الفصل 526: معرفة الناس
في غرفة دراسة الدوق في قاعة ميندس بعد الظهر…
«أنت لا تعلم لماذا أنت هنا، أليس كذلك؟»
رفع تاليس بصره في غرفة الدراسة بعد أن سمع السؤال، وفي عينيه حيرة خافتة وهو ينظر أمامه.
أمامه عجوز جلست بلا تكلف قبالته. بدا وجهها مسنًّا لكنه أنيق. أما الراهبة التي ترافقها وتخدمها من خلفها فلم يتجاوز عمرها ستة عشر عامًا، وعلى وجهها نقاب، وقفت بتعبير صارم.
وانعكس على ثوبيهما رمز ملكة الغروب بضوء ذهبي داكن. وكان ذلك الضوء في الواقع ملائمًا جدًّا للتصميم الداخلي الكلاسيكي العصري في قاعة ميندس.
والشيء الوحيد غير المناسب أن غيلبرت جلس في الجهة الأخرى من الغرفة وظهره مستقيم، يحدّق في ضيفة تاليس بتعبير عدائي.
فقبل قليل، حين رافق مالوس بلا تعبير المعلمة التي أرسلها معبد الغروب إلى غرفة الدراسة، هرع غيلبرت خلفهما على عجل، ونظر إلى العجوز بعينين مملوءتين بالدهشة والحذر.
«أعلم، إنه درس لاهوت».
وأرسل تاليس نظرة استفهام إلى غيلبرت وهو يناديها بلقبها بتردد.
«الكاهنة… ميلغين؟»
فهزّت السيدة العجوز ميلغين رأسها وهي لا تزال مبتسمة.
«لا، أنت لا تعلم».
وأشارت ميلغين إلى رأسها بابتسامة عفوية، لكن عينيها أظهرتا احترامًا بالغًا.
«ظننتَ أنك هنا لمجرد ترتيب منهجك الدراسي ولأن التقاليد تقتضي ذلك، لكن الحقيقة أن إرادة السيد هي التي أجلستك هنا وجاءت بي إلى هذا المكان».
وبدا صوت الكاهنة غامضًا، غموض الكاهنات المعهود.
«إرادة السيد؟» أجبر تاليس نفسه على الابتسام مجاملة.
«حسنًا. حسنًا».
فطوال الأيام الماضية، ظل المراهق يتساءل كيف سيكون معلم اللاهوت لديه. فعدد الكهنة والكاهنات الذين اتصل بهم منذ صغره قليل جدًّا. كان كهنة الليل المظلم الذين التقى بهم وهو متسول صغير متحمسين مهووسين. وإخوة ملكة الغروب رحماء مهيبون. وكهنة ملكة القمر المضيء في الشمال باردون بعيدون، يُبقون الناس على مسافة.
لكن يبدو الآن… أن درس اللاهوت للأمير لا يحمل مفاجأة أيضًا.
فتنهد تاليس بخفة في أعماق قلبه.
وواصلت الكاهنة كلامها: «لقد شهدت ملكة الغروب ذلك. فمصيرانا متشابكان منذ زمن بعيد على نحو لا يُرى».
وبعد أن قالت ذلك، شحب وجه ميلغين فجأة. ثم خفضت رأسها بعد ذلك بقليل وسعلت بعنف في منديل.
«نياه…» ظهر على وجه ميلغين تعبير بائس.
فصُدم تاليس قليلًا. لكن الراهبة الشابة التي تخدم الكاهنة من خلفها بدت كأنها استعدت لذلك منذ زمن طويل. فنهضت بتعبير هادئ على الفور، وأخرجت علبة، وتناولت منها بضع أقراص، وساعدت ميلغين العجوز على تناولها بالماء لتخفف سعالها الشديد.
وتبادل تاليس و غيلبرت النظرات لحظة.
وبعد نحو عشر ثوانٍ، هدأ سعال ميلغين تدريجيًّا.
«أعتذر. فملكة الغروب تريد أن تمرّرني بمحنة المعاناة في المرض لأتطهر وأخرج نسخة أفضل من نفسي».
وأبعدت منديلها وتحدثت إلى تاليس بنبرة اعتذار: «هذه هبة رحيمة من الملكة. ولا شيء يُقال فيها، لكنك مضطر إلى تحملها أنت أيضًا».
«هبة رحيمة من الملكة؟»
ولم يملك تاليس إلا أن يبتسم بأدب، وهزّ رأسه ليبين أنه لا يمانع.
«ما دمتِ بصحة جيدة…»
لكن قبل أن يقول الدوق شيئًا آخر، أغمضت ميلغين، التي تعافت تمامًا من سعالها، عينيها. وبدا على وجهها أنها ممتنة وهي تبسط أصابعها برفق، وتؤدي بضع إيماءات تدل على أنها تصلي، وكانت سريعة حتى إن تاليس لم يستطع رؤيتها بوضوح. وتمتمت بشيء ما: «ملكة الغروب أعلم بما ينبغي أن أحذر منه».
وأسرعت الراهبة الشابة صاحبة النقاب إلى إعادة الدواء إلى العلبة وأدت إيماءات الصلاة بسرعة. وبدت صادقة جدًّا.
«دعاء».
وكان تاليس، الذي قوطع كلامه، يشعر بالحرج في أعماق قلبه، وأطلق هذا التعليق بهدوء في نفسه.
ونظر تاليس إلى غيلبرت في البعيد، وقد أحسّ بما يحسّ به غيلبرت، وتمنى أن ينال منه شيئًا من الموافقة. لكن غيلبرت بقي جادًّا وهو ينظر إلى الكاهنة العجوز التي جاءت لتعطي الدرس.
وكان ذلك نادرًا.
وانتبهت ميلغين، التي فرغت من الصلاة، إلى طريقة نظر تاليس إليها. فالتفتت ونظرت إلى غيلبرت.
«ألن ترحل إذن أيها الكونت كاسو؟»
وابتسمت الكاهنة العجوز، وكان صوتها عفويًّا. فمن لا يعرف قد يظن أن بينهما معرفة قديمة من سنوات طويلة.
فشخر غيلبرت بخفة.
وكان رد الكونت كاسو فظًّا إلى حد ما: «بناءً على الرسائل التي كتبناها إلى الكنيسة سابقًا، كان ينبغي أن يكون معلم الأمير هو النائب العام ستيليا نيديس من القسم التبشيري. وهو صديق لي منذ سنوات طويلة. واسع المعرفة عميقها، صادق في معتقده. وهو مناسب جدًّا ليكون من ينير الطلاب ويريهم طريقهم».
وفهمت ميلغين ما يقصده، وتقبّلته بروح طيبة.
«لكن القادمة أنا؟»
فضيّق تاليس عينيه.
«بحسب علمي، لا يتبع الكهنة والمبشرون بعضهم بعضًا في معبد الغروب. فسيد الطقوس يقود الكهنة ليتلقوا النبوءات ويصغوا إلى إرادة السيد. أما الأسقف فيقود المبشرين، ويتولى الشؤون الدنيوية، ويدير الكنيسة».
وكانت نبرة غيلبرت فظة نوعًا ما، فجعلت تاليس يقطب حاجبيه.
«ومنذ متى صارت كبيرة سادة الطقوس المقدسة ليسيا مهتمة بالشأن الدنيوي المتمثل في إعطاء النبلاء دروسًا، وهو من شؤون القسم التبشيري؟ وهل يعلم الأسقف العظيم زينون في كنيستكم بهذا؟»
«الكهنة والمبشرون لا يتبع بعضهم بعضًا؟»
وأدرك تاليس فجأة أن معبد الغروب ليس بسيطًا كما يبدو، مع أنهم خدم لسيد.
لكن ميلغين ظلت مبتسمة وقالت بضع كلمات بخفوت: «جلالته يعلم».
وفي تلك اللحظة، تغيّر وجها غيلبرت وتاليس في آن واحد.
واحتفظت الكاهنة ميلغين بابتسامتها تلك، التي لا يعلم أحد أهي صادقة أم مجاملة. وحرّكت أصابعها وأدت إيماءة صلاة أخرى.
«إرادة ملكة الغروب كانت دائمًا غامضة. قد تبدو مفاجئة للوهلة الأولى، لكنها حين تُمحَّص تبدو منطقية.
«وآمل ألّا تلقي لها بالًا يا سموّ الدوق».
وأسرعت الراهبة التي خلفها إلى اتباعها وأدت إيماءة الصلاة. وكانت حركاتها مطابقة لحركات الكاهنة.
وارتعش فم غيلبرت. وبدا كمن لم يعتد أن يُغلب.
ولم يزم وزير الخارجية شفتيه بكآبة إلا بضع ثوانٍ، ثم قال بمرارة: «سأطلب التحقق من قصر النهضة. هممم… وربما أقدم بعض الاقتراحات أيضًا».
وابتسمت له الكاهنة ميلغين ابتسامة تقول إما «تفضل» أو «هيا».
وعبس تاليس أيضًا.
وشخر غيلبرت. لكنه لم يبدُ أنه ينوي المغادرة.
«إذن أظن أن ملكة الغروب الغفور لن تمانع بالتأكيد في أن أصغي إلى درس سموّه وأشارك في نعمة السيد. أليس كذلك أيتها الكاهنة ليف ميلغين؟»
فاكتفت الكاهنة ميلغين برفع زاويتي فمها. ولم تعطِ جوابًا.
وتوقفت لحظة فقط قبل أن تكف عن الالتفات إلى غيلبرت. ونظرت بدلًا من ذلك إلى تاليس الجالس خلف طاولة الدراسة.
«فكم تفهم عن السيد يا تاليس؟» سألت الكاهنة العجوز بدفء.
وفي تلك اللحظة، استُثيرت ذكريات تاليس.
فقد تردد في ذهنه صوت مألوف عذب الوقع على الأذن، صوت لم يسمعه منذ زمن طويل، أعاده إلى ذكرى من الماضي.
«”حين تفكر في السيدة، ما أول ما يخطر ببالك؟”»
فشرد تاليس لحظة.
«إنه الأمير تاليس».
سحب غيلبرت ذهن تاليس إلى الواقع باعتراضه المستاء المفعم بالعدائية. وتكلم الكونت كاسو إلى الكاهنة ميلغين بعدم رضا: «ناديه بلقبه من فضلك».
وكانت ميلغين مبتسمة، لكنها لم تلقِ للأمر بالًا: «بالطبع».
لكن عيني الكاهنة كانتا مثبتتين على تاليس، وانتظرت أن يرد على كلامها.
«عن السيدة…»
فابتلع المراهق ريقه وتأكد أنه ليس في غرفة شطرنج معينة في مدينة سحاب التنين. ثم قال بتذمر: «أرغ، منذ زمن بعيد جدًّا جدًّا، كان هناك إنسان سيد يسمى السيد المضيء».
ولم يتغير تعبير ميلغين. بل بقيت صامتة تنتظر أن يواصل.
وحاول تاليس جاهدًا أن يتذكر بأقصى جهده كل المعارف العامة التي تعلمها خلال السنوات الست الماضية، سواء من ثرثرة الوغد الصغير المتحمسة، أو من لغة المرسوم المقدس لسيد المضيء القديمة المملة التي طالعها.
«خلق السيد المضيء الأعلى العالم. وبدوي هائل انفصلت السماء عن الأرض. ووقفت الشمس ونهر الجحيم متباعدين متقابلين. وتشكلت ببطء كل الكائنات الحية والأرواح في الشق بينهما».
لكن مع انشغال ذهنه بذكرياته، ازدادت نبرة الأمير عفوية.
«وبعد ذلك، انتهت مناوبة السيد المضيء، أعني، استراح. وبدأت أوائل السيدة تتناوب على الخدمة. وأظن أنني أتذكرهم: القمر المضيء، والليل المظلم، وسيد الجبال، وحارس المحيط، وسيد الصحراء، والحصاد، والرياح الباردة…»
وحكّ تاليس رأسه قليلًا.
«وبالطبع، صاحب أكبر خلفية يبقى إيرول الشمس المقدسة. فبحسب الأساطير، كان الشمس نفسها، وأظن أنه يمكن اعتباره ابن السيد المضيء…»
فارتفع سعال غيلبرت فجأة بصوت عال في غرفة الدراسة كلها.
«لا بأس». وعلى عكس توقعاتهم، لم تقل الكاهنة ميلغين سوى بضع كلمات لتتغاضى عن المقاطعة، وبدا أنها لم تشعر بالإهانة إطلاقًا.
«الأقوال العابرة التي تسمعها من الشائعات لن تؤثر في احترامنا للسيدة».
ورفع تاليس، الذي توقف قليلًا، حاجبيه في تلك اللحظة ورمق غيلبرت بنظرة شقية.
«ومنذ ذلك الحين، تولت الشمس المقدسة قيادة السيدة وحكمتهم جميعًا. وحلّت محل أبيها وحمت كل الكائنات الحية في العالم. وسُمّي عالمنا حينها إيرول.
«وفي ما بعد، دخلت الكوارث العالم، ووقعت معركة الإبادة، ثم تلاها التصدع والغرق العظيم. وفقد إيرول وظيفته مثل أبيه، أعني، استراح. وتسلمت ابنته مهامه وحمت العالم مع السيدة الباقين. وهي ملكة الغروب…»
«نعم، هذا صحيح».
وفي نظر تاليس، حين تختلط تاريخ العالم بالأساطير الكلاسيكية المتوارثة من الإمبراطورية عن السيد المضيء ثم الشمس المقدسة ثم الغروب، أي من كنيسة السيد المضيء في الإمبراطورية القديمة، إلى كنيسة الشمس المقدسة في الإمبراطورية الأخيرة، إلى معبد الغروب في الكوكبة الحالية، فإن أساطير إيرول يمكن اعتبارها نسخة من تاريخ مؤلم لعمل عائلي يتصل بأرض الإمبراطورية.
فالسيد الأول أسس عمله بعناء شديد، وأثمر جهده في النهاية.
والسيد الثاني خرّب الإمبراطورية التي بناها السيد الأول، ومات في منتصف الطريق.
والسيد الثالث أدار الأمور بصورة بائسة، وأفلست… لا، لم يكن تاليس يستطيع أن يلعن نفسه هكذا. فهو أمير الكوكبة. وكان يقصد أنها على وشك نهضة.
ومع أن البناء في حال خراب وهي مفعمة بالأسى، فقد أرضت الناس لسبب ما، وهذا غريب.
وحين وصل تاليس إلى استنتاجه استنادًا إلى هذه النقاط، كان كاهن ملكة القمر المضيء المسؤول عن تعليمه التاريخ في إكستيدت مستاءً. أما الوصي ليسبان فكان يصغي باهتمام بالغ ويومئ مرارًا.
وقال تاليس هذا كله بنبرة من يساوم في السوق.
وابتسم وهو ينظر إلى غيلبرت، الذي ظهر على وجهه تعبير غريب، وإلى الكاهنة ميلغين، التي بدت غارقة في التفكير.
«لقد فهمتَ الكثير». بدت عينا ميلغين هادئتين. وبدا أنها تفكر في شيء ما.
«شكرًا». هزّ تاليس كتفيه.
«لكن ليست لديك معرفة تفصيلية». أنهت ميلغين كلامها بهدوء.
«بالطبع لا».
فمعظم تلك الأساطير والحكايات المصممة لخداع الناس رواها له في الحقيقة فتاة تضع نظارات وشيطان خالد.
أجل، وربما يجدر به أن يشكر أيضًا ملكًا راحلًا في الشمال جمع عددًا كبيرًا من الكتب لملكة التنين العظيمة خاصته، ولا يعلم أحد أين هو الآن.
«فهل تؤمن بالسيد يا تاليس؟» تكلمت ميلغين مجددًا. وتلألأت عيناها بحيوية: «هل تؤمن بأن لقاءنا هذا من خطة السيد؟»
فرفع تاليس حاجبيه ورمق وزير الخارجية بنظرة.
وتمكن هذه المرة من أن ينال من وجه غيلبرت الشعور بالتماثل الذي كان ينتظره منذ زمن طويل. فقد تنهد غيلبرت دون أن يكلف نفسه عناء إخفاء ذلك.
«أعلم، صحيح؟»
لكن تاليس ما زال أميرًا. ومهما كان الشخص الذي يواجهه في هذا الدرس مملًّا، فعليه على الأقل أن يحافظ على العلاقة بين العائلة المالكة والمعبد ويضمن بقاء الطرفين متعاونين.
فتنحنح الأمير. وضبط تعبيره من جديد.
«بالطبع أؤمن بملكة الغروب…»
«لا، أنت لا تؤمن بها». قاطعته ميلغين ببرود.
وحدّقت فيه الكاهنة العجوز، وكانت عيناها مرهبتين. وظهرت التجاعيد على وجهها بوضوح استثنائي في تلك اللحظة.
«أنت لا تؤمن بتلك الأساطير والحكايات المضحكة ولا بالكتب المقدسة الموثقة للكنيسة، فضلًا عن أن تؤمن بأن سيدة كملكة الغروب ينبغي أن يكونوا أسيادنا وموضع إيماننا».
فذُهل تاليس على الفور.
وشخرت الكاهنة ميلغين. وكانت عيناها لامعتين ونبرتها جادة.
«أنت تفضّل أن تؤمن بأن هذه سياسة ومؤامرة وصراع. وتفضّل أن تؤمن بأن لقاءنا مجرد وسيلة يحاول بها معبد الغروب التأثير في العائلة المالكة والملك المقبل، كالكونت كاسو الذي ينظر إلينا باحتقار لكنه يتظاهر بالصرامة».
فاختنق غيلبرت، الذي كان يرفع زاويتي فمه في البعيد وهو يشرب الشاي، لحظة.
«هاه؟»
«كلكم مثل معظم أصحاب المراتب العالية، الذين يمتلكون قدرًا ضئيلًا من السلطة ومكانة أعلى قليلًا في الحياة وقليلًا من المعرفة وقليلًا من الإنجاز في تعليمهم، لكنهم مغرورون. تتصرفون بأدب في الظاهر، لكنكم في الباطن ترفضون السيدة. ولا تؤمنون بهم.
«أنتم تحتقرون السيدة».
وكانت تلك الكلمات صريحة قاسية أكثر من اللازم. ولم تترك مجالًا للجدال.
فلم يجد تاليس بدًّا من أن يطوي ابتسامته. وكان غيلبرت قد وضع فنجان الشاي أيضًا.
وكانت نبرة ميلغين باردة للغاية. حتى الراهبة التي خلفها أحسّت بالهيبة المرهبة. فنظرت بقلق إلى الأمير والكونت.
«فلن تعرف إحساس العيش في عالم فيه سيدة. ولن تعرف ما جلبته السيدة والمعتقدات إلى العالم. ولن تعرف كيف يعيش المؤمنون الحقيقيون بالسيدة».
وحدّقت ميلغين في تاليس بلا تعبير والتقت نظرتها بنظرته.
«بل لن تعرف ما الذي ستكتشفه إن حاولتَ أن تفهم السيدة والمعتقدات بقلب صادق».
وفي تلك اللحظة بالذات، أحسّ تاليس باختناق طفيف. فكأن ميلغين هي السيدة الحقيقية لغرفة الدراسة هذه آنذاك.
وأخذ نفسًا عميقًا: «أنا…»
«إذن ستبقى ينقصك دائمًا قطعة في عالمك».
ولم تُلقِ ميلغين بالًا لسلطة الأمير. ولم تعطِ الدوق أدنى فرصة ليتكلم: «وهذا سيئ جدًّا».
وانحنت إلى الأمام ونظرت في عيني تاليس: «سيئ جدًّا».
وكأن عينيها على وشك اختراق حدقتيه، واختراق قلبه، واستجواب روحه: «سيئ، سيئ، سيئ جدًّا».
وكان صوتها عميقًا، وعيناها باردتين.
وأظلم تعبير تاليس هو الآخر.
وجلس خلف طاولة الدراسة وبقي صامتًا بضع ثوانٍ. ثم دفع ببطء كتاب «أعمال حواريي ملكة الغروب» الذي عُثر عليه عمدًا لهذا الدرس.
وأراد غيلبرت أن يخفف الأجواء غير الودية، لكن تاليس كان قد تكلم فور أن سعل غيلبرت أول سعلة.
«إذن ماذا تنوين أن تفعلي؟»
ولم يتجنب دوق بحيرة النجوم الشاب نظرة كاهنة الغروب المرهبة. بل حدّق فيها بدوره.
«ماذا ستفعلين لو لم أؤمن بالسيد؟» ابتسم تاليس قليلًا وبسط يديه: «ستحرقينني؟»
فجعلت هذه الكلمات الغرفة كلها تغرق في الصمت.
وعبست الكاهنة ميلغين وهي تتأمل تاليس.
ومرت بضع ثوانٍ.
ثم شخرت ميلغين ببرود. وكانت نبرتها عدائية: «نعم».
وكان تاليس هذه المرة هو المصدوم.
«ماذا، ما هذا بحق السماء؟»
وبدأ القلق يساور الراهبة الصغيرة الواقفة جانبًا تخدم ميلغين. فهي لم ترَ موقفًا كهذا من قبل، ونظرت إلى دوق بحيرة النجوم المصدوم بخوف. وكأنها تخشى أن يقول بغضب، وهو صاحب السلطة العظيمة، شيئًا مثل «اقطعوا رأسها».
وفجأة علا سعال غيلبرت.
«أحم، يا صاحب السمو، بشأن اليوم…»
لكن محاولات الكونت كاسو غير المناسبة في توقيتها للمقاطعة لم تُجدِ هذه المرة.
فأظهرت الكاهنة ميلغين ابتسامة غامضة على وجهها. وكانت هذه ثالث مرة تتجاهل فيها غيلبرت وهي تواصل قول ما لم تُنهِ قوله.
«… منذ زمن بعيد، نعم».
وما إن قالت هذه الكلمات حتى استرخى حاجبا تاليس المعقودان بشدة على الفور.
«بالسيد عليكِ، ألا يمكنكِ ألّا تتركي فجوة بهذا الاتساع بين كلماتك؟»
وأسندت الكاهنة ظهرها ببطء إلى الكرسي. وعادت نبرتها لطيفة من جديد.
«فهل سيغيّر حرقك معتقداتك يا تاليس؟
«هل سيجعلك تؤمن بوجود السيدة، ومجد السيدة، وعظمة السيدة؟»
وزفر غيلبرت، البعيد عنهما، ارتياحًا. وبدا أنه كان قد تخلى بالفعل عن محاولة تصحيح لقب مخاطبتها.
ورمش تاليس وهو يرفع زاويتي فمه بقوة.
وابتسمت الكاهنة ميلغين وتناولت فنجان الشاي الذي بجانب يدها.
«إذن لماذا نحتاج إلى حرقك؟»
وارتشفت ميلغين رشفة من شايها.
«يجب أن تفهم أن الإيمان لا يولد من الحرق، فضلًا عن المذابح».
وتكلمت الكاهنة ببطء، لكن كلماتها لم تعد تبدو عدوانية كما كانت من قبل.
«فلو أحرقتك حتى الموت لأنك لا تؤمن بالسيد، لزدتُ كراهيتك وروح التمرد لديك فحسب. ولقويتُ موقفك وعزيمتك. ولن يفيد ذلك في نشر معتقدنا، وهو مخالف أيضًا لنوايا السيدة الأصلية».
ووضعت ميلغين فنجانها وحدّقت فيه بثبات: «لأن المعتقدات الناشئة عن الخوف ليست ثابتة. بل تتراكم تدريجيًّا لتصير كراهية لا تنتهي تفيض من الإنسان في النهاية.
«صدقني، فقد شهد التاريخ بذلك منذ زمن طويل».
ونظرت ميلغين إلى غيلبرت، الذي كان يعبس أيضًا، لكن لا أحد يعلم أفعلت ذلك عمدًا أم لا. وقالت بخفوت: «وعلى العكس، فإن المحن، في الواقع، تجلب عادة سموًّا في الروح. فكثير من الأنبياء العظماء ورسل السيدة على مر السنين نالوا بصيرة وهم تحت الاضطهاد وعانوا المشاق. واستطاعوا أن ينشروا حقيقة معتقداتهم في عمق الناس، وانتشرت معتقداتهم إلى أماكن أبعد».
ورمق تاليس كاهنة الغروب بنظرة مصدومة.
«موقفها لا يشبه المؤمنين الذين أتخيلهم».
والتفتت ميلغين وابتسمت بخفة.
«ولهذا يا سموّك الموقّر، فإن السيدة الشريرة والشياطين والبشر المتكبرين وحدهم هم من يتحمسون لنشر إراقة الدماء والعنف. وهم وحدهم من يستمتعون بالمجازر والدمار. يعتمدون على القمع والقوة الغاشمة ليستولوا على السلطة والمنافع ويقضوا على من يخالفهم. وبذلك يفوزون، ويفخرون بذلك أيضًا».
وكانت هذه أول مرة تخاطبه فيها بلقب مؤدب، مع أن كلماتها صارت صارمة بعد ذلك. لكن مع المضمون الذي اختارت أن توصله إليه بصورة مهذبة ونبرتها الودودة، لاحظ تاليس أن الانطباع الجامد الذي كوّنه أول الأمر عن الكاهنة اختفى تدريجيًّا على أي حال.
وجلس تاليس منتصبًا بلا وعي.
«لكن السيدة الحقيقيين، كسيدتنا الغروب، متسامحون مع كل الأرواح. يغفرون للجميع، ويمنحون الرحمة والمغفرة لكل الحملان الضالة، حتى لمن يعتقدون معتقدات مختلفة. ويقدمون لهم العون والإرشاد.
«وهذا هو معنى وجود المعتقدات: الخلاص».
وابتسمت الكاهنة ميلغين بخفة بعد أن أنهت كلامها: «فاترك عداءك جانبًا يا تاليس. وافتح قلبك، وتحوّل من متشكك إلى متسامح، لأن هكذا تعاملك السيدة أيضًا».
ونظر إليها تاليس وهو يعبس.
وتنهد غيلبرت تنهيدة طويلة في البعيد. ثم تمتم بخفوت: «كنتُ أعلم، أشتاق إلى ستيليا نيديس».
أو شيئًا من هذا القبيل.
وبعد بضع ثوانٍ، تنهد تاليس تنهيدة طويلة. فكان عليه أن يضبط موقفه.
«حسنًا».
كان الأمر غريبًا. فمع أن طريقتي كلامهما تختلفان اختلاف الليل والنهار، تذكّر تاليس لسبب ما الموقف الذي قابل فيه الغراب العجوز.
«فهل تحاولين أن تعلميني كيف أؤمن بسيدتك أيتها الكاهنة ليف ميلغين؟» سأل الدوق بوجه جاد.
وابتسمت ميلغين وارتشفت رشفة من فنجانها.
وحين وضعت فنجانها، عادت نبرتها عميقة غامضة مجددًا.
«قبل مئات السنين، كان هناك شاب مثقل بسوء الحظ، تراجعت تجارة عائلته، وانتهى مستقبله».
فذُهل تاليس. وفاجأه أن الكاهنة بدأت تروي له قصة هكذا فجأة.
«وحين اضطُرّ إلى الزاوية، نال تعاليم السيد».
وكان على وجه ميلغين تعبير لا يُقرأ. وبدت كأنها داخل القصة نفسها.
«فاتجه الشاب غربًا والشمس الغاربة على وجهه، بحسب إرادة السيد».
«هل تحدثني عن شاب أنقذ العالم بعد أن نال تعاليم السيد؟»
ورمق تاليس غيلبرت بنظرة، ولاحظ أن تعبيره تغيّر قليلًا.
وصار صوت ميلغين رصينًا: «كان النهار على وشك الانتهاء، لكن الشاب لم يتوقف عن التوجه غربًا. وصار الطريق أمامه أشد ظلمة وخطرًا. وازدادت عيناه تغيّمًا بالحيرة والارتباك.
«وفي النهاية، حين كانت الشمس على وشك أن تغيب تمامًا، نفدت قوته، وغاص ذهنه في ذهول وسط الظلام. لا قمر ولا ضوء حوله. فقد وعيه وأمله. وفي ذهوله، خطا إلى وسط نهر الراعي البارد».
ثم تغيرت نبرة الكاهنة. وصار صوتها جادًّا: «وحين كان الماء القاسي على وشك أن يعلو رأسه، بدا أن العالم نال نظامًا. وفي تلك اللحظة، انقشعت الغيوم والضباب في الليل المظلم الطويل، وظهر الضوء من جديد في العالم الضبابي».
وجذب هذا المنعطف الشبيه بما يُرى في المسرحيات التقليدية انتباه تاليس. فأصغى إلى القصة باهتمام.
«وفي لحظة، امتلأت السماء بالنجوم وأضاءت له. وتلألأت النجوم التي لا تُحصى ببهاء».
وصار تعبير الكاهنة ميلغين مرهبًا صارمًا. وكأن سيدها أمامها مباشرة: «كما خلق السيد المضيء العالم، وكما فتح الشمس المقدسة السماوات، وكما تولد كل الكائنات من جديد بعد أن تنتهي. أيقظت النجوم المراهق، الذي كان تعيسًا وسعيدًا معًا، من اليأس والحزن».
وتلألأت عينا ميلغين ببريق ساطع.
وسعل تاليس بخفة.
«الخلق وفتح السماوات؟
«حين تغرب الشمس يصير العالم مظلمًا وتظهر النجوم»، تمتم تاليس بخفوت: «ظننتُ أن هذه معرفة عامة بالطبيعة ولا يمكن اعتبارها معجزة».
وتوقفت ميلغين لحظة، ونظرت إلى الدوق الذي لم يملك إلا أن يتكلم ليقاطع القصة.
لكن الكاهنة اكتفت بأن ارتعش فمها قبل أن تواصل القصة.
«وفي ذلك اليوم المعجز، وقف المراهق تحت ضوء النجوم الذي ملأ العالم، فأحسّ بإرادة السيد. وأدرك مهمته، وأقسم قسمًا جليلًا.
«أن يجمع نفسه ويشجعها على المضي قدمًا تحت شتى المشاق.
«وألّا يكتفي باستعادة تجارة عائلته التي سقطت وغرقت في الانحدار منذ زمن طويل».
وحدّقت ميلغين مباشرة في عيني تاليس.
«بل أن يعيد المراهق أيضًا مجد الشمس المقدسة في زمن الفناء الذي هلكت فيه كل السيدة وامتلأ فيه العالم بالكوارث. أراد أن يعيد السيد الذي استخدم أسطع ضوء وأعظم حرارة فتحول إلى ملايين النجوم ونثر نفسه في سماء الليل ليمنح الناس النور إلى الأبد فيخلص كل الأرواح والمعتقدات ويطرد البرد واليأس».
«هلكت كل السيدة وامتلأ العالم بالكوارث…»
ورفع تاليس بصره حين أحسّ بأن ثمة أمرًا غير طبيعي.
«فهل تقولين لي إن العالم لم يكن فيه نجوم قبل ذلك، وإنما ظلام في الليل فقط؟»
لكن ميلغين تجاهلته.
«ومنذ ذلك الحين، آمن المراهق بالغروب، وجعلها ديانة الدولة. وبنى لها معبدًا مقدسًا، ونشر معتقده في الأمة كلها».
«انتظري. ديانة الدولة؟»
وتغيّر تعبير تاليس. وكان في الأصل ينصب مرفقيه على الطاولة، لكنه الآن جلس منتصبًا.
«هل تقولين…؟»
وكما توقع، في اللحظة التالية استخدمت ميلغين تعبيرًا دقيقًا غريبًا وهي تحدّق في دوق بحيرة النجوم أمامها. وقالت بهدوء: «ومن هنا بدأ عمل تورموند الأول العظيم.
«ومن هنا نمت الكوكبة وازدهرت».
وفرغت ميلغين من الكلام.
وساد الصمت غرفة الدراسة بضع ثوانٍ.
ثم ضحك تاليس بحرج.
«هذه فقرة كلاسيكية في كتاب الغروب المقدس. كتبها بنفسه موهازارد، نبي الملكة ورسولها. وهو كاهن من قبل سبعمئة عام».
وابتسمت ميلغين بخفة كأنها تمازحه وتذكّره بشيء.
«ينبغي أن تعرف قليلًا أكثر عن قصة جدك الأعلى يا تاليس».
فخفض تاليس رأسه وتنحنح. وتظاهر بأنه لم يسمع كلامها.
«رؤى، وظهور الضوء مجددًا، وفتح السماوات، وأداء القسم…
«هل تقولين لي إن هذه قصة تورموند الأول حين صادف معجزة وأقسم أن يبني البلاد؟
«أليس هذا مبالغًا فيه أكثر من اللازم؟»
«حتى أعضاء معبد الغروب أنفسهم يتجادلون في هذه القصة، وبخاصة ما يتعلق بالقسم أيتها الكاهنة ميلغين». رمق غيلبرت الضيفة بنظرة، وفي عينيه تحذير.
فاكتفت ميلغين بأن ردّت على غيلبرت بنظرة. وبدت غير راضية، لكنها بدت أيضًا كأنها تسخر منه.
«كونتنا غير راضٍ عن القصة في كتاب الغروب المقدس التي نعلّم بها مؤمنينا، لكن لا بأس». ونظرت ميلغين إلى تاليس بلطف.
وفي الثانية التالية، صار تعبير ميلغين صارمًا من جديد: «لأنها، مهما بلغت من العبثية وعدم الصمود أمام التمحيص، حين انتشرت هذه القصة قبل سبعمئة عام، كانت قد ترسخت في قلوب الناس».
وقالت ميلغين بخفوت، وجعلت كلماتها تاليس يعبس: «لم يعد تورموند الأمير المتبقي من تلك الإمبراطورية الشريرة، ولم يعد وحشًا من أرض غريبة غزا أراضي الآخرين ليأكل ويشرب من مراعيهم، ولم يعد ابنًا غير شرعي وضيع الدم مشكوكًا في نسبه، ولم يعد أمير حرب قاسيًا طموحًا يتجاهل قواعد الدولة لمجرد أن معه جيشًا».
فصُدم تاليس حين سمع تلك الصفات.
ولم يقرر غيلبرت هذه المرة أن يتأدب. بل أوقف الكاهنة بصرامة.
«أيتها الكاهنة ميلغين!»
لكن ميلغين تجاهلته. وكانت نظرتها بعيدة.
«بل صار ملك النهضة. وفي أعين المؤمنين، صار رجلًا اعترفت به السيدة، يقف عاليًا لا يُمس. وأثنى عليه الرهبان المعاونون بأنه نال التنوير من الغروب وأحسّ ببقية مجد الشمس المقدسة. ثم أقسم أنه سيجتهد ويبني مدينة فاضلة على الأرض».
فتجمد تعبير تاليس.
وظل غيلبرت زامًّا شفتيه. وبدا من مظهره أنه غاضب جدًّا.
«ومنذ ذلك الحين، لم يعد تورموند يعدم بوحشية السكان المحليين الذين يستاؤون من حكمه ليجعلهم عبرة. ولم يعد بحاجة إلى أن يحذر من تسميم مياه آبار القرى لضمان سلامته، ولم يعد مضطرًّا إلى أن يقلق في البحث عن الموضع الموثوق التالي للإقامة أو مصدر الجنود ليعود من جديد».
وازداد تعبير تاليس جدية.
فقد فهم معنى كلامها.
«ثم، في اليوم الذي نجح فيه في بناء الدولة واستقرت أمته، صارت ملكة الغروب حامية العائلة المالكة جيدستار، وشهدت تتويج كل ملك وموته».
وقالت الكاهنة ميلغين بصرامة: «ومنذ ذلك الحين، تشابك مصير معبد الغروب بمصير العائلة المالكة جيدستار، ولا يمكن فصلهما».
«متشابك مع مصير العائلة المالكة جيدستار…»
وكرر تاليس تلك الكلمات بهدوء، وأدرك فجأة بدهشة أن في هذا شعورًا غريبًا بالألفة.
وتوقفت ميلغين لحظة. ثم بدأت تتكلم بسرعة أكبر.
«في بداية القرن الأول من تقويم الإبادة، جدد ملك السلام كيسل الأول المعبد ليستوعب عددًا كبيرًا من المؤمنين. وصار بوسع الناس أن يستخدموه لتسبيح سيدهم.
«وعيّن ملك النصال تورموند الثاني الأسقف لايدن رئيسًا للوزراء. فأطاع إرادة السيد ونشر معتقده. ونال بركة توسيع أراضي الدولة.
«وكان ملك الإحسان سومر الأول مؤمنًا تقيًّا. عمل بما يعظ به، وأثّر في النهاية في قلب الملكة. فمنحته معجزة المطر، وانتهت كارثة الجفاف العظيم.
«وأقسم هوراس الأول ذو الأصابع الست أمام تمثال ملكة الغروب ونال حمايتها. فاتحدت قلوب الناس ليقاتلوا الوثنيين من وراء المحيط.
«وأعلن ابن آوى سومر الثالث في كتاباته من جديد ديانة الدولة وأكد معتقدات الناس.
«وروّج الملك الفاضل ميندس الثالث لدروس اللاهوت وطبع الكتاب المقدس بأعداد كبيرة، فأفاد الرهبان فائدة عظيمة».
ومع كل مثال ذكرته ميلغين، كانت أفكار تاليس تقفز، فاضطر إلى الحفر في معارفه ذات الصلة من دروس التاريخ.
لكنه لم يستطع في الوقت نفسه إلا أن يلاحظ أنه كلما تكلمت الكاهنة ازداد عبوس غيلبرت، وعلا سعاله مع كل لحظة.
«باسم الدولة يا تاليس، إن لم يكن قلبك على الصفحة نفسها مع الشعب، فسترى أنك لا تستطيع أن توحد قواك. فهل لي أن أسألك؟ إن لم تكن لك المعتقدات نفسها مع شعبك، ولا تحترم وتهتم بالشخص نفسه، ولا تستطيع أن تنسجم مع عالمهم، فكيف ستحكم الدولة حين تجلس على العرش في المستقبل؟»
فأظلم تعبير تاليس تدريجيًّا بسبب كلماتها.
وأدرك فجأة أن اللاهوت الذي تتحدث عنه واللاهوت الذي يفهمه شيئان مختلفان تمامًا.
«والحقيقة وراء هذه القصص أننا نعيش في عالم فيه سيدة، سواء اعترفتَ بمعجزاتهم وفهمتَ بأسهم أم لا.
«قد يبدون كأنهم بعيدون عن متناولنا، لكنهم ليسوا بعيدين عن عالمنا. إنهم يؤثرون في حياتنا تأثيرًا عميقًا».
وكان تعبير ميلغين جليلًا: «يؤثرون فينا بطرق غامضة أحيانًا، وسهلة الملاحظة أحيانًا أخرى. فكأن حولنا آثار معجزاتهم، لكننا لا نستطيع تخمينها».
وسوّت الكاهنة ميلغين ثوب الكهنة وقالت بخفوت: «كلماتهم قوية كجيش من عشرة آلاف. وهذه هي قوة المعتقدات».
وصمت تاليس. ولم يتكلم طويلًا.
لكن بعد بضع ثوانٍ، عادت نبرة ميلغين خفيفة.
«ولهذا يا تاليس، ليست مهمتي في هذا الدرس أن أشجعك على الإيمان بأي شيء، ولا أن أخبرك أين السيدة الحقيقيون، فضلًا عن أن أعلمك كيف تحفظ الكتب المقدسة واللوائح. بل مهمتي، خلال نقاشي هذه المشكلة معك، أن أساعدك على استكشاف علاقتك بالسيدة وفهم المسافة بينك وبينهم».
وحدّقت ميلغين فيه.
«ومهمتي أن أساعدك على فهم نفسك بصورة أفضل، سواء كنتَ الآن من عامة الناس أو ملك الدولة المقبل».
فقطب تاليس حاجبيه قليلًا.
«أفهم نفسي؟»
فالكلمات التي قالتها في تلك اللحظة جعلته يتذكر ذلك الصوفي القوي الذي قابله في العالم المجاور، الذي لا يمكن وصفه بالكلمات وكان غامضًا إلى حد مذهل.
«أن أفهم نفسي بناءً على فهمي للسيدة… أهي مصادفة؟»
«لأننا نستكشف معرفة لا تتعلق بالسيدة وحدهم، بل بالناس أيضًا»، قالت ميلغين بابتسامة.
وخطرت فكرة في رأس تاليس.
«إذن هذا اللاهوت هو في الواقع حقل دراسة يتعلق بالناس؟» سأل باهتمام.
فابتسمت ميلغين ولم تجب مباشرة.
«ويمكنك أيضًا أن تخفف عداءك. وليكن الكونت كاسو المسكين هناك هو من يحمل ذلك العداء بدلًا منك».
فسعل غيلبرت سعالًا غير طبيعي بضع مرات من جديد.
ومرت بضع ثوانٍ. رفع تاليس بصره وفي صدره ثقل كأنه مادي لكنه في الحقيقة ليس كذلك. وابتسم بحرج: «أظن… لا بأس؟»
فابتسمت ميلغين.
«حسنًا، عليّ أن أعترف بأمر واحد على الأقل: إنها خطيبة بارعة»، قال تاليس في قلبه.
حتى غيلبرت لم يستطع التدخل.
وعلى الأقل، لم يعد تاليس يجرؤ على الاستخفاف بهذه الكاهنة المسنة. ولم يعد ينظر إلى دروس اللاهوت، التي كانت تبدو مليئة بالثرثرة الفارغة، إلا على أنها تحمل معنى عظيمًا عميقًا في الحقيقة.
لكنه ما زال قد قلّل من قدرتها.
«إذن يا تاليس، في درسنا الأول، لنتحدث عن شيء ظل يؤرقك سنوات قليلة، ومشكلة ظلت تؤرقنا آلاف السنين».
«ظل يؤرقني سنوات قليلة، ومشكلة ظلت تؤرقكم آلاف السنين؟»
ورفع دوق بحيرة النجوم بصره حائرًا.
وفي الثانية التالية، تكلمت ليف ميلغين، كاهنة الغروب التي نادرًا ما تخاطبه بألقاب التعظيم، بتعبيرها المعتاد.
وقالت اسمًا واحدًا بعفوية: «السحر».
فتغيّر تعبير الأمير في لحظة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.