— أبي.. كيف حاله الآن؟!
مزق صوت يوري صمت الغرفة الواسعة، والدموع تنهمر كالنهر من عينيها المحمرتين، وهي تحدق في الجسد المنطفئ أمامهما والمغطى بالكامل بالضمادات البيضاء.
تنهد الشيخ لاو بعمق، وارتسمت على وجهه ملامح ثقيلة من الذهول والأسى وهو يقول:
— «عضلاته بأكملها ممزقة، وعظامه مكسورة ومحطمة، خصوصاً عظام قدمه اليمنى؛ فهي مهشمة بالكامل، لدرجة أنني عندما أسمع منك كل ما حدث، لا أصدق أنه ظل واقفاً.
فهذا.. قد تجاوز معنى كلمة الإرادة بأميال..»
ظلت يوري تبكي بحرقة، وتغطي وجهها بكفيها المرتجفتين.
وفجأة.. تحركت أجفان آزر ببطء ضعيف، وفتح عينيه اللتين غشاهما الضعف الشديد.
— هل استيقظت؟
سأل الشيخ لاو بنبرة مشوبة بالدهشة.
أومأ آزر برأسه خفيفاً، ثم سأل بصوت خافت يشبه الحفيف:
— كم.. مضى من الوقت؟
أجابه لاو بخفوت:
— لقد مضى أسبوع كامل منذ أن جلبتك ابنتي إلى هنا وهي تحملك على ظهرها.
—لقد ظلت تعتني بك كل يوم، حتى إنها لم تنم أبداً، وظلت بجوارك طوال الوقت.
حرك آزر بصره ببطء، ولاحظ الضمادات الكثيفة التي تحيط بجسده، وقطعة القماش الباردة التي تستقر على جبينه.
حاول أن يجلس، لكن جسده رفض الاستجابة؛ فاعتصر الألم كل شبر في نفسه وكأنه يغرز آلاف الإبر في لحمه الحي.
لاحظ الشيخ لاو محاولته الفاشلة، فصاح بنبرة حازمة:
— لا تتحرك!
هدأ آزر، وأرخى جسده المنهك.
وبعد صمت قصير، أكد لاو بنبرة جادة:
— أخبرني يا آزر.. لماذا مسارات المدد في جسدك شبه محطمة؟ هل تعلم أن جسدك على أعتاب الشلل التام؟ لن تستطيع استخدام المدد أبداً خلال الفترة القادمة، بل وربما.. قد تستغرق سنوات طويلة حتى يتم علاج مساراتك بالكامل وتعود كما كنت!
—لذلك، أخبرني، ماذا فعلت هناك بحق الجحيم؟!
بدأ صوت لاو يعلو بالغضب والقلق، بينما عاودت يوري البكاء بصوت مرتجف ومرير.
همس آزر بصوت منخفض ومتقطع:
— الخطوة الثانية..
— ماذا؟
— لقد استخدمتها..
اندهش الشيخ لاو حتى كاد فكه يسقط من شدة الصدمة والذهول!
— يا فتى.. هل خاطرت بحياتك للتو لأجل الفوز في مسابقة تافهة؟ ألا تعلم.. ألا تعلم أن مساراتك كانت يمكن أن تنفجر في وجهك، لتسبب لك نزيفاً داخلياً حاداً في الدماغ وتموت على الفور؟!
هل فقدت عقلك؟!
ظل آزر صامتاً، وعيناه مسمرتان في السقف الخشبي بلا مبالاة ظاهرية.
ولكن يوري لم تستطع التحمل أكثر، فانفجرت صارخة وسط دموعها:
— لماذا.. لماذا؟! ألم يكن بإمكانك أن تنسحب؟ كان يمكن أن تمر الأمور في سلام تام! هل كان الفوز مهماً لك لهذه الدرجة، لدرجة أن يصل بك الأمر للموت لأجله؟!
نظر إليها آزر ببطء، وثبت عينيه في عينيها الغارقتين بالدموع، ولم ينطق بكلمة واحدة.
ارتعشت شفتا يوري من شدة القهر، فصرخت بصوت غاضب:
— أنت أناني! أنت لا تهتم بشأني ولا بشعور أي شخص آخر، وكل ما يهمك هو نفسك وطموحك العفن فقط!
—لماذا.. لماذا تفعل هذا؟ كل ما أردته هو أن تكون بخير، وأن نكون معاً.. أأحقاً هذا صعب لتلك الدرجة؟!
خرجت من الغرفة راكضة وهي تجهش بالبكاء.
وعمّ صمت ثقيل ومقبض أرجاء المكان، استمر لبرهة طويلة.. قبل أن يتكلم آزر بصوت هادئ ومستقر:
— أيها الشيخ.. أود طلب معروف منك.
نظر إليه لاو ولم يتكلم.
أكمل آزر:
— أود منك حبة تهدئ من ألمي وتجعلني قادراً على استخدام المدد من جديد.
تنهد لاو ببرود، وقال محذراً:
— أنت تعلم أن حبة كتلك سيكون لها آثار جانبية هائلة بحالتك الحالية؛ فبعد أن يزول مفعولها ستزيد من ألمك أضعافاً، بل وستجعل معدل تعافيك أبطأ، ولن تستطيع استخدام المدد، ربما حتى لبقية حياتك!
هل تظن أنك تستطيع تحمل تلك التكلفة؟
صمت آزر قليلاً ثم قال:
— نعم.. وأود منك أن تعطيني قائمة الأعشاب تلك.
مد آزر يده بصعوبة.. واخرج له قائمة كانت في ردائه الملطخ بالدماء ثم اعطاها له.
قرأ لاو القائمة، ثم انصدم صدمة أبشع من صدمته قبل قليل، وصرخ بشدة:
— آزر! هل تريد تدمير نفسك تماماً؟! أتود حقاً صناعة تلك الحبة؟!
أومأ آزر ثم قال:
— ولا تخبر يوري عن أي شيء.. دع ذلك بيننا.
صمت لاو ونظر إليه لوقت طويل…
— يا فتى.. ابتعد عن ابنتي، هي لا تناسب ابداً شخصاً مثلك.
— وهذا آخر معروف سأقدمه لك، ولا أريد أن أعرفك ثانية.
ابتسم آزر ثم قال:
— كما تريد..
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.