الفصل 39: الثمار
من يظن أن خلق الحياة حكرٌ على الآلهة، لم يعمل قط في مزرعة.
- العامل
لم يستطع سولومون النوم تلك الليلة. فقد ازدحم رأسه بأفكار السحر، وكانت أحلامه غاباتٍ مظلمة لا يدري أهو الذي يحكمها أم هي التي تحكمه. تسلل من غرفته في صمت، وشق طريقه في الظلام إلى المكتبة. وما إن دخل حتى أقفل الباب، ثم اقترب من الدرع. وبدلًا من أن يأمره بالحركة، اكتفى بفتح قناع وجهه.
قال وهو يفعل ذلك: “المعذرة.” كان الظلام داخل الدرع حالكًا إلى حد لم يستطع معه تمييز الرموز، فعاد إلى المكتب وأشعل شمعة، ثم رجع ليتفحصه. تعرّف إلى رُموز الدم والفتح والسيطرة، وإلى كلمات عدة بلغة الدراكثيين امتزجت بكلمات أوركية وإلفية. كان الدرع متوهجًا بما يتيح له رؤية المانا، لكنها لم تبدُ سارية فيه كله؛ بل بدت متجمعة في نقاط متفرقة منه. عاد إلى المكتب والتقط ورقة. وأخذ يدون كل رمز وكلمة لم يعرفها، ببطء، حتى ملأ الورقة. تثاءب حين فرغ، ثم طواها ودسها في الجيب الداخلي لردائه.
عاد إلى الدرع مبتسمًا ابتسامة متعبة، وأعاد قناع الوجه إلى مكانه برفق.
“شكرًا على وقتك.”
تمطّى قليلًا وأطفأ شمعته، منتظرًا حتى تألف عيناه الظلام من جديد قبل أن يخرج إلى الرواق. كان يمشي على مهل حين توقف. لم يكن وحده. رأى في العتمة هيئة تحدق من النافذة. ومن ظِلّها خُيّل إليه أنها امرأة. كان شعرها منسدلًا، ويدها مضغوطة على الزجاج.
ولئلا يفزعها، تنحنح بصوت عالٍ قبل أن يقترب أكثر. لكنها لم تجبه.
“مرحبًا؟” قال، وتقدم بضع خطوات. لم يكن القمر سوى هلال رفيع، لكنه حين اقترب منها أدرك من تكون.
“فيليسيتي؟ أأنت بخير؟”
لم تجبه، وظلت تحدق من النافذة باهتمام شديد.
اقترب سولومون حتى لم يعد يفصله عنها سوى بضع خطوات. نظر من النافذة ليرى إن كانت تحدق في شيء بعينه، لكنه لم يرَ شيئًا. ثم نظر إلى عينيها، فوجدهما شاردتين زائغتين. أكانت لا تزال نائمة؟ قرأ عن هذا من قبل. لم يكن المشي أثناء النوم أمرًا نادرًا بين من مروا بتجارب صادمة.
وضع يده على كتفها برفق وهزها. لم تستجب، فهزها بقوة أكبر قليلًا.
رمشت فيليسيتي وعاد التركيز إلى عينيها، ثم انتفضت مبتعدة عنه فارتطم كتفها بالجدار.
قال سولومون: “لا بأس. أظنك كنت تمشين أثناء نومك.”
كان نَفَسها متسارعًا وهي تقبض على كتفها. وأبقت عينيها إلى الأرض، متجنبة النظر إليه.
قالت بصوت مرتجف: “أعتذر، يا مولاي.”
“لا بأس. عودي إلى حجرتك وحاولي أن تنامي.”
انحنت، ثم أسرعت هاربة إلى غرفتها.
هز سولومون رأسه، وظل ينظر من النافذة لبضع لحظات. حين يزور ضيعة مورو في المرة المقبلة، سيتعين عليه أن يزور أخاه جود. ما فعله بتلك الفتاة… لعلّه يقذفه عن شرفة بنفخة ريح. لم يكن يستطيع مهاجمته مباشرة، لكن بدا أن أمامه، كلما تعلّم أكثر، سبلًا غير مباشرة متزايدة للتدخل.
حين تيقن أن فيليسيتي قد عادت إلى غرفتها، مضى سولومون إلى غرفته هو أيضًا. وأخيرًا شعر بما يكفي من النعاس ليغفو.
…
مضت الأيام التالية على الوتيرة نفسها. كانت ميليسا توقظ سولومون وتقدم له قهوته وفطوره. وهو يراجع الأوراق ويرد على الرسائل التي تصله. ثم يذهب إلى البلدة ليعمل مع فايست على تخطيط إصلاح الطرق وتوسعتها، ويبدأ الاستعداد للإحصاء الجديد. وبعد ذلك يعود ممتطيًا جواده، ويتفقد مع ميليسا أحوال العمال، ثم يتناول الغداء وينصرف إلى مكتبته.
كان هذا الجزء من يومه أشبه بالعذاب. كان عليه أن يجاهد ليحافظ على تركيزه في شؤونه اليومية المعتادة. أراد لو يختفي في المكتبة أيامًا، منصرفًا إلى استكشاف المستودع ومواصلة تجاربه بالتعاويذ الجديدة. كان ذلك، جزئيًا، لأنه يعرف أن خطر سيد الغابة السوداء ما زال قائمًا، لكن دوريات الحرس المعززة لم ترصد شيئًا، بل إن صيادي الفراء والصيادين المحليين عادوا يدخلون الغابة ويخرجون منها بلا مشكلة. حتى كولم نفسه قام برحلة بمساعدة ابنه، وتفقد جميع مصائده من دون أن يلقى مكروهًا.
لم يكن سولومون راضيًا عن اضطراره إلى إجبار نفسه على التركيز. لطالما اعتز بقدرته على الاهتمام بكل المسائل التي يلزمه التعامل معها من دون عناء. لم يرث إرث تشورد، ولا وسامة جود، ولا قوة فوغان؛ لكنه امتلك عقله. لقد أدرك منذ وقت مبكر أن السبيل الوحيد لمجاراة الآخرين هو تنمية قدراته الذهنية إلى أقصى حد، فمنذ وفاة أبيه كان يشعر أنه يثبت ذلك بالفعل. أما الآن، بعدما دخل السحر في المعادلة، فبدا أن عقله لا يريد التعلق بشيء سواه. لعلّه أشبه بعمه فيكتور مما كان يظن.
ما إن بلغ الحجرة الخفية داخل المكتبة حتى شعر بالتوتر يتبدد عنه. وسرى في المكان ذلك البرد القارس الذي كان يستولي على البيت على نحو عشوائي، لكنه بدأ يجد فيه شيئًا من الطمأنينة. اتجه إلى المكتب والتقط مشرطه ليعيد فتح الوخزة في إبهامه، ثم أطعم كل الأوعية قطرتين من دمه. وبعد ذلك ملأ قارورتين أخريين بالدم. فصار لديه عشرة قوارير يحتفظ بها، وأربع يحملها معه. ثم توجه إلى حلقات السلسلة التي نقلها إلى مكتبه. التقط حلقة ووضعها بعناية في وسط المكتب. وأخذ المطرقة الصغيرة والإزميل اللذين استعارها، وراح يحطمها بحذر شديد إلى قطع أصغر مسننة الحواف. ثم وضع الشظايا كلها في وعاء إلى جانبه. لم يكن بوسعه العمل إلا على حلقة واحدة في كل مرة، إذ كان استنزاف المانا يوشك أن يصيبه بالغثيان.
خلال الأيام القليلة الماضية، اكتشف أنه يستطيع التعامل معها مرتديًا قفازين، فيطول الوقت قبل أن تستنزفه. واكتشف أيضًا أنها تنتزع المانا من الدم الذي شبعه بها إذا لامسته مباشرة. لكنها لا تستطيع سلب المانا عبر القوارير الزجاجية. وقد أثار ذلك اهتمامه، إذ أمكنه أن يشبعها بمزيد من المانا حتى وهي محكمة الإغلاق داخل القوارير.
بعد أن فرغ من شظايا السلسلة، مر بجوار جثة الإله الميت ووضع يديه على جانبي الكرة الضبابية التي تنقله إلى الدمى داخل المستودع. لم يحالفه التوفيق كثيرًا في الأيام الماضية. فقد خسر دمية بعدما تحولت إلى شجرة إثر فتحها لفافة خضراء، وأمضى يومين كاملين يحاول فك رموز لفافة لم يستطع أن يتبين فيها سوى رمز وكلمة إلفية تعني «اللهب». وعثر على معجم قديم مؤرخ من الدراكثية إلى الإلفية، ضمن المجلدات النادرة لسيباستيان، فساعده في مهمته. واتضح أنها تعويذة لإخماد اللهب. ستكون مفيدة جدًا في مواقف بعينها، لكنه كان يأمل في تعويذة هجومية يستخدمها ضد الروح في الغابة.
وقبيل أن يسكب المانا في الكرة، سمع صوت طقطقة. فأبعد يديه عنها وعاد أدراجه. كانت الحجرة لا تزال مغلقة. سمع الصوت ثانية، فأدرك أنه صادر من أحد الأوعية. مر أسبوع، لكنه بدأ صنع الهومونكولوسات في وقت متأخر من المساء، وكان يتوقع أن يحتاجوا إلى بضع ساعات أخرى. اقترب من الوعاء، فراح يراقب التراب وهو يبدأ بالتحرك. وبعد لحظات، شقت ذراع صغيرة سطحه، ثم ظهرت أخرى، وأخيرًا سحب الكائن الضئيل نفسه إلى الخارج. رفع بصره إليه وأدى تحية مرحة.
رفع سولومون حاجبًا. لم يتوقع أن تكون لها شخصية تُذكر. مد يده، فقفز الكائن الصغير عليها. قرّبه من وجهه. كان بحجم كفه تقريبًا، وهيئته بشرية. وبدا أثقل قليلًا مما كان عليه من قبل. وضعه على المكتب وحاول أن يأمره في ذهنه بالسير عبره، لكنه لم يشعر بأي استجابة.
قال: “اعبر المكتب سيرًا.” هذه المرة استجاب، فسار من أحد طرفيه إلى الآخر ثم عاد. ورأى وهج المانا فيه يخفت خفوتًا طفيفًا وهو يمشي.
“توقف.”
توقف، وخفّ تسرب المانا حتى كاد لا يعدو قطرات ضئيلة. إذن كان عليه أن يوجه إليه أوامر منطوقة، وكانت المانا تتسرب منه بسرعة أكبر حين يكون نشطًا.
“حسنًا. لقد أحييتك من أجلي. ما رأيك في أن تموت من أجلي؟”
أدى تحية أخرى.
ابتسم سولومون وقال: “جندي صالح.”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.