كان الدكتور سول يمسك بجهاز التحكم بينما سعل وأقبل.
”الطوائف.. ، لها…”
سعل.. سعل.. سعل.
أمسك صدره بينما يسعل، ورفع إصبعه بينما كان رأسه منحنيًا للأسفل.
”أعتذر”.
”بين”.
”نعم دكتور”.
”أعطني شرحاً مبسطاً للطوائف”.
”الطائفة الدينية هي مجموعة فرعية تنتمي إلى دين أكبر، وتمتلك هوية أو تقاليد أو ممارسات مستقلة، أو تختلف في بعض التفاصيل العقدية والفقهية عن باقي مكونات الدين نفسه”.
”نعم”.
شدّ الدكتور قبضته بحماس.
ضغط على جهاز التحكم وعرض مجموعة صور، وقال بصوت هادئ:
سيكولوجية الجماهير (جوستاف لوبون): في كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير”، يوضح المفكر الفرنسي أن الفرد عندما يندمج داخل حشد كبير، يفقد استقلاليته وقدرته على التفكير المنطقي، ويحل محله الاندفاع العاطفي، والانقياد الأعمى، وقابلية التصديق المطلق للشائعات أو الشعارات.
تأثير القطيع: ميل الأفراد إلى تبني الآراء والسلوكيات لمجرد أن “الجميع يفعلون ذلك” أو لأنها تبدو سائدة، خوفاً من العزل الاجتماعي.
”هل منكم من يجيب أيضاً؟ أو هل يرى أي منكم شيئاً مشابهاً في عصرنا هذا؟”.
أجبت:
”هذا ينطبق على جماعة الدين الأخضر”.
وصفق بحرارة:
”جميل”.
حدقتُ في جموع الطلاب؛ وكأن الدبوس قد يحدث ضجة إذا وقع.
كان الدكتور سول شخصية مهتمة بعلم نفس الطوائف، وخصوصاً الدين الأخضر. كنت قد قرأت عن بحث نشره كان بعنوان ”لطف الدين الأخضر”…
بعد ساعة تقريباً، خرج الدكتور سول يجري، مع يده على فمه وبعض الدماء.
وهكذا انتهت محاضرة علم نفس الطوائف بشكل عام، وحصلت على تقدير فيها.
كان ضجيج استخدام الهواتف يتداخل مع ضحكات مجموعة الحمقى والعشاق الذين كانوا لا ينفصلون.
(بعد أسبوعين سأكون حراً).
اهتز هاتفي في جيببي مع صوت جرس.
رفعت الهاتف وكانت رسالة من خطيبتي:
”هل تريد زهور الوركيد للزينة؟”
”حسناً أياً كان.. هل استلم منسق الطعام قائمة الضيوف؟”
لم تمضِ لحظة حتى ردت:
”نعم فعلت. أياً كان ليس جواباً، هل الوركيد جيدة؟”
”لا أعرف شكلها ربما”.
”ألن تدعو المزيد؟”
”عمي فقط”.
”ماذا عن.. لا أعرف، باقي العائلة؟”
”كم كان سعر الطبق من جديد؟”
أرسلت لها:
”لا تتجنب سؤالي. وأيضاً، للطبق سبعون دولاراً”.
(٧٠ دولاراً للطبق! بماذا كان عمي يفكر؟)
خرجت من المحادثة، ودخلت محادثة عمي:
”عمي.. ٧٠ للطبق الواحد وبعض الإزعاج حول الوركيد”.
بينما كان العم يلهو في مكان ما، بدأت محاضرة الدكتورة روزماري. كانت التجاعيد في وجهها تشبه حبات الملح لا تعد، بل كانت تشبه الزبيب الذابل، والأكثر من ذلك أنها كانت والدة مدير الجامعة.
بإصبعها المرتعشة، حاولت مسك نظارتها حول رقبتها بعد أن حدقت في الأوراق التي بيدها.
”سواي..”
نادت بصوت عالٍ:
”أين أنت؟”
جاء همس من مجموعة الفتيات على المدرج في اليسار، يليه ضحك ساخر.
”بين.. أين ذلك الوغد؟”
وجهت سؤالها لي وكأني ذبابة.
”كان قد قضى ليلة صعبة وربما هو متعب الآن”.
كنت قد أغلقت الحاسوب، وأخذت مجموعة الكتب.
نزلت الدرج ببطء؛ كان إسقاط أي شيء يبدو فكرة سيئة، مع نفس عميق يليه زفير.
(أتساءل.. هل سيارتي جاهزة؟)
كنت قد أرسلتها من أجل تغيير الزيت.
”معلم…”
أتى سعل خفيف ومستمر.
”بين…”.
”كيف تشعر بروفيسور؟”
لوح وكأنه يطرد ذبابة:
”مجرد التقدم في العمر لا يعني بالضرورة الموت”.
سعل وحاول أن يكتمه، ولكن صدره بدا وكأنه ينتفخ بشدة.
”نسيت…..”
سعل.
”تهانينا على خطوبتك”.
شعرت بابتسامة على وجهي:
”شكراً. ولكن لماذا تخبرني الآن؟”
”آها”.
رفع إصبعه وكأنه اكتشف شيئاً:
”حسناً، هناك منصب شاغر كبروفيسور، ولا أجد غيرك، حتى أن لديك الكثير من البحوث حول الدين الأخضر، وأيضاً لديك توصية مني”.
(أنا بروفيسور!)
لم أكد أصدق، ولكن النظرة الضعيفة على وجه البروفيسور سول كانت صادقة.
”ولکن ماذا عن الخبرة والمعايير؟”.
سعل.. سعل.
”لا تقلق، لا أحد مهتم بدراسة الدين الأخضر، ولكن حينما تضرب جماعة الدين الأخضر، نصبح مركز الاهتمام.. لذلك كن مساعدي بعدها…”
سعل.. سعل.. كان ظهر سول منحنياً، ويده اليسرى تخدش الجدار والأخرى تغطي فمه.
”لنذهب للمكتب…”
لوح مقاطعاً: ”لا، خذني للعيادة”.
بعد أن وضعت يد البروفيسور سول على كفي، كان جره على طول الطريق للعيادة سهلاً نسبياً.
كان الممرض الذي أخذه مشوه الوجه حينما رأى سول.
ببطء أخذ البروفيسور، بينما كنت في الخارج.
”فكر في الأمر”.. قال بصوت مهزوز.
(بروفيسور بين).
كان الاسم جيد النطق. بينما أنزل الدرج ببطء، كان الطلاب الجدد يتدفقون مثل النمل هنا وهناك.
كانت فتاة تجري حاملة معها مجموعة كتب، حيث وقعت بجانبي.
(آآآه جميل، جميل.. أين الخبز المحمص في فمها؟)
كانت لا تزال تتلوى بشكل درامي حيث أعطيتها أقرب كتاب.
”شكراً”.. قالت بصوت رقيق.
أومأت.
(لا تتحدث معها.. لا، لا، لا).
مدت يدها محاولة أن تنهض، وبينما أستدير، قالت:
”أنا آشلّي”.
ما هذا بحق الجحيم؟ لماذا تخبرني باسمها؟
حدقت في يدها التي مدّتها كي تصافحني.
(نعم، وكأنني تنقصني مشكلة أخرى).
حدقت في معصمي الذي كان فارغاً:
”أوه، أنا بين.. تشرفت. أنا متأخر”.
بخطوات سريعة ذهبت للخارج.
كان عمي قد أعطاني تعليمات محددة؛ كان الزواج مرتباً بيني وبين ابنة خطيبتي، وأنا مجرد زيادة أسهم وبعض الأمور التي خطط لها عمي كي أحصل على عمل في شركة مرموقة.. شيء يحافظ على كرامتي.
(الدخول في علاقة وأنت مخطوب من عائلة من الطبقة العالية إهانة لهم).
(كان يبصق الهراء نفسه في كل مرة يتحدث بها عن هذا الموضوع).
”بين..”
جاء صوت شبه ضعيف ولكن حاد.
كانت روزماري.. التي تقترب بساقيها اللتين تكادان تكسران من شدة ضعفها.
”بين، لم يأتِ حتى الآن؟”.
ابتسمتُ مع تقارب حاجباي:
”كما قلت، كان متعباً وربما لذلك لم يأتِ”.
”بعد نصف ساعة سأأتي وأطمئن عليه، لدينا مشروع بحث طويل، أخبره فقط قبل أن آتي”.
مدت يدها وقرصت خدي وكأني حفيدها؛ حسناً، حتى ابنة مدير الجامعة تتعرض لما هو أسوأ.
”مهلاً!!”
قال صوت خشن؛ التفتُ وكان رئيس الشرطة الذي اقترب.
”هي أنت، هل تغازل أمي؟”
ضربت رأسه بخفة.
”هل أنت أحمق؟ سوف يتزوج هذا الشاب الجميل بعد أقل من شهر”.
”آآه، مبروك صديقي”.
”على كل حال، أبلغ ذلك الأحمق بسرعة”.
كان هناك تشويش في جهاز الإرسال الخاص به، فاستأذن ورحل، وكذلك أنا أيضاً…
……
فقط نصف ساعة كنت أستحم فيها بعد يوم شاق، والآن لدينا جثة!
حدقت في سواي الذي اقترب من جثة العجوز روزماري.
كان الهواء الثقيل حاداً؛ ارتجف سواي حينما لمس رقبتها لكي يبحث عن نبض. للحظة، لم يُسمع سوى صوت البلع من الفتاة التي كانت تحدق من فوق الأريكة.
كانت جثتها تبرد الآن، بعد لحظات من استحمامي إثر يوم شاق.
حينما خرجت، كان سواي والفتاة غارقين في المث، والدكتورة روزماري تتعفن على الأرضية المتسخة.
”سوف أتصل بالإسعاف”… التفتُ له.
”وتقول ماذا هكذا؟”
ارتجفت زوايا فمها:
”أنا أعني.. هكذا ماتت و…”
قالت وعيناها تدمع:
”ربما ماتت منذ نصف ساعة”.
قال سواي:
”ليست مشكلة لكي نتصل بالإسعاف”.
نعم، كانت فكرة جيدة، لو لم يكن ابنها رئيس الشرطة!
”لا نستطيع.. ماذا سوف يحدث إذا…”
قاطعني سواي:
”إذاً ماذا؟”
وقالت الفتاة أيضاً:
”نعم، ليس وكأننا من قتلناها، كنا ننتشي حينما ماتت، صحيح؟”
نهضت ووقفت بجانب سواي تحضن ذراعه.
حينما أخذت نفساً عميقاً وقلت:
”نعم، هذا صحيح، ولكن فقط إذا كانت هذه العجوز ليس ابنها رئيس الشرطة.. نسيت اسمه! سأموت وأنتم أيضاً قبل أن تُوجّه التهم إلينا، لذلك لا”.
هذا إلى جانب أنه إذا تم القبض عليّ، فسأعرض عمي للمشاكل وقد يتأثر زفافي الهش.
وضع سواي يده على ذقنه، وبدا وكأنه يكافح جدياً.
”هل لي بكلمة وحدنا يا سواي؟”
قلت بينما حدقت بي الفتاة.
هز رأسه:
”لا، قل أي شيء أمامه؛ لن يغير شيئاً في أن ربع طن من اللحم الميت يتعفن هنا”.
كان صوته حاداً ويهدد، وعيناه تتقدّان ناراً.
”حسناً، نحن في أول أربع وعشرين ساعة، علينا أن نثبت حجة غياب، ونتصرف معها”.
حدق سواي في الجثة وكذلك الفتاة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.