الفصل 40: الحماية
لا يمكن المبالغة في وصف متعة السفر. أما متعة السفر إلى مكان خطر؟ فتجعل المرء يشعر بوخز في خصيتيه.
— لين براون، كبير المسافرين في نقابة المستكشفين
طلب سولومون من الكائن الذي صنعه أن يجلس على حافة المكتب ريثما ينهي استعداداته للتعويذة التالية. كان قد أعد دائرتي التعويذتين، لكنه احتاج إلى إضافة دم طازج إلى كل منهما وإجراء مراجعة أخيرة لكل شيء. رفع القماش الذي غطى كل دائرة، ثم تفحصهما بدقة. وبعد أن أجرى رتوشه وأضاف الدم، التفت إلى التمثال الطيني الجالس بأناقة على حافة المكتب.
“حسنًا، انزل إلى هنا وقف داخل هذه الدائرة.” أشار إلى الدائرة المقابلة له.
قفز الهومونكولوس من المكتب، وهبط مترنحًا قليلًا، ثم هرول إلى الدائرة الأخرى.
ما إن استقر في موضعه حتى بدأ سولومون يضخ المانا في الدائرة، فشعر بدمه يتفاعل معها بينما أخذت الدائرتان تتوهجان بالأحمر. وحين أضاءتا معًا، أحس بدمه في عروقه، وبالدم الذي أشبع به الهومونكولوس بالمانا أيضًا. شعر بتجاوب الدمين للحظات، ثم انتهت التعويذة.
أخذ سولومون نفسًا عميقًا. استهلكت التعويذة قدرًا لا بأس به من المانا، لكنه شعر بها تعود إليه ببطء بالفعل. فلم يحس بتغير يُذكر بعد اكتمالها. نظر إلى التمثال الطيني، فوجد أنه واقف ساكنًا ينتظر تعليمات أخرى. تقدم نحوه بضع خطوات ومد يده.
“اقفز إلى هنا.”
استجاب له، فوضعه سولومون على المكتب بحذر، ثم جلس وسحب مشرطه. ضغطه على إبهامه بالقدر الكافي لإسالة الدم، لكن شيئًا لم يحدث. نظر إلى التمثال الطيني، ولاحظ خدشًا صغيرًا على ذراعه.
تمتم وهو يومئ للهومونكولوس: “لقد نجحت.” ثم قال: “شكرًا لك.”
فأدى تحية أخرى.
وضع سولومون مشرطه واتكأ إلى ظهر كرسيه. صار لديه ما يحميه. لم يعرف مقدار الضرر الذي يستطيع الهومونكولوس تحمله، لكن أي ضرر يصيبه لن يصيب سولومون. كانت المشكلة الوحيدة أنه لم يعد قادرًا على جرح نفسه لاستخراج الدم كما اعتاد. صار لديه عدد لا بأس به من القوارير، لكنه أراد أن يخزن المزيد. كما لم يشأ أن يبدد الجهد الذي بذله في صنع أول هومونكولوس، ولا أن يضحي به من دون طائل. كان متجهًا إلى إتلنغ في اليوم التالي على أي حال، ولن يخسر سوى القارورتين اللتين كان سيملؤهما ذلك الصباح.
وبينما هو غارق في التفكير، سمع صوت طقطقة أخرى؛ فقد فقست الهومونكولوسات الآخرى. فراح يراقبهم وهم يخرجون من التراب واحدًا تلو الآخر ويخطون خطواتهم الأولى. وعلى غرار الأول، أدوا جميعًا التحية عند ظهورهم، وكلما طرح عليهم سؤالًا. وقبل أن يغادر غرفة الدراسة الخفية، صفّهم جميعًا في خط مرتب على مكتبه.
قال: “راقبوا غرفة الدراسة.” فردّ الخمسة بتحية منضبطة متزامنة.
ابتسم، وتركهم هناك، ثم خرج من الحجرة الخفية متجهًا إلى المكتبة، وشكر الدرع في طريقه. صعد إلى الطابق الثاني لينظر من النافذة ويتأمل ما صار لديه حتى الآن: التعاويذ الأساسية التي تعلمها قبل أن يمتلك المانا، والقدرة على تفادي ضرر جسيم مرة واحدة على الأقل، ومخزونًا من الدم يستطيع استخدامه كسلاحًا، فضلًا عن وسيلة لإضعاف مانا العدو. لم يكن يمانع امتلاك القدرة على قذف كرة نارية، لكنه سيشعر بثقة أكبر بكثير إن صادف سيد الغابة السوداء مجددًا. ومع ذلك، لم تبلغ ثقته حدًّا يدفعه إلى البحث عنه بعد.
كان يعرف أن الأمر سيعود ليشغله. فقد شكّ في أنه قتل العمدة السابق نيمان حين أصابه بتعويذة هبّة الريح المعززة، كما أن بينه وبين الكائن صلة واضحة. وسيأتي يوم يطرق فيه بابه. وأمل سولومون أن يكون هو من يسيطر على المواجهة حينها.
خرج من المكتبة إلى الرواق، ومضى متجاوزًا عددًا من الخادمات في طريقه إلى غرفته. فوجد ميليسا تنتظره، وقد أعدت عددًا من الصناديق المعبأة.
انحنت له وقالت: “يا لورد، أعتذر. لست متأكدة تمامًا مما ينبغي أن أحزمه لهذه الزيارة. في عملي السابق، نادرًا ما كنت أغادر أملاك الضيعة.”
أومأ سولومون. “لا بأس. لا أتوقع من أحد أن يتقن أمرًا من المحاولة الأولى.” فأخذ يتفقد الصناديق واحدًا تلو الآخر.
“على الأرجح لا نحتاج إلى هذا العدد من الصناديق. هنا، بعيدًا عن العاصمة، لا يُعد ارتداء الثوب نفسه أكثر من مرة في فترة قصيرة ضربًا من الحماقة. ضعي مزيدًا من ثياب عمي أيضًا. صرت أميل إلى ارتدائها أكثر في الآونة الأخيرة.”
أومأت وبدأت تعيد ترتيب الأغراض.
قالت: “يا لورد، هل هناك شيء آخر ينبغي أن أتهيأ للقيام به ونحن في ضيعة الفيكونت؟”
ربّت بعصاه على ذقنه. “ستكون مسؤوليتك الأساسية هي الاعتناء بي، كما هي العادة. وعليك أيضًا التأكد من أن دنكان لديه ما يحتاج إليه، لكنني لا أقلق كثيرًا بشأن قدرته على تدبر أموره. إذا لم يكن خدم الفيكونت باير متعاونين كما ينبغي، أو تصرفوا على نحو غير لائق، فأخبريني وسأتولى الأمر.”
أومأت وهي تواصل عملها. كانت متوترة، لكنها أحسنت التعامل مع الأمر. لقد أدت عملها كخادمًا شخصيًا له بفاعلية جعلته ينسى كم مضى على توليها هذا الدور. فبمقاييس كثيرة، كان ارتقاؤها صاروخيًا. فالانتقال في مثل سنها من خادمة إلى خادم شخصي، ثم إلى كبير خدم بالإنابة في ضيعة، أمر لم يُسمع به. بالطبع، كانت هناك عوامل مخففة عدة: فالضيعة ريفية صغيرة، ولم يكن بحاجة إلى كبير خدم محلي يساعده على التعرف على نبلاء المنطقة. كما أن خياراته فيمن يستطيع استقدامهم كانت محدودة من الأساس. ومع ذلك، واجهت التحدي بكفاءة، وكذلك بقية الخدم.
حين انتهت من توضيب الأمتعة، التفتت إليه.
قالت: “رتبت مع السعاة أن يحتفظوا ببريدك حتى عودتك، وأُبلغ سائر الخدم بالمسؤوليات التي سيتولونها في غيابك.”
“ممتاز. شكرًا لك يا ميليسا.”
انحنت.
“والآن، أرجو أن تذهبي لترتاحي.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وانحنت مرة أخرى، ثم غادرت الغرفة.
وقف سولومون للحظات يتأمل الحقائب المعبأة. لم يكن راغبًا في مغادرة القصر، لكن فرصة التعرف رسميًا على التجار والنبلاء في إتلنغ لم تكن مما يمكن تجاهله. فضلًا عن ذلك، أثار الفيكونت باير فضوله. كانت الصلة بينهما واهية في أحسن الأحوال. ولم يدرِ إن كان الرجل عاطفيًا فحسب، أم أن لديه حاجة أخرى، فقد اتخذ من أخته وخطبة سولومون ذريعة لها.
ابتسم. لم يحظَ بلحظة راحة حقيقية منذ وصوله. وكان عليه أن يعترف بأن هذا يروقه إلى حد ما. فقد ظل مقيدًا ومحدودًا فيما يستطيع فعله زمنًا طويلًا، حتى وجد أن القيود التي جاءت مع حريته الجديدة مريحة للغاية.
تناول سولومون عشاءً من نوع ما من فطيرة الكبد التي لم يستسغها، لكنه أتمها، ثم نام مبكرًا. لم يكن نومه سوى عتمة مريحة وفراغ مطبق، فاستيقظ مع الشمس منتعشًا. طلب إعداد حمام كيلا يسيء إلى أحد حين يصل إلى إتلنغ، وبعد أن اغتسل تناول فطورًا خفيفًا من الفاكهة والخبز. ثم خرج إلى مقدمة القصر وشاهد دنكان وريجيس وهما يحملان أمتعته إلى العربة. كان يومًا غائمًا تفوح في هوائه رائحة المطر، لكنه لم يكن قد هطل بعد.
بعد اكتمال الاستعدادات، فتحت ميليسا باب العربة له فركب. واختارت أن تجلس في المقدمة مع دنكان طوال الرحلة. لم تكن هناك حاجة كبيرة إلى اتباع الأعراف المعتادة في مونفالو، لكن التوقعات في إتلنغ ستكون مختلفة. ومع ذلك، أصرّ على أن تركب إلى الداخل إن هطل المطر.
وحين أصبح كل شيء جاهزًا، تحركت العربة. نظر سولومون من النافذة وهي تبتعد ببطء عن القصر. رأى إحدى الخادمات تنفض الغبار تحت النافذة في الداخل، وأحد الحراس يتم دورته حول المكان، وقمة رأس بوث وهو يحفر شيئًا من قنوات الري. بدا القصر مهيبًا وفخمًا كما كان يوم وصل إليه أول مرة. ألقت الغرغولات ذات الأنياب عند زواياه ظلالًا مهيبة على نحو خاص في عتمة النهار الغائم. لم يمضِ على امتلاكه الضيعة سوى بضعة أشهر، لكنها بدأت تبدو له أقرب إلى البيت مما كانت ضيعة مورو يومًا. بل وجد نفسه يفتقد برودتها الغريبة، بينما أخذت العربة تبتعد به أكثر فأكثر.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.