمالي». شخر دويل، الذي كان يراقب المعركة، شخرة خفيفة. وشعر بازدراء طفيف.
«هذا أكثر تطرفًا حتى من فصيل الهجوم والدفاع. فهو يقدّر حياته أقل مما يقدّرونها هم—» قال غلوفر على غير المتوقع.
«لا». راقب ضابط الطليعة القوي حركات تاليس بكامل انتباهه. «هذا هو أسلوب السيف العسكري الشمالي القديم.
«إكستيدت الحالية… لم تعد تستخدم هذا الأسلوب. وقد كان الأمر كذلك منذ زمن بعيد».
ذُهل دويل في الحال لأنه قوطع.
وأجبر نفسه على ابتسامة محرجة.
«تسك. تتكلم وكأنك منطقي جدًّا.
«أسلوب السيف العسكري الشمالي…»
لوى دويل شفتيه باستياء وحدّق في الشخصين في وسط الساحة.
«أتظن أنني لم أكن قادرًا على رؤية ذلك؟»
وفي وسط الساحة، سُمع صوت مكتوم فور اصطدام درع تاليس ببروكا، لكن وجه الشاب تغير في لحظة.
لم تكن ضربة محكمة.
وفي الثانية التالية، صدّ بروكا درع تاليس بيد واحدة. ودار ووصل إلى الجانب المقابل لتاليس.
«طَخ!»
ارتجفت ساق تاليس اليسرى!
أرجح الأمير سيفه ليرد الضربة. لكن حين ارتفع صوت سيفه وهو يقطع الهواء، كان بروكا قد تراجع منذ وقت طويل وتفادى هجومه.
وراح أفراد الحرس الملكي يتناقشون فيما بينهم بهمس.
صرّ تاليس على أسنانه واستدار. وترنح قليلًا بسبب ساقه اليسرى.
ومع أن سيوف التدريب في قاعة ميندس لم تكن مشحوذة، فإن توازنها ومركز ثقلها ومادتها ووزنها لم تكن أدنى من السيوف الحقيقية.
ومع أن الأمر كان مجرد خدش، فإن الضربة التي وجهها بروكا إلى ساقه اليسرى سببت بعض الألم الحارق.
نظر تاليس إلى بروكا بصدمة وغيظ، فأومأ له الأخير بأدب.
«لا».
لمع السيف، ومع صفير، سقط الأمير على الأرض.
«لقد حُسم النصر».
التفت غلوفر وعدة أفراد من الحرس الملكي بفضول.
خفض دويل صوته. وتكلم بجدية وبطريقة تشبه من نسي أين هو: «الأمير، الذي في وسط بركة الدماء، يبدو شاحبًا. إنه يرتجف ويمسك ساقه الجريحة وهو يئن بأسى: “لا، لا يمكنني أن أخسر، فالكوكبة لا تستغني عني…”»
التفت المزيد والمزيد من الناس. وكان أحدهم نائب ضابط العقوبات غراي باكستون.
كان تعبيره مظلمًا وغير مرتاح.
وبينما كانوا يحدّقون فيه، تجمّد تعبير دويل.
«أم… كنتُ فقط أضيف بعض اللمسة الأدبية».
أسكت دويل نفسه قبل أن يرتسم على وجهه ابتسامة محرجة متملقة. ولوّح بيده بغير طبيعية. «هيهي، لن أفعل ذلك في المرة القادمة…»
عندها فقط أدار الجميع رؤوسهم بعيدًا.
كان تنفس تاليس سريعًا.
ثبّت عينيه على ضابط الإمداد في الحرس الملكي، خصمه بروكا.
كان خصمه ذا خبرة كبيرة بوضوح. وكان دقيقًا جدًّا في استخدام قوته. فقد اقتصر الألم على جلده. وزال بعد لحظة.
«لكن…»
ضغط تاليس على ساقه اليسرى قليلًا بغيظ.
«يا صاحب السمو، يبدو أنك لا تفهم معنى هذا الدرس، أليس كذلك؟»
وجد مالوس لحظة مناسبة ليتكلم. وكان صوته هادئًا كالمعتاد.
«مع أننا لسنا مهووسين بفنون القتال كالشماليين، فهل يُفترض أن تكون أنت مستقبل الكوكبة وأنت أمير سيئ جدًّا في فنون القتال ولا تستطيع حتى حمل سلاح؟»
اشتدت قبضة تاليس على مقبض السيف.
«اللعنة».
«هذا ليس جيدًا يا صاحب السمو»، قال مالوس ببرود. «ليس جيدًا».
وفي اللحظة التي قال فيها تلك الكلمات، بدا أن نظرات أفراد الحرس الملكي المثبتة على تاليس تغيرت.
«إما أن تبذل كل ما عندك أو لا تلمس السيف منذ البداية». ارتفعت كلمات مالوس عند أذنيه. «كن أميرًا يختبئ بأمان في العربة».
«اللعنة!»
زاد الأمير عبوسه.
«لعنك السيد يا مالوس.
«هذا الرجل… لماذا يحمل لي كل هذا الضغينة بالضبط؟
«ومن المصادفات أنه قائد حرسي الشخصي. وباسم الغروب، أي مزحة عالمية هذه؟!»
تحمّل تاليس عشرات النظرات وهو يضبط تنفسه ويدقّ قدمه اليسرى على الأرض قليلًا.
حدّق في بروكا الواقف أمامه. وعرف أنه بعد كلمات مالوس يحتاج إلى أن يُظهر نوعًا من القيمة أمام حراس بحيرة النجوم في أنحاء الساحة، وإلا فلن يكون الأمر في قصر النهضة وحده، بل حتى في قاعة ميندس…
هزّ تاليس رأسه وأزاح تلك الأفكار المشتتة من ذهنه. ووجّه انتباهه إلى الخصم الذي أمامه مباشرة.
كانت حركات بروكا سريعة. وكان يرجح سيفه برشاقة. وكانت له طريقته الخاصة في التعامل مع خصومه وجهًا لوجه ومواجهة الهجمات القوية.
«إذن…»
بدأت خطيئة نهر الجحيم تغلي من الداخل بمجرد أن استدعاها صاحبها.
حدّق تاليس في بروكا. وأحسّ بالقوة تملأ جسده ببطء.
«هل أستخدم منعطف القدر، وأقوم بحركة خداعية لأجعله يفقد موضعه، وأحسم النصر بضربة واحدة؟ أم أستخدم قوة الإبادة لفارس النار، ثم أعزز سطح التلامس على جسدي وصلابة هجومي؟
«وإن لم ينفع كل ذلك… فلنجرّب أسلوب زاكريل. سأستخدم فوضى الجيوش لديه وأحاول مراقبة حركات بروكا. ثم سأحوّلها لمصلحتي؟»
بذل تاليس جهده في التفكير.
«لا يا تاليس».
في أعماق قلبه، هزّ الأمير رأسه بهدوء على نفسه.
«لا أستطيع أن أكون واضحًا أكثر من اللازم.
«كيف سأفسّر قدرتي على استخدام منعطف القدر وفوضى الجيوش وقوة الإبادة الحارقة لفارس النار أيضًا؟
«هل أنا أُصاب بالعدوى منهم؟
«وإلى جانب ذلك، فخطيئة نهر الجحيم لدي أحيانًا…»
تذكّر تاليس دروس تدريبه في قصر الأرواح البطولية.
فقد كان يفقد السيطرة عليها أحيانًا.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا وحسم أمره.
لم يكن عليه سوى استخدام أبسط طريقة، تعزيز الجسد. فهي لا تُظهر أي خصائص لأي قوة إبادة. وينبغي أن يكفي ذلك.
انتشرت خطيئة نهر الجحيم بثبات إلى ساقيه وذراعيه وأصابعه.
أغمض تاليس عينيه. وترك القوة تغطي جسده كله ببطء.
ضيّق بروكا عينيه وهو يحدّق في الأمير بحيرة.
وسط همسات الحرس الملكي، تغير تعبير مالوس، الذي كان يركّز انتباهه على تاليس، تغيرًا طفيفًا.
«هذا…»
كانت خطيئة نهر الجحيم في جسد تاليس كوحش لم يخرج من قفصه مدة طويلة. تقدمت إلى الأمام بزمجرة.
لم يكن يحتاج إلا إلى بعض القوة، وبعض السرعة، وبعض الدقة، وبعض التحكم…
حاول الأمير جهده أن يكبح الدافع وروح القتال المصاحبة له. وفي الوقت نفسه ثبّت روحه وجسده.
لم يكن عليه إلا أن يقوّي بعض الأجزاء، مما لا يثير الشك لدى الآخرين.
راحت خطيئة نهر الجحيم تتخبط بعنف في جسده بسخط، كوحش يخدش قضبان قفصه. لكن صاحب القفص كانت له إرادة ثابتة. ولم يكن أمام الوحش إلا أن يخضع لأمر تاليس في النهاية. فذهب إلى الأماكن التي يُفترض أن يذهب إليها.
«اجعل توزيع القوة أكثر توازنًا، واجعل توازني أفضل قليلًا، واجعل قدراتي الإجمالية أفضل، بما يكفي لأن تتيح لي…
فتح تاليس عينيه برفق.
«أن تتيح لي…»
وفي اللحظة التالية، اهتز الرمل خلف حذائي تاليس قبل أن ينفجر!
صاح الحشد من حوله. واندفع الشاب في الحال كسهم غادر قوسه، وكفيضان اندفع بعد أن كسر سدًّا. وقطع فورًا عدة أقدام إلى الأمام.
وظهر أمام بروكا مباشرة، وقد أصابته الصدمة!
لمعت عينا مالوس.
«هذا صحيح، هذا ما أريده، أيها الأمير الشاب».
صرّ تاليس على أسنانه. كانت خطيئة نهر الجحيم متحمسة بشدة في جسده. وراحت تعوي بجنون.
وشكّلت خطواته وكتفاه وذراعاه ورأس سيفه خطًّا واحدًا، وأنتجت أقوى قوة.
وفي النهاية، تحول السيف إلى وميض يسير بسرعة البرق.
اتجه مباشرة إلى النقاط الحيوية في صدر خصمه وبطنه!
وفي تلك اللحظة، بدا الزمن وكأنه تباطأ.
«اللعنة…» مدّ دويل يده ليحجب الرمل المتطاير. وكان مصدومًا حتى فتح فمه. لكنه لم يتمكن إلا من صيحة تلك الكلمة الواحدة خلال اللحظة الخانقة التي ضربت فيها السيف.
ولم ينجح غلوفر إلا في العبوس نصف عبوس.
بدا أن تعابير الحرس الملكي تجمدت. لكن سرعان ما بدت عليهم الصدمة والحيرة والتجهم.
لكن تاليس، الذي كانت لديه خبرة في هذه الأمور منذ زمن، عرف أن هذا مجرد وهم يصيبه حين يصبح أسرع.
«التالي».
اصطفت عينا تاليس ورأس سيفه معًا. ووُجّها نحو خصمه.
وأمام عينيه مباشرة، رأى بروكا وقد فتح فمه على اتساعه من الصدمة بينما يجري كل شيء ببطء. وبأقصى سرعته، رفع بروكا ذراعه ليرجح سيفه محاولًا صد هجوم الأمير. كان يريد صد الضربة المرعبة التي كانت سرعتها وقوتها الانفجارية وشدتها ودقتها في مستوى آخر تمامًا.
لكن تاليس عرف أن الأوان قد فات.
لم يستطع بروكا أن يتفادى في الوقت المناسب. ولم يستطع حتى أن يتخذ وضعيته الدفاعية في الوقت المناسب.
حتى قاتل النجوم تعثّر وبقيت على وجهه ندبة لأنه لم يحترس من هذه الهجمة.
أما بروكا… فلم يستطع أن يتفادى. ولم يستطع حتى أن يصدّها.
وبإرادة الرغبة وضجيج خطيئة نهر الجحيم، التقى سيف تاليس وسيف بروكا في الهواء. ثم تطايرت الشرارات من سطح سيفي التمرين الخشن.
وأطلق ذلك الاصطدام قوة أعظم.
برد نظر تاليس. وراقب سيفه وهو ينزلق على صد بروكا، ثم اتجه مباشرة إلى صدر بروكا.
«آسف يا ضابط الإمداد»، فكّر تاليس ببرود. «ستحتاج إلى راحة بضعة أيام.
«سأقيّد عدوي بضربة واحدة».
«طَخ!»
دوّى صوت اصطدام السلاحين العظيم في المكان. وجعل الفناء كله يرتج!
وكأنه أثّر حتى في الهواء.
شعر كثير من أفراد الحرس الملكي بوخز في جفونهم. فتراجعوا غريزيًّا.
وعاد الزمن أخيرًا إلى طبيعته.
«دَب!»
سُمع صوت عالٍ مكتوم.
طار تاليس إلى الخلف.
وارتطم ظهره بالأرض بقوة. ثم تدحرج إلى الوراء عدة مرات.
«…عليّ!» أنهى دويل أخيرًا صيحة كلمته الثانية. وكانت الصدمة لا تزال على وجهه.
أنزل ذراعه ورمش وحدّق في وسط الساحة.
وبجانب دويل مباشرة، لم يحرك غلوفر عضلة. اكتفى بتثبيت عينيه على درع تاليس.
وتحت تأثير التخدر والألم في عضلاته، استنشق الأمير نفسًا بصعوبة بالغة. ورفع الدرع على ذراعه اليسرى وهو يرتجف.
وفي وقت ما، كان الدرع قد تحطم.
كانت في الدرع فتحة دائرية بحجم رأس سيف، وتشققات حولها من كل ناحية والفتحة مركزها.
وفي تلك اللحظة، صار ذهن تاليس فارغًا.
«كيف…»
رفع بصره بنظرة مذهولة.
رأى بروكا واقفًا قبالته دون خدش واحد. كانت هيئته مسترخية وحركاته سلسة وهو يعيد سيفه الطويل إلى غمده.
أما سلاح الأمير، سيف التمرين الذي نفّذ الهجوم المخيف قبل لحظات، فدار عدة مرات في الهواء.
وفي النهاية سقط على الأرض بلا حول.
وانغرز في الرمل بجانب ساقه مباشرة بزاوية مائلة.
ولم يعد يتحرك، وعاد إلى الصمت.
«واو…»
اندلعت ضجة فجأة بين الحرس الملكي، وانفجر صخب من الأصوات.
«أنا آسف حقًّا يا صاحب السمو». أعاد بروكا سيفه إلى مكانه. وبذل جهده ليحتوي ذعره. وسارع إلى مساعدة الأمير على النهوض وهو يواصل الاعتذار له بقلق.
«لقد فقدتُ السيطرة. هل أُصبتَ بأي…»
في تلك الثانية بالذات…
«ضابط الإمداد ليو بروكا».
سُمع صوت عادي غير مكترث. لكن، لسبب ما، كان في صوته برد عدواني وبارد إلى حد ما.
كان بروكا مستعدًّا للتقدم ليساعد تاليس على الوقوف، لكنه تجمد في مكانه.
كان صوت الحارس الأعلى للحرس الملكي، مالوس، واضحًا بين الحشد.
«بصفتك فردًا من الحرس الملكي، وبصرف النظر عن المدة التي عشتَها في أزمنة السلم، وحتى لو كنتَ تخدم فقط شريكًا في المبارزة التدريبية…» ظل مالوس عاقدًا ذراعيه أمام صدره. وأمعن النظر في بروكا بنظرة جانبية.
لم ينظر مالوس إلى تاليس الذي كان لا يزال مستلقيًا على الأرض بائسًا وهو يلهث بشدة. بل حدّق ببرود في بروكا الذي بدا نادمًا.
كانت كلماته صارمة، ونبرته قاسية وباردة. «…لقد ساءت مهاراتك كثيرًا».
ساد الهدوء بين الحرس الملكي في وقت واحد.
ذُهل بروكا قليلًا. وصار تعبيره أكثر ندمًا.
نظر إلى الأمير بحيرة ثم إلى قائده. بدا أنه يريد أن يتكلم، لكنه لم يفعل. ولم يعرف ما يفعل.
ظل تاليس مستلقيًا على الأرض. وكان يتنفس بذهول.
«كيف يمكن أن يكون هذا؟
«كيف…
«خطيئة نهر الجحيم… لقد قد، قد…
«كيف يمكن أن يحدث هذا مع ذلك؟…»
استطاع أن يحس بأن ذراعه اليسرى تتعافى ببطء من التخدر. بل أحس بالنظرات التي تُلقى عليه بهدوء من حوله. وكان قلبه مغمورًا بمشاعر معقدة.
ساد الصمت ساحة التدريب كلها.
نظر أفراد الحرس الملكي بعضهم إلى بعض، وكانت مناقشاتهم الخافتة تُسمع من حين لآخر.
شدّ دويل كم غلوفر، لكن غلوفر بدا أنه غاص في تفكير عميق. فلم يكن يستجيب إطلاقًا.
«أما أنت، يا أميري الموقر تاليس…»
تكلم مالوس مرة أخرى.
صمت الحرس الملكي. أما بروكا، الذي أراد التقدم ليساعد الأمير على الوقوف على قدميه مجددًا، فتوقف فجأة.
استدار الحارس الأعلى ببطء. ونظر بلا اكتراث إلى تاليس وهو على الأرض.
«بعد أن شهدت أداءك، أعتقد أنك قد استوعبت المعنى الحقيقي لقوة الإبادة».
ابتسم مالوس بلطف، لكن كان في عينيه ازدراء خافت. «ومع ذلك، حين يتعلق الأمر بالمعركة… لا تستطيع أن تعتمد على قوة الإبادة وحدها».
وبعدها مباشرة، لم يعد الحارس الأعلى ينظر إلى الأمير النبيل. بل استدار فحسب.
«حسنًا أيها الجميع، انتهى العرض».
مشى مالوس إلى الأمام وقال بخفة: «انصرفوا».
وبينما كانوا يحدّقون في ظهر مالوس، نظر أفراد الحرس الملكي بعضهم إلى بعض بحيرة.
وبعد بضع ثوانٍ، بدؤوا بالابتعاد بصخب وضجيج.
«هل استطعتَ أن تعرف ما قوة الإبادة لدى الأمير؟»
اختلس دويل نظرة إلى تاليس الكئيب الذي كان يلهث بذهول. وفي تلك اللحظة، لم يستطع إلا أن يشعر بالشفقة على الأمير. ثم استدار وقال: «لم أستطع أن أرى حقيقتها. أشعر فقط أنها كانت ضعيفة قليلًا».
«لا». عبس غلوفر. «ليست ضعيفة».
«يا زومبي، كم مرة حدث هذا؟ ألا تستطيع أن توافقني مرة واحدة…»
وفي تلك اللحظة، رنّ في الهواء صوت مختلف تمامًا، ضعيف وأجشّ.
«انتظروا لحظة».
كان أفراد الحرس الملكي قد تفرقوا بالفعل. فصمتوا في وقت واحد والتفتوا.
لم يروا سوى الشاب البائس يسند نفسه على الأرض الرملية في وسط ساحة التدريب. ترنح، لكنه وقف بعزم.
وكان مالوس قد توقف عن المشي أيضًا.
«إنه فقط… ضرب… درعي». خفض الشاب رأسه. ورفع ذراعه اليسرى وهو يتنفس بثقل ليخفف التيبس في صدره.
اتسعت عينا دويل. وصارت عينا غلوفر أحدّ.
أما بروكا، شريك المبارزة، فوقف في الساحة بذهول ولم يعرف كيف يستجيب.
«لم يضرب… نقاطي الحيوية». أخذ تاليس نفسًا عميقًا. وتحمّل التيبس في عضلاته والألم الذي جاء بعد تلقي ضربة قوية. ووضع يديه على السير المثبت خلف الدرع.
وارتفعت خطيئة نهر الجحيم، التي سُحقت قبل قليل، مجددًا وسط الصمت المطبق.
وجلبت معها غضب وحش يلعق جراحه الشرس. ارتفعت خطوة خطوة وأطلقت أصواتًا مكتومة انفجارية.
مدّ تاليس ذراعه اليسرى وهو يرتجف. وترك درعه المحطم يسقط بحرية على الأرض.
«أنا…»
ابتلع الشاب ريقه. وكان لعابه مشوبًا بطعم الدم. وارتجف وهو يمسك بسيف التمرين الذي بجانب ساقه مباشرة.
«أنا…»
اندفعت خطيئة نهر الجحيم لديه إلى ذراعيه.
«ما زلتُ… لم أخسر».
في اللحظة التالية، هدّأ تاليس تنفسه، وصرّ على أسنانه، وسحب السيف الطويل.
ثبّت الشاب عينيه على ظهر مالوس.
ثارت ضجة بين الحرس الملكي مجددًا.
وأعطى الجميع الأمير نظرات حائرة، و تناقشوا فيما بينهم.
ونظر كثيرون أيضًا بهدوء إلى قائدهم وهم ينتظرون ردّه.
مرت ثانية، ثانيتان…
ظل مالوس صامتًا. ولم يستدر.
بل أدار عنقه ببطء، ونظر حوله، وألقى على تاليس نظرة جانبية.
رفع الحارس الأعلى زاويتي شفتيه.
وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة غامضة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.