مرت الساعات ثقيلة وموحشة..
وفي عمق فجر اليوم التالي، كان المسكن الخارجي يغرق في سكون الجليد.
وقف آزر في منتصف غرفته، لم يكن هناك أثر للشلل أو الجراح البائنة على هيئته؛ فقد فعلت الحبة الملعونة مفعولها المخدر، فارضة قشرة كاذبة من القوة والتعافي على جسده المتهالك.
استدار نحو المرآة البرونزية المعلقة على الجدار التالف؛ طالَع انعكاس وجهه الخالي من أية تعابير.
شعره الأسود الطويل الذي كان ينهمر كعتمة الليل، تتخلله خِصالٌ بيضاء ناصعة، انتشرت بين جوانبه ببطء، كأنما خَطّ الشيبُ فيها كان ثمن المخاطرة بالروح واستنزاف قلبه ببطء.
لم يكترث آزر لشكله، بل ارتدى رداء أسود طويل، تاركاً النصل يستقر على خاصرته بهدوء.
وفي تلك اللحظة بالذات، بين سكون الليل وانبثاق الفجر الهادئ، بدأ شريط الذكريات ينساب في مخيلته كشلال من الرماد البارد:
صور أصدقائه القدامى وهم يبتسمون قبل أن يبتلعهم ظلام الطريق، وجوه التلاميذ في طائفة السحابة الشمالية وهم يرمقونه بازدراء، ملامح سورا، وذكريات والديه البعيدة، وتلك القرية الصغيرة البائسة التي شهدت مذبحتها الوحشية تحت السماء.
كل تلك الأطياف لم تزد عينيه إلا بروداً وعدمية؛ لم يعد يحمل نحوه كره الخطيئة ولا شوق العاطفة، بل صلابة حقيقتها كحقيقة السيف الذي لا يعرف سوى الحسم.
همس آزر بصوت خفيض جداً، ينساب كسمّ بارد في أرجاء الغرفة:
— «حان الوقت..»
فتح الباب دون أن يصدر خشب الممر أي صوت.
انسلّ كالشبح المظلم في جوف الليل، متسللاً بخطوات واثقة وخفيفة عبر الممرات الخلفية للطائفة، متجاوزاً حراس البوابات الخارجيين الذين كانوا يغطون في نوم عميق، دون أن يشعر بأثره كائنٌ حي.
وطأ قدمه خارج أسوار الطائفة القاتمة، حيث كانت الرياح الباردة تضرب وجهه وتداعب خصال شعره المختلطة بالسواد والشيب.
لم يتردد لحظة واحدة، انطلق في اتجاه واثق، يقطع الطرقات الوعرة والقاحلة، ليعود للمرة الثالثة نحو نفس المكان الذي بدأ فيه كل شيء.. المكان الذي شُكّل فيه مصيره وتغيرت فيه حياته الى الأبد.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.