الفصل الأول:
وظيفة واحدة من بين كثير
كان اسمها أنجيليك كورينتيل، أو أنجي اختصارًا. ولدت في الطرف الغربي من مملكة تنين الملك، في قرية تحدها غابة كثيفة. وبما أن والديها كانا صيدلانيين، فقد قاما بتعليمها في مجالهما بشكل طبيعي أثناء تربيتها. ولكن للأسف، قبل أن تبلغ سن الرشد، تعرض كلاهما للهجوم وقُتلا على يد وحش. كانت قصة ليست غير مألوفة لأهل قريتها. وبحزن شديد على فقدانهما، أقامت لهما جنازة بمساعدة القرويين الآخرين، ثم ورثت منزلهما وسارت على نفس مسارهما المهني.
كان لدى أنجي شخص واحد يمكنها أن تصفه بالصديقة المقربة، وهي فام هايندورا، فتاة ولدت لعائلة صيادين محلية. ومثل أنجي، فقدت فام والديها في سن مبكرة؛ إذ توفيت والدتها بسبب المرض قبل أن تبلغ سن الرشد، وقُتل والدها على يد وحش… أو بالأحرى، كان والدها هو المرافق لوالدي أنجي عندما غامروا بالدخول إلى الغابة لجلب بعض الأعشاب. ولقد فقد حياته للأسف أثناء ذلك، عاجزًا عن حماية من معه أو حماية نفسه.
أدى كل هذا إلى شعور فام بالذنب تجاه ما حدث مع أنجي، وبدورها كانت أنجي تشعر بالاستياء تجاه فام. ولحسن الحظ، تصالحت الاثنتان بعد عدد من المشاجرات. وفي الوقت الحاضر، كان الجميع في القرية يعلم مدى قوة العلاقة بينهما. هذا العام، بلغت كلتا الفتاتين الحادية والعشرين من عمرهما.
“تبًا… ألا يوجد أي رجال لائقين في أي مكان؟” تمتمت فام لنفسها. كانت ترتدي سترة من الفرو المدبوغ جيدًا وسروالًا جلديًا ضيقًا ومقصوصًا. كانت حذاؤها مصنوعًا من الفرو السميك، وكان سكين الجبل معلقًا عند خصرها، مع جعبة وقوس ملقيين على كتفها. كانت تبدو كقاطعة طريق وكانت مغطاة بالأتربة من رأسها حتى أخمص قدميها، لكن ذلك لم يقلل من ملامح وجهها الجذابة.
“حسنًا، بالتأكيد لا يوجد أي منهم هنا،” ردت أنجي. وبصفتها صيدلانية، كانت ترتدي سراويل يسهل الحركة بها وقميصًا من الجلد المدبوغ. وبدلًا من حمل سيف عند خصرها، كان لديها فأس صغيرة. الشيء الأكثر أهمية الذي ميزها عن صديقتها هو السلة الضخمة التي كانت تحملها على ظهرها، والتي كانت نصف ممتلئة بالأعشاب والفواكه.
كانت الاثنتان حاليًا في الغابة حيث كانت أنجي تجمع المكونات لصنع الدواء.
“الأولاد الأثرياء هم الأفضل. رائعون لكنهم يجهلون العالم ولا يملكون أي خبرة مع النساء. كل ما عليك فعله هو إمساك أيديهم وستتحول وجناتهم إلى اللون الأحمر القاني،” قالت فام.
“سأكون راضية برجل عادي. لا يهمني إن كان يملك المال، أريده فقط أن يكون لطيفًا.”
“أوه، أنجي، ألا يمكنكِ أن تحلمي بشيء أكبر؟”
“ربما يجدر بكِ التفكير في العودة إلى الواقع بدلًا من ذلك، يا فام.”
لم يكن هناك الكثير من الشباب المؤهلين في قريتهم. كان معظمهم متزوجين بالفعل. لم يكن هناك الكثير من أتباع ميليس بينهم، ولكن وفقًا لقواعد القرية، كان يُسمح فقط للزعيم بالزواج من أكثر من امرأة واحدة. كان الزعيم الحالي يقترب من الخمسين، وكان لديه بالفعل خمس زوجات. لم يكن من المرجح أن يتزوج بأخرى في هذه المرحلة.
“الواقع، هاه؟” استنشقت فام الهواء. “الرجل الوحيد هنا الذي قد أحظى بفرصة للزواج منه هو على الأرجح دوتشي.”
كان الرجل المعني، دوتشيل، هو ابن زعيم القرية وفي نفس عمرهما. ولكن للأسف، كان موعودًا لشخص ما منذ لحظة ولادته، وكان قد تزوجها بالفعل. حتى أنه كان لديه ابن ليكون وريثه. كانت هناك أحاديث بأنه سيخلف والده قريبًا كزعيم. وبمجرد حدوث ذلك، فمن المؤكد أنه سيتخذ لنفسه زوجة أخرى، كما هي العادة بالنسبة للزعيم الجديد. وبطبيعة الحال، كان موضوع الساعة في البلدة هو من ستكون زوجته الثانية. كانت قريتهم تضم عددًا من النساء غير المتزوجات يفوق بكثير عدد الرجال المتزوجين.
هزت فام رأسها. “كلا، لن يتخذني أبدًا كزوجة.”
“حسنًا، صحيح أنكِ كنتِ دائمًا تتنمرين عليه.”
“في هذه الحالة، ربما يختارني نكاية بي. بهذه الطريقة يمكنه أن يفعل ما يشاء بي وينتقم مني خلال ليلتنا الأولى معًا.”
هذه المرة، جاء دور أنجي لهز رأسها. “مستحيل. لا يزال يشعر بالرعب منكِ حتى الآن.”
بما أن الفتاتين كانتا متقاربتين في العمر، فغالبًا ما كانتا تلعبان معًا عندما كانتا طفلتين. كان هناك سبعة أطفال آخرين في نفس العمر في القرية، وكانت فام تتصرف كقائدة لهم عندما كانوا صغارًا. في ذلك الوقت، كانت غالبًا ما تضايق دوتشيل، وتجعله يبكي. كانت أنجي جزءًا من مجموعتهم وافترضت بطبيعة الحال أنها ستنتهي بالزواج من أحدهم، لكن الأمور لم تسر على هذا النحو. غادر ثلاثة من تلك المجموعة القرية، ولم يتبق سوى دوتشيل وثلاث فتيات. إحدى هؤلاء الفتيات كانت خطيبته، لذا فقد تزوجت بالفعل. لم يتبق سوى فام وأنجي.
“لكن لا يزال لديكِ فرصة، يا أنجي. أنتِ لطيفة.”
“هاه؟ كلا، مستحيل. أعني، أنا الصيدلانية الوحيدة في هذه القرية. لن أتمكن من مواصلة العمل إذا تزوجت، وهذا سيجعل الجميع في مأزق.”
“أظن ذلك. حسنًا، ربما يحالفك الحظ كمكافأة على عملك الشاق هذه المرة.”
“آهاها! سيكون ذلك رائعًا، أليس كذلك؟” ضحكت أنجي.
في الحقيقة، كانت تفكر في شيء مختلف تمامًا. الزواج، هاه؟ أظن أن فارس أحلامي لن يأتي.
لطالما أصرت أنجي على أن تعود صديقتها إلى أرض الواقع، لكنها منذ صغرها سمعت حكاية من أحد الشعراء المتجولين ألهمتها بشدة. كانت قصة عن مغامرة ذات شعر أزرق سافرت بمفردها من قارة ميليس إلى القارة الوسطى ووصلت إلى الرتبة (أ) في النقابة في وقت قياسي.
ومع ذلك، ورغم أن قلب أنجي كان يخفق طربًا كلما سمعت تلك القصة، إلا أنها كانت تعتبرها مجرد حكاية من أرض بعيدة ولم تعرها اهتمامًا أكبر من ذلك. ولم تتوقف عن تجاهل الأمر بهذه السهولة إلا بعد أحداث وقعت قبل عقد من الزمن.
ذات يوم، دخل مغامر معين إلى قريتهم. كان ذلك الشخص قد غادر الغابة الكثيفة في طريقه إلى ويستبورت وكان يتوقف توقفًا قصيرًا في قريتهم في الطريق، أو هكذا قال. وكما شاء القدر، كانت تلك المغامرة قصيرة القامة وذات شعر أزرق. كما كانت ترتدي قبعة ساحرة، ورداءً أبيض، وتحمل عصا طويلة، وحقيبة ظهر مربعة معلقة على كتفيها. كانت تمامًا كما وصفها الشعراء. ما بدا ذات يوم كحكاية خيالية أصبح الآن حقيقة ماثلة أمام عيني أنجي.
لم تبقَ الفتاة في قريتهم سوى ليلة واحدة، لكنها أمتعت أنجي ذات العشر سنوات والقرويين الآخرين بحكايات عن رحلاتها. كان الأمر لا يصدق؛ فالفتاة التي بدت وكأنها ليست أكثر من شخصية خيالية كانت هناك بشحمها ولحمها، تعيد سرد مغامراتها الحقيقية للغاية.
أشرقت وجوه فام والآخرين عندما سمعوا قصة قضائها على زعيم في أحد المتاهات، لكن ما جعل قلب أنجي يحلق هو سبب دخول تلك الفتاة إلى تلك المتاهة في المقام الأول. فقد زعمت أنها تستكشف المتاهات على أمل العثور على شريك وسيم. وللأسف، فقد غزت تلك المتاهة دون تحقيق ذلك الهدف المنشود، لكن ذكريات حكايتها تركت أثرًا دائمًا في نفس أنجي. ومنذ ذلك اليوم، ألهمت حكاية تلك المغامرة في داخلها شوقًا عميقًا. شوقًا كان يجرها في بعض الأيام إلى محيط من الخيال. كانت تتخيل نفسها محاصرة فجأة من قبل وحش، ليظهر أمير وسيم وينقذها! وبطبيعة الحال، وكطريقة لشكر منقذها، كانت ستقدم جسدها كمكافأة. “إيهي!” ضحكت في سرها.
لكن بقدر ما كانت تفيض بالمشاعر، كانت تعلم أن الأمر ليس واقعيًا. الأحلام تظل مجرد أحلام. والأوهام لا تتحول سحرًا إلى واقع. كانت أنجي تدرك تمامًا أن قصة حب مريحة كهذه لن تحدث في الحياة الواقعية. عندما كانتا تتحدثان عن الزواج، كانت تغرق في أحلام اليقظة، لكن تلك الأحلام لم تكن أكثر من خيال داخل رأسها. شيء كانت تتوق إليه. لقد ركزت عينيها على الواقع في الوقت الحالي. ليس وكأن لديها خيارًا آخر؛ فعندما أصبحت يتيمة قبل خمس سنوات، أُجبرت على مواجهة الحقائق سواء أحبت ذلك أم لا.
“أنجي، كوني حذرة،” قالت فام. “نحن ندخل الآن إلى منطقة من تعرفين.”
“أجل، أعلم.”
كانت الاثنتان قد شقتا طريقهما بالقرب من كهف في أعماق الغابة، وهناك توقفت أنجي لتضع سلتها. لقد جاءتا إلى هنا بحثًا عن مكونات لصنع دواء، وتحديدًا مقوٍ خاص لعلاج مرض شائع في هذه المنطقة يُعرف بمتلازمة إبري.
“علينا إنقاذ دوتشي.”
“أجل، يجب علينا ذلك.”
كان دوتشيل، ابن زعيم القرية، قد أصيب مؤخرًا بهذه المتلازمة.
أولئك الذين يصابون بها يعانون من حمى شديدة، ويظهر عليهم طفح جلدي في جميع أنحاء أجسادهم، ويموتون في غضون عشرة أيام إذا لم يتناولوا الدواء اللازم. ومع ذلك، يمكنك محاربة المرض بمقوٍ خاص، ويمكن علاجه أيضًا بسحر إزالة السموم من المستوى المتوسط. كما أنه لا ينتقل من شخص لآخر. كان هذا هو السبب الرئيسي وراء عدم اعتبار الناس في المدن له مرضًا خطيرًا للغاية.
لم يكن الحال كذلك بالنسبة لأنجي وأولئك الذين يعيشون في قريتها. بالنسبة لهم، كان مرضًا مرعبًا ذا معدل وفيات مرتفع. كان أقرب ساحر قادر على استخدام سحر إزالة السموم من المستوى المتوسط يبعد أكثر من عشرة أيام، حتى لو ساروا بسرعة جيدة وأجبروا أنفسهم على الوصول إلى هناك بسرعة.
كان من المؤسف أن دوتشيل، صديق طفولتهما والزعيم المستقبلي لقريتهما، قد أصيب به. كانت متلازمة إبري مسؤولة جزئيًا عن وفاة والدي كلتا الفتاتين. فقد أصيبت والدة فام بها، وخرج والد فام ووالدا أنجي لجمع مكونات الدواء في الغابة. وهكذا لقوا حتفهم المأساوي. وهكذا، كان لكلتيهما روابط مصيرية مع المرض الذي يهدد الآن حياة شخص آخر قريب منهما. كانت تلك هي القوة التي دفعتهما لجمع المكونات اللازمة للمقوي.
ساد الصمت بينهما بينما كانتا تتحركان بحذر إلى الأمام. المكون الذي كانتا بحاجة إليه هو زهرة إيانت، التي تنمو عند قاعدة المنحدرات التي أمامهما مباشرة. وبما أنهما تحتاجان فقط إلى ما يكفي من المقوي لشخص واحد، فإن خمس أو ست بتلات ستكون كافية.
ابتلع الاثنان ريقهما بصوت مسموع بينما كانا يخرجان من بين الأشجار إلى مرج يمتد أمامهما. كان حقلاً شاسعاً في قلب الغابة، يضج بزهور زرقاء—حقل نقي من زهور “إيانت”.
مرة أخرى، ابتلعا ريقهما بصعوبة. ظلت تعابير وجهيهما متصلبة رغم المشهد الجميل أمامهما. مدت أنجي يداً مرتجفة نحو إحدى الزهور، وقطفت بتلة واحدة.
“غررررر!” مثل دوي الرعد، مزقت زئير عميق الهواء.
“أنجي، اهربي!”
لم يستوعب عقل أنجي الصرخة؛ فقد كانت قدماها متجمدتين بالفعل من الخوف. سحبت فام سهماً من جعبتها ووضعته على القوس وهي تصرخ: “أنجي! أسرعي!” “آه!”
ظهر طيف في المرج، عند قمة المنحدرات—سحلية ضخمة، لا يقل طولها عن عشرة أمتار، ذات جلد بلون البرقوق. كانت هي حاكمة الغابة: سحلية “إبري”. كانت زاحفاً بلا أجنحة، تشبه السحالي الضخمة التي تسكن قارة بيغاريت.
قد تتساءل لماذا تُسمى سحلية “إبري”. كان ذلك لأن متلازمة “إبري” كانت متفشية في أي أراضٍ تسكنها هذه السحالي، وأيضاً لأن الزهور اللازمة لصنع الترياق الخاص لعلاجها كانت دائماً قريبة من منطقة السحلية. وضع أحد العلماء نظرية مفادها أن سحلية “إبري” تنشر متلازمة “إبري” حتى يأتي البشر لجمع الزهور من أجل العلاج، مما يوفر للسحلية فريسة سهلة. لم يثبت بعد ما إذا كان هذا صحيحاً أم لا. ومع ذلك، فقد عانت قريتهما طوال السنوات الخمس الماضية من السحلية والمرض الذي يبدو أنه يتبعها.
كان هذا المخلوق هو الجاني الذي قتل والدي أنجي ووالد فام.
“آآآه!” أطلقت فام عواءً، محاولة شحذ همتها بينما أطلقت سهمها. حلق السهم نحو سحلية “إبري”، وأصاب هدفه بصوت مكتوم وهو يخترق حراشف المخلوق.
في تلك اللحظة، تحركت السحلية. تسلقت جدار المنحدر بسرعة البرص. لم يبدُ أن سهم فام قد أثر فيها على الإطلاق.
“أنجي! أتوسل إليكِ، انهضي! اهربي!”
بفضل تشجيع فام، وجدت أنجي أخيراً توازنها. يجب أن أهرب! يجب أن أسرع! تملكها الذعر، مما جعل قدميها تتعثران، لكن رغم تعثرها تمكنت بطريقة ما من الهروب. انضمت فام إليها في التراجع بمجرد أن تأكدت من أن أنجي قد نهضت وتتحرك.
لسوء الحظ، كان الوقت قد فات بالفعل.
“غرررررررر!”
بسرعة مذهلة، اقتربت سحلية “إبري”، ولحقت بفام. انطبقت أسنانها اللامعة والمسننة على ساقها.
“غآآآه!”
رفعتها المخلوقة وكأنها دمية خرقة، وقذفت بها في الهواء. أطلقت فام عواءً غير لائق بينما كانت تطير، لتصطدم بالزهور التي تفرش المرج.
رأت أنجي كل شيء. التقت عيناها بعيني فام بينما كانت الأخيرة تحلق في الهواء. كان على وجه فام نظرة رعب خالص. بعد مشاهدة ذلك، ترددت أنجي، مفكرة أنها يجب أن تنقذ صديقتها. لكن قبل أن تدرك ما كان يحدث، كانت سحلية “إبري” أمامها مباشرة.
“آه…”
سأموت، أدركت أنجي.
في الماضي، كانت تحلم بشخص يقفز لإنقاذها في مثل هذا الموقف، لكن تلك لم تكن سوى أوهام. الحقيقة هي أنه عندما يكون شخص ما في أزمة حقيقية، لا يوجد وقت لأي شخص ليقفز ويساعد. الموت يأتي في لحظة. هذه ببساطة هي الطريقة التي يعمل بها العالم.
كان هذا هو السبب الدقيق الذي جعل ما حدث بعد ذلك لا يمكن أن يكون سوى حلم.
اصطدم شيء ما بسحلية “إبري” من الجانب، مما أدى إلى اندفاعها بعيداً.
“هاه؟” لم تستطع أنجي تصديق عينيها. الشيء الذي كان على وشك قتلها، والذي كان ينبغي أن يكون ضخماً وثقيلاً جداً بحيث لا يمكن إرساله وهو يدور في الهواء، كان يطير في اتجاه غريب.
“غرر…” زمجر المخلوق. سال الدم من فمه عندما هبط أخيراً. رفع رأسه، ونظر عبر المكان الذي سقط فيه.
تابعت أنجي نظراته لتجد رجلاً يقف هناك يرتدي رداءً رمادياً كلون الفأر يرفرف مع الريح. وتحته، كان يرتدي درعاً أسود، ويمسك بما بدا أنه أنبوب في يده اليسرى. تمايل شعره البني الفاتح بينما كان يخطو نحو سحلية “إبري”.
“غراااه!” انطلقت سحلية “إبري” نحوه بخفة حركة جعل من الصعب تصديق أنها أصيبت بجروح بليغة في الهجوم. انطبقت أنيابها الضخمة حول الرجل، مغروسة فيه. بدا الأمر كما لو أن المخلوق قد قضم الرجل إلى نصفين، لكن ذلك لم يكن سوى هلوسة من جانب أنجي—فقد كان حياً وبصحة جيدة تماماً. بطريقة ما، تمكن الرجل من إيقاف رأس سحلية “إبري” بيده اليمنى، ممسكاً بأنفها الضخم ومثبتاً إياه في مكانه. رفع يده اليسرى ببطء، موجهاً الأنبوب الغريب نحو رأسها.
“زناد البندقية!” صرخ الرجل.
انطلق شيء ما من الأنبوب الذي كان يمسكه. لم تستطع أنجي تمييز ماهيته، لكنه انطلق بسرعة لا تصدق. في اللحظة التي رمشت فيها، طار رأس سحلية “إبري” بالكامل. كان التأثير أشبه بضربة صاعدة، مما أدى إلى هز رقبتها الطويلة للأعلى، وسقوط جسدها بالكامل.
على الرغم من ضخامة حجمه، كان صوت انهياره هادئًا بشكل غريب. كان من الصعب على أنجي تصديق ما تراه، لكن دماءً حمراء زاهية كانت تتدفق بثبات من عنق المخلوق المقطوع.
“أوه.” أطلق الرجل زفرة ومد يده اليمنى نحو جثة المخلوق. ابتلعتها النيران بعد ثوانٍ، وكانت النار تطقطق وهي تلتهم الزيوت الطبيعية من جسد الوحش. ملأت رائحة اللحم المحترق المكان.
التفت الرجل أخيرًا إلى أنجي. وبدا كخيال وسط النيران، وتحدث إليها بعفوية وكأنه يسأل عن حالة الطقس. “مرحبًا. أنتِ أنجيليك كورينتيل، أليس كذلك؟”
“هاه؟” تفوهت أنجي بذهول، وقد عقدت الدهشة لسانها.
“أم أنكِ فام هايندورا؟”
أدركت أنه يسأل عن اسمها. لكن لسبب ما، لم يستطع لسانها صياغة كلمات للرد، فاكتفت بهز رأسها بسرعة ثم أومأت به في تتابع سريع.
“لقد جئت إلى هنا لإنقاذكِ.”
عندما قال الرجل الذي يرتدي رداءً بلون رمادي فأري ذلك، تسارع نبض قلبها فجأة.
قدم هذا الغريب نفسه باسم روديوس غرايرات. وبينما كانت أنجي تصارع نبضات قلبها المتسارعة، توجه نحو فام وبدأ في علاجها. كان الأمر شبه فوري. لم تستعد وعيها، لكن ساقها التي كانت شبه ممزقة قد أُعيد وصلها، ولم يعد العظم مكسورًا، كما اختفت الكدمات الأرجوانية عن جلدها.
أوضح روديوس أن شخصًا ما طلب منه القدوم لإنقاذهما، لكن
رفض الكشف عن اسم فاعل الخير السري. ومن جانبها، لم تكن لدى أنجي أدنى فكرة عمن يمكنه أن يدفعه للقيام بذلك.
قال: “بغض النظر، أنا سعيد فقط لأنني وصلت في الوقت المناسب. لقد كانت لحظة حرجة.”
“نـ-نعم!”
حمل روديوس فام فاقدة الوعي على ظهره بينما كان يسير عبر الغابة. وفي هذه الأثناء، كانت أنجي تجر سلة مليئة الآن بزهور الإيانت وتملس شعرها باستمرار.
أنا متأكدة أن شعري يبدو كعش طائر، وملابسي مغطاة بالأتربة. ولا شك أن مؤخرتي كذلك. أراهن أن الأوساخ تغطي وجهي أيضًا. يا إلهي، ماذا عليّ أن أفعل؟ انتظر، أعتقد أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هنا هو تصرفي، أليس كذلك؟
في كل مرة كان روديوس يلتفت فيها خلف كتفه نحوها، كانت وجنتاها تتوهجان وتضطر إلى صرف نظرها وهي تتبعه. لحسن الحظ، لم يبدُ عليه أنه يولي اهتمامًا لسلوكها الغريب. بل كان يبقي عينيه مركزتين على الطريق أمامه معظم الوقت، وكأنه يظن أنه من غير اللائق النظر إلى وجهها. لم يقطع الصمت أثناء سيرهما. كان يلتفت إليها بين الحين والآخر، ولكن بشكل نادر جدًا وفقط ليتأكد من أنها لا تزال خلفه. تمنت أنجي لو كان بإمكانها إلقاء نظرة أفضل على وجهه.
يا إلهي… نحن على وشك الوصول إلى القرية. بمجرد وصولنا، سيصبح بطلاً. فقد هزم السحلية، بعد كل شيء، وأنقذ قريتنا. ماذا عليّ أن أفعل؟ إذا حدث ذلك، فلن أتمكن من تبادل كلمة واحدة معه بعد الآن.
أخيرًا، وقعت عيناها على فام، التي كانت لا تزال مسترخية على ظهره. كان ثدياها البارزان يضغطان عليه مباشرة، ولم تستطع أنجي إلا أن تشعر بقليل من الغيرة.
“إيه، أمم، سيد روديوس!” هتفت أنجي.
“نعم، ما الأمر؟” التفت روديوس إليها، وكان تعبير وجهه خاليًا من المشاعر.
“فـ-فام! أ-أعني، أليست فام ثقيلة؟”
“على الإطلاق.”
“لـ-لكن،” تلعثمت، “لقد كنا نسير طوال هذا الوقت. لا بد أنك منهك، أليس كذلك؟!”
“لا. لقد دربت جسدي بما يكفي لكي لا ينهك من شيء كهذا.” وبينما كان يتحدث، شمر عن كمه، مستعرضًا عضلات ذراعه. كان من المستحيل رؤية العضلات تحت درعه الأسود، لكن أنجي كانت معجبة رغم ذلك. إنه يتدرب حقًا!
صفق روديوس بقبضته في كفه المفتوحة وهو يقول: “آه، فهمت. أعتذر لأنني لم أدرك ذلك في وقت أبكر.”
“عذرًا؟”
ما الذي أدركه؟ تساءلت أنجي. حدقت فيه ببلادة، فابتسم لها، وظهر بريق أسنانه اللؤلؤية.
“آنسة أنجيليك، لا بد أنكِ متعبة. هل نأخذ استراحة قصيرة؟”
بالمناسبة، كان بريق أسنانه مجرد هلوسة من جانب أنجي.
بعد صمت طويل، تلعثمت أخيرًا: “أوه، صـ-صحيح، نعم! أنا منهكة. عذرًا، لكن أرجوك اسمح لي بالراحة قليلاً. وأيضًا، لا تتردد في مناداتي بـ… أحم، أعني، من فضلك، نادني أنجي، إذا لم يكن لديك مانع!”
“حسناً، آنسة أنجي. في هذه الحالة، ما رأيكِ هنا؟”
أنزل روديوس فام ببطء إلى الأرض، وأسندها إلى شجرة بينما جلس هو على جذع شجرة قريب. كان هناك جذعان، كلاهما على شكل حرف V، وقد وضع روديوس نفسه بشكل مثالي مراعاةً لها، متأكدًا من وجود مسافة قصيرة تفصل بينهما. ومع ذلك، أدركت أنجي أن هذه فرصتها.
هيا بنا! جلست أنجي عمدًا مباشرة بجانبه.
انتفض روديوس بشكل ملحوظ، وقفزت كتفاه.
هل… أزعجته؟ سرقت أنجي نظرة إلى وجهه. بدا غير مرتاح، لكنه على الأقل لم يبدُ عليه الاشمئزاز بوضوح. كان الأمر أشبه بكونه مرتبكًا. سارعت أنجي باختلاق عذر.
“آسفة، كنت خائفة جدًا، كما تعلم. لـ-لا أزال كذلك، لذا هل تمانع إذا جلست بجانبك؟”
“هاه؟ أوه، بالتأكيد. تفضلي…”
كانت الأمور تسير بسلاسة بينهما، وكانت أنجي تنوي ركوب تلك الموجة إلى أبعد مدى ممكن.
“إحم، أوه، شكرًا جزيلاً لك على ما فعلته،” قالت بصوت خافت ومتردد.
“على الرحب والسعة. هذا جزء من عملي،” أجاب روديوس باقتضاب وهو ينظر إليها من الأعلى. لسبب ما، ظلت عيناه تتنقلان ذهابًا وإيابًا. تابعت أنجي نظراته، ولم تفكر في الأمر كثيرًا حتى لاحظت ملابسها التي علقت بشيء ما في مرحلة ما وتمزقت، مما جعل صدرها مكشوفًا.
شهقت أنجي وحاولت على الفور تغطية نفسها بوضع يديها على صدرها. بصراحة، كانت تنوي رؤية هذا الحلم حتى نهايته المثيرة، مهما كانت بعيدة، وهذا هو السبب الدقيق الذي جعلها تقترب أكثر من روديوس. ابتعد هو على الفور، مما زاد المسافة بينهما. أغلقت أنجي الفجوة مرة أخرى، ليتراجع هو مجددًا. طاردته حتى حُشرت عند حافة الجذع، وضغطت بجسدها ضد ذراعه.
“إمم، سيد روديوس؟” “نـ-نعم، ماذا هناك؟”
ظلت نظرات روديوس تتجول نحو صدرها، مما دفعها لابتلاع ريقها بصعوبة. لم تكن ممتلئة القوام مثل فام، لكنها كانت أكبر من معظم الفتيات في القرية. كثيرًا ما كان العجائز المنحرفون يضايقونها بتعليقات جنسية مثل: “هل غليتِ هذا الدواء في الوادي بين تلك التلال الكبيرة الجميلة التي تملكينها؟” في القرية، كانت تلك أجزاءً من جسدها يسخر منها الناس، لكن في هذه اللحظة، صرخ شيء ما بداخلها بأن الوقت قد حان لاستخدامها كسلاح.
“ربما هو مجرد عمل بالنسبة لك، كما تقول، لكن هذا لا يغير مدى امتناني لأنك أنقذت حياتي،” قالت أنجي.
“حـ-حسناً، على الرحب والسعة.”
“إذا—أعني، هذا بافتراض أنك لا تنوي العودة إلى المنزل فور وصولنا إلى القرية، فـ… من فضلك، توقف عند منزلي. أود أن أجد طريقة لأرد لك الجميل.”
“لا، يجب أن أعود إلى المنزل فورًا. لدي عمل آخر بانتظاري.”
أدى ذلك إلى إحباط آمالها تمامًا، لكن ليس بما يكفي لإقناعها بالاستسلام. ففي النهاية، كانت أنجي في هذا الأمر على المدى الطويل. أرادت مواصلة هذه المغامرة حتى نهايتها الطبيعية، حتى تأخذها رحلتها الطويلة إلى المدينة الأبدية حيث النهايات السعيدة.
“إذن، حسناً، في هذه الحالة، من فضلك… دعني أظهر لك تقديري الآن. ليس لدي شيء لأقدمه، لذا أخشى أن… كل ما يمكنني تقديمه هو جـ-جسدي…” احترق وجه أنجي باللون الأحمر القاني بينما تحركت يداها نحو قميصها الممزق، مستعدة لفتحه بالكامل. كانت نظرات روديوس ملتصقة تمامًا بصدرها بينما بدأت في كشف نفسها، لكنه وقف فجأة.
“إمم… سيد روديوس؟”
“أعتذر، لكنني أعاني من مرض مزمن يهدد بالظهور، لذا أحتاج إلى تناول بعض الدواء.” حتى وهو يتحدث، لم يرفع عينيه عن صدرها.
ومع ذلك، فإن سماع ذكر الدواء أعاد أنجي إلى رشدها. فهي صيدلانية، في نهاية المطاف. وسماع أن الرجل الذي أمامها يعاني من مرض مزمن جعلها ترغب غريزيًا في المساعدة.
“أوه، إمم! إذا كان الدواء هو ما تحتاجه، فأنا صيدلانية. بمجرد عودتنا إلى منزلي، يمكنني تحضير شيء لك،” عرضت عليه.
“لا، لقد أحضرت دوائي معي،” أجاب روديوس، وهو يدخل يده في جيبه. أخرج حزمة صغيرة من القماش الأبيض. راقبت أنجي الأمر، مدفوعة بفضولها لمعرفة ماهية هذا الدواء أكثر من اهتمامها الرومانسي. كان هذا على الأرجح بسبب هوسها الشديد بعملها.
كان روديوس محاربًا قويًا للغاية. كان يرتدي درعًا ويمتلك ما يكفي من العضلات لإيقاف سحلية “إبري” في مسارها، بالإضافة إلى قدرته على استخدام السحر الهجومي. كان بوضوح محاربًا ساحرًا رفيع المستوى. بالإضافة إلى ذلك، استخدم بعض سحر الشفاء عالي المستوى على فام أيضًا. سمعت أنجي أن معظم الناس يتعلمون سحر الشفاء وسحر إزالة السموم معًا، مما يعني أنه من المفترض أن يكون بارعًا في الأخير أيضًا. بطبيعة الحال، كان عليها أن تتساءل عن المرض المزمن الذي قد يصيب أسطورة حية مثله وما هو الدواء الذي يستخدمه لمكافحته. إذا كان شيئًا جديدًا بالنسبة لها، فقد أرادت إلقاء نظرة فاحصة عليه.
“هل هو مقوٍ؟” سألت أنجي.
“نعم، حسناً، شيء من هذا القبيل.” فرد روديوس القماش المطوي. مدت أنجي يدها لتلقي الدواء، لكن لدهشتها، لم يكن هناك شيء. لا حبة دواء، ولا كيس مسحوق. كان القماش فارغًا تمامًا، حرفيًا. فأين هذا الدواء المزعوم؟
لم تملك أنجي وقتًا طويلاً للتساؤل، لأنه عندما نظرت للأعلى، شعرت بالحيرة مما رأته—ملابس داخلية نسائية.
كان روديوس يحمل فجأة ملابس داخلية في يديه—تلك التي بدت وكأنها تنتمي بوضوح لفتاة قاصر، بناءً على حجمها.

ماذا… متى… أين… لماذا يحمل تلك؟
كان الأمر غريبًا. قبل لحظات كان يحمل حزمة من القماش تحتوي على دوائه… لا. كان هذا هو القماش الذي كان يحمله. كانت الملابس الداخلية مطوية ببساطة. هاه؟ ولكن لماذا؟
في حيرة تامة، لم تستطع إلا التحديق. “…ماذا؟”
“أوه…” أطلق روديوس زفيراً طويلاً، متجاهلاً ارتباكها. ثم دفن وجهه في تلك السراويل الداخلية، مستنشقاً بعمق. “هاه، هاه… شم، شم… هاه، هاه.” كان يتنفس بعمق، شهيقاً وزفيراً. غمر وجهه في القماش، واتسعت فتحتا أنفه وهو يستنشق الرائحة. حتى أنه كان يلعقها من حين لآخر، مستمتعاً تماماً بالحزمة الناعمة بين يديه.
ارتجفت أنجي، مصدومة مما كانت تشهده. سرت قشعريرة في عمودها الفقري، لكنها لم تستطع الكلام أو حتى التحرك. جلست هناك متجمدة في مكانها، تراقبه فقط.
“أوه،” زفر أخيراً، بعد أن قضى خمس دقائق كاملة في فعل ذلك. “شكراً لك يا إلهي.” وبينما أنهى كلامه، ضم يديه معاً في صلاة قبل أن يطوي الملابس الداخلية بعناية ويضعها مجدداً في جيبه.
لم تكن أنجي تعرف حتى ماذا تقول، فجلست هناك تفتح فمها وتغلقه مثل سمكة خارج الماء. كان عقلها يكافح لاستيعاب ما يحدث. كان الجو بينهما مثالياً، لكنه فجأة أخرج تلك السراويل وبدأ يشمها كأنه منحرف من نوع ما. لم تفهم الأمر.
تمتم لنفسه: “الملابس الداخلية تكون في أفضل حالاتها بعد ارتدائها، هذا صحيح بالفعل.”
الشيء الوحيد الذي كانت تعرفه بالتأكيد هو أن تصرفاته قد قتلت أي مشاعر انتابتها قبل لحظات، ومعها، الرومانسية الناشئة التي شعرت بها.
سأل روديوس: “حسناً إذن، آنسة أنجي، ماذا كنتِ تقولين؟”
بعد صمت طويل جداً، قالت أخيراً: “لا، لم يكن شيئاً.” لقد انتهى حلمها.
عادت أنجي إلى منزلها على الفور بعد ذلك.
عندما وصلا إلى القرية، أوكل روديوس إليها أمر فام وقال: “ليس لدي أي نية للبقاء في قريتكم على الإطلاق، لذا سأعذر نفسي هنا.”
“نعم. حسناً. شكراً لك… أجل.” أومأت أنجي برأسها بحركات متشنجة، وكان وجهها خالياً من أي تعبير. للأسف، كانت الأحداث الغريبة التي وقعت قبل لحظات لا تزال محفورة بوضوح في ذهنها.
“حسناً إذن، اعتني بنفسك.” استدار روديوس على عقبيه وبدأ بالمغادرة، لكنه توقف وكأنه تذكر شيئاً ما. نظر إليها من فوق كتفه. “أوه، هذا يذكرني. آنسة أنجي، قلتِ إنك ستردين الجميل، أليس كذلك؟”
سرت قشعريرة أخرى في عمودها الفقري. جميل؟ نعم. الآن بعد أن فكرت في الأمر، لقد أنقذ حياتها. إذا كان يريد جسدها، فهي لا تستطيع رفضه حقاً. لم يكن مهماً مدى الاشمئزاز الذي شعرت به تجاهه غريزياً، فهي لم تكن ناكرة للجميل لدرجة أن تقول لا.
“إم، آه… حسناً، أخشى أنني لا أستطيع حقاً إعطاءك ملابسي الداخلية…”
“لا، لا أحتاج إلى ملابسك الداخلية. هناك شيء أريدك أن تفعلي لي.”
“ش-شيء تريدني أن أفعله؟”
يا لللعنة. كانت تعلم أنه سيطلب منها القيام بشيء منحط تماماً. تلاشى اللون من وجهها بينما كانت تستعد ذهنياً لذلك.
رأى روديوس رد فعلها وحك مؤخرة رأسه. تمتم وهو يسحب شيئاً من حقيبة ظهره: “أظن أنه من الطبيعي أن تشمئز.” مد يده بكتاب مصور وتمثال صغير. “آنسة أنجي، إذا رزقتِ بطفل يوماً ما، أود منكِ أن تقرئي له هذا الكتاب المصور. أخبريهم أن عرق السوبيرد ليسوا مجموعة من الشياطين.”
“هاه؟ سوبير-ماذا؟ عن ماذا تتحدث؟”
“عرق السوبيرد.”
رددت أنجي كلماته: “عرق السوبيرد…” كانت مذهولة تماماً بهذا الطلب غير المتوقع. كانت عيناها واسعتين كالفناجين.
“يوجد مسرد في نهاية الكتاب للمساعدة في تعلم كيفية قراءة
الحروف، لذا يمكنك استخدامه كجزء من تعليم طفلك أيضاً. آمل حقاً أن تشاركي هذا معهم.”
ثم غادر، تاركاً أنجي واقفة هناك مذهولة، وفي يديها كتاب مصور وتمثال بشعر أخضر. مجرد النظر إلى شبه عرق السوبيرد كان مرعباً. كان التمثال نفسه معقداً بشكل مخيف، والألوان المرسومة عليه جعلته يبدو واقعياً لدرجة أنها تساءلت عما إذا كان قد ينبض بالحياة فجأة. كان هذا التمثال الصغير نسخة مثالية لشيطان مرعب. شعرت برغبة في التخلص منه على الفور، لكنها تذكرت أن روديوس أنقذ حياتها، فكبحَت نفسها.
“إم…”
عرق السوبيرد، هاه؟ لم تقابل أياً منهم من قبل، لكنها سمعت عنهم. كانوا مجموعة من الناس يشار إليهم غالباً بالشياطين. عندما كانت أصغر سناً، كان والداها يحذرانها دائماً من أنه إذا فعلت أي شيء سيء، فإن السوبيرد سيأتون لاختطافها والتهامها. ومع ذلك، كان روديوس يحاول نشر قصة مفادها أنهم ليسوا أشخاصاً فظيعين بعد كل شيء.
لماذا قد يفعل شيئاً كهذا؟
عاجزة عن فك رموز دوافعه، لم تكن أنجي متأكدة تماماً مما يجب عليها فعله. ضغطت بإصبعها على رأس التمثال.
“آه!” شهقت عندما سقط الشعر. الآن كل ما تبقى هو ما بدا وكأنه محارب أصلع يحمل رمحاً، محتضناً بأمان في يدها. “بفف.” انفجرت أنجي ضاحكة. لم تكن لا تزال تعرف ما الذي يجب أن تفكر فيه حيال هذا، لكن منقذها طلب منها طلباً كانت تنوي احترامه.
بعد ذلك ببضع سنوات، تقدم دوتشيل — الذي عالجته ايشا بجرعتها — لخطبتها، وأصبحت الزوجة الثانية لزعيم قريتهم الجديد. كان رجلاً مجتهداً، لكنه كان مملاً إلى حد ما. الميزة الوحيدة هي أنه لم يكن منحرفاً. كانت ايشا ممتنة لذلك على الأقل. عندما وُلد طفلها، فعلت ما طُلب منها وقرأت له الكتاب المصور بينما كانت تربيه.
في نهاية المطاف، أصبحت قصة ذلك الكتاب المصور منتشرة في جميع أنحاء القرية. وبدأت المنطقة المجاورة تعترف بـ السوبيرد كعشيرة من محاربي العدالة الصلع. ومع ذلك، فهذه قصة لوقت آخر.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.