الفصل 522: معارك متتالية
هدّأ تاليس نفسه بهدوء وهو واقف في ساحة التدريب. وأحسّ بخطيئة نهر الجحيم، التي تزداد نشاطًا، تتدفق مجددًا في جسده كله.
منذ انتهت مغامرته في الصحراء الكبرى، لاحظ أن خطيئة نهر الجحيم لديه صارت أكثر تكثفًا وأوفر لاستخدامه. فبعد أن كان يستطيع استخدامها لفترة قصيرة فقط في الماضي، صار الآن يستطيع استخدامها لفترة أطول.
وبعد أن تلاشت قوة الإبادة لديه، قلّ أيضًا الإرهاق والألم اللذان بقيا في جسده.
«كما يُتوقع، ما لا يقتلك يقوّيك»، فكّر تاليس في نفسه.
وبالطبع، لم يكن ذلك بلا ثمن إطلاقًا. فمنذ أن أصابه نيكولاس إصابة بالغة، لم يعد يستطيع استخدام معصمه الأيسر برشاقة وراحة كما كان من قبل. وقد أثّر ذلك فيه إلى حد ما في استخدام درعه.
ولو كان مزاج خطيئة نهر الجحيم أهدأ نسبيًّا أثناء التدفق لكان ذلك أفضل.
«يا صاحب السمو، أنا جانلوكا كومودور».
كان كومودور رجلًا قصيرًا نحيلًا مفتول البنية. بشرته سمراء، لكن ابتسامته بدت خجولة. وبدا للوهلة الأولى كجار من الجيران على وشك أن يبلغ الأربعين، مرّ بتجارب قاسية كثيرة في حياته، لكنه ظل لطيفًا قويًّا متفائلًا.
لاحظ تاليس أن الرجل يختلس نظرة بين حين وآخر إلى الجهة التي يقف فيها مالوس.
«كنتُ شرطيًّا من الدرجة الأولى في مركز الشرطة المركزي في المدينة الداخلية، مكلفًا بحماية الشخصيات المهمة». أمام دوق بحيرة النجوم، رسم كومودور ابتسامة عريضة، إلى درجة بدا معها متملقًا قليلًا.
«وحالفني الحظ فاجتزتُ التقييم والاختيار للانضمام إلى الحرس الملكي.
«وأنا الآن أحد حراسك الجدد في فريق حرسك الشخصي».
«شرطي».
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
حسنًا، كان مألوفًا لديه هذا أيضًا.
سواء كانوا أولئك الشرطة الكبار المتعجرفين المتواطئين مع عصابة زجاجة الدم في الحي الغربي، أو ذلك الأحمق الضخم الذي لا رأس له يعمل جيدًا، والذي سيضطر لسوء الحظ إلى العودة لوراثة لقب عائلته النبيل إن فقد وظيفته.
لكن قبل أن يتعمق في التفكير، كانت المعركة في الساحة قد بدأت!
«كلانك!»
سُمع صوت مكتوم. فقد اصطدم درع ذراع تاليس بحدّ سيف كومودور الحاد!
لم يتصرف كومودور بوداعة كما فعل بروكا من قبل. فقد كان هجومه ضاريًا، وبادر إلى الهجوم. وكان ذلك على النقيض تمامًا من الابتسامة المتملقة على وجهه.
تحرك تاليس وأرجح سيفه الطويل. واشتبك عدة مرات مع خصمه في الهواء.
وحين اصطدم المعدنان، اكتشف دوق بحيرة النجوم، المستخدم لحواس الجحيم، أن وضعية سيف كومودور معيارية إلى حد كبير، وليست بديعة كوضعية بروكا التي كانت كافية للرد على الخصوم و إخضاعهم بعد بضع ضربات. وليست فظة كهجمات الأورك الجريئة المنفلتة التي لا يستطيعون فيها سحب هجماتهم عند الضرورة.
وتقدّم الاثنان وتراجعا وهما يتبادلان مواقع الهجوم والدفاع. وكانا في الواقع متكافئين في المهارة مؤقتًا.
وقد فاجأ ذلك تاليس فعلًا.
لكن…
«كلانك!»
صدّ تاليس مجددًا ضربة من خصمه بدرع ذراعه.
صرّ على أسنانه وثبّت قدميه. واندفعت خطيئة نهر الجحيم. ولم يُظهر لخصمه أي ضعف وهو يصد هجومه.
لكن في تلك اللحظة بالذات، لعن تاليس في قلبه.
فحين صدّ، أحسّ بأن ضربة سيف خصمه خفيفة. ولم يجد صعوبة إطلاقًا في صد الشق.
وكما كان متوقعًا، انزلق كومودور برشاقة بجانب درع تاليس حين اندفع تاليس إلى الأمام ليصد الهجوم. ودار سيفه على الدرع.
وفي الثانية التالية، انفجرت خطيئة نهر الجحيم مرة أخرى في جسده، وجلبت معها رغبة لا توصف في القتال.
لكن تاليس لم يستطع إلا بالكاد أن يسحب جسده إلى الخلف في الوقت المناسب!
«كلانغ!»
«دَب!»
سُمع بالتتابع صوت رنين اصطدام المعدنين الواضح، وصوت الارتطام المكتوم لشيء كليل يضرب اللحم!
«أوه…»
وسط الهمهمة المنخفضة من الحراس، صرّ تاليس على أسنانه وهو يترنح متراجعًا. وجثا على ركبة واحدة وأسند نفسه على الأرض بدرعه.
أخبره الألم الشديد و التخدر القادمان من فوق كتفه أن هذه الجولة انتهت.
أومأ كومودور، الشرطي السابق وأحد حراسه الشخصيين الآن، بابتسامة صادقة وهو يعيد سيف تدريبه. ولم يواصل الهجوم.
لهث تاليس من الألم. وظل يدير كتفه وذراعه وهو يقول لنفسه إن كومودور هاجمه بمقبض السيف.
في تلك اللحظة، استخدم درعه ليصد سيف كومودور، لكنه لم يصد مقبض سيف خصمه.
كان واقي اليد المتقاطع على مقبض سيفه يتحرك كالظل. فقد انتهز كومودور اللحظة التي دفع فيها تاليس درعه إلى الأمام ليصد الهجوم. وانتهز الفرصة حين دفع تاليس ذراعه إلى الأمام ليدور بضراوة.
ولو لم يكن رد فعل تاليس سريعًا، لأصابت تلك الضربة النقطة الحيوية في ضلعه تحت ذراعه مباشرة.
وعندها يمكنه أن ينسى الوقوف مجددًا.
«لكن ما دام الأمر كذلك…»
سحب تاليس نفسًا عميقًا.
«آه… كتفي يؤلمني حقًّا…»
كان أسلوب السيف العسكري الشمالي يتيح لمستخدميه أيضًا استخدام المقبض لإخضاع أعدائهم. لكن ذلك لا يكون إلا حين يكون الطرفان في طريق مسدود، أو حين لا تستطيع وسائل أخرى أن تحل محل الهجمات الأخرى بفاعلية. ومن النادر أن يوجد شخص كهذا الذي يرتب كل هذا لمجرد استخدام مقبض السيف.
وعلى جانب ساحة التدريب كان دويل. نفخ شعره نحو السماء قبل أن يكزّ غلوفر.
«أوه، تلك الضربة التي استخدمها جان… رأيتُها من قبل أيام كنا نتنمر على الوافدين الجدد في قسم الدفاع… على أي حال، ليس شخصًا سهل التعامل».
شخر غلوفر بخفة.
وتناقش الحراس بأصوات منخفضة. وأطلق بعضهم ضحكات خافتة كالنباح.
وبينما كان يراقب المعركة، أدار مالوس رأسه إلى الجانب. بدا أنه يتأمل شيئًا.
لم يواصل كومودور الهجوم. بل انتظر بأدب أن يستجمع الدوق نفسه.
«أنا آسف حقًّا يا صاحب السمو». كان سيفه الطويل في يده، ولم تخفت ابتسامته ولو قليلًا. «لكنني أعتقد أنك لا تريدني أن أخفف عنك، أليس كذلك؟»
«اللعنة».
زفر تاليس. وأحس بخطيئة نهر الجحيم تندفع إلى كتفه لتخفف تخدره وألمه.
و عندها فقط شعرت ذراعه اليسرى بتحسن طفيف.
«شقّ جان طريقه إلى هنا من مركز الشرطة». وصل صوت مالوس، الذي لم يعد غريبًا، إلى أذنيه مجددًا.
«و خبرته ومهاراته في القتال في الشوارع والأزقة الخلفية غنية جدًّا.
«وبالمعنى الدقيق، فإن مهاراته تنتمي إلى المدرسة الفكرية الجديدة التي ظهرت في هذه البلاد في هذا القرن، وهي فكرة تعلّم القتال من خلال القتال الفعلي. وهي شائعة بخاصة بين المرتزقة و الفرسان والنبلاء الجدد. وتُعرف باسم “الاتجاه الجديد”».
أدار تاليس رأسه. وكما توقع، كان الحارس الأعلى عاقدًا ذراعيه على صدره. وبدا كأنه يتسلى.
«وفي السنوات العشر الماضية، اكتسب فرسان الاتجاه الجديد خبرة كبيرة أيضًا من الحروب داخل البلاد وخارجها. كما اكتسبوا خبرة كثيرة من المرتزقة. وكل ما يتمنونه أن تكون مهاراتهم مناسبة للمعارك، وهم يتوقون إلى النصر والبقاء، ولذلك فهي مرنة جدًّا في الأسلوب. وليست مقيدة بمعايير، وهي مزيج من مئات فنون القتال.
«وبالطبع، تعرض الاتجاه الجديد أيضًا لانتقادات مستمرة من المدارس الفكرية الأخرى. فهو غير منظم، وأسلوبه فوضوي، ونظرته قصيرة، ولا تركيز فيه».
ابتسم الحارس الأعلى بلطف.
«وعلى العكس، فهو أيضًا الأصعب في التعامل. فلن تعرف أبدًا أي مفاجأة ستظهر».
«اتجاه جديد؟»
هدّأ تاليس تنفسه ببطء. وركّز مجددًا على كومودور.
ظل كومودور مبتسمًا بصدق.
مرتزقة؟
وبينما كان تاليس يفكر في هذا، تذكّر شخصًا فجأة.
«السيف الأسود».
تذكّر المراهق الرجل الذي كان عند جرف السماء في مدينة سحاب التنين. دفاعه، وهروبه، و إغراؤه للأعداء، وبحثه عن الفرص، وإخضاعه للأعداء…
فكّر في عدد الطرق التي يمكنه أن يبتكرها ليقاتل غامض الهواء دون أن يكون في موضع ضعف. وتذكّر أيضًا كيف «حمل» (كان تاليس يحاول العثور على فعل متعدٍّ أفضل لذلك) واندفع مباشرة نحو عدة وحوش في حي الدرع في اتجاه الهيدرا كيليكا.
وبينما كان يفكر في هذا، صارت خطيئة نهر الجحيم عاصفة هوجاء في جسده مرة أخرى، كأنها غير راضية بما عانته في الجولة الأولى.
«سيدي، أنت تجاملني. أنا مجرد…» ردّ كومودور على مالوس بنظرة مرحة.
لكن قبل أن يكمل ما أراد قوله، كان هجوم تاليس قد وصل أمام عينيه مجددًا!
«كلانغ!»
صدّ كومودور ضربة السيف التي وجهها تاليس من بين أسنانه المطبقة بسهولة مألوفة. ثم ضغط إلى الأمام فور ذلك وطعن.
عرف المراهق أن خصمه لديه مئات الوسائل للضرب. فأرجح السيف في يده ليصد. وتراجع أيضًا برشاقة كي لا يقع ضحية الحيلة نفسها.
لكن في اللحظة التالية، ارتجفت حواس الجحيم لديه فجأة. وجاءه إحساس مشؤوم مرة أخرى.
وكما كان متوقعًا، أحسّ تاليس برعشة في فخذه.
وفقد توازنه!
«اللعنة!»
زأرت خطيئة نهر الجحيم لديه.
لم يكن لديه وقت ليفكر أكثر. فاستخدم تاليس كل قوته ليسحب نفسه وتدحرج. وخرج من ساحة المعركة بطريقة مزرية للغاية.
«دَب!»
ضربت ركبة كومودور الرمل بقوة، وأصدرت صوتًا مكتومًا مخيفًا.
وبعد تلك الجولة، اندلعت من جديد ضجة صغيرة بين الحراس.
لكن المراهق تفادى الهجوم هذه المرة.
نهض تاليس على قدميه وفي قلبه خوف عالق. ونظر إلى كومودور، الذي بدا متفاجئًا قليلًا.
«عرقلة؟»
كان تاليس متلهفًا لأن يسأل الرجل هل تعلّم المصارعة من قبل، أو هل يعرف حارسًا أعلى سابقًا يحب هو الآخر أن يعرقل الآخرين في القتال القريب.
«لكن…»
سحب تاليس نفسًا عميقًا ووقف منتصبًا.
بدا أنه فهم شيئًا بعد هذه الجولة.
لم يستطع تاليس أن يتعرف إلى قوة الإبادة لدى خصمه.
لكنه استطاع أن يحس عبر حواس الجحيم أنه في اللحظة التي سبقت اتصالهما في القتال القريب، كانت قوة الإبادة لدى كومودور قد اتخذت شكلها بالفعل. فقد تجمعت في جزء واحد من جسده وكانت جاهزة لأن تُطلق بقوة انفجارية.
كأن تُرسل مثلًا إلى معصمه ومقبض سيفه، أو خصره وخطواته.
ثم حين تُدمج مع حيله الصغيرة، فإنه حين يفعّلها في لحظة، يمكنه أن يجعل الآخرين عاجزين عن الرد في الوقت المناسب.
وإلى جانب ذلك، لم تكن قوة الإبادة وحدها.
كان تاليس يلهث بشدة وهو ينظر إلى الخصم أمامه.
وكما قال مالوس تمامًا، فهو يملك مهارات تعلمها من الشارع، وأسلوبًا مرنًا، ويستطيع القتال دون التقيد بمعايير، وأسلوب قتاله مزيج من مئات فنون القتال.
اشتعلت خطيئة نهر الجحيم لديه من جديد، وكانت أشد حيوية من قبل.
إذن كيف… ينبغي أن يواجه خصمًا كهذا؟
أخذ تاليس نفسًا عميقًا ونفض الرمل والغبار عن جسده.
«ليس صعبًا إلى هذا الحد، أليس كذلك؟»
في تلك اللحظة، برز في ذهنه ظل من سنوات عديدة مضت.
ذلك الظل رفع سيفًا ذهبيًّا، ومدّ جسده المفتول، وعامل نفسه كسلاح.
نزل ذلك الظل من السماء. كان صلبًا وقويًّا. وتجاهل كل أساليب خصومه وتحمل هجمات لا تُحصى من أعدائه.
لم يتغير تعبير الرجل، ولم يتردد. فقد اخترق صد رالف، وهاجم بعكس الهجوم وأخضع حركات وايا القاتلة، وكسر سلاح رافاييل بشق واحد، وصدّ هجمات ميراندا، وأخضع كوهين وهو يقاتل بكامل قوته إلى درجة أنه كان مضطرًّا مرارًا. ولم يكن لدى كوهين حتى القوة ليرد.
وفي النهاية، وصل الظل أمام تاليس.
كان نارًا مشتعلة، وحصانًا جامحًا يركض بجنون. وكان يعيث فسادًا في كل مكان.
كان قويًّا ضاريًا.
وكان يتقدم بإرادة لا تُقهر.
ويخترق كل العقبات أمامه.
أغمض تاليس عينيه.
وتعلّمت خطيئة نهر الجحيم لديه من تلقاء نفسها. فحين فكّر في الأمر، حاولت أن تقلد قوة الإبادة لذلك الظل، لكن تاليس أخمدها في منتصف التقليد.
«لا».
لم يكن تاليس تولجا فارس النار.
ولن يؤدي امتلاك قوة إبادة ذلك الشخص هنا بالضرورة إلى مثل هذا التأثير العظيم. وإضافة إلى ذلك، لن يستطيع تاليس تحمل استنفاد هذه الكمية الكبيرة من طاقته.
وفي الأثناء، لم يكن كومودور الأشخاص الخمسة الذين هُزموا في الحال حينها.
«لكن…»
وفي الثانية التالية، فتح تاليس عينيه.
وواصلت خطيئة نهر الجحيم لديه الاحتراق بلا توقف. وأصدرت أصواتًا مفرقعة كأنها تقهقه ببرود.
ظل كومودور مبتسمًا وهو يراقب الدوق يندفع نحوه مجددًا.
وراقب الحراس في المكان اقترابهما من جديد، لكن تركيزهم لم يكن كما كان من قبل. بل إن بعضهم كان يتثاءب.
«كلانغ!»
اصطدم سيفان ببعضهما.
أظهر كومودور ابتسامة وهو يوجّه التواءة بسيفه فيها جوهر الهجوم المضاد الدفاعي لبروكا ليبدأ هجومه المضاد.
وفي حواس الجحيم لدى تاليس، استطاع أن يعرف أن قوة الإبادة لدى كومودور قد شُحنت وصارت جاهزة للإطلاق.
«دَب!»
صدّ درع تاليس نصل كومودور مرة أخرى.
وهذه المرة، ارتجف السيف الذي يمسكه كومودور فجأة.
أحسّ تاليس فورًا بالاصطدام الضعيف على الدرع.
وأحسّ أيضًا بأن خطيئة نهر الجحيم تذكّره بتلك الرعشة.
وكما كان متوقعًا، رسم كومودور ابتسامة، وانزلق سيفه الطويل بمكر بجانب درع تاليس. واتجه مباشرة إلى اليد التي تمسك سيف المراهق!
لكن ذهن تاليس هذه المرة كان صافيًا تمامًا.
فقد فهم فجأة قليلًا كيف ينبغي أن يتعامل مع هذه المعركة.
كان هذا مثل الإدراكات المفاجئة التي اكتسبها خلال السنوات القليلة الماضية حين كان يتخبط في دوامات سياسية مختلفة و يكافح للبقاء في مآزق مختلفة.
فالمهم لم يكن القوة، ولا السلاح، ولا التكتيكات، ولا المهارات، ولا حتى قوة الإبادة.
بل كان الفرد.
«الفرد».
كانت قوة إبادة الرجل تشبه كومودور نفسه. تبدو صادقة لكنها في الواقع ناعمة ماكرة. تفكر دائمًا مسبقًا في تدابير بارعة للتعامل مع العدو. وحين يحين الوقت، تتقدم خطوة خطوة وتنتظر أن تأتي النتائج إلى عتبة بابها.
«لكن…»
اندفعت خطيئة نهر الجحيم بضراوة، وملأت ذراع تاليس اليسرى كلها!
وفي الثانية التالية، فوجئ كومودور بأن الأمير لم يتفادَ هجومه ولم يتجنبه. بل استخدم الوضعية الأقل مناسبة ليتلقى ضربته وجهًا لوجه.
أظهر تاليس تعبير ألم. ولم يستطع تحمل الضربة، فسقط سيفه الطويل من قبضته.
صاح الحراس بخفوت. وهزّ بعض من كانوا يعلقون بعض الأمل على الأمير رؤوسهم.
«حسنًا، هذه حركة تدل على أنه استسلم». فكّر كومودور وهو يشعر بالأسف لأن تاليس استسلم.
وتحرك ليتجنب الدوق الذي فقد سلاحه.
ولم يعد بإمكانه أن يعرض حركات القتال القريب الكثيرة التي كان قد خطط لها بعد ذلك.
لكن لا بأس. فقد كان يخطط للخسارة على أي حال…
لكن ذهن كومودور توقف في تلك اللحظة.
لأنه في الثانية التالية، فوجئ برؤية درع تاليس ينزلق بسلاسة عن ذراعه. وكانت متصلة به بضعة أربطة مرتخية.
فكشف عن ذراعه اليسرى، وكانت متصلة بها قبضة مشدودة.
وفي الأثناء، وبينما كان كومودور يحدّق في تعبير الدوق، وهو وجه يتحمل الألم، وجد نفسه مذهولًا لأن عيني الدوق كانتا لا تزالان حازمتين كما كانتا من قبل.
«دَب!»
سُمع صوت مكتوم آخر!
لقد ضربت قبضة المراهق اليسرى أضلاع كومودور اليمنى بعنف!
وكانت القوة مفاجئة في شدتها!
وفي تلك اللحظة، عبس مالوس وهو يراقب المعركة.
شعر كومودور بأن نصف جسده صار مخدرًا لحظة. وفقدت ذراعه اليمنى كل إحساس.
وبينما كان يشعر بأن الوضع ليس في صالحه، رأى وجه الدوق يكبر أمام عينيه وهو يقترب منه بأسنان مطبقة.
«دَب!»
لم يشعر كومودور إلا بالألم في جبهته. رأى نجومًا، وفقد توازنه.
«دَب!»
سقط كلاهما على الأرض.
وسُمع صوتان مكتومان ثقيلان يتردد صداهما في الساحة. فقد سقط درع تاليس وسيف كومودور الطويل على الأرض.
وبعد بضع ثوانٍ، أفاق الجميع من ذهولهم.
كان كومودور مستلقيًا على الأرض.
كان الشرطي السابق مندهشًا وغاضبًا في الوقت نفسه. حاول جاهدًا أن ينهض، لكن تاليس كان قد جلس على جسده في وقت ما.
«يا… يا صاحب السمو؟»
كان المراهق يضغط بيده اليسرى على حلق كومودور. أما ذراعه اليمنى، التي كانت تمسك السيف الطويل قبل قليل، فكانت متدلية بوهن بجانبه. وكانت ترتجف قليلًا.
صاح الحشد، الذي كان قد استرخى بالفعل، بخفوت من جديد.
بدا مالوس غارقًا في التفكير بجانب الساحة. وكان يدير رأسه من حين لآخر ليقول شيئًا لحارس بجانبه.
«أحسنتَ أيها الحامي جان كومودور».
كان تاليس يلهث بشدة وهو يواجه كومودور، الذي بدا خجلًا وغاضبًا تمامًا. أظهر تاليس ابتسامة واهنة وقال: «لكنك خفضتَ حذرك في اللحظة الأخيرة، فأتحتَ لي أن أنتهز الفرصة لأطيح بك».
وقف المراهق، الذي استُنزفت قوته، على قدميه من جديد وهو يرتجف. ونظر إلى كومودور، الذي كان يخجل من إظهار وجهه. «مجرد تلميح صغير. لا تفعل ذلك أبدًا، وبخاصة حين تكون أمام أورك».
لم يستطع كومودور إلا أن ينهض ويوافق على كلمات تاليس. ولم يجرؤ حتى على النظر إلى مالوس. وظل يعتذر بكلام غير مترابط وغادر مسرعًا.
وعندها فقط استطاع تاليس أن يزفر.
كانت خطيئة نهر الجحيم لا تزال تغلي تحت عروقه. وكان الزخم الذي اكتسبته من انتصارها كالفيضان خلف سد عظيم. وكانت مستعدة للتدفق في أي لحظة.
لكن تاليس منع نفسه من الهجوم.
تحرك المراهق إلى الخلف واستدار وهو يترنح. ولهث وهو يلتقط قربة ماء ليهدّئ خطيئة نهر الجحيم المتدفقة.
«مع أن جان خفف عنه… لكن… كيف أقول…»
ضيّق دويل عينيه ونظر إلى ظهر كومودور وهو يخجل من مواجهة الناس.
«في معركة حقيقية، كان جان سيفقد حلقه، لكن أميرنا كان سيفقد ذراعه اليمنى أيضًا».
هزّ دويل رأسه باستسلام.
«هذا هجوم متهور جدًّا، وأساليبه في التعامل مع بروكا قبل قليل… كما كان متوقعًا، أميرنا عاد فعلًا من الأراضي الشمالية».
لكن…
«لا»، ردّ غلوفر ببرود بكلمات بسيطة.
«في معركة حقيقية، كان الأمير سيفقد قليلًا من اللعاب».
ذُهل دويل لحظة قصيرة.
«ماذا؟ لعاب؟»
لمعت عينا غلوفر وهو يحدّق فيه.
«وبعد ذلك، سيُسحق جان سحقًا على أيدينا نحن الذين سنندفع نحوه».
وبينما كان الناس يتناقشون، صمت الاثنان لحظة.
«أُرغ… هل تفكر في الموقف…» رمش دويل قبل أن يومئ بحرج ويواصل: «بهذه الواقعية؟»
تجاهله غلوفر، واكتفى بأن استدار.
«لكنني ما زلتُ لا أستطيع أن أفهمه». حدّق دويل في تاليس وقال بشك: «هل يملك فعلًا قوة إبادة؟»
لكن إن لم يكن يملكها… فكيف استطاع فعل ذلك؟
وتحت أنظار الجميع، سحب تاليس نفسًا عميقًا ووضع قربة الماء.
وبينما كان يحس بخطيئة نهر الجحيم تتلاشى، شعر بأطرافه الأربعة فارغة، لكنه أيضًا متحمس. وتجاهل النقاشات وأعين الناس من حوله وهو ينظر إلى مالوس، الذي لم ينطق بكلمة.
كان تاليس محبطًا قليلًا وهو يقول: «هل يكفي هذا؟ هل حددتَ قوة الإبادة لدي، يا رئيس حرسي الشخصي العزيز؟»
ركّز الجميع أعينهم على مالوس.
تشاور الحارس الأعلى مع الحارس الذي بجانبه قبل أن ينظر إلى تاليس.
«أعتقد أنني وجدتُ بعض الدلائل يا صاحب السمو». ضيّق عينيه. «لكنني ما زلتُ عاجزًا عن التحقق من ماهيتها».
زفر تاليس.
«وجد بعض الدلائل، لكنه عاجز عن التحقق من ماهيتها.
«إذن لا يعني هذا إلا…»
وكما كان متوقعًا، أومأ مالوس ورفع صوته ليصدر أمرًا.
«مايك، جاء دورك».
في اللحظة التي نطق فيها تلك الكلمات، نظر الحراس بعضهم إلى بعض بأعين مصدومة محتارة.
ولم يمضِ وقت طويل حتى خرج رجل في الثلاثينيات من بين الحرس الملكي. كان وجهه ناعمًا. وعيناه تبدوان لطيفتين. وثيابه مرتبة. وكل شيء فيه مهندم بعناية.
تنهد تاليس مرة أخرى. وتساءل لماذا يمر الوقت ببطء شديد.
«هل سأضطر إلى القتال بلا انقطاع؟»
«أوه لا. الرجل الذي استدعاه لم يعد من قسم الدفاع ولا من قسم الإمداد». تغير تعبير دويل. وأشار إلى مالوس أمام وجه غلوفر. «هذه ليست علامة جيدة».
مشى الرجل في الثلاثينيات إلى وسط الساحة وحيّا تاليس بإيماءة مهذبة.
«أنا مايك جونفيلد يا صاحب السمو». كان الفارس جونفيلد، المعروف باسم مايك، يبدو لطيفًا أنيقًا، لكن في لهجته نبرة فظة يألفها تاليس.
«انضممتُ إلى الحرس الملكي رسميًّا قبل تسع سنوات».
أومأ تاليس باستسلام تحية له.
استخدم جونفيلد كلمات بسيطة دقيقة. وتكلم بتردد أيضًا: «بالمناسبة، أنا أعسر».
أزال جونفيلد السيف الذي كان يحمله على جانبه الآخر والتقط سيف تدريب من رف الأسلحة.
«سيكون هجومي أشد ضراوة و… لا يمكن التنبؤ به. فاحذر من فضلك».
أظهر تاليس ابتسامة عاجزة وبدأ يرتب نفسه مجددًا.
«لحظة واحدة يا جونفيلد… هذا اسم العائلة…»
حكّ دويل، الذي كان بجانبه، رأسه.
«يبدو مألوفًا إلى حد ما؟»
أجابه غلوفر بجدية بجانبه: «جون الأسود».
«الأسود… ماذا؟»
ظهرت على وجه دويل نظرة حيرة.
لم ينظر غلوفر إليه حتى، بل تكلم بصمت فحسب: «إنهم عائلة من الجلادين في عصر الملك الأحمر. وكانوا ذات يوم أحد تابعي النجوم اليشمية السبعة. وقد مات أكثر من ثلاثة دوقات معيّنين على أيديهم.
«وبعد ذلك، حين تُوّج الملك الفاضل، أُدينوا بجرائمهم واحدة تلو الأخرى أثناء محاكمتهم بتهمة التمرد. وحُمّلوا مسؤولية كل أفعالهم، وجُرّدوا من ألقابهم وإقطاعاتهم».
ظهر على وجه دويل تعبير يدل على أنه فهم.
بقي غلوفر بلا تعبير. «لكن ينبغي أن تعرف أكثر مني».
عقد دويل حاجبيه مرة أخرى. «لماذا؟»
التفت غلوفر ببطء إلى دويل. «بسبب جون الأسود ودويل الأبيض».
ذُهل دويل قليلًا لحظة.
«”للملك الأحمر تابعان، ينعقان وحيدين ليلًا ونهارًا”»، قال غلوفر ببرود. «قبل مئتي عام، كانت عائلتهم تحمل اسم العائلة نفسه الذي تحمله أنت».
رمش داني دويل.
«واو». وبعد بعض الوقت، أدار دي دي رأسه أخيرًا بحرج وتخدر. «حقًّا؟»
«كيف عرفتَ ذلك؟»
وبينما كانا لا يزالان يتحدثان معًا، كان تاليس قد اضطر بالفعل إلى تلقي ضربات سيف جونفيلد الشرسة!
كان جونفيلد مثل كومودور، لا يُظهر أي علامة على المجاملة وبادر إلى الهجوم.
لكن تعبير تاليس تغير هذه المرة في اللحظة التي وجّه فيها جونفيلد ضرباته الأولى.
فقد كان جونفيلد مختلفًا عن خصميه السابقين.
«كلانغ! كلانغ! كلانغ!»
ارتفعت ثلاثة أصوات عالية في الهواء.
كان تعبير جونفيلد هادئًا. هاجم بسرعة بالسيف في يده اليسرى، وراح يهدد صدر تاليس وساقه وساعده باستمرار!
صدّ تاليس ثلاث مرات، واضطر إلى التراجع ثلاث خطوات. وبجهد شاق صدّ هجمات الرجل بدهشة.
وبالمقارنة مع بروكا العجوز وكومودور الضخم، كان هذا الفارس، ذو المظهر المتميز، يهاجم بطريقة بسيطة مباشرة، ولا زخرفة في حركاته!
كان هذا مألوفًا لديه. ولم يكن لدى تاليس حتى وقت ليلهث، ولا وقت ليثبّت موطئ قدمه، حين جاءته هجمات جونفيلد من جديد!
زأرت خطيئة نهر الجحيم بغيظ واندفعت إلى ذراع تاليس، لكنها لم تستطع إلا أن تدعمه ليدافع عن نفسه بسرعة.
«كلانغ!»
كان تعبير جونفيلد باردًا، لكن سيفه الطويل صار في يديه أسرع وأشد ضراوة. وظل ثابتًا على مسار هجومه وهاجم دون تردد. وكان رأس سيفه موجهًا إلى الموضع الذي أظهر فيه تاليس درجة من الصعوبة في الدفاع، والذي لم يكن دفاعه فيه مستقرًّا تمامًا: القدم التي يقف عليها ومعصمه. وهاجم بلا توقف.
وكان الأسوأ أن تاليس نادرًا ما يستخدم يده اليسرى في القتال ضد أعدائه. وبالنسبة إليه، كانت كل زاوية من زوايا هجمات جونفيلد صعبة التعامل؛ فقد فاجأته في كل مرة وكانت كلها يصعب صدها.
بل كانت قوية للغاية، مما جعل من الصعب جدًّا على تاليس أن يصدها. فلم يستطع إلا أن يتراجع مرارًا ليتفادى هجمات السيف!
وكاد هذا يجعل تاليس يفقد موطئ قدمه ووضعيته أثناء دفاعه الثامن. ولم يستطع صد الهجوم إلا بأن مال إلى الخلف ميلًا مزريًا للغاية وخطا خطوة إلى الوراء بينما كاد السيف يلامسه.
ومع ذلك، شقّ السيف الكليل غير المشحوذ مسافة بوصة على ساعد تاليس، وكان ذلك مؤلمًا للغاية.
لكنه لم يكن لديه وقت للراحة. فقد جاءت طعنة جونفيلد التالية من الاتجاه الذي لامسه فيه!
واضطر تاليس إلى الصر على أسنانه وتفعيل خطيئة نهر الجحيم لديه، التي كانت في حالة جنون تقريبًا لأنها عانت انتكاسات متعددة.
وتراجع مرة أخرى.
ومع كل خطوة يتراجعها، كانت ميزة جونفيلد في هجومه التالي تزداد، فيمتلئ دفاع تاليس بخطر أكبر في كل مرة!
أحسّ تاليس بالدرع والسيف يرتجفان، و بالألم و التخدر في عضلاته. وكلما قاتل ازداد رعبًا.
كان في الأساس يُضرب بلا حول، ولم تكن لديه حتى فرصة للهجوم المضاد.
أجبر هذا تاليس على تذكّر الوقت الذي قضاه في قصر الأرواح البطولية. فقد كانت هجمات الشماليين قاسية وسريعة مثل هذه أيضًا. ولم تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه إطلاقًا.
وقد صدمت هجمات جونفيلد الحراس المتفرجين بوضوح أيضًا. وكان كثير منهم يشيرون ويتناقشون في شيء ما.
بل إن مالوس كان يومئ مرارًا وهو يشاهد.
«ما هذا بحق السماء؟» اتسعت عينا دويل على الجانب. «متى ظهر شخص مذهل كهذا في فريقنا؟»
حتى غلوفر فوجئ جدًّا.
«إما أن خصمه ضعيف أكثر من اللازم، أو أنه كان يخفي قوته طوال هذه المدة».
«حين كنا في قصر النهضة، لم أسمع قط عن شخص كهذا في قسم الطليعة من قبل».
لكن تاليس لم يكن مزاجه جيدًا بقدر ما كان تهليل المتفرجين، الذي جعلهم مسترخين إلى حد التعليق على هذا الأمر.
صرّ على أسنانه بكل قوته، واستخدم درعه ليصد بجهد شاق شق جونفيلد الكامل القوة. وما إن فعل ذلك حتى فعّل خطيئة نهر الجحيم بصرف النظر عن الثمن، ووجّه أخيرًا هجومًا مضادًّا.
وعلى أي حال، أجبر ذلك هجمات جونفيلد على التباطؤ قليلًا.
لكن خصمه لم يتوقف إلا لحظة. ولم يحمرّ وجهه، ولم يلهث. وبعد توقف طفيف مباشرة، هاجم من جديد، وسُحبت المعركة إلى الإيقاع السابق.
كاد تاليس يُجنّ!
كان في تلك اللحظة كسفينة صغيرة تتقاذفها مياه هائجة! وحاول جاهدًا أن يشد الشراع ليتأكد أن القارب لن ينقلب.
لكن الماء ظل يملأ القارب.
كاد لا يستطيع الصمود أكثر!
لكن قوة الإبادة لدى خصمه ظلت تأتيه بلا توقف. بل استطاع تاليس أن يرى جلد خصمه يتلألأ في حواس الجحيم!
«يا صاحب السمو، لا بد أنك تألف هذا الأسلوب جيدًا، أليس كذلك؟»
وسرعان ما ارتفع في الهواء ذلك الصوت المألوف الذي بدا مزعجًا جدًّا الآن.
وما إن أنهى مالوس كلامه حتى أعاد جونفيلد سيفه وتراجع خطوة بأريحية. ولعل السبب أن الأمر كان متعلقًا به، أو أنه يحترم قائده، لكنه توقف عن الهجوم.
وأخيرًا وجد تاليس فرصة ليلتقط أنفاسه. لم يعد بحاجة إلى الدفاع عن الهجمات بمشقة، وابتلع كميات كبيرة من الهواء. وفي الوقت نفسه، وضع درعه وسيفه الطويل على الأرض. واندفعت خطيئة نهر الجحيم في جسده بوعي كبير لتخفف التخدر وتهدّئ ألم الإصابات الطفيفة التي نالها خلال المعارك.
تكلم مالوس ببطء. وأومأ إلى حامل الراية فوبي، الذي بجانبه.
«مع أنه وُلد في الإقليم الأوسط، فقد كانت لمايك زوجة أب قاسية. وأُرسل إلى أقاربه الفقراء في الإقليم الشمالي وهو صغير، وخدم تابعًا لفارس من الإقليم الشمالي».
وما إن أنهى كلامه حتى ألقى كثير من الحراس نظراتهم على جونفيلد.
«أيها القائد، لا حاجة فعلًا إلى أن تذكر زوجة أبي». أجبر مايك جونفيلد نفسه على الابتسام.
ابتسم له مالوس معتذرًا. ثم نظر إلى تاليس وقال بجدية: «منذ تشكل الكوكبة، انتشرت فنون القتال من الشمال إلى الإقليم الشمالي وإقليم أرض الجروف. وقد امتصوا خبرة كبيرة بعد أن قاتلوا الإكستيدتيين سنوات. وبعد سنوات من تراكم الخبرة، كوّنوا مدرستهم الخاصة في فنون القتال».
لهث تاليس بألم شديد وهزّ رأسه لمالوس ليدل على أنه سمع.
«لديهم ميزة أولئك الهمج الشماليين الذين يبادرون إلى الهجوم طوال المعركة ويتمسكون بمبدأ إخضاع خصومهم، وقد احتفظوا أيضًا بالمهارات التقليدية لفرسان الكوكبة. وهم يبذلون قصارى جهدهم ليمزجوا الهجوم والدفاع معًا، ويحافظوا على التوازن ويغطي كل منهما أخطاء الآخر. ويستطيعون التبديل بين الهجوم والدفاع بعزم راسخ في اللحظات الحاسمة بصورة خاصة».
كان في نبرة مالوس سرور.
«ولذلك، يُعرف فرسان الفصيل الشمالي في المملكة بفصيل الهجوم والدفاع. هجماتهم ضارية، وإيقاعهم سريع، لكنهم يستطيعون أيضًا التبديل بين الهجوم والدفاع بسلاسة. هجماتهم تحوي مناورات دفاعية، ودفاعاتهم تحوي هجمات. وكل من يرتكب أدنى خطأ في مواجهتهم سيخسر خسارة فادحة، إلى حد أنه سيخسر كل شيء وبصورة مطلقة».
«الفصيل الشمالي؟ فصيل الهجوم والدفاع؟
«هجماتهم ضارية، وإيقاعهم سريع… هجماتهم تحوي مناورات دفاعية، ودفاعاتهم تحوي هجمات».
وعلى أي حال، كان تنفس تاليس قد صار أكثر سلاسة. ورفع بصره بحيرة ليحدّق في جونفيلد، الذي لم يلهث أبدًا وكان مرتاحًا تمامًا.
أومأ له جونفيلد باحترام.
«مثالهم النموذجي هو… أعتقد أنك لا بد سمعتَ بغضب المملكة من قبل». لفّ مالوس ذراعيه برفق حول صدره وكشف عن لقب جعل كثيرين يغرقون في تأمل صامت.
تجمد تاليس لحظة.
«غضب المملكة؟»
ومض في ذهنه مشهد اختراقه خارج قلعة التنين المحطم قبل سنوات عديدة.
«كل من يرتكب أدنى خطأ في مواجهتهم سيخسر خسارة فادحة، إلى حد أنه سيخسر كل شيء وبصورة مطلقة».
سحب الأمير نفسًا عميقًا.
«هيهي».
رفع تاليس زاويتي شفتيه.
«لم أسمع به من قبل فحسب، بل… انتظر».
حدّق تاليس في جونفيلد الواقف أمامه. وضيّق عينيه.
«لا، ليس غضب المملكة وحده. وليس هو وحده».
ومضت في ذهنه بضع شخصيات مختلفة.
تذكّر بارني الابن، الذي هاجم وهو يقامر بحياته في السجن تحت الأرض، وكذلك برولي، الذي فقد القدرة على الكلام لكنه عاث فسادًا كالدب.
«إنهم هم».
«فرسان الفصيل الشمالي، أليس كذلك؟»
سوّى تاليس تنفسه في النهاية ووقف.
ابتسم مالوس. «يا صاحب السمو، اسمح لنا أن نشهد كيف تعاملتَ مع فنون القتال الفريدة للإكستيدتيين خلال السنوات الست الماضية».
لمعت عينا مالوس، وحدّق في وجه تاليس المبتل بالعرق.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.