تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل527

طرد القداسة

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 25, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 527: طرد القداسة

 

«أنا لا…»

 

لم يملك تاليس إلا أن يخفي صدمته بفنجان الشاي الذي أسقطه، إلى أن تقدمت الراهبة الشابة الواقفة بجانب ميلغين بمهارة وبكل مراعاة لتنظف الفوضى التي أحدثها على الطاولة.

 

«لا أفهم؟»

 

لكن ميلغين أبقت فمها مغلقًا هذه المرة. واكتفت بأن تراقب الأمير خلف طاولة الدراسة بهدوء.

 

«هذا هو الفتى الذي يؤثر في مستقبل المملكة. آه… ربما لا ينبغي أن أسميه فتى بعد الآن».

 

فقد بدا على وجهه شيء من الصدمة والشك لحظة سماعه عن السحر. وهو ليس كالنبلاء القدامى الذين ولدوا بالدهاء ومعرفة التآمر، يطبقون شتى أنواع الآداب ويرتدون أقنعة مختلفة.

 

لكنه لا يملك أيضًا الحذر الفطري والطموح الكبير لدى النبلاء الجدد في المملكة.

 

وتفاجأ غيلبرت قليلًا.

 

«أيتها الكاهنة ميلغين! ظننتُ أننا لن نجري اليوم إلا دروس لاهوت، وأنكِ تشرحين لسموّه المعارف المتعلقة بالسيدة فحسب…»

 

«كما كنتُ أقول، لم يكن اللاهوت يومًا معرفة تتعلق بالسيدة وحدهم».

 

وقاطعت ميلغين اعتراض غيلبرت. فهو في نظرها أحمق يبدو ذكيًّا للآخرين لكنه بطيء الفهم بلا أمل كعادته. وواصلت مراقبة الدوق تاليس الذي أمامها.

 

بدا الدوق الشاب ضئيلًا نحيلًا قليلًا. وذكّرها بالفقراء الذين ينتظرون خارج الأماكن التي نالت نعمة السيدة ليتلقوا العون في الشتاء.

 

لكن عينيه تلمعان بالحياة. حادتان يقظتان.

 

وليس هذا فحسب. فقد استطاعت ميلغين أن ترى من أفعاله أنه ليس أميرًا تقليديًّا من أمراء الكوكبة، من طريقة جلوسه العفوية، وحركاته السريعة، وكلامه الجريء، وغيرها من التفاصيل.

 

على الأقل، ليس مثل الأمراء القلائل السابقين.

 

وألقت ميلغين نظرة سريعة أخرى على ثياب الأمير. لونها داكن، وطرازها محافظ. لكن تفاصيل أخرى كالياقة والأكمام كانت بتصميم جديد. وحين يصحبها الخيط الفضي المخبأ بإتقان، فإنها تصلح خلفية للدبوس ذي النجمة التساعية على صدره.

 

فأومأت الكاهنة سرًّا.

 

يبدو أن خياطي العائلة المالكة الملكيين تعلموا أيضًا أن يكونوا أفضل. فهم يعرفون كيف يعيدون تشكيل الطراز على الثياب ويدخلون موضة جديدة.

 

أجل، ربما ملّوا الموضة القديمة الجليلة التي استمرت سنوات في أوساط النبلاء في مدينة الليل الأبدي بعد العام الدامي. فما دام صاحب قصر النهضة يفضل الطرز الكلاسيكية والألوان الباردة، فقد دُفع الخياطون العاديون الذين يكسبون عيشهم في العاصمة بتصاميمهم الحديثة الجديدة التي تستخدم ألوانًا أجرأ إلى حافة الفناء.

 

لكن ميلغين توقفت عن التفكير لحظة ثم فهمت.

 

لا. فمع أن الخياطين الذين استأجرهم القصر الملكي كانوا يطلقون العنان لإبداعهم في تصميم ثياب العائلات النبيلة العظيمة، فلم يكن لديهم سبب ولا جرأة ليجربوا الموضة على الأمير الثاني الذي عاد للتو، والذي تتجه إليه أنظار المملكة كلها. فهو في النهاية ليس كمعظم زبائنهم الحمقى الذين لا يفقهون شيئًا في الفنون، ولا يعبّرون إلا عن الصدمة والإعجاب بمهاراتهم التمثيلية على وجوههم ليبرروا الأجر الباهظ الذي يدفعونه لأولئك الخياطين.

 

فهذا ليس نمطًا جديدًا.

 

وأحسّت ميلغين بفكرة تتفتح في قلبها.

 

فالثياب التي يرتديها الأمير في تلك اللحظة من الطراز الذي كان صاحب القاعة السابق قبل أكثر من عشر سنوات يحبه أكثر من غيره.

 

ونظرت إلى الدوق الأحمق الذي ما زال يثرثر بجانبها، وواصلت تجاهل نظرة التحذير من الرجل.

 

ويبدو أن غيلبرت، الذي عمل بإخلاص حتى كاد يجعل قصر النهضة بيته الثاني، بذل جهدًا كبيرًا في ثياب الأمير.

 

لكن…

 

أسينجح هذا حقًّا؟

 

وابتسمت ميلغين قليلًا.

 

«أنت تعرف ما أقوله يا تاليس».

 

ولم تكلف نفسها عناء ذكر لقب الأمير، بل ناداه باسمه، وتجاهلت مكانته أيضًا.

 

فكل الأرواح متساوية تحت السيدة.

 

الألقاب بلا معنى. والتفاني أهم شيء، أليس كذلك؟

 

«في هذا العالم، ليس كل طفل محظوظًا بفرصة أن يعاين المواجهة بين الكوارث والتنين العظيم».

 

وشعرت ميلغين بالرضا حين رأت وجه تاليس يصير جادًّا.

 

«خلال السنوات القليلة الماضية، ألم تشعر بالحيرة والفضول وتبحث عن إجابات بشأن الكارثة التي وقعت في مدينة سحاب التنين؟»

 

وبدت عينا تاليس متجمدتين.

 

مدينة سحاب التنين.

 

«حين تسمع الشائعات عن الكارثة التي دمرت العالم، أو تشاهد مسرحية عن معركة الإبادة، أو تقرأ الأوصاف المتضاربة للكوارث، أو تصغي إلى الشروح التي يقدمها معلمو النبلاء، وهي مبهمة غير واضحة، أتظن أنك تستطيع قبولها تمامًا؟»

 

«السحر».

 

وأسند تاليس ظهره إلى الكرسي وقطب حاجبيه.

 

«إذن “المشكلة التي أرّقتك سنوات قليلة” تقصد بها هذا بسبب تجربتي في مدينة سحاب التنين.

 

«وليس بسبب…»

 

وتحت الطاولة، ضغط تاليس على كفه اليسرى، وأحسّ بالندوب التي خلفتها جروح لا تحصى من الخنجر.

 

فأزاح قلقه جانبًا وأزاح معه كل احتمال خطر في ذهنه قبل لحظات.

 

هل اكتشفت الاستخبارات السرية أي علامات مريبة وهي تراقبه؟ وهل انكشف أمر الدكتور رامون الناقص التكوين؟ وهل ترك أي خيوط في مدينة سحاب التنين حين بحث عن الكتب هناك؟ وهل كشف تلميحات حين تلقى الدرس مع أيدا؟ وهل أفشى الوغد الصغير بعض الأسرار عن غير قصد؟ أم أن عجوزًا شمطاء قبيحة الوجه قابلها قبل سنوات طويلة أطلقت بعض الشائعات وخانته؟

 

«أيتها الكاهنة ميلغين، كان ينبغي أن تناقشيني قبل ذلك بوقت طويل…» وزال سعال غيلبرت فجأة وتعافى. وحل محله تنهد.

 

والتفتت ميلغين برشاقة.

 

«لا داعي إلى تجنب ذكره، ولا داعي إلى التستر عليه». ولا يعلم إلا سيدة الغروب كم من الجهد احتاجت لتمنع نفسها من قول كلمة «أحمق» بصوت عال. وأبقت ابتسامة على وجهها وقالت: «أيها الكونت كاسو، الحديث عن السحرة لن يجلب الكوارث. والتفكير في السحر لن يؤدي إلى نهاية العالم أيضًا».

 

ولم تكلف نفسها عناء استخدام كلمات ألطف بدل تلك الكلمات، فتغير تعبير غيلبرت.

 

«فقط من يرفضون الإصغاء إلى العقل، ويؤمنون بالخرافات إيمانًا أعمى، هم من يسيرون في طريق لا عودة منه».

 

والتفتت ميلغين ونظرت إلى تاليس، الذي كان على وجهه تعبير معقد.

 

«وكل ذلك يكون بسبب الجهل والغرور».

 

فصمت تاليس طويلًا.

 

وبدا تنهد غيلبرت أعمق فأعمق: «منذ زمن بعيد، شرحتُ لسموّه شرور الكوارث…»

 

وكانت نبرة ميلغين لطيفة، لكنها لم تُظهر أي ضعف في الجدال.

 

«أيها الكونت كاسو، أتظن حقًّا أنه ذلك النوع من الحمقى الذي ينطلق ليستمتع بحياته بعد دروسه ومحاضراته مباشرة، ولا يبالي بما تعلمه؟

 

«أتظن حقًّا أنه سيترك كل همومه وراءه، ويقنع بالجهل، ولا يعود يبالي بالأمور التي ستهدد حياته بقية عمره؟»

 

فعجز غيلبرت عن الكلام قليلًا. وطارت عيناه وعينا الكاهنة فوق الطاولة في آن واحد و استقرتا على الأمير خلف طاولة الدراسة.

 

لكن تاليس ظل صامتًا. ولم يعلم أحد بما كان يفكر.

 

وضعفت نبرة غيلبرت قليلًا: «ما زال صغيرًا…»

 

لكن ردود ميلغين ازدادت قوة مع كل ثانية: «لقد بلغ السن».

 

وقالت الكاهنة العجوز ببرود: «لو أثار السحر حقًّا فضول شاب جامحًا، فلا داعي إلى الانتظار حتى الآن. فقبل ست سنوات، حين كان بعيدًا عن أنظارك، كان سيترك نفسه يعيش كما يشاء، ويدمن تلك الحياة، ويتجاهل المحظورات، ويبدأ طريقًا لا تستطيع أنت أن تتخيله».

 

ونظر غيلبرت إلى الأمير، وقطب حاجبيه قليلًا، لكنه لم يقل شيئًا.

 

«حسنًا إذن».

 

فزفر الشاب الذي كانت أفكاره معقدة وكان قلقًا قبل ثوانٍ.

 

«حسنًا، هذا صحيح». صارت نبرة الأمير مسترخية: «أريد حقًّا أن أعرف عنه».

 

وأظهر تاليس ابتسامة على وجهه وقال بصدق: «السحر والكارثة؟

 

«ذكر غيلبرت شيئًا قليلًا عنهما منذ زمن طويل. وكتب الإكستيدتيين ذكرت عنهما شيئًا قليلًا أيضًا، لكن ليس كثيرًا».

 

فتغير تعبير غيلبرت مجددًا.

 

«انظر يا تاليس، السيدة تعرف الأسئلة التي تؤرقك». نظرت إليه ميلغين بلطف. وبدت واثقة: «ستباركك السيدة إن آمنتَ بها».

 

«أوه يا غروب، لو كنتِ قادرة على أن تباركيني، فهلا منعتِها من أن تبدو محتالة إلى هذا الحد؟»

 

ولم يكلف تاليس نفسه حتى عناء إخفاء تنهيدته.

 

وراقبت ميلغين تعبيره وفهمت.

 

وكما توقعت، تاليس الذي نشأ في الشمال لا يؤمن بالسيدة.

 

وهذا ليس غريبًا. فمنذ انتهت معركة الإبادة، لم يعد معظم الشماليين يؤمنون بالسيدة التي عاملتها الإمبراطورية سيدة شرعية، أو بالأحرى، لم يعودوا يؤمنون بكل معتقد يتصل بها. بل صاروا يؤمنون بما جلبه الملك الوقح الذي أسس المملكة والمتورط في مضاجعة البهائم.

 

غير منطقيين، أغبياء، متكبرون، مغرورون.

 

وزمّت ميلغين شفتيها.

 

ولا يعلم إلا السيدة كم ضحّى معبدا القمر المضيء والليل المظلم ليبقيا في تلك الأرض.

 

لكن هذا هو العجيب في المعتقدات، أليس كذلك؟

 

فهي، في ماضيها قبل سنوات طويلة، خير مثال. ألم تغرق هي أيضًا في الغرور والتهور، وتظن أنها تفهم كل شيء عن حياتها وقد وجدت ما كانت تسعى إليه، فتتجاهل تعاليم السيد وترتيباته؟

 

ومن حسن الحظ أن السيدة لا يبتغون شيئًا لأنفسهم.

 

فهم لا يقدمون إلا الحماية والمغفرة.

 

وأدت ميلغين وضعية الصلاة داخل كمّيها حيث لا يراها أحد. وبهذه الطريقة لن تحتاج نياه الصغيرة المتوترة إلى أن تتبعها وتكرر الوضعية نفسها.

 

«أولًا، كيف نشأ السحر؟»

 

وظل تاليس مبتسمًا وهزّ كتفيه ليبين أنه لا يعلم.

 

«يا لها من نكتة. كم سيكون رائعًا لو كنتُ أعلم.

 

«لا، سيكون سيئًا لو علمت هي أنني أعلم».

 

وأومأت ميلغين إلى الراهبة الشابة التي خلفها.

 

«نياه».

 

وكانت الفتاة ذات النقاب على وجهها نحيلة تبدو مثيرة للشفقة. فتلقت إشارة الكاهنة وبذلت قوتها لتخرج بحذر من أمتعتهم صندوقًا مربعًا ضخمًا يلمع بانعكاس معدني. ثم وضعته على طاولة دراسة تاليس.

 

«انتظر لحظة، هذا ليس صندوقًا. هذه طبقات من ألواح رقيقة مرصوصة معًا من الأعلى إلى الأسفل، دون فجوات بينها.

 

«يبدو… كتابًا؟»

 

وعلى أعلى الصندوق المعدني صورة منحوتة بدت كأنها حية. تمثل ملكًا مدرعًا بالكامل يحيط به الناس. وأسلوب النحت بسيط عادي، لكنه يُدرَك بسهولة. وحول الصورة رموز منحوتة بدت مألوفة لتاليس، تشبه رموز الإمبراطورية القديمة.

 

«ما هذا؟»

 

وقطب تاليس حاجبيه. ومدّ يده بلا وعي ليفتح «الكتاب» المصنوع من المعدن.

 

«صفعة!»

 

«لا تلمسه!»

 

وأحسّ تاليس بألم في ظهر يده. فسحب كفه بسرعة مذهولًا. ولاحظ أن من صفعت يده هي الراهبة الصغيرة المدعوة نياه.

 

مدّت نياه ذراعها كما اعتادت أن تفعل دائمًا. وأمكن لتاليس أن يرى قليلًا الوجه الشرس المخبأ تحت النقاب.

 

بدت كأنها نفذت الحركة مرات لا تحصى لتحذر من يريد أن يلمس الكتاب المعدني.

 

لكن في الثانية التالية، حين أدركت الراهبة الصغيرة من صفعت، استولى عليها الذعر على الفور.

 

«أنا…»

 

وخفضت نياه رأسها وتمتمت: «آ-آسفة…»

 

ولم يملك تاليس إلا أن يبتسم بحرج. وماذا كان عليه أن يفعل؟ أن يدع دويل يدخل ويسحبها إلى الخارج ثم يقطع رأسها؟ فسحب بتذمر يده اليسرى التي تجاوزت حدودها.

 

لكن ميلغين ساعدته سريعًا على تدبر الموقف.

 

«هذه اللوحة المعدنية اكتُشفت في مقبرة الملك أنزاك».

 

«الملك أنزاك؟»

 

وتحركت عينا تاليس قليلًا.

 

«انتظري لحظة، لقد قرأتُ عن هذا الاسم في مكان ما…»

 

وبدأ تاليس يستخدم رأسه الصغير ذاك وهو يتذكر الوقت الذي قضاه في غرفة الدراسة في مدينة سحاب التنين.

 

لكن ميلغين لم تعطه فرصة لاستعراض ذاكرته ومعرفته، وقاطعته على الفور: «كان أحد ملوك البشرية في عصر الملوك المتعددين. وكان صهرًا ملكيًّا للبلدان الشوفينية القديمة.

 

«وحين انهار خط الدفاع الأخير، ومات ملك الدم الحديدي في المعركة، وسقط الشمال بيد قوة العدو، واختفت البلدان الشوفينية القديمة، كان الملك أنزاك هو الذي دعا الناس إلى حمل السلاح بصيحات عالية في عصر زحف الأورك القدماء جنوبًا بأعداد هائلة. فتجاوز كل الاعتراضات، ووحّد ملوك البشر الفارين نحو الجنوب، وشكّل مؤتمر الحلفاء، ودافع عن حصونهم، وانتظر فرصة الضرب…»

 

وهمهم تاليس في اللحظة المناسبة. فقد تذكر مؤسس مؤتمر الملوك المتعددين ورمز عصر الملوك المتعددين. لكنه حين نظر إلى اللوحة المعدنية على الطاولة، صار تعبيره غريبًا قليلًا.

 

«الملك أنزاك…

 

«هل… نهبتم مقبرته؟»

 

وتجمد تعبير الكاهنة ميلغين بعد ذلك: «لسنا نحن».

 

وبدت غير راضية قليلًا.

 

فسعل تاليس وواصل الكلام بتذمر: «بالطبع لا».

 

«كلكم مجرد… مشترين وهواة جمع طيبين ساذجين أبرياء، أليس كذلك؟»

 

«وهذا…» وحوّل تاليس انتباهه إلى صفائح اللوحات المعدنية. وراقب نياه تقلّب الصفحات كأنها معتادة على ذلك. وظهرت في الصفحات بضعة مشاهد لحظة.

 

جدران تنهار. ومخافر تُفجَّر إلى قطع. ورجال لا يحصون يُقطَع رأسهم ويُذبحون.

 

وظلال ضخمة تقترب بتذبذب. تحمل رؤوس البشر وأسلحتهم وهي تقترب من مجموعة جنود لم يبقَ لهم مفر.

 

والملك على الغلاف جالس بجانب طاولة مستديرة. يلوح بذراعيه وهو يلقي خطبة حماسية.

 

«منذ زمن بعيد، قبل أن توجد الأوراق وآلات الطباعة، كان البشر يسجلون كل الأحداث المهمة والتواريخ على صفائح خاصة مسبوكة من سبيكة خاصة كي لا ينسوا هذه الأحداث».

 

وبقيت ميلغين جالسة في مكانها وهي تواصل الكلام بخفوت: «وبحسب علمي، لا تزال تلك التقليد قائمة، ومنها في بعض الأماكن في الشمال».

 

وتذكّر تاليس.

 

فحين كان في الشمال، كان يُشاع أن «أسطورة حرس النصل الأبيض» لدى حرس النصل الأبيض كُتبت بهذه الصيغة. لكن تاليس لم يفهم ذلك قط. فقد مرّ أكثر من قرون على تأسيس حرس النصل الأبيض، فلا بد أن تكون سجلاتهم أكثر من أطنان. أيستطيع ذلك الوجه الميت أن يرفعها بذراعيه ورجليه النحيلتين؟

 

وفي البعيد، أراد غيلبرت، المصدوم، أن يتقدم دون أن يفقد أناقته. فلم يستطع إلا أن يمد عنقه وينظر وهو باقٍ في مقعده. وأمكن لتاليس أن يرى صدمته من رؤية اللوحة المعدنية في عينيه.

 

«في بداية كل البدايات، قبل أن يُستكشف العالم كله، وحين كانت المعتقدات لا تزال مجزأة، وحين كان البشر لا يزالون صغارًا لا شأن لهم…»

 

وتكلمت ميلغين بإيقاع هادئ بطيء. وتعاونت معها الراهبة نياه وهي تقلّب الصفحات.

 

وكان الملوك المتوجون في صفحة الكتاب صغارًا. يقفون ظهرًا لظهر وسط مجموعة ظلال ضخمة.

 

«في ذلك الوقت، كان من يحيطون بالبشر أجناسًا غريبة قوية. كانوا أورك متعطشين للدماء يعظّمون أسلافهم ويزحفون جنوبًا لتوسيع أراضيهم، وبلاد الجان الذين يؤمنون بالطبيعة ويحكمون بسيادة مطلقة، وملوك الأقزام الذين يعبدون المعدن والنار ولهم طموح.

 

«بل كانت هناك تنانين عظيمة ووحوش كارثية…»

 

فتحرك تاليس فجأة: «أرغ… ماذا؟»

 

وكان على ميلغين أن تتوقف مرة أخرى. فتنهدت وقالت: «وجدوا دليلًا في بعض بعثات علم الآثار على أن عالمنا، قبل وقت طويل من وجود صور البشرية وكلماتها، كانت تهيمن عليه وحوش عملاقة كثيرة.

 

«حجمها لا يمكن تخيله.

 

«وكانت التنانين العظيمة قادتها.

 

«كانت تعبر السماء والأرض بحرية ودون تردد. وتحكم الجبال والبحار، وتتخذ العالم كله ساحة صيد لها، وتستخدم الكائنات الحية عبيدًا، وتأخذ كل شيء من الكائنات الحية الصغيرة التي لا شأن لها لتستعرض بأسها اللامحدود».

 

و عندها فقط فهم تاليس.

 

وقلّبت نياه الصفحة إلى صفحة أخرى.

 

وقف رجل على رأسه تاج في مقدمة المدينة. ووقفت خيالات رجال كثيرة بجانبه تحمل أسلحة. بعضهم يرتدي أثوابًا طويلة، وبعضهم يمسك عصيًّا…

 

«وكانت بين البشر مجموعة من المستشارين. وضعوا الخطط وبذلوا جهدًا شاقًّا ليكافحوا من أجل فرصة تتيح للبشرية أن تلتقط أنفاسها، بناءً على خبرتهم وحكمتهم. وبذلوا قصارى جهدهم يعملون في خيام القبائل، وفي قصور النبلاء، وفي أبراج المدن العالية.

 

«وهم مثل الدوق كاسو الذي بجانبنا».

 

وازداد وجه غيلبرت في البعيد قتامة قليلًا.

 

«وفي ذلك الوقت، كاد البيئة الغادرة تدفع البشر، وهم الأدنى مكانة والأضعف قوة، إلى حافة الفناء».

 

وقلّبت نياه إلى صفحة أخرى.

 

وشدّت النقوش في هذه الصفحة انتباه تاليس.

 

ظهر ظل ضبابي في صورة الشمس في السماء الواسعة. ونظر ذلك الظل من السماء ومد يده إلى الملك ومحاربيه.

 

«ثم نظرت السيدة من علٍ، وقررت أن تُظهر الرحمة للضعفاء».

 

وبدت كلمات ميلغين أعمق فأعمق.

 

«وُلد أنبياء السيدة ورسلها في العالم واحدًا تلو الآخر. وأشاروا إلى البشر بطرق المستقبل ونشروا المعتقدات نحو السيدة.

 

«وجزء من الناس الذين أتحدث عنهم قبلوا السيدة ومعتقداتهم، وكانوا صادقين متواضعين جدًّا».

 

ورفعت ميلغين رأسها.

 

«أما الآخرون فكانوا يشكّون. بل نظروا إليه باحتقار، بل اعترضوا عليه».

 

فارتجف تاليس. ثم رأى نياه تقلّب إلى الصفحة التالية.

 

تحت الشمس، وقف الرجل الذي على رأسه تاج في الوسط. ووقفت بضع مجموعات من الرجال على جانبيه. وكانت المجموعتان في نهاية الجهتين اليمنى واليسرى أكثر ما يلفت الانتباه. فالرجال في الجهة اليمنى منحنون احترامًا له، ويبدون موقرين متواضعين. أما الناس في الجهة اليسرى فوقفوا وظهورهم إليه، وحركاتهم مختلفة.

 

وبدأ تعبير تاليس يزداد جدية وهو ينظر إلى المجموعتين المختلفتين تمامًا على جانبي الملك.

 

وواصلت ميلغين الكلام.

 

«الذين على اليمين بنوا المعابد، وأخذوا مكانهم بين الناس، وعلّموا الناس.

 

«والذين على اليسار تجمعوا، وكوّنوا جماعتهم، ووجدوا دروبًا أخرى».

 

وغيّرت ميلغين نبرتها فجأة.

 

«وهذه هي المعتقدات والسحر، والكهنة والسحرة، والمعابد والكنائس وأبراج السحر التي ظهرت لاحقًا. وهذه بداية الانقسام».

 

ولم يستطع تاليس، الذي تمكن من التفكير في الأمر مليًّا، إلا أن يتكلم: «ماذا؟»

 

ونظر إلى ميلغين. فابتسمت ميلغين ابتسامة خفيفة فحسب.

 

«فهل تعلم الآن لماذا لا تذكر دروس اللاهوت وحدها السحر الغامض الذي اختفى في الماضي؟»

 

ووجد تاليس صعوبة في التصديق.

 

وصارت الكاهنة العجوز جادة وقالت بجدية: «المعتقد والسحر ينبعان من مصدر واحد. يعتمد أحدهما على الآخر، وكلاهما بالغ الأهمية للآخر».

 

وحدّق تاليس في الكاهنة ميلغين شاردًا. وكانت في ذهنه أفكار لا تحصى تعبث.

 

ولم تتوقف ميلغين عن الكلام. وبدت كأن لها زخم جبل شاهق مهيب. حتى غيلبرت لم يملك إلا أن يجلس منتصبًا بصورة لائقة صارمة.

 

«كانا في الأصل أخوين. وكلاهما تلقى رؤى من السيدة».

 

وتنهدت ميلغين ببطء.

 

«لكن الابن الأكبر كان مخلصًا، والأصغر متمردًا».

 

وبدت كلمات ميلغين محترمة على نحو غامض جدًّا.

 

«لكنهما عملا بجد من أجل هدف مشترك قبل ذلك: بقاء البشر ونموهم».

 

وأصغى تاليس إلى كلامها مصدومًا حائرًا. «هذا منظور آخر للأمر.

 

«المعتقدات والسحر، والأديان والسحرة، من مصدر واحد؟»

 

«شكّل الابن الأكبر للسيدة روح البشرية. وجلب إليهم المعتقدات نحو الحماية والخلاص، فجعل البشر يتخلون عن ضعفهم، ويبددون مخاوفهم، ويتركون وراءهم صلابة، ويخلقون الشجاعة.

 

«أما الابن الأصغر للسيدة فجلب إلى البشرية أسلحة قوية، مكّنتهم من خوض معاركهم بسهولة في الانتصارات التي لم تأتِ بعد».

 

ومع تقليب نياه الصفحات، انعكست في عيني تاليس مشاهد عديدة على اللوحات المعدنية.

 

فرار. ولائم. تعبئة. زواج. احتفال. حرب. جنازة.

 

وهكذا.

 

لكن المجموعتين كانتا تظهران بين حين وآخر.

 

فمن ينحنون كانوا يغنّون دائمًا بأصوات عالية في الاحتفالات والولائم. ومن يعطون ظهورهم كانوا يظهرون دائمًا في ساحات القتال وفي مقدمة المدن.

 

ونظر تاليس إلى النقوش التي بدت بسيطة لكنها تحمل معاني عميقة، وقطب حاجبيه.

 

«تعاون الطرفان دون كلمة، وحين عملا معًا في آن واحد، صعدت البشرية تدريجيًّا إلى السلطة، وبدأت ترد الضربة».

 

وأبطأت ميلغين في الكلام.

 

وأخذت الكاهنة العجوز نفسًا عميقًا، وغمرتها مشاعر مختلطة.

 

«وأخيرًا، على جزيرة كويكر، في معركة العالم التي أخرج فيها الطرفان كل ما في جعبتهما وراهنا على مستقبلهما…

 

«اقتحم الملك أنزاك والملوك الستة الآخرون المتبقون من الجنس البشري عشرات الآلاف من الأورك المشاة الثقال، مع وحدات فرسانهم الثلاثة آلاف، الذين كانت معتقداتهم أصدق المعتقدات، وواجهوا الموت بابتسامة».

 

فذُهل تاليس على الفور!

 

كانت هذه القصة…

 

«لم يعودوا قط، لكنهم بثمن حياتهم تمكنوا من قتل أعظم زعيم مقدس للأورك القدماء».

 

ووصلت نياه إلى الصفحات الأخيرة.

 

كان الملك مغطى بالجراح، يمسك بسيفه الثمين وهو مستلقٍ بهدوء في وسط ساحة المعركة. لكن تلك الهيئات الضخمة التي كانت تحمل رؤوس البشر في أيديها قد اختفت منذ زمن بعيد. ولم يبقَ إلا هيئات صغيرة لا تحصى تشدّ الخيول وتحمل الرماح لتحيط بالملك. ورفعت الأعلام ووقفت حوله باحترام.

 

وكانت الغيوم قد تبددت في السماء ليسطع الضوء على ساحة المعركة.

 

«وما إن فقد الأورك القدماء أعظم زعيم مقدس لهم حتى خسروا، إذ بقوا بلا قائد».

 

ورفعت ميلغين رأسها، ورفعت صوتها ليُسمع بوضوح: «ولذلك عُرفت المعركة التي أطلقت الحروب التي استمرت جيلًا كاملًا بحملة طرد القداسة».

 

وصمت تاليس.

 

وكانت نياه تلهث بشدة وهي تغلق بمشقة الكتاب المعدني الذي دُوّنت فيه نقوش مختلفة.

 

وأغلقت الكتاب الذي لا يحوي إلا عشرات الصفحات لكنه يسجل حياة الملك أنزاك العظيمة التي مضى عليها أكثر من ألف عام.

 

«وما إن انتهت حملة طرد القداسة حتى انتهت أيام القدم، ولم تعد جرأة الأورك مرهبة. وتراجع حكم الجان هكذا، واختفى غرور الأقزام تمامًا. وصُنّف الخوف الذي جلبته التنين العظيم والوحوش الكارثية، في النهاية، في الأساطير التي لا يمكن إثباتها».

 

«ولذلك، انعزلت الأجناس الغريبة في أنحاء الأرض، وانتشر الإيمان بالسيدة في أرجائها».

 

وكان على وجه ميلغين تعبير بعيد وهي تنظر إلى الشمس الغاربة خارج النافذة: «كان عصر ازدهار البشر على وشك أن يحل».

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.