الفصل الخامس: النمو وآفاق جديدة
كان الأمر كما لو أنني رمشت بعيني فمر عام كامل. اليوم هو حفل التخرج. حفل تخرج جامعة رانوّا للسحر.
حفل تخرجي أنا.
اليوم، ارتديت زيي القديم الذي نادرًا ما أرتديه وانضممت إلى الموكب الذي طالما شاهدته من على الهامش بصفتي عضوًا في مجلس الطلبة. هذه المرة، كنت أحد الخريجين. بدا حفل تخرج زانوبا وكليف وكأنه حدث بالأمس فقط.
استمعت إلى خطاب المدير بينما كنت محاطًا بزملاء لم أتعرف عليهم. لم يتغير الخطاب، مع ذلك. لقد سمعته بضع مرات من قبل. ربما يقرأ من نفس النص كل عام. حقيقة عدم وجود أحد هنا سوى الخريجين تعني أنه يستطيع اختصار الأمور، لكنني لم أكن منبهرًا بذلك تمامًا.
ربما حقيقة أنني لم أكن أحضر إلى المدرسة على الإطلاق جعلتني أشعر بقلة الارتباط بالحفل. بالكاد حضرت أي دروس، وبحلول النهاية، لم أكن أحضر حتى إلى الفصل الدراسي. مجرد اسم في سجل الحضور. صحيح أن بحثي في نظرية الإلقاء الصامت والتقرير الذي قدمته حول طرق التدريب عليها قد منحني عضوية من الرتبة C في نقابة السحرة، ولكن، حسنًا…
الأوراق البحثية والرتب وما شابه ذلك جافة قليلًا، أليس كذلك؟ لم أكن لأذرف الدموع بسببها.
آه، حسنًا. هذه الأوقات مخصصة للحنين على أي حال، وكان لدي الكثير منه. لم شملي مع سيلفي، وصداقاتي مع زانوبا وكليف، والتحرش الجنسي الذي كانت تمارسه لينيا وبورسينا علي في كل منعطف، وأحاديثي مع ناناهوشي حول ذكرياتنا عن اليابان، والوقت الذي قضيته في تبادل المشروبات والضحكات مع باديغادي…
ها أنا ذا، على وشك توديع المكان الذي حدث فيه كل ذلك. عندها بدأت الدموع تنهمر.
أوه. هذه هي تلك “المشاعر” التي سمعت عنها كثيرًا، أليس كذلك؟ أجل. تلك الذكريات المؤثرة هي ما يهم حقًا.
***
دعونا نراجع الموقف.
خلال العام الماضي، انتهيت من مد جذوري في منطقة أسورا. بقيت في مملكة أسورا لبضعة أشهر وأسست فرع فرقة المرتزقة، وفرع متجر زانوبا، والورشة التي ستصنع منتجات المتجر.
كان هذا بفضل تأثير أرييل. لم يكن من الصعب كسبها إلى صفي؛ فعندما سألتها عما إذا كانت ستتعاون مع أورستيد، أعطتني ردًا مطمئنًا: “كنت أخطط لذلك منذ البداية”. حتى أنها جمعت أفراد فصيلها وأقامت حفلة من أجل قضيتي. تم تقديم الأمر كفرصة لهم للتواصل معي—أو بالأحرى، مع عضو القوى السبع، “إله التنين” الذي أمثل مصالحه. كانوا جميعًا جزءًا من فصيل أرييل، لذا استمعوا إليها. لكن روابط الفصائل لها حدودها. إذا كنت تريد معرفة ما الذي يدفعهم للنهوض من الفراش في الصباح، فقد كانوا يدعمون أرييل ويأملون أن تتذكرهم عندما يحين وقت توزيع المناصب. بصراحة، كان معظمهم من التابعين لأرييل.
ومع ذلك، كان هناك قلة بينهم ممن لم يكونوا عديمي الفائدة تمامًا. كانت إحداهم إمبراطورة الماء إيزولدي. وأخرى كانت ملكة السيف نينا، على الرغم من أنني ما زلت لا أعرف أي صدفة قادتها إلى تلك القاعة… على أية حال، كان من الرائع رؤية الوجوه الحالية لأسلوب إله الماء وأسلوب إله السيف متقبلين جدًا للتعاون مع أورستيد.
عندما ذكرت هذا لإيريس، أعلنت أنها ستتولى مهمة كسب نينا وانطلقت مسرعة. كيف سارت الأمور كان لغزًا. بدا الأمر وكأن الثلاثة يتسكعون في جميع أنحاء المدينة كأصدقاء المدرسة، لكنني لم أسأل إيريس عن النتائج. لم أكن أعلق آمالًا كبيرة، ولكن إذا تمكنت هذه النينا من اكتساب الثقة بي من خلال ثقتها في إيريس، فسيساعد ذلك كثيرًا.
لقد جعلت الكثير من الناس يوقعون على الانضمام، لكنني كنت أقل نجاحًا في جعلهم يفهمون ما يوافقون عليه. كانت الأمور المتعلقة ببعث لابلاس بعد ثمانين عامًا تدخل من أذن وتخرج من الأخرى. لكن أرييل كانت قائدة بالفطرة، وكانوا جميعًا يتبعونها مثل قطيع من الكلاب المقيدة. لا داعي للقلق بشأن ذلك. تم تفويض عملي في أسورا الآن، ويمكنني إخراجه من تفكيري.
عندما أخبرت أرييل أن إيريس أنجبت صبيًا، مما يجعله طفلي الثالث، كانت مسرورة جدًا. ثم نظرت إليّ بنظرة شيطانية وقالت:
“هذا يعطيني فكرة. لماذا لا تجعل أحد أطفالك يتزوج من طفل من نبلاء أسورا؟ أعتقد أن ذلك سيمنح شراكتنا أساسًا أقوى بكثير…”
راودني شعور بأنها كانت جادة. “أنتِ تمزحين”، كان هذا ردي التلقائي المعارض. ولكن ربما لم تكن فكرة إنجاب بضعة أطفال وتزويجهم لترسيخ التحالفات مع السلطات اللازمة أسوأ فكرة ممكنة؟ بالنسبة لأشخاص أقل شجاعة من أرييل، قد تخفف الروابط العائلية من حدة الترهيب الذي يفرضه أورستيد الغامض وأنا، مبشره الصغير المريب.
لو تزوج أحد أطفالي بقريب لأرييل، لشعرت بالارتياح لمعرفتي أنهم سيكونون في أيدٍ أمينة. فأنا أحب أطفالي بشدة، بعد كل شيء. ليس أنني كنت أفكر بجدية في زواج مدبر لأي منهم. أعني، ما لم تكن إحدى بناتي مصرة تماماً على أن تصبح أميرة أو تتزوج أميراً. حينها بالتأكيد، سنتحدث في الأمر.
على أية حال. بعيداً عن الزيجات وكل ذلك، وبدون مبالغة، كنت أمسك بمنطقة أسورا بأكملها في راحة يدي. كان لدي النبلاء بقيادة أرييل. وكان لدي مدرسة
إله الماء. ومع قليل من الحظ، سأحصل على سكان معبد السيف المقدس قريباً. كان التقدم في المصنع والمتجر الخاص بحزم تماثيل رويجيرد وكتب الصور يسير على قدم وساق. ومن خلال إشراك فرقة المرتزقة (للتوزيع)، سأتمكن من نشر تماثيل رويجيرد في معظم أنحاء القارة الوسطى.
كان الأمر مثالياً. إذا تمكنت من تحقيق ذلك، فسنسمع أخباراً من رويجيرد في أقرب وقت ممكن.
في الوقت الحالي، كنت أستعد للانتقال إلى مملكة تنين الملك واستخدام علاقاتي مع إله الموت راندولف لبناء شبكة اتصالات هناك. لن يكون لدي أي لاعبين كبار مثل أرييل إلى جانبي، لذا كان من المؤكد أن الأمر سيكون تحدياً. كنت أتوقع جهداً يستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات كحد أدنى، رغم أنه قد يستغرق أكثر من ذلك بكثير.
كانت مملكة أسورا بمثابة مرحلة تعليمية. وهنا بدأ العمل الحقيقي.
دعونا نراجع أبحاثنا، ونحن في هذا الصدد.
أولاً، زانوبا. إن إدارة افتتاح المتجر وعمليات مبيعاته أبقته مشغولاً طوال العام الماضي، لذا فقد ترك أبحاثه تتراجع. أمر مفهوم تماماً. شهد العام الماضي افتتاحاً متزامناً للمتاجر في شاريا وأسورا. كان لا بد من التضحية بشيء ما نظراً لانشغاله الشديد. ولكن بفضل الدعم الممتاز من جينجر، المديرة التي تم توظيفها من فرقة المرتزقة، والعقول المالية التي ساهمت بها أرييل، كانت المتاجر نفسها تعمل بسلاسة.
لم تكن حزم التماثيل وكتب الصور تباع بسرعة البرق، لكنها حققت تجارة معقولة. كانت الضربة الحقيقية للحزمة هي ورقة عمل ممارسة القراءة والكتابة في نهاية الكتاب. شعرت ببعض الانزعاج لأن شيئاً أضفته كفكرة لاحقة كان هو المنتج النجم، لكن يجب أن أبتلع كبريائي وأقبل النصر. حسناً، لا يهم—مع وجود أرييل كراعية، لم يكن المتجر في خطر الإغلاق في أي وقت قريب. كل ما كان عليهم فعله هو أخذ الأمور ببطء وثبات.
التالي: كليف. لقد أمضى العام الماضي مكرساً نفسه بالكامل لعائلته وأبحاثه—البحث في رفع اللعنات عن إليناليس وأورستيد. للأسف، لم تكن هناك اختراقات ثورية. كان الأمر يواجه بعض العقبات الكبيرة.
لقد نجح في تعزيز تأثيرات الأدوات السحرية، لكن العلاج الكامل كان دائماً بعيد المنال. ومع ذلك، بفضل هذا العمل، ستتمكن إليناليس من البقاء لأكثر من عام دون أي صيانة. أما ما إذا كانت قدرتها على ضبط النفس ستتمكن من فعل الشيء نفسه، فهذه قصة أخرى.
إذاً، ماذا عن التحقق من تقدمي؟ لحسن الحظ، أنا أنجز الأمور.
بينما كنت أتنقل ذهاباً وإياباً بين مملكة أسورا ومدينة السحر شاريا، فكرت في كيفية استدعاء الدرع السحري. حتى أنني سألت بيروجيوس عما إذا كان يعرف أي طرق، وطلبت المشورة من ناناهوشي.
في بحثي، لاحظت قانوناً يعمل السحر تحته—أعني دوائر الانتقال الآني ثنائية الاتجاه. انظر، في اللحظة التي يحدث فيها الانتقال الآني، يتم تبديل أي شيء موجود فوق الدوائر. سيتم إرسال جسم ما على دائرة الانتقال الآني (أ) إلى الدائرة (ب)، وفي الوقت نفسه، يتم إرسال أي جسم على الدائرة (ب) إلى الدائرة (أ). حقيقة أن توقيت التنشيط يحدث عند وضع شيء ما فوق الدائرة جعلت هذا القانون صعب الملاحظة قليلاً، ولكن بعد أن فكرت في الأمر، فإن هذا النوع من “التبادل المتكافئ” هو أمر قياسي لهذا النوع من الفنون.
على أية حال، كانت تلك لحظة اكتشاف، وأطلقت شرارة تقنيتي الجديدة والثورية: سأأخذ الدرع السحري وأضعه على دائرة انتقال آني ثنائية الاتجاه مسبقاً. ثم سأحمل معي لفافة تحتوي على دائرة انتقال آني غير مستخدمة. عندما تحين لحظة الأزمة، يمكنني فتح اللفافة وتنشيط دائرة الانتقال الآني. بوم! ها أنت ذا، هل رأيتم ذلك يا سيداتي وسادتي! الدرع السحري الذي أعددته مسبقاً سيقفز من موقعه المعد مسبقاً وينتقل آنياً إليّ في اللحظة التي أحتاجه فيها.
سارعت إلى قبو المكتب لإعداد الدرع السحري واختبار هذه الفكرة، وقد نجحت بشكل رائع. جعل هذا من الممكن استدعاء الدرع السحري الإصدار الأول من أي مكان في العالم. كما تعلمون، مثل شيء “انهض، غان*ام!”.
بضع عقبات: سأضطر إلى حمل هذه اللفافة الضخمة معي، ووزن الدرع السحري مزق اللفافة إلى قطع بعد الاستدعاء. ستحصل على استدعاء واحد لكل لفافة، هذا كل شيء. لا تتمنَّ المزيد من الأمنيات.
لكن، لو كان لدي لفافتان مرتبطتان ببعضهما البعض، فيمكنهما العمل كأدوات انتقال آني للهروب في حالات الطوارئ. كان لهذا البحث الكثير من التطبيقات العملية.
ثم كان هناك أورستيد. لقد قدم لي مساعدة كبيرة حقًا هنا. لم يصنع هاتفًا بالضبط، بل لوحًا حجريًا للتواصل. على ما يبدو، تم بناؤه بنفس آلية نصب إله التقنية المخصصة للقوى السبع العظمى. كانت طريقة عمله تعتمد على أن أي شيء يُكتب على اللوح الرئيسي ينعكس على الألواح الفرعية. إذا كان لدى كل منا لوح رئيسي وآخر فرعي، فيمكننا التواصل مع بعضنا البعض عبر النصوص وقتما نشاء. ولكن نظرًا لثقل وزنهما وحجمهما الضخم، كان التنقل بهما يمثل تحديًا. كما أنهما يستهلكان كمية كبيرة من المانا، لذا كان هذا الجهاز أشبه بقطعة ثابتة في القاعدة الرئيسية بدلاً من كونه جهازًا محمولًا.
ببساطة، كشك هاتف، وليس هاتفًا محمولًا.
في الوقت الحالي، قمنا بتركيب الزوج الأول في مكتب أورستيد وغرفة أرييل. كنت أتخيل أرييل وهي تجثو أمام الألواح المتوهجة كل ليلة وتقول شيئًا مثل: “اطمئن يا مولاي، سأهزم هؤلاء الحراس اللعينين”. على أي حال، هكذا سارت الأمور في البحث تقريبًا. قد يكون من الجيد أيضًا تقديم تحديث عن الأطفال بينما أنا في هذا الصدد.
أولاً، لوسي. بلغت ابنتي الكبرى الخامسة من عمرها. أقيمت حفلة عيد ميلادها الشهر الماضي، حيث حصلت على هدايا من الجميع في العائلة وكانت فخورة جدًا بنفسها. كانت تكبر لتصبح فتاة صغيرة تتمتع بصحة جيدة. كنت أقسم أنها تعثرت في خطواتها الأولى وتمتمت بكلماتها الأولى بالأمس فقط، لكن الآن، أصبحت قدماها ثابتتين على الأرض. ورغم أنها لا تزال تتلعثم، فقد تعلمت تشكيل الكلمات بوضوح. كانت كلماتها المفضلة هي “كلا!” و”لكن!”.
بالإضافة إلى ذلك، تعلمت كيفية إلقاء السحر من المستوى المبتدئ من خلال الدروس الإضافية التي قدمتها سيلفي وروكسي. كانت تقضي أيامها في ممارسة السحر في الصباح وتلويح العصا مع إيريس في فترة بعد الظهر. كان الأمر أشبه بمشاهدة طفولتي الخاصة. قد يبدو الجدول الزمني طبيعيًا بالنسبة للوسي نفسها، لكن بالنسبة لمراقب خارجي، كان يبدو قاسيًا مثل تدريبات الجيش الإسبرطي. ولهذا السبب لم أستطع منع نفسي من تدليلها كلما سنحت لي الفرصة، وهو ما قد يفسر سبب بدئها بالصراخ “بابا!” والقفز بحماس عند رؤيتي. لطيفة للغاية.
يبدو أن حفلة عيد ميلادها الخامس المميزة قد أثارت فيها وعيًا جديدًا بمسؤوليات الأخت الكبرى. بدأت تهتم بـ لارا و أروس. كما ترسخ في ذهنها أن رفيق لارا المخلص، ليو، هو أيضًا نوع من الأخ الأصغر، لذا فهي و لارا تغمرانه بالكثير من المداعبات. في ذلك اليوم فقط، كانت تمشط فراءه الأبيض.
كان مشهدًا يثلج الصدر حقًا… حتى اكتشفنا لاحقًا أنها كانت تستخدم فرشاة سيلفي للقيام بذلك. سرقة فرشاة والدتها وتغطيتها بشعر الكلب جعلت سيلفي غاضبة للغاية.
“لكن، ماما و ليو لديهما شعر أبيض!” كان هذا عذر لوسي. ابتسمت. الأطفال يقولون أغرب الأشياء! لكن ذلك جعل سيلفي غاضبة جدًا مني لدرجة أنها قاطعتني ليوم كامل. لم تسامحني إلا لأن لوسي وجدت طريقة لإنقاذي.
“سأستخدم فرشاة بابا في المرة القادمة، لذا لا تغضبي منه، حسنًا؟”
كانت تلك طريقتها في الدفاع عني. كلفني الأمر فرشاة في النهاية، لكنه كان ثمنًا يسعدني دفعه. الفرشاة الوحيدة التي يحتاجها الرجل الحقيقي هي أصابعه.
بالانتقال إلى لارا. كانت منقذتنا المستقبلية ذات العامين ثابتة الملامح ولا تتزعزع كعادتها. لكن هذا بالتأكيد لا يعني أنها كانت بطيئة؛ الآن بعد أن أصبحت قادرة على الركض على قدميها، كانت في كل مكان وتتدخل في كل شيء. لم تكن تتعلق بأحد وتتبع فقط أهواء فضولها. لقد ورثت ذلك من أمها. أنا لم أفعل ذلك.
كنت قلقًا من أن أرفع عيني عنها ولو للحظة، لكن ربما كنت أقلق أكثر من اللازم؛ فكلب الحراسة الخاص بها ليو كان موجودًا دائمًا لحمايتها من التعرض للأذى. إذا كانت في مغامرة ما واحتاجت إلى النوم في منتصفها، فإن ليو كان يلتف حولها ليبقيها آمنة.
ومع ذلك، بدا أن لارا ترى ليو أشبه بخادم. كانت طريقتها المفضلة في التنقل هذه الأيام هي التسلق على ظهر ليو، والتمسك به، وركوب جوادها إلى أراضٍ بعيدة. كانت هناك حتى مرة أخذت فيها إيريس ليو في نزهة، ولاحظت أنه يرتدي نوعًا من حقائب الظهر، واكتشفت أن لارا قد حشرت نفسها بداخلها. كان من المفترض أن يخفف ليو من مخاوفنا، لكن الأطفال لديهم طرقهم الخاصة لابتكار مخاوف جديدة.
لم أكن متأكدًا من السبب بالضبط، لكن لارا أصبحت معجبة بـ زينيث. كانت تجلس كثيرًا في حضن زينيث وتنظر إلى وجهها. إذا تجاهلت الصمت، فقد تخطئ وتظن أنه مشهد مؤثر لحفيدة تتواصل مع جدتها.
كان الأخير هو أروس. ابني الأكبر، الذي يبلغ الآن عاماً واحداً، ورث عني حبي للصدور. كان يحبها كبيرة كانت أم صغيرة. بالطبع، كان يحب صدر والدته إيريس. لكنه كان يحب أيضاً الصدور المسطحة تماماً لسيلفي وروكسي، وصولاً إلى تلك المكتنزة للغاية لدى لينيا وبورسينا. كانت ترتسم على وجهه ابتسامة من النعيم الخالص والرضا كلما احتُضن بين زوج من الثديين. إنه ذواق على شاكلتي؛ محب للصدور بجميع أنواعها. ومع ذلك، كان يرتسم على وجهه نفس الابتسامة السعيدة كلما تبول على نفسه. لذا، آمل أنني أبالغ في تحليل الأمر. أنا قلق قليلاً بشأن مستقبلك يا صديقي الصغير.
بالمناسبة، كلما حاولت حمله، كان ينفجر بالبكاء. حتى عندما يكون غارقاً في النوم، كان يتململ بمجرد أن تحيط به ذراعاي، وعندما يفتح عينيه، كان يبكي وكأنني كابوسه الذي تجسد في الواقع. كان لديه نفور شديد من صدور الرجال. جعلني ذلك أرغب في البكاء أنا أيضاً… حسناً، لم أستطع لومه بما أنني لم أكن موجوداً عند ولادته، لكنه لا يزال يشعرني بالرفض.
بين حبه للصدور ونفوره من أي شخص لا يملكها، كنت قلقاً من أن يبدأ في التحرش بالنساء قريباً. أن يمسكهن دون قيود. عندما يكبر قليلاً، سأحتاج إلى الجلوس معه وتعليمه أن يكون أفضل. بالتأكيد.
على أي حال، هذا هو تقرير الصغير. لو كان عليّ كتابة عنوان فوق تقرير ملخص هذا العام، لأسميته عاماً مثمراً. وفي أسفل بطاقة التقرير، سأختم ملاحظاتي بشيء مثل: “استمر في العمل الجيد العام المقبل”.
***
بحلول الوقت الذي انتهيت فيه من التفكير في عامي الماضي، كان حفل التخرج قد انتهى. لم أكن الطالب المتفوق؛ لم يكن ذلك مفاجئاً. لم يكونوا ليمنحوا ذلك اللقب لشخص تغيب عن الفصول الدراسية واختبار التخرج. وحتى لو عرضوه عليّ، لكنت رفضته.
يمكننا تخطي فقرة المبارزة الاستعراضية بعد الحفل. ولا أعتقد أنني بحاجة للخوض في اعتراف الحب الذي تلقيته من باحثة عن المال واضحة أيضاً. يجب أن أكون قادراً على حذف الجزء الذي أخبرني فيه المعلم الرئيسي، جينيوس، بأنه سعيد لأنه أوصى بي بينما كان يمد يده للمصافحة، لأننا سنخوض تنويعات على تلك المحادثة لسنوات قادمة. كانت نورن لا تزال مسجلة في المدرسة، وأردت أيضاً أن تلتحق لوسي بهذه المدرسة بعد بضع سنوات. سأكون مديناً له بالفضل مرة أخرى قريباً.
سماع أن لوسي ستلتحق بالمدرسة قريباً جعل جينيوس عاطفياً لدرجة أنه انفجر بالبكاء.
حل الليل. تجمعنا جميعاً في حانتنا المعتادة. المناسبة؟ حفل وداع كليف. كان حفل تخرجي جزءاً منه، لكن بالنظر إلى أنني تخرجت دون إجراء اختبار أو أي شيء، لم أشعر بالكاد أن هناك أي شيء يستحق الاحتفال. ومع ذلك، قدرت هذه اللفتة.
سينطلق كليف إلى الأرض المقدسة لميليس خلال شهر واحد. وهناك، ستبدأ المعركة. ستكون معركة شخصية، وعلى هذا النحو لم أكن متأكداً تماماً مما كان يقاتله. ربما كان نصفها يمثله هو نفسه، لكن النصف الآخر كان لغزاً. قضى كليف العام الماضي يستعد لمواجهة… شيء ما.
ربما واجه انتكاسة على طول الطريق عندما وقع في فخ إليناليس، ولكن مع القليل من الرعاية والحب، تحولت تلك الكدمات إلى خبرة ومودة. الآن، بدا وكأنه يتوجه إلى الحرب.
“أعدكم بأنني سأصل إلى المراتب العليا في كنيسة ميليس. وعندما أفعل، سأعود بفخر لأحضر ليز وكليف إلى المنزل!”
استمعت إليناليس بذهول لهذا الإعلان. كانت قوية. كنت أعلم أنه في حالتي، لو أخبرتني روكسي أنها ستسافر إلى قارة الشياطين لتصبح ملكة الشياطين، لكنت تحطمت تماماً. كنت سأقلق حتى الموت من أن تتحول روكسي المشرقة بطريقة ما إلى ملك الشياطين الأحمق سيئ السمعة الذي لديهم بالفعل.
الإيمان بشخص ما بما يكفي لانتظاره أمر سهل القول وصعب التنفيذ؛ يمكنك توديع شخص ما بكل الآمال والنوايا الحسنة في العالم ولن يحميه أي من ذلك حقاً. وبدا أن إليناليس كانت تعرف ذلك وهي تحدق في كليف. لم يكن إيمانها أعمى؛ بل كان شجاعاً. إذا كانت لديها شكوك، فهي لن تظهرها بما يكفي ليلاحظها كليف.
مثل هذه الأوقات ذكرتني بأن سنواتها الطويلة علمتها بضعة أشياء. لم تصحح بعض افتراضاتي إلا عندما بدأ الحفل في الانتهاء.
“روديوس، هل يمكنني التحدث معك للحظة؟” طلبت مني إليناليس رؤيتها في الخارج.
كانت تقاطع “جنة الحريم”. كانت سيلفي تستخدم فخذي الأيمن كوسادة للنوم، وكانت روكسي تمتطي فخذي الأيسر بينما تحتسي المشروبات، وكانت إيريس تريح رأسها على كتفي الأيمن. كان لكل من يدي اليسرى واليمنى شيء ناعم لاستكشافه، ومع تدفق الكحول في عروقي، خطرت لي فكرة شيطانية حقاً. بدأت أحسب كيف يمكنني إدخال الثلاثة إلى السرير في نفس الوقت.
لكن.
“أوه… بالتأكيد.”
رؤية وجه إليناليس جعلتني أستعيد وعيي قليلاً. كان تعبيرها جاداً. غير مناسب لحفل.
كنت أعرف السبب. كما كنت أعلم أنني لن أكون مفيداً لها وأنا مخمور. تخلصت فوراً من تأثير الكحول.
“ماذا تفعل يا رودي… هل تخون؟ الخيانة سيئة… اجعل الخيانة معي فقط… ممم…”
أسكتُّ ثرثرة روكسي المخمورة بقبلة، ثم أنزلتها، وبعد ذلك…
“ممم، روديوس، فخذاك ناعمان للغاية…”
وضعتُ رأس سيلفي على حجر روكسي، وأخيرًا…
“روديوس… أريد لطفلي الثاني أن يكون صبيًا…”
وضعتُ إيريس على كتف روكسي… هكذا. نجحتُ في فصل زوجاتي الثلاث عني، ووقفتُ على قدميَّ.
“حسنًا، لنذهب.”
غادرتُ الحانة مع إليناليس.
كان الشتاء قد انتهى، لكن الثلوج في شاريا تميل للبقاء لفترة طويلة. ولم يكن البرد خارج الحانة مختلفًا. سيستمر هذا الصقيع لبعض الوقت.
“إذًا، روديوس، الأمر يتعلق بـ كليف. لدي معروف لأطلبه منك.”
لم تضيع إليناليس وقتها في الكلام. كان لدي شعور بأن الأمر سيكون متعلقًا بـ كليف. لقد قضت إليناليس العام الماضي في القلق أيضًا؛ فكيف لا تفعل؟
“أكره طلب هذا النوع من الأشياء من وراء ظهر كليف… لكن يجب أن أقول إنني قلقة قليلًا.”
لم يكن أنفاس إليناليس يتصاعد كضباب بسبب البرد فحسب. من وجهة نظرها، كان كليف لا يزال طفلًا. كانت تحبه كزوجها بالطبع، لكن جزءًا من ذلك الحب كان يمتزج حتمًا بقلق أمومي، مثل ذلك الذي قد تشعر به تجاه ابن أو أخ صغير. إذا كانت تراه بهذه الطريقة، فبالطبع سيكون السماح له بالذهاب بمفرده أمرًا صعبًا.
“إذًا، هل يمكنني أن أطلب منك الذهاب معه؟”
“هل أنتِ متأكدة؟” سألتُها مندهشًا. ظننتُ أن إليناليس تحترم قرار كليف.
“عليك فقط مراقبته في البداية… من المهم بالنسبة له أن يجد إيقاعه الخاص، أليس كذلك؟ أعلم أن كليف قادر على فعل ذلك، لكن الاندماج، خاصة عندما يكون لدى الجميع بالفعل أصدقاؤهم الصغار، ليس أقوى مهارات كليف…”
لم تكن مضطرة لمعاملته كطفل خجول. لكن مهلًا، من ناحية أخرى، لم تكن تقول هذا من فراغ؛ فـ كليف قد يكون هكذا بالفعل. وبالنظر إلى أنه لم يكوّن صديقًا واحدًا غيرنا طوال فترة وجوده في الجامعة، نعم، وجهة نظرها صحيحة. أستطيع تخيل كليف وهو يصل إلى الأرض المقدسة لـ ميلس ويجد نفسه وحيدًا تمامًا في بلد كبير، منبوذًا من أقرانه، صغيرًا ومع ذلك عازمًا على بذل قصارى جهده…
تبًا، شعرتُ بدموعي توشك على الانهمار.
“لكن تذكري، لقد وعدتُ بألا أساعده.”
أردتُ لـ كليف أن ينجح. أردتُ له أن يرتقي في صفوف كنيسة ميلس إلى أعلى مستوى ممكن. هذا لا يعني أنه يحتاج للوقوف في القمة تمامًا. أردتُ فقط أن يصل إلى أبعد ما يطمح إليه. كان هذا غير مرتبط بجمع الحلفاء لـ أورستيد؛ كان هذا حلم صديقي، وكنتُ أشاركه إياه.
لكن الحلم كان أن يحقق ذلك بنفسه، لذا لم أستطع مساعدته. ربما لم يقل ذلك بكلمات صريحة، لكن هذا كان المعنى الضمني عندما وافقتُه الرأي قبل عام.
“ألا يوجد أي شيء يمكنك فعله؟”
“…”
“البداية فقط ستكون كافية، حقًا. لن تضطر للتدخل، مجرد تقديم نصيحة له إذا تعثر ستكون كافية…”
“همم.”
لم أكن لأعطيها ذلك الكلام عن “الوعود بين الرجال”. كنتُ قلقًا بشأن كليف أيضًا. كان يمتلك القدرة، لكن لديه نقاط ضعف، وإحداها كانت سيئة بما يكفي لتعيقه على الفور. لم أرغب في رؤية كليف يفشل دون أن يتمكن حتى من استخدام نقاط قوته.
بهذا المعنى، ربما لن تضر دفعة صغيرة هنا أو هناك. لن يعجب كليف بالأمر، لكن مهلًا، يمكنك القول إن موارد أصدقائك هي امتداد لمواردك الخاصة. ويمكنك أيضًا القول إن الصديق الذي يساعده في وقت الحاجة هو مجرد شيء آخر اكتسبه كليف من حياته في المدرسة؛ وفي هذه الحالة، سيُظهر ذلك مدى قوته التي أصبح عليها إذا ساعدتُه. لن أبالغ في مساعدته بالطبع. كان مفتاح هذا المسعى هو اللمسة الخفيفة. “…”
حسنًا، لقد أقنعتني.
حسنًا، ماذا عن تجنيد الحلفاء؟ كنتُ أخطط للعمل في مملكة التنين الملكي بينما يكون كليف في ميلس. لقد أبلغتُ ايشا بالفعل. كانت تلك الاستعدادات جارية بالفعل. هل سيسبب تغيير المسار إلى ميلس أي مشاكل…؟
ربما سيكون من الصعب إنشاء متجر زانوبا وبيع تماثيل لـ
عرق الشياطين داخل الأرض المقدسة لـ ميلس، حيث سنكون على أعتاب كنيسة ميلس مباشرة. لكن يمكنني إنشاء فرع لفرقة المرتزقة بينما أكون هناك. يمكننا تأسيس تلك الفرقة المحلية لجمع الأفراد والمعلومات، ثم انتظار نجاح كليف والعودة لاحقًا لإطلاق المتجر.
“حسنًا، سأذهب إلى ميلس أيضًا.”
“أوه! شكرًا جزيلًا لك، روديوس!”
بالتأكيد أرادت إليناليس الذهاب بنفسها. أرادت ترك كلايف في رعاية عائلتي ومساعدة كليف في تجاربه في الأرض المقدسة لـ ميلس. لكن لا بد أنها قطعت وعدًا بتربية كلايف في المنزل أثناء انتظار عودة كليف.
“اسمحي لي أن أقول شيئًا واحدًا، مع ذلك: سواء ساعدتُه أم لا، سيكون ذلك قراري أنا.”
“بالطبع، هذا كل ما أطلبه.”
وضعت إليناليس يدها على صدرها وتنهدت بارتياح. إنها حقًا ستفعل أي شيء من أجل زوجها، أليس كذلك؟ لم أكن غير راضٍ عن زوجاتي الحاليات… لكن اللعنة. كان كليف رجلًا محظوظًا.
سرعان ما انتهت حفلة الوداع. حان الوقت لأجر زوجاتي الثلاث المخمورات إلى المنزل وأضع كل واحدة منهن في سريرها.
كان الأطفال نائمين بعمق بالفعل؛ وبفضل ليليا وايشا تمكنت من الخروج والترنح دون القلق بشأن الصغار في المنزل. شعرت أنني مدين لها بكلمة تقدير، فعدت إلى غرفة المعيشة لرؤية ايشا. وفي أثناء ذلك، كان علينا مناقشة طلب إليناليس. لقد كان وقتاً مناسباً لمراجعة خطط توسيع فرقة المرتزقة (المعدلة) مع ايشا.
مع ذلك، دخلت غرفة المعيشة لأجدها مغطاة بجو متوتر. كانت نورن هناك، التي غادرت حفلة الوداع في منتصفها. وكانت ليليا وايشا، اللتان كانتا تراقبتا المنزل، موجودتين أيضاً. كان الثلاثة يقفون حول المكان، وعلى وجوههم نظرات جادة تخيم على ملامحهم.
“هل حدث شيء؟” سألت.
“أوه، أيها الأخ الأكبر…” قالت ايشا. “هنا، انظر إلى هذا.”
أمام الثلاثة كانت هناك رسالة واحدة. التقطتها. كان المرسل مكتوباً عليه “بيت لاتريا”.
تذكرت ذلك الاسم. كانت عائلتي من جهة زينيث. بدا الأمر وكأن رسالتي قد تلقت أخيراً رداً من مسافة بعيدة في دولة ميليس المقدسة. لاحظت أن الظرف قد فُتح بالفعل على الرغم من أنه كان موجهاً إلي، لكن ذلك كان لا بأس به. نظرت إلى الداخل لأجد رسالة من صفحة واحدة.
“بخصوص مراسلاتك حول حالة ابنتي، زينيث، التي تعاني من ضعف في الوعي: آمرك بإحضار زينيث إلى بيت لاتريا فوراً. وإذا كانت نورن غرايرات وايشا غرايرات حاضرتين، فعليهما المجيء أيضاً.”
—كونتيسة لاتريا، كلير لاتريا”
كانت رسالة قصيرة جداً. أعني، بالتأكيد، لم تكن تدور حول الموضوع… لكنها بدت حادة أكثر من اللازم لتعتبر رسالة.
كان هذا مرسوماً.
“بعد كل هذا الوقت، أنتِ…”
توقفت قبل إنهاء تلك الجملة. بالتفكير في الأمر، كان قد مر حوالي خمس سنوات منذ أن أرسلت تلك الرسالة لأول مرة. كانت دولة ميليس المقدسة بعيدة جداً من هنا، حيث تستغرق الرحلة في اتجاه واحد أكثر من عام على ظهور الخيل. لم تكن الخدمة البريدية هنا تعمل على مدار الساعة بالضبط. كان من الممكن أن تنتهي الرسائل في زاوية منسية من العالم قبل أن تصل إلى وجهتها. كما كان من الممكن دائماً أن يتعرض الرسل للهجوم من قبل الوحوش، لذا كان هناك دائماً احتمال ألا تصل الرسائل على الإطلاق. مع وضع ذلك في الاعتبار، ربما كانت خمس سنوات استجابة سريعة بشكل معقول.
“همم؟ انتظر، هل هذه هي الرسالة بأكملها؟” سألت.
“نعم، هذا فقط،” أجابت ليليا. لم يبدُ أن هناك طرداً ثانياً كانوا يخفونه عني.
“أرى…”
مقتضبة جداً بالنسبة لرسالة ستستغرق سنوات لتصل إلى متلقيها. انتظر، هل كان هذا هو سبب قصرها؟ بالتأكيد كان بيت لاتريا يعرف الرحلة الطويلة التي ستقطعها هذه الورقة. بالطبع! لقد كتبوا رسائل متعددة للتأكد من وصول واحدة إلينا. وإذا كان النص القصير والآمر يهدف إلى ضمان عدم انتهاء كل ذلك الجهد بسوء فهم، فإن الأمر كله منطقي. كانت النبرة القوية تعبر فقط عن لهفتها لقدومنا.
راضياً باستنتاجاتي، التفت إلى أختي اللتين… لم تصلا إلى نفس الاستنتاجات.
“هااا…”
“الجدة… هي لا تتغير أبداً، أليس كذلك؟”
تنهدت نورن بإحباط واضح، بينما نظرت ايشا إلى الرسالة بعيون فارغة وخاوية. بدتا وكأنهما لا ترغبان في رؤية ذلك الاسم مرة أخرى أبداً.
إذاً. كانت كلير مجرد نوع من الأشخاص الذين يكتبون بهذه الطريقة.
“…”
نظرت لأجد أن ليليا أيضاً بدت قلقة. هل يمكن أن تكون كلير سيئة إلى هذا الحد؟ لم أقابلها قط، لذا لم أكن أعرف.
“سيدي، ماذا تنوي أن تفعل؟” نظرت ليليا للأعلى لتسألني.
كنت عازماً. كنت أبحث عن عذر جيد للذهاب إلى ميليس، ثم سقط هذا في حجري. ضربة حظ.
“أعتقد أنه يجب علينا فعل ما تقوله الرسالة وأخذ أمي إلى ميليس.”
“…”
“…”
تبادلت أختي وزوجة أبي نظرة. أعتقد أنني اخترت الإجابة الخاطئة. من كانت هذه الشخصية كلير أصلاً؟ نعم، كانت الرسالة فظة للغاية، لكنها علمت أن ابنتها فقدت ذكرياتها وكانت في حالة شبه واعية. أي والد لن يطالب برؤية ابنته وهو يعلم أنها مرت بذلك؟
كنت متأكداً من أن عائلة لاتريا كانوا يبحثون عنها أيضاً. ربما كانت زينيث ابنة ضالة قليلاً بالنسبة لهم، ولكن وفقاً لـ بول غرايرات، فقد استثمروا الكثير من المال في فرقة البحث والإنقاذ في فيتوا، لذا كنت مديناً لهم بذلك. وبالنظر إلى أنهم بدوا وكأنهم يتمتعون ببعض القوة داخل دولة ميليس، فقد كان من المفيد لي مقابلتهم.
“حسناً، أظن أننا سنذهب إلى ميليس في مرحلة ما، لذا قد نضرب عصفورين بحجر واحد. يبدو أنها محطة مثالية بينما نحن هناك من أجل العمل.”
“هاه؟ انتظر، أيها الأخ الأكبر، تمهل،” قاطعتني ايشا على عجل. “ألم نكن سنذهب إلى مملكة التنين الملكي الشهر المقبل؟”
بالطبع، كانت تلك هي الخطة. أردت بناء فرقة المرتزقة في مملكة التنين الملكي، وإقامة علاقات مع إله السيف راندولف والملكة بينيديكت، والحصول على الرعاة اللازمين للحفاظ على متجر زانوبا. وأردت من ايشا مساعدتي في القيام بذلك.
تماماً كما حدث في مملكة أسورا، سأحتاج إلى مرافقة ايشا لي لتأسيس فرع لفرقة المرتزقة. ستكون ايشا ومهارتها البارعة في التوظيف مفتاحاً لترتيب كل شيء. سيكون الشهر الأول مخصصاً لضبط كل التروس الصغيرة في مكانها، بينما سيكون الشهر الثاني مخصصاً لكي تتركها ايشا تعمل ببطء حتى تسير الأمور من تلقاء نفسها. كانت تمتلك لمسة سحرية في هذا الأمر.
“بالنظر إلى محتوى الرسالة، أعتقد أنه ينبغي لنا الذهاب في أقرب وقت ممكن. اعتبري الأمر أولوية لزيارة ميليس… وإلقاء التحية على الجدة بينما نحن في الجوار.”
“آه…”
عبست ايشا بضيق شديد. ربما أصبحت بالغة منذ بضعة أشهر، لكنها لم تنتهِ من هذه التصرفات بعد.
فجأة، وقفت نورن.
“أخي… أنا لا أريد الذهاب،” قالت نورن.
قالتها بصوت عالٍ وواضح. لم تقل “لن أذهب”، ولم تقل “لا أستطيع الذهاب”، بل قالت “أنا لا أريد الذهاب”. ولم تعبس مثل ايشا؛ بل كانت ملامحها صارمة.
“هذا وقت مهم لدراستي ولمجلس الطلبة. لا يمكنني تحمل إفراغ جدول أعمالي لعدة أشهر.”
“حسناً… أجل، هذا منطقي،” اعترفت. ربما تخرجت أنا، لكن نورن كانت
لا تزال في عامها الأخير. كان عليها أن تحضر دروسها، وتؤدي اختباراتها، وتحصل على تخرج حقيقي لعام واحد حاسم آخر. على عكسي، قضت نورن سنواتها الست الأولى في المدرسة وهي تحضرها فعلياً. ترك ذلك الآن سيهدم كل ما عملت من أجله.
“آه، أخي الأكبر. أمم… أوه أجل، الأرز. لدينا حصاد كبير قادم من ذلك الأرز الذي تحبه، لذا لا يمكنني الذهاب!”
بدت ايشا وكأنها اختلقت ذلك في اللحظة نفسها. كان عذراً واهياً حقاً—فقد وظفت ايشا بالفعل أشخاصاً من فرقة المرتزقة لبناء حقول الأرز تلك في الضواحي ثم زراعتها. كنت أعلم أيضاً أنها وظفت مديراً ليتولى كل شيء وأن ايشا نفسها لم تعد تذهب إلى هناك. كنت أعرف كل شيء.
كان بإمكاني الإشارة إلى هذا وإجبارها على المجيء، لكن ايشا كانت متقلبة في عملها. جرّها معي سيجعل مزاجها سيئاً، وحينها ستصبح عبئاً عليّ بدلاً من أن تكون عوناً. لكنني أيضاً لم أكن لأستطيع فعل الكثير لتأسيس فرقة المرتزقة إذا لم تأتِ معي. لم أكن أستطيع القيام بما تفعله هي…
أوه، انتظر. مجرد كونها في ميليس لا يعني أنها مضطرة لزيارة كلير، أليس كذلك؟
“حسناً، ايشا. إذا كنتِ ترغبين في تجنبها بشدة، فلن أجبركِ على رؤيتها. لكن على الأقل تعالي معي إلى ميليس. سنزور عائلة لاتريا أنا،
وليليا، وأمي، حتى تتمكني أنتِ من التركيز على فرقة المرتزقة.”
“هورا! شكراً لك يا أخي!”
ابتسمت ايشا من الأذن إلى الأذن. واو. يا له من رد فعل. هل كانت تكره كلير إلى هذا الحد؟
عند التفكير في الأمر، كانت ليليا هي من تسمح لايشا بالإفلات من ذلك. عادة، كانت ستوبخ هذا النوع من المشاكسة بضربة على الرأس.
“مفهوم يا سيدي. سأرافقك.”
حنت ليليا رأسها ببرود كعادتها، لكنني شعرت أنها لا ترغب في رؤية كلير أكثر مما ترغب ايشا. وبالنظر إلى وضعها، لم أستطع لومها: كانت زينيث من أتباع ميليس، مما يعني أن والدتها كانت كذلك بالتأكيد. لم أكن أعرف ما الذي يعتقده أهل ميليس بشأن تعدد الزوجات، لكن بالنظر إلى أن تعاليمهم تحظر هذه الممارسة صراحةً، لم أعتقد أنهم سيستقبلون أي زوجة بعد الأولى بترحيب حار.
“شكراً لكِ مقدماً يا ليليا.”
“أوه لا، أنا أقوم بعملي فحسب.”
كانت رعاية زينيث وظيفة بدوام كامل. يمكن لليليا وايشا المساعدة؛ وإذا لم تأتِ إحداهما معي، فسنكون في ورطة.
“حسناً، ايشا. بعد أن انتهينا من ذلك، هل يمكنكِ البدء في تغيير وجهتنا إلى دولة ميليس المقدسة؟”
“حاضر. متى سننطلق؟”
“همم، دعيني أرى…”
لماذا لا نتزامن مع موعد مغادرة كليف؟ لم نكن مضطرين لذلك، لكن كانت هناك مسافة لا بأس بها يجب قطعها بين دائرة الانتقال الآني وميليس نفسها. لن يُعتبر ذلك “مساعدة” له، لذا قد نذهب معاً.
“ما رأيك بعد شهر من الآن؟”
“مفهوم.”
مع ذلك، جدتي، هاه؟ تساءلت أي نوع من الأشخاص هي. كان عليّ أن أعترف بأن ردود فعل نورن وايشا جعلتني خائفاً قليلاً من معرفة ذلك.
***
إذن، تغيرت الخطط: لن نذهب إلى مملكة التنين الملك بعد الآن. سنقوم الآن ببناء فرعنا القادم لفرقة المرتزقة في دولة ميليس المقدسة.
تذمرت ايشا طوال الوقت، لكنها قامت بالتحضيرات رغم ذلك. بدأت العمل على صياغة وإعادة تقديم الأوراق التي كانت تشير سابقاً إلى مملكة التنين الملك بحيث تنطبق الآن على ميليس. وبحسب ما رأيت، كانت تفصل أنواع الموظفين الذين ستحتاجهم في كل بلد.
لم يكن لدينا موطئ قدم في حكومة الدولة هذه المرة، لذا فإن أي شيء أردنا القيام به—مثل التوظيف—سيكون عملية طويلة. في الوقت الحالي، وضعت هدفاً زمنياً بحوالي نصف عام. بمجرد أن نقضي تلك المدة هناك، يمكننا تقييم ما إذا كنا قد حققنا شيئاً بالفعل، أو إذا كان الأمر مضيعة للوقت.
قررت أن أذكر الأمر لكليف أيضًا. فبمحض الصدفة، كنت مدعوًا إلى منزل عائلة زينيث، لذا اقترحت عليه الذهاب معًا. ابتسم كليف ابتسامة خفيفة، لكنه لم يبدُ منزعجًا.
“كان لدي شعور بأنك ستجد سببًا لتصطحبني معك.”
وهكذا كان الأمر. كان رد فعله مريحًا للغاية، وبشكل غريب. تساءلت عما إذا كان كليف قلقًا بالفعل، وكأنه شعر بالتجاهل لأنني أصررت على اصطحاب زانوبا في المرة السابقة بينما لم أقل شيئًا عندما جاء دور كليف. وكأنه يخشى أنني لا أعتبره صديقًا مقربًا بما يكفي.
هيا يا كليف، يا صديقي العزيز، أنت تعلم أن الأمر ليس كذلك.
في المجمل، كنا أربعة أشخاص متجهين إلى ميليس مع كليف: ايشا، وزينيث، وليليا، وأنا. غياب ليليا وايشا سيجعل المنزل يفتقر بشدة إلى مقدمي رعاية مهرة، لذا بقيت سيلفي في المنزل. وقالت روكسي إن لديها ذكريات سيئة مع دولة ميليس المقدسة لكونها من الشياطين، لذا بقيت هي الأخرى.
أرادت إيريس الذهاب، لكن ليليا عارضت ذلك بشكل قاطع. قالت إن من الأفضل إبقاء السيدة إيريس بعيدة عن عائلة لاتريا لأن الأمر سينتهي حتمًا بنزاع. كنت متشككًا في ذلك، لكن من الطريقة التي وصفتها بها ليليا، أدركت أن هذه السيدة كلير من عائلة لاتريا تبدو شخصية صعبة للغاية. كان بإمكاني بالتأكيد فهم سبب كون إيريس خيارًا غير مناسب لهذا الموقف. لم تكن إثارة غضب عائلة زينيث فكرتي عن المتعة، بالإضافة إلى أننا سنضطر لاصطحاب رضيعتها الجديدة في تلك الرحلة الخطرة. وهكذا، رضخت إيريس للأمر.
كانت هذه رحلة نادرة لن تنضم إليّ فيها أي من زوجاتي… لكن مهلًا، هذه هي الحياة. وهكذا استمرت استعداداتنا، حتى جاء يوم، قبل وقت قصير من موعد رحيلنا، أدى فيه إدراك مذهل إلى تغيير الخطة.
سيلفي حامل.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.